مركز علاج الاورام فزان .. الساعة الواحدة .

       طرف حي عبدالكاف بمدينة سبها .. لوحة ارشادية ” هنا مركز علاج الاورام ” .. ادرنا مقود السيارة يمينا .. وعبر ممر ترابي .. نهاية الشارع الطويل .. مبنى المركز .. ولجنا السور الخارجي .. عند المدخل سلالم رخامية نظيفة .. حديقة صغيرة يمين .. الواجهة .. صالة الاستقبال يمينا .. صالة الانتظار يسارا .. كراسي جديدة ومريحة .. لا تزال حديثة الاستخدام كما كل مقتنيات المركز .
   
     في صالة الانتظار .. مرضى يتململون .. اليوم الخميس .. وموعد مع الطبيب الزائر للمركز .. طال انتظار مباشرة الطبيب استقبال الحالات .. الساعة الواحدة ظهرا .. تداول الهمس .. الطائرة تصل مطار تمنهنت الثامنة والان الساعة الواحدة .. كم سننتظر .. فيما بعد .. همس مسئول .. الطبيب في اجتماع بالدور العلوي .. احد نواب الجنوب في زيارة تفقدية للمركز .. ضم اليه الطبيب الزائر … قال احدهم .. ( واللي ضانه خفف اترابه عني .. استشوى تراب الهم زاد رشادة ) .. يوم جاء الطبيب .. جاء نائب .. خطفه . وما دخل الطبيب في السياسة .. الان الساعة الواحدة .
     وقال اخر : ماذا سيقول لهم وهو يوزع الامال كمن سبقوه .. سوف نضع المركز واحتياجاته ضمن اولوياتنا .. ويعدهم بالدعم القريب وتوفير النواقص الحرجة في اقرب فرصة .. كالابر .
    وقال اخر : ” جاي للعيد .. وبالمناسبة زيارة تفقدية .. مستشفى .. مدرسة .. وصور .. حتى ما يقولوا .. غاب معاد روح .. ويا حياة .. لزيارة عيد الاضحى .. وموعد الانتخابات القادمة ” .
     وقال اخر : بعض الشيء ولا كله .. افضل من غيره .. لا يزال يسأل عنا .. وعسى .. ” رشاده في وشكه .. صابت وإلا خابت ” .. لو بس .. اجل زيارته .. جاء يوم ثاني .. الخميس الطبيب محجوز .. لموعد اهم .. هناك اخرون .. يتوجعون ويتململون .. وينتظرون في صمت .. ووافقه اخر : الخشية ان ينتهي بنا الحال .. وعود سراب وقد تأجل موعد مقابلة الطبيب للخميس القادم .. و” لانا بالزوزه ولانا بالثريا .. واجد ” .
   
     وهمس مسئول المركز ثانية .. وكان افضل لو بيده شيء .. ان كلل زيارته برزمة من الابر .. نحن هنا في المركز قلما تصل الينا .. وان حدث .. كمية يسيرة بعد طول امد ورجاء .. نقدمها لمرضانا مجانا .. كل حسب دوره وحظ موعده .. وعندما تنفد كما هو الحال في معظم الاوقات .. كل ما نقوم به حقن المريض .. اما تدبير الابرة في موعدها .. شأن المريض .. نعرف ان سعرها بلغ العشرة الاف دينار .. ووجدت مريض حان موعده واضطر لشرائها .. وخمسة الاف دينار .. والفا دينار .. وان سوقها رائجة .. واتجار على حساب فئة قدر لها ان كلفة الدواء لشفائها عالية القيمة .. ولا ادري لما المنظمات الانسانية والصحية ، المحلية منها والاممية .. لا تستطيع ان تصل الينا .. من واجبها دعم الجهود لتامين حصول هذه الفئة على الدواء بيسر .
   
  المركز حديث العهد .. تمت صيانة المبنى من الداخل بإتقان .. مرتب انيق .. 8 حجرات لايواء 16 مريض .. حجرة الحقن .. مختبر .. جهاز كشف موجات .. حجرات الاشاعة المقطعية .. مولد كهرباء كاف لتدوير مرافق المركز .. هذه الايام الكهرباء قلما تاتي .. الانقطاعات المتكررة متفاوتة المدد .. وصيف فزان القائظ .. لكن التكيف هنا بصالة انتظار المركز يعمل بصورة جيدة .

نحو فزان .. معايدة

DSCF7008

   

    التفافة حول ارخبيل غرب طرابلس .. نحو فزان .. قصر بن غشير .. السبيعة .. غريان .. هاجس البنزين يؤرقتا .. البنزين متوفر .. المحطة القادمة .. ابو الغرب .. البنزين متوفر ..  سيارة واحدة تتزود  .. القريات .. محطة الاستراحة متوقفة .. وفي الجانب شاحنة نفط .. تفريغ .. المحطة الفوقية .. زحام .. وفي الشويرف بعد 90 كم .. طابور طويل ينتظر دوره .

       الان حلت القيلولة .. واشتد وطيس الشمس .. امامنا 290 كم .. لنصل ” براك ” .. في هذا الهجير القفر .. اشبه بعراة على ظهر تيوتا يترنحون .. السرعة قاتلة .. القيلولة وقتا مناسب للعبور .. هؤلاء الافارقة رافة بهم تحت وهج شمس فزان الحارقة .. حرقة الصحراء .

      قال شرطي البوابة .. صائمون يلهتون وراء لقمة عيش .. قطعوا المسافات الطويلة ليصلوا الى بلادنا .. ضيف عابر .. وسؤال الضعيف الجائع .. اليوم الثالث .. وانا لست قاطع طريق .. يلهتون للحاق بثرواتهم القديمة .. قطع الاعناق .. ولا قطع الارزاق .. ايواء الفقير الملهوف .. والبر بالضيوف .. جلهم فقد رفاق على طريق عبورهم صحن الصحراء الكبرى .. ليتهم يعبرون في ظروف افضل .. لا نريد لهم ان يعبروا فزعين . – هذا الحشر القطر لاكوام اجساد البشر .. يجب ان يختفي .. لما لا يعبروا بسلام .. على اوربا ان تسألهم عندما يصلوا اليها .. لماذا هم يريدون الذهاب اليها ؟ .. وان تستوعبهم .. هي معضلة اوربية .. اوربا لا ترى إلا طريق وحيد للحل .. ابعدوهم  ..  تكرر المشجب القديم .. ” نحن نرصد تخطيط  مقاتلي داعش للانتقال لاوروبا عبر قوارب الهجره غير المشروعه .. ليبيا بوابه عبور الدواعش الي اوربا ” .. فيما يجب عليها تحمل نفقات وصولهم اليها .. وانه من الواجب الانساني دعم جهود تامين سبل عبورهم في ظروف افضل .. حفاظا على حياتهم .. ما يقتضي تحديث اسطول النقل الليبي .. كي لا تتكرر مشاهد قوارب الموت .. وان يصلوا الى الشطآن الباردة .. منتهى احلامهم .. بسلام .. .. وليبيا الان .. عبروا اليها ترهبونها.. وتعالج عبورهم اليها ..  مهتمة بعابرين من نوع اخر .. يحملون البنادق .. ويقطعون الرؤوس .. ولا يجب ان يحمل هؤلاء الجوعى وزر داعش .. وداعش تباغث العالم اجمع .. كل صباح .. في كل مكان . ومن يدري .. ” لعل الاوربيين منهمكين في ما هو  اهم .. ويعتزمون  ارسال قوراب لانقادهم ” .

     خلال رحلتنا السبع سعات جنوبا .. قابلنا قرابة عشرون شاحنة محملة  .. بال البرسيم .. متجهة شمالا .. قال رفيقي .. يبدو سوق البرسيم بين الجنوب والشمال .. مربحة رائجة .. واكثر من سوق الدلاع والعنب .. في كل بوابة نزل دلاعتين ثلاثة .. وقابيتين عنب .. وبين كل بوابة وبوابة بوابة .. وبين كل ارخبيل وارخبيل ساتر ترابي وبوابة .. يوصل طرابلس الكانتر تصفر .. يبرم ويروح .. لكن بالة تبن وانت مروح فارغ .. اسلم .. شن بيقولك نزللنا بالتين تبن والا ثلات .. نزله خمسة .. ولا تراح الكانتر بتبنها .

DSCF6981

قرية ” مزدة “

DSCF7005

سوق قرية ” ابو الغرب “

DSCF7007

DSCF7015

   محطة وقود استراحة ..قرية ” القريات ” 

abed alzedany   استراحة القريات منتصف المسافة بين طرابلس في الشمال وسبها وسط الجنوب بطول 800 كم مررت بها عام 2012  ووجدت كل شيء قد لحقه الدمار . الفندق على اليمين وخلفه في الصورة المسجد . نهب اثاتهما وكل التجهيزات واصبحا خواء وخلاء .قبل ايام عدت الى هناك وقد عادت الحيوية للمكان وتمت صيانته

DSCF7020

قلعة القريات الاثرية

        عيادي وسنين دايمة ..  من بين المحطات العديدة المغلقة .. محطة وقود .. عائلات تنتظر .. والحال حال صيام .. واخيرا .. محطة تتوفر على الوقود .. يا لحظنا  .. متى يزاح ساتر الدخول .. الى حين اتمام العمال من صلاة العصر جماعة  .. انتظرنا .. ثم ادر مقود السيارة خارج الطابور .. وقال :  لنواصل سيرنا .

  DSCF6978

المشاشية الجهاد

 

DSCF7001

الزنتان الوفاء

DSCF7027

قرية الشويرف .. 

DSCF7028

قرية الشويرف

DSCF7024

1902765_913539702064757_2585533861546636796_n

DSCF7036

  والمشهد الكئيب لحطام الابراج يشي  برغبة في التدمير .. اكثر منها رغبة في اكتناز اسلاك معدن النحاس الثمين بالسوق السوداء  

DSCF7041

مدخل مدينة براك ..  النمر الاسود .. مقرحي .. براك الشاطئ ..  

DSCF7044

DSCF7048

طريق براك سبها 

   وصلنا فزان ..  تحت ضوء قنديل ينبعث منه نور ضئيل .. وكانت الشوارع خاوية .. والكهرباء مقطوعة .. حسرة  في لون الحروف والكلمات .. والهمسات والنبضات .. قال رفيقي  .. لم يحدث أن تبنى شعب أفكار سقراط وفرويد وسبينوزا وراسل وتوماس باين وبنجامين فرانكلين ثم سقط في مجاعة أو حروب أهلية أو صراع طائفي .. تنوير .. كان ابن رشد نقطة النهاية للحضارة العربية . ومحطة انطلاقة للحضارة الغربية ( يقول رسل ) .. احرقت كتب ابن رشد ولاحقته التهم .. بموته انتصرت مدرسة النقل السلفية الأشعرية ، مدرسة إبن تيمية والغزالي وتم القضاء على مدارس الرأي ، المعتزلة تحديدا .. وذاع صيت كتاب تهافت الفلاسفة .. وانقرض ذكر كتاب تهافت التهافت .

DSCF7050

         حديث الخطيب عن فضل الصدقات مباشر عبر المرئية  .. وزوجته تتابع الخطبة بالمنزل .. طرق الباب راقد ريح .. تصدقت له بالغذاء . عاد  للمنزل .. اين الغذاء  .. سمعت خطبتك عن اجر الصدقة .. والمتصدقين ..تصدقت به .. تحسر وقال لها : ” عليهم مش علينا “

       وذهب الى الحج يمحو ذنوبه القديمة ..   والتقط صورا لنفسه وهو يرجم الشيطان من شرفة الشخصيات المهمة ، بينما يموت الفقراء مدعوسين تحت قدميه .. ذهل  الشيطان .. وناله العجب .. فرك حاجبيه مرتين .. وقال له ” حتى انت جئت لترجمني .. هذا .. ما لم اتوقع منك “

DSCF7051

 

      صمت رفيقي طويلا .. وظل يهمهم .. ان كان هناك من امل فإنه يكمن في العامة .. في رحلة الشتاء والصيف .. كنت اسير بين اكواخ تصطف محطمة الابواب تطل مباشرة وكأنها جحور جردان ..  وكنت ارى بركا من الماء القذر هنا وهناك .. مداخل الابواب المعتمة .. الازقة الضيقة .. وكانت اعداد هائلة من الناس تتكوم .. ونساء مترهلات يسرن متهاديات يمشين على مهل .. ونساء عجزة يسرن على اقدام مفلطحة ، واطفال في ثياب مهلهلة واقدام حافية يلعبون في برك الماء الآسن .. رغم سماعهم لصيحات غضب امهاتهم .. لكن اعلم .. من السهل ان تنتقد الاخرين طالما ليس عندك من المشاكل ما عندي .

ماذا اقرأ الان ؟

ماذا اقرأ الان ؟
   اقرأ حوار فايدروس وسقراط على لسان افلاطون ، وايهما اولى بالشفقة .. من احب ، ام من لم يتورط في الحب ؟
    على ضفاف البحيرة .. ظل ونسيم عليل .. تعال نستلقي على الحشائش .. نمرن ذاكرتنا .. ألا يروقك الهواء هنا ؟ أليس رقيقا الى ابعد حد ؟

  لقراءة المزيد

القائد العزيز

    جار وقلب ظهر المجن .. وجلب المحن .. تنكب ظهر دبابة .. وأعلنها غابة .. اغتصب السلطة .. فكانت ورطة .. اما وقد اخذته العزة بالإثم .. وحل زمن النقم .. تمرس في التشفي بمعاناة شعبه الغريق .. حملات التطهير والتدقيق .. والأمن الشعبي والتحقيق .. ونفوس مرعوبة كل في شأن .. وفي امن واطمئنان .. قد لا يكون هناك جنود يقرعون بابنا ، ولكنهم موجودون في رؤوسنا ، وعلينا محاربتهم طوال الليل .. ستؤدي نفسك اذا عرفت الكثير .. وتجب طاعة القادة ليس لأنهم عادلون ، بل لأنهم قادة .. حتى وان طال الرجاء .. واستعصى الداء .. ونضب الدواء .

 لقراءة المزيد 

افريقيا .. الفقر والفساد وجه واحد

ز10

           احد الرعاة يتحسر على قطيعه الذي نفق جوعا .. فقرالارض والناس .. غياب المطر .. غياب الدعم الحكومي للاقليم وقت الازمات .. القحط مع امتداد رقعة التصحر .. الضحية قطعان الماشية .. مصدر الرزق المعتاد لغالبية اهل اقليم ازواد شمال مالي .. في حين ترزح حكومة باماكو هذه الايام بلملمة فضائح الفساد والنهب لمسئولين كبار .. والمتهمة بأنها ارهقت خزينة البلاد المثقلة بالأزمات الاقتصادية .. والسياسية  .. هدرت ثروات البلد .. مزقت نسيجه الاجتماعي  .

      الفقر والفساد وجه واحد .. الفساد الذي هو العمود الفقري لأزمات الشعوب الافريقية عموما …. اضحى عادة افريقية ينال منها ساسة باماكو حصة وافرة .. ومنذ عام 2009 م .. حذرت منظمة الاغذية والزراعة الدولية (الفاو) عن المجازفة في حدوث كارثة .. القارة تباع بالمزاد العلني .. ورؤوس الاموال قد ابتلعت دفعة واحدة ملايين الهكتارات الافريقية .. كي يتم التنازل عنها لمدة عشرين او ثلاثين او تسعين عاما , وكأنها مستعمرات زراعية تباع مع من يقيم عليها من الناس الذين يعتمدون عليها في معيشتهم , من دون ان يكون لهم حق الاعتراض .. تماما كما كان عليه الحال زمن عبودية الاقطاع الزراعي والكنسي. وهو نمط استعماري يمتلك اليوم الوان ودولارات .. والأمر لم يعد هذه المرة متعلقا بالمواد الاولية , بل بالارض الغنية , الخصبة , التي تم العمل على فلاحتها منذ قرون بطريقة سطحية , بحيث يصار الى كشطها بالكاد ..  سيئول تمتلك مساحة تصل الى 2.5 مليون هكتار. الصين 2.1 مليون , العربية السعودية 1.6 مليون , الامارات 1.3 مليون.

     نماذج من اعتى الامبراطوريات الجديدة التي تعمل تحت اسم المشاريع الزراعية ..  الرؤساء من الخارج , ويستخدم المحليون فقط كقوة عاملة , بأجور زهيدة , ومروضين ; يبيع كل صاحب سمعة سيئة , النخب الفاسدة .. رؤساء متوجون بموجب استفتاءات شعبية تصل نسبة الموافقة فيها الى 99% , انهم اولئك الذين لم يشبع شرههم  اثراء حساباتهم في البنوك الاوروبية عن طريق النفط , النحاس , الذهب , والماس , فعمدوا الى بيع افريقيا بسكانها وتطلعاتها .. تسوق افريقيا يتم عبرعقود لا يتم الاعلان عنها , يشوبها الغموض مثل اسرار الدولة .. اجرة الهكتار في اثيوبيا ما بين 3 – 10 دولارات في العام .

    الحقيقة تقول انه مع بيع الارض يتم التخلي عن آمال الافارقة بالتغيير التي تولد متنكرة خلف قانون القدرة والطاقة الانتاجية لعبوديات جديدة .. بعد عدة سنوات سيكون عامة الناس الذين انهكتهم الحروب , بالتزامن مع القحط المتكرر بانتظام , شاهدين على شاحنات محملة بالقمح الجيد , وهي تمر امام حقولهم المجدبة والمحتدمة الجدب لكن لن يتمكنوا من الحصول على حبة واحدة , فهي مخصصة لسكان دول الاستثمار .. شركات تشتري دولا بأكملها من اجل تحويلها الى الزراعة الاحادية , المطاط , او الموز .. تشكل وتقيل حكومات , وتُعيّن وتعزل رؤساء .

     لزمن طويل ظل الفقر موضوعا مؤرقا للمنظمة الدولية ” الامم المتحدة ” ، كما هو مؤرق للشعوب التي ترزح تحت عباءتة . ورغم كل التحذيرات التي اطلقتها الامم المتحدة والهادفة الى محاربة الفقر بالعمل على تحقيق نمو اقتصادي كاف لمكافحة الظاهرة ، وبالذات في دول العالم البعيد عن التقنية ولغة الارقام .. إلا ان النتائج تتوالى عام بعد عام لتكشف اتساع الهوة بين دول العالم المتقدم والعالم النامي كما هي بين الاغنياء والفقراء على مستوى الشعوب والبلدان . وبارتفاع نسبة القابعين تحت خط الفقر .

     المعضل على ما يبدو اكثر تعقيدا ، فالطريق الى تحقيق الوفرة المنشودة يمر بتحسين مستوى اداء الاقتصاد على المستويين المحلي والدولي ، ولربما اعادة هيكلته بما يفئ بتحقيق توازن يقلص من تلك الهوة الشاسعة والفاصلة بين الفقراء والاغنياء . وهذه الرغبة قد تتطلب توازن ايضا في ادارة ثروات البلدان يستدعي مراعاة معاير شتى ، لعل ابرزها سيطرة الشعوب على مقدراتها بنفسها وتولي ادارتها لها بترشيد يستند لاجتهاد العقل الجماعي ، وهو ما يتطلب تمتع الشعوب بحق ممارسة السلطة والرقابة لحماية ثرواتها من هدر الايدي العابثة . وبمعنى ما فإن الفساد هو الخطر الحقيقي الاول الذي يهدد مصير الشعوب ومستقبلها ، وان التصدي له لن يتحقق ما لم تتحقق على المستوى السياسي حالة من التوازن في ممارسة السلطة تكون الشعوب هي من يملي مفاصلها ويؤسس دعائم اركانها .. ومتى ظل المطلب الاخير بعيد المنال . ستبقى اطروحات الامم المتحدة طي النسيان او حبيسة دهاليز ادراج المكاتب . وعند هذا الحد .. فلا جديد فيما قالت وما ستقول !!!

 

الجامعة العربية .. دار العجزة والمسنين

images

      العراق ، سوريا ، ليبيا ، اليمن ، تشتعل معا وفي وقت واحد .. والبقية .. حال مصر .. نار تحت الرماد تنتظر الفوران .. إيران تتحدى الخليج للهيمنة على المنطقة ..  تجاوب ايراني امريكي .. انحسار الدور الامريكي بوصفه الضامن النهائي للاستقرار .. كل هذا يحدث في وقت واحد .. يمكن للمرء أن يفكر او يتوقع من الجامعة العربية مسعى لإثبات وجودها ولتأكيد ذاتها .. لكن بدلا من ذلك ، اضحى هذا الجسم الرميم يتدحرج نحو انجراف الى العمق اكثر من أي وقت مضى .. على ما يبدو، وببساطة لا تحمل فكرة التجديد ، سوى اقالة الأمين العام الثمانيني ، وتنصيب اخر سبعيني .. ولا جديد .

       دورها الافتراضي .. تقريب وجهات النظر بين الاشقاء وتوحيد صفوفهم واستيعاب خلافاتهم .. لم يحدث ان خرجت باجتماع توافقي دون انحياز لطرف ،  ودستورها التصويت بالإجماع .. وكان يمكن لها ان تحدو حذو بسمارك موحد ألمانيا ، أو ان تعتبر بتجارب اخرى كالوحدة الايطالية .. لكنها لم تكن يوما جامعة عربية ، بقدر ما كانت مكتب جانبي لقسم العلاقات بوزارة الخارجية المصرية .

      تأسست الجامعة عام 1945 بالقاهرة عندما كانت مصر منارة للعلم والمعرفة .. وفي هذه الأيام ، فإنه بالكاد تجمع الطاقات للتوافق حول اختيار رئيس جديد .. وفي وقت سابق من هذا العام ، أصرت مصر على ترشيح آخر وزير خارجية لديها .. متقاعد وعاطل عن العمل ، أحمد أبو الغيط ، وفي العادة تجاري الدول العربية الأخرى المطالب المصرية بالإبقاء على المقر والرئيس ، ادراكا منها بأن لا دور لهذه المؤسسة يزيد عن لقاءات وحفلات مجاملات .. مع ان قطر قدمت التماسا تطلب فيه تجديد دماء الجامعة وتقديم الشباب بدل الكهول المتقاعدين من بقايا عهد مبارك المتصلب .

     المشاحنات العربية العربية والتوترات فيما بين رؤساء الدول العروبية  .. ليس شيئا جديدا .. والفجوة بين الخطاب والواقع لازمت معارك الجامعة منذ البدايات الاولى .. اغتصاب فلسطين عام 1948م ، كان بفعل غياب التنسيق الذي هو دور الجامعة .. بل انها فشلت في كل المحاولات الساعية الى توحيد أعضاء الجامعة ضد اسرائيل .

     ولكن الآن يبدو ان شيئا فاسدا ليس فقط في المؤسسة ، ولكن في الفكرة التي بنيت اطنابها عليها .. وبمعنى ما ” الدور الذي انيط بها عفا عليه الزمن ” ، فكرة القومية العربية قد ماتت .. وفاحت منها مع مرور الزمن روائح العنصرية النتنة .. بعدما افقدت العرب اقوام ناصروا قضاياهم ، وجمعهم تاريخ وعيش مشترك .. وهم شركاء لهم في الاوطان .. كالامازيغ مثلا .

      اقتصاديا ، رغم كل الوعود والاجتماعات والقرارات بتحقيق منطقة للتجارة الحرة العربية ، إلا انه لم يتحقق شيء أبدا .. وحجم التجارة وتداول راس المال بين الدول العربية اليوم .. أقل من 10٪ .

       سياسيا ، إسرائيل ، العدو المغتصب اللدود .. صار شريكا في السلام ثم اضحى حليفا .. وصارت الدول العربية اكثر قبولا لإسرائيل ، والسعي للتطبيع من تحت الستار بالأمس ، بات جهارا نهارا وفي العلن ، وسقطت شعارات مقاطعة الكيان الصهيوني ، ليحل بدلا عنها التطبيع ، والسلام الابدي ، وأبناء العم سام .. مع محاصرة الجيوب التي لا تزال يرهقها التعنت ، بل وصار من اليسير للاسرائليين الدخول الى بعض الدول العربية ، ومن الصعب على الفلسطينيين .. والسفارات الاسرائيلية ومكاتب التبادل التجاري وافواج السواح .. حدث بلا حرج .. ولعل من بين الاوصاف الصائبة للمشهد المترهل ما قاله احد القادة في القمة الأخيرة للجامعة الغروبية .. ” أن اللغة العربية هي الشيء الوحيد الذي لا يزال القاسم المشترك بين العرب “.. واضمر التسابق على الارتماء في احضان اسرائيل طلبا لحماية العروش .

     بعد ستة عقود من التهريج وشعارات الوحدة وبرامج التعريب ، تعود المستعمرات الفرنسية السابقة في شمال أفريقيا لتتخلى عن الخطوة نهائيا .. اللغة العربية لم تطور نفسها كما العبرية ، ولغة تدريس العلوم والتقنية تجاوزت الكائن الحي الميت بقرون .. وأكثر من أي وقت مضى .. البعض يرمي بالأعباء على الحكام ، وآخر على دور الجامعة التي هي ليست سوى غرفة للقاء الحكام ذاتهم .. ويبدو أن المستعمرات البريطانية السابقة في الشرق الأوسط تفعل الشيء نفسه مع اللغة الإنجليزية .. فالشباب العربي في الخليج اليوم .. يؤثرون استخدام اللغة الإنجليزية أكثر من العربية .

       الجامعة العربية خسرت الرهان في حلبة المصارعة مع نهاية عصر الأبطال ، وتآكل الأيديولوجيات المتعددة ..القومية منها بالذات .. وفشلت في إيجاد آلية لإدارة التنافس .. نخرها السوس ، وأصابها الشلل بسبب الخلافات الطائفية والإقليمية ، وأصبحت اليوم مكتوفة الايدي تقف على مدرجات المتفرجين .. تتحسر على الدول العربية تحترق في صمت .. والقنابل تنهمر امطار تقصف المآذن وتطمر الاطفال والنساء تحت الانقاض .. بل ووقع اعضائها صكوك الغفران مسبقا لتبرير كل التدخلات الاجنبية .. ولعل افضل وصف يليق بالجامعة العربية اليوم .. دار العجزة والمسنين لإيواء الدبلوماسيين المصريين المتقاعدين والعاطلين عن العمل .

رسائل قادة العربان .. وما قد كان

 

 

( 1 )

        تصرف أول أمره في الوكالة لصبح أم هشام . والنظر في أموالها وضياعها ، … ، ولما انقض العدو على اثر ذلك وخيف الاضطراب ، ولم يكن عند الحاجب المصحفي عناء و لا دفاع ضمن لصبح أم هشام سكون الحال وزوال الخوف واستقرار الملك لابنها على أن ُيمد بالأموال . فدانت له أقطار الأندلس كلها وأمنت له ، ولم يضطرب عليه منها شيء أيام حياته بحسن سياسته وعظم هيبته ، … ، فما زال يبطش بأعدائه إلى أن صار الخليفة حينئذ – هشام بن الحكم – ليس له من الأمر غير الاسم .. لقد تمكن من الوقوف في وجه القشتاليين الذين اغتنموا فرصه موت الحكم المستنصر وقاموا بغارات متوالية على المناطق الخاضعة للدولة . ولعل هذا كان من أهم العوامل التي أدت إلى تثبيته .

      بعد أن اطمأن إلى استتباب الأمن والدعة في البلاد ، بدأ في تصعيد منصبه . فأمر بالدعاء له على المنابر ، ونقش اسمه على السكة ، وأصبحت الكتب والأوامر تصدر باسمه . ثم انشأ مدينة الزاهرة سنة 368 هـ على نهر قرطبة ، بعد أن حشد لها الصناع وجلب لها الآلات الجليلة ، وتوسع في مخططها ، وبالغ في رفع أسوارها وشحنها بأسلحته وأمواله ، وخصص ما حولها لوزرائه وقواده وحجابه ، فابتنوا بها كبار الدور والقصور . لقد أصبح سيد البلاد . رغم ذلك لم يدعو إلى نفسه بالخلافة ، خوفا من اشتعال الفتنة والثورة من الداخل ، لعدم انتمائه للبيت الأموي . وذات مرة فكر في أن يتسمى بالخلافة .. لكنه تراجع بعد المشاورة .. أراد ذلك وجمع للمشورة فيه قوما من خواصه فيهم ابن عياش وابن فطيس وأبي رحمه الله ، فأما ابن عياش وابن فطيس فصوبا ذلك له ، و أما أبي رحمه الله فقال لهم : إني أخاف من هذا تحريك ساكن . والأمور كلها بيدك . ومثلك لا ينافس في هذا المعني .

فمن هو ؟

.

 

( 2 )

        لقد امن الحَكم ولاية العهد لابنه الطفل هشام المؤيد ، الذي كان عمره احد عشر عاما عند وفاة الحكم . وكانت أمه صبح هي التي تشرف على أمره ، وتتمتع بالنفوذ المطلق منذ توليه الحكم . استطاع احد موظفي الدولة كسب عطف السيدة صبح ، فأسندت إليه بعض المناصب الهامة في القصر . وتمكن بفضل ذكائه أن يصل إلى منصب الحجابة ، وان يتولى تدبير الممالك ، بينما كان الخليفة الصوري هشام محجوبا في قصره . ليس له من الحكم سوي الرمز . أحاط نفسه بطبقة من رجال الأندلس النابهين فكان منهم الشعراء والأدباء والعلماء والفقهاء .

فمن هو ؟

( 3 )

       انا مفكر وأديب وفقيه .. ظاهرة فكرية ظهرت في القرن الرابع الهجري في الأندلس .. ولدت في بلد كان فردوس زمانه في البلاد الإسلامية .. اسمي الكامل جذوره عند أمية بن عبد شمس بن عبد مناف .. وكنيتي أبو محمد ..  

.. وجدي يزيد أول من دخل الأندلس من آبائي .. كتبت رسالة في ” فضائل أهل الأندلس ” .. اعتز بأفضل خصالي .. الوفاء وعزة النفس .. ولدت آخر يوم من شهر رمضان سنة أربع وثمانون وثلاثمائة .. ووافتني المنية بعد اثنين وسبعين سنة إلا شهرا .

      شغل والدي منصب الوزارة . يصفه ابن حيان :  الوزير المعقل في زمانه ، الراجح في ميزانه .

فمن هو ؟

 

 

( 4 )

     نشأت في قرطبة مسقط رأسي .. اصل أسرتي من بلدة “منت ليشم” .. انتقلت إلى قرطبة واستقرت بها ..  اثر هجمات النورمانديين والفِرنجة على ذلك الإقليم – في النصف الأول من القرن الثالث الهجري .. عهد الخليفة محمد بن عبد الرحمن الثاني (238-273 هـ) ، مما دعى اسرتي إلى البحث عن المكان الذي تأنس فيه الاستقرار والهدوء . ولم تجد أمامها في ذلك الوقت سوي قرطبة ، المعقل الأمين الذي بدا يتبوأ لريادة الغرب الإسلامي حضاريا .

فمن هو ؟

( 5 )

    هاجر ابائي من إقليمنا إلى قرطبة .. تمكنت أسرتي من التمتع بمكانة بارزة في الحياة السياسية منذ انتقالها إلى قرطبة .. والدي أول من انتقل إليها ، وهو الذي بني أمجادها الاسرة حيث تولي منصب الوزارة .. في عهد المستنصر الأموي الذي قضي نحبه في اليوم الثاني من صفر عام 366 هـ .

      لقد امن الحَكم ولاية العهد لابنه الطفل هشام المؤيد ، الذي كان عمره احد عشر عاما عند وفاة الحكم . وكانت أمه صبح هي التي تشرف على أمره ، وتتمتع بالنفوذ المطلق منذ توليه الحكم . استطاع ابن أبي عامر “المنصور” احد موظفي الدولة أن يكسب عطف السيدة صبح ، فأسندت إليه بعض المناصب الهامة في القصر . وتمكن بفضل ذكائه أن يصل إلى منصب الحجابة ، وان يتولى تدبير الممالك ، بينما كان الخليفة الصوري هشام محجوبا في قصره . ليس له من الحكم سوي الرمز . أحاط المنصور نفسه بطبقة من رجال الأندلس النابهين فكان منهم الشعراء والأدباء والعلماء والفقهاء . من بينهم كان والدي .. قال في حقه ابن حيان : ” الوزير المعقل في زمانه ، الراجح في ميزانه ، …، كان احد العلماء من وزراء المنصور محمد بن عبد الله بن أبي عامر ، ووزر لابنه المظفر من بعده .

فمن هو ؟

( 6 )

        ادرك مدي القوي التي كان يتمتع بها عامة الناس في الحكم وتحديد شخص الخليفة عندنا .. بُعد نظر الوزير وفهمه الدقيق لقوة الشعب .. هذا هو ما رآه فيه الخليفة على ما يبدو . فقد استوزره  قبل سائر أصحابه في سنة 381 هـ . وبلغ من ثقته به أن كان يستخلفه على المملكة في أوقات معينة .

فمن هو ؟

 

( 7 )

         في عام 370 هـ انتقل المنصور إلى قصره بالزاهرة مبتعدا عن مدينة قرطبة مقر الخليفة الأموي . انتقل بانتقاله وزيره والدي وأسرته من دورهم القديمة الواقعة في الجانب الغربي من قرطبة إلى قصرهم الجديد بمدينة المنصور ، بعد أن أصبحت المقر الفعلي لإدارة دفة البلاد .

    في ذلك الوسط المترف وبين الجواري اللائي كن على حظ كبير من الثقافة الأدبية والفنية . وما يحيط بالقصر من حدائق ومشارف جميلة تطل على مدينة قرطبة بالكامل .. كنت احظي بأفضل ثمرات الحضارة التي وصلت لها الأندلس حتى وقته .

فمن هو ؟

( 8 )

       لقد كانت فترة عهد الدولة العامرية (الأموية اسميا ) من أزهر عهود الأندلس – لا من الناحية السياسية فقط – بل من نواحي أخري عديدة خصوصا العلمية ، حتى أصبحت الأندلس عامة وقرطبة خاصة أكبر مثابة للآثار الأدبية العربية .لاشك أن العصر الأموي عموما يمثل عصر العرب الذهبي في الأندلس من حيث نهضة الأدب والعلوم والفنون وازدهار العمران . ففي هذا العهد بنيت المساجد والقصور والمدارس والمكتبات وأنشئت الحدائق والبساتين حتى أن قرطبة غدت تنافس بغداد في المشرق . قال الحجاري في وصف قرطبة : ” كانت قرطبة في الدولة المروانية قبة الإسلام ، ومجتمع أعلام الأنام ، بها أستقر سرير الخلافة المروانية ، وفيها تمخضت خلاصة القبائل المعدية واليمانية ، واليها كانت الرحلة في الرواية ، إذ كانت مركز الكرماء ، ومعدن العلماء ، وهي من الأندلس بمنزلة الرأس من الجسد .

      اخبرني تليد الفتي ، وكان على خزانة العلوم بقصر بني مروان بالأندلس ، أن عدد الفهارس التي كانت فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة ، في كل فهرسة خمسون ورقة ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين فقط.. وسط هذه الحياة الاجتماعية المترفة ، وهذا الوسط المتحضر ، نشأت في قصر والدي الوزير ضمن أفراد الطبقة الأرستقراطية التي كانت تسكن قصور الزاهرة .

فمن هو ؟

( 9 )

       في أواخر رمضان عام 392 هـ مرض المنصور مرضا شديدا أدى إلى وفاته . تولى بعده منصب الحجابة ابنه عبد الملك الملقب “بالمظفر”.

      بموت المنصور تنفس الناقمون عليه من الصقالبة والأسبان الصعداء ، وغمرتهم موجة الفرح ، فلقد دمر المنصور بلادهم واكتسح حصونهم ومعاقلهم وشرد جيوشهم وأذلهم وأزال سيادتهم . فظن بعضهم أن الفرصة سنحت للتحرر من نير الحكم القائم والعودة إلى نظام الخلافة . ولكن السلطات العامرية كانت ساهرة ، فقبض في الحال على عدد من المحرضين .. وأستتب الأمن لعبد الملك  ، الذي ورث الكثير من صفات أبيه واجتمع الناس على حبه لعدله ، وإنسانيته ، وحمايته للشرع ، وسهره على الرعية . ويذكر انه مما تقرب به إلى قلوب الناس انه اسقط سدس الجباية على جميع البلاد .ظلّ والدي في منصب الوزارة الذي تقلده من أيام المنصور ، واستمرت أسرتي على علاقتها الوطيدة مع البيت العامري ، ووجدتني بين مجالس المظفر الأدبية سنة 396 . استمع في صحبه والدي إلى المطارحات الشعرية والمحاورات الفكرية .. كان ابي يود ان يعد ابنه الإعداد السليم فكريا باعتبار أن هذا الإعداد هو السُلّم الحقيقي للتقدم السياسي .

فمن هو ؟

 

 

( 10 )

    حكم عبد الملك المظفر ستة أعوام وبضعة اشهر ، قضي معظمها في متابعة الغزو ،…، ولم يقع تبديل في طرق الحكم ، فكان الخليفة هشام كعهدة أيام المنصور محجوباً في قصر .

      توفي المظفر في ظروف غامضة ، وأعقبه أخوه عبد الرحمن المنصور الملقب ” بشنجوال ” وتولي الحجابة لهشام المؤيد ، وجلس غداة وفاة أخيه بقصر الزاهرة ، غير أنه لم يرث شيئا من صفات أبيه وأخيه ، فابتعد عن الدين وطعن فيه قولاً وفعلاً ، وهمّ بالانهماك في الشرب ومتابعة المحرمات ، واشتهر بالزندقة ، فكان نحسا علي نفسه وعلى أهل الأندلس قاطبة .. .بدأت طلائع الثورة وأمارات التغير من قبل العامة والخاصة في الظهور وبالذات ممن ينتمون إلى بني مروان . لم يهتم عبد الرحمن هذا بما يجري حوله وما يحاك ضده بل حدثته نفسه بأن يصبح ولي عهد للخليفة هشام المؤيد . وبالفعل تمكن من إقناع الخليفة بإصدار مرسوم يتولى بموجبه عبد الرحمن منصب ولاية العهد ، وتمّ تعميم المرسوم على كافة أرجاء الأندلس. ما أن شاع الخبر في قرطبة وما حولها ، حتى بدأت الأحقاد تتوقد وتطلع البعض للعمل الفعلي ، عندها انتهز أحد أحفاد عبد الرحمن الناصر – محمد بن عبد الرحمن ابن عبد الجبار – الفرصة ، وقاد ثورة استولي بها على قصر الخليفة ولقب نفسه بالمهدي وقتل عبد الرحمن المنصور في اليوم الثالث من رجب 399 هـ .بهذه الثورة بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الأندلس عامة وقرطبة خاصة – مرحلة الصراعات السياسية – بعد استقرار وهدوء استمر فترة غير قصيرة .

دالت الدولة العامرية المتخفية تحت الراية الأموية ، وسعدت قرطبة بالنصر الأموي .كانت العامة أكثر سعادة على حين تحفظت الطبقة الوسطي ولم تظهر مناصرتها للمهدي ، إذ أنها أحست بخطر هذه الثورة على مستقبلها منذ البداية . ذلك انه عندما دخل المهدي برجاله مدينة الزاهرة أمر بنقل الأشياء الثمينة فيها ، ولم يمانع في النهب والتدمير . وما أن ارتقي سدة الحكم لم تتبين فيه الفضائل المطلوبة في الحاكم ، بل كان قاسيا ، أحمقا غارقا في ملذاته .. اعتمد على قوته التي تتألف من أراذل العامة واسافلهم ، وعارض بهم أجناد الدولة . أهل الدربة والحنكة ، واستوزر رجالا من الطبقة الدنيا ، وعلى هذا النحو اعتبر العامة من أهل قرطبة تولية المهدي انتصارا لهم .

      خشي المهدي أن يصبح اسم هشام المؤيد راية تلتقي عندها كل الجماعات التي أساء إليها . فأشاع بين الناس موت هشام وكان قد زج به في السجن ، واظهر للناس جثة ادعي أنها هشام ودفن بشهادة العامة والخاصة .. تغير مجري الحياة في قرطبة – موطني وبدأت حياتي تتغير .. فعلي اثر ثورة المهدي لقيت المحنة الأولي حيث دمرت دورنا بمدينة الزاهرة ، وأقصي والدي من منصبه السياسي الذي وزر فيه للمنصور ولابنه المظفر بل ولعبد الرحمن ” شنجوال “.. الذي حكم لمدة لا تزيد عن ثلاثة اشهر .

فمن هو ؟

( 11 )

       انتقل أبي رحمه الله من دورنا المحدثة بالجانب الشرقي من قرطبة في ربض الزاهرة إلى دورنا القديمة في الجانب الغربي من قرطبة ببلاط مغيث في اليوم الثالث من قيام أمير المؤمنين محمد المهدي بالخلافة . وانتقلت أنا بانتقاله وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة .. اصطليت بنيران الفتنة التي أحدثها المهدي والتي لم تقف عند حد القضاء على دولة بني عامر ، بل عصفت بالنظام والأمن ومزقت وحدة الأمة ، ودفعت أبناء قرطبة إلى معترك مروع من الفتن . رغم هذا .. نالت اسرتي الأمان أثناء هجوم المهدي ورجاله على الزاهرة .. لبث قليلا حتى وجدتني انضم إلى جانب المهدي واظفر بتقديره ، وبلغت ثقته بي أن أرسلني مفاوضا عنه إلى سليمان بن هشام الناصر الذي حاصر قصر الخلافة مع بعض الجماعات الثائرة على أيام المهدي . وقد منحه ذلك شيئا من الهدوء والطمأنينة .. لكن أهالي قرطبة كان لهم موقفهم من المهدي بعد أن عرفوا نواياه الاستبدادية واعتبروا انه السبب في كل ما حل بقرطبة من فساد ودمار منذ قيامه على هشام المؤيد وقتله له . لذا فقد نفروا منه ، وشغبوا عليه ، وتمكنوا من قتله . كانت تلك كارثة أخري لأسرتي ، حيث ظهر هشام المؤيد حيا ، وبايعه أهالي قرطبة بالخلافة ، فدفعت اسرتي ثمن انقلابها في الولاء غالياً ، وذلك بالاعتقال والتعذيب .. وشغلنا بعد قيام أمير المؤمنين هشام المؤيد بالنكبات وباعتداء أرباب دولته ، وامتحّنا بالاعتقال والترقيب والاغرام الفادح والاستئثار وارزمت الفتنة وألقت باعها وعمت الناس وخصتنا .

       أطبقت سلسلة من النكبات . عانت قرطبة موطني من الحصار.. ، مما أدي إلى نقص مواردها وتفشي الأمراض فيها .. فكان من ضحاياها شقيقي أبو بكر .. توفي أخي رحمه الله في الطاعون الواقع بقرطبة في شهر ذي القعدة سنة احدي وأربعمائة وهو ابن اثنين وعشرين سنة .. ثم دهتني فاجعة موت أبي وهو يقاسى أصعب الظروف نتيجة الاضطهاد الداخلي والحصار الخارجي .. توفي أبي الوزير رحمه الله ونحن في هذه الأحوال بعد صلاة العصر يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة عام اثنين وأربعمائة ..  ثم كانت محنتي الكبرى عام 404 هـ وهو عام دخول الخليفة المستعين سليمان ابن الحكم وجنوده قرطبة .. كان شؤم الأندلس وشؤم قومه وهو الذي سلط جندا  ، فأخلو مدينة الزاهرة وجمهور قرطبة .، واخلوا ما حول قرطبة من القرى والمنازل والمدن وافنوا أهلها بالقتل والسبي .

فمن هو ؟

( 12 )

       ضاقت الحياة في قرطبة .. بعد قيام الفتنة واجتياح جنود البربر منازل أسرتي .. هاجرت إلى المرية ومكث بها ثلاث سنوات .. كانت المرية آن ذاك تابعة لنفوذ العامريين إذ كان يحكمها خيران العامري الصقلبي .. ضرب الدهر ضرباته واجلينا عن منازلنا وتغلب علينا الجند ، فخرجت عن قرطبة أول محرم سنة أربع وأربعمائة .. ألقت الفتنة جرأنها ووقع انتهاك الجند منازلنا في الجانب الغربي بقرطبة ونزولهم فيها ..  وتقلبت بي الأمور إلي الخروج من قرطبة وسكني مدينة المرية .

فمن هو ؟

( 13 )

         أي حياة هذه التي تفتحت عليها عيني بغثة ؟ نكبات تتوالى وانا دون سن العشرين ، غادرت مسقط رأسي بعد أن ذقت فيه طعم طفولة سعيدة بين القصور والجواري ومجالس أهل العلم والساسة . فارقت الأهل والأصدقاء ، ووجدت نفسي في مواجهة ظروف حياتية صعبة ، شردت أسرتي عن دورها وسلبت أموالها ، كذلك استفحال أمر النصارى وضعف أمر المسلمين واستعانتهم بعضهم على بعض بأعدائهم . كل ذلك بلا شك ترك جراحا عميقة في نفسي . وبدأت اشعر بوجوب العمل لبلادي وقومي وديني .. وأن عليا أن احمل العبء واخوض لجة السياسة بكل ما تستلزمه من ألوان النضال والتدبير.

فمن هو  ؟

 

 

( 14 )

    بدأت في المرية حياة جديدة .. شعرت بنوع من الاستقرار والهدوء مكنني من مواصلة تعليمي ..  لكن بالي لم يهدأ .. فرغم تحسري على ماض جميل ضاع إلا انني انست في نفسي القوة والقدرة على الاستمرار في الحياة .. متحسرا .. ولقد اخبرني بعض الواردين من قرطبة وقد استخبرته عنها ، انه رأي دورنا ببلاط مغيث في الجانب الغربي منها وقد أمحت رسومها ، وطمست أعلامها ، وخفيت معاهدها ، وغيرها البلى فصارت صحاري مجدبة بعد العمران وفيافي موحشة بعد الإنس ، وخرائب منقطعة بعد الحسن ، وشعاب مفزعة بعد الأمن ، ومأوي للذئاب ، ومعازف للغيلان ، وملاعب للجان ، ومكامن للوحوش بعد رجال كالليوث .. لم يطل الهدوء في المرية ، فقد قامت الاضطرابات من جديد بنشوب النزاع بين الأمويين في قرطبة ويمثلهم “المستعين”وبني حمود ( وهم علويين كان لهم سلطان بمدينة سبتة بالمغرب ) حيث انتهي أمر الخلافة لعلي بن حمود عام 407 هـ بعد تحالفه مع خيران صاحب المرية الذي كان يزعم الولاء للأمويين . لقد أصبحت محاطا بالشبه من قبل خيران باعتباره أموي الولاء .. ورث ذلك عن جدي .. وانقطعت دولة بني مروان وقتل سليمان الظافر أمير المؤمنين ، وظهرت دولة الطالبية وبويع علي بن حمود الحسني، المسمي بالناصر بالخلافة ، وتغلب علي قرطبة وتملكها واستمر في قتاله إياها بجيوش المتغلبين بأقطار الأندلس .. ما هي إلا فترة الاستقرار لبني حمود وحليفهم خيران في الحكم حتى امتدت يد خيران إليّ وزج بي في السجن ، وبذلك ذاقت من جديد المحنة ، وبعد اشهر أطلق سراحي ونفيت خارج المرية … وفي اثر ذلك نكبني خيران صاحب المرية ، إذ نقل إليه من لم يتق الله عز وجل من الباغين – وقد انتقم الله منهم – عني وعن محمد بن إسحاق صاحبي إنا نسعى في القيام بدعوة الدولة الأموية ، فاعتقلنا عند نفسه اشهر ثم أخرجنا على وجه التغريب فصرنا إلى حصن القصر.

فمن هو ؟

 

 

( 15 )

      بدأت بعد بعد ذلك مرحلة جديدة من حياتي ، إذ ما أن سمعت بظهور الخليفة المرتضي ( عبد الحمن بن محمد الأموي) .. في بلنسيه داعيا للحزب الأموي ، حتى سارعت إلى مناصرته .. ركبنا البحر قاصدين بلنسيه عند ظهور أمير المؤمنين المرتضي .. وقد فوجئت عندما وجدت أمامي في بلنسيه خيران الصقلبي إلى جانب الخليفة المرتضي يجند له الجند ويحشد له الأتباع .. سرت في الجيش الذي أعده المرتضي متجها إلى قرطبة .. غير انه أثناء مرور الجيش بغرناطة نشبت الحرب مع واليها الصنهاجي ..  أدت إلى هزيمة جيش المرتضي ووقوعي في الأسر . لقد اخفقت في تحقيق آمالي حتى بعد دخولي للتجربة الحربية فعليا .. لكن أطلق سراحي بعد فترة وجيزة .. في ذلك الوقت انتهي عهد على بن حمود في قرطبة وبدأ عهد أخوه القاسم . ترامت الأخبار بعدها بشيوع الطمأنينة والدعة في قرطبة ، فاتخذت طريقي إلي قرطبة عام 409 هـ ، دخلت قرطبة بعد أن انهارت أعز الصور الوجدانية التي كانت تشوقني إليها . فقد نعيت أثناء وجودي ” ببلنسيه ” في وفاة اعز أصدقاء صباي .. ” ابن الطبني ” .. دخلت أنا قرطبة في خلافة القاسم بن حمود فلم أقدم شيئا على قصد أبي عمر القاسم بن يحي التميمي اخو عبد الله رحمه الله . فسألته عن حاله وعزيته عن أخيه وما كان أولي بالتعزية عنه مني.

فمن هو ؟

 

 

( 16 )

     لم تطل خلافة بني حمود في قرطبة ، فقد ضعف أمر القاسم وتسلط عليه البربر حتى احتقروه . أراد أن يعزز موقفه فاختار جنده وحُرّاسه من السودان .. وبدأ التضارب بين الفئتين ، وتمكن البربر من إسقاط عرشه بعد التآمر عليه بمعاونة يحي وإدريس أبناء أخيه .. فترك قرطبة ، وتولي الخلافة بعده يحي المذكور . غير أن عهده كسالفه لم يكن عهد استقرار خصوصا بعد أن تخلي البربر عن مناصرته .

     سئم أهالي قرطبة تسلط الجند وتدهور أحوال الخلافة ، واجمعوا على رد الأمر لبني أمية . ومع تصدع بناء دولة الحموديين مقابل اشتداد قوة الحزب الأموي ، نجد انه في 414 هـ انتهي عهد الحموديين وآلت الخلافة للخليفة الأموي المستظهر( عبد الرحمن بن هشام الناصري). كان المستظهر رجل علم وأدب . فأراد أن يصبغ دولته بذلك الطابع . احد مظاهر ذلك اتخاذه وزرائه من رجال العلم والأدب ، وكنت من بين هؤلاء .

فمن هو ؟

( 17 )

     قال ابن حيان في حقنا ..  من أكمل فتيان الزمان فهماً ومعرفةً ، ونفاذاً في العلوم الرفيعة ، فقدمهم على سائر رجاله ، وأولاهم منتهي النفوذ والثقة .. غير أن الفساد الذي عم قرطبة وقف حائلا دون تحقيق المثل الرفيعة التي نادي بها المستظهر.. نتج عن ذلك إثارة المشايخ الذين حقدوا على المستظهر وشهروا به .. وما هي إلا فترة حتى وقعت الكارثة وقتل المستظهر سنة 414 هـ ، وتولي الخلافة بعده أموي آخر لقب نفسه بالمستكفي ( محمد بن عبد الرحمن الناصري) . وقد عرف المستكفي بالبطالة والجهالة والرذالة . بذلك خابت آمالي نحو التطلع إلى أمجاد الدولة الأموية الأولي .. كان المستكفي في غاية التخلف وله في ذلك أخبار يقبح ذكرها وكان متغلبا عليه طوال مدته ، لا ينفذ له أمر ، ولا عقب له .. عندما شعر المستكفي باهتزاز عرشه ، سلك مسلك العنف والإرهاب والسجن خاصة مع أولئك الذين كان لهم شأن في الحكومة السابقة . وقد نالني حظي من ذلك .. والقي بي في السجن ..

     كنت معتقلا في يد الملقب بالمسكتفي محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الناصر في مطبق وكنت لا أؤمن قتله لأنه كان سلطانا جائرا ظالما عاديا قليل الدين كثير الجهل غير مأمون ولا متثبت ، وكان ذنبنا عنده صحبتنا للمستظهر رضي الله عنه وكان العيارين قد انتزوا بهذا الخاسر على المستظهر فقتله واستولي على الأمر .

فمن هو ؟

 

 

( 18 )

      انقضت أيام الخليفة المستكفي سنة 416 هـ ، وانتابت قرطبة موجة من الفوضى والاضطرابات ، لاحاكم فيها ولا ضابط . تنبه بعض أعيان قرطبة إلى ضرورة وضع حد لإيقاف تلك الموجة .. فاتفقوا بعد مدة طويلة على تقديم أبي بكر هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر ، وهو اخو المرتضي ..  فبايعوه في شهر ربيع الأول سنة 418 هـ ، وتلقب بالمعتد بالله .. وكان آخر خلفاء بني أمية .. وفي عهد المعتد بالله تقلدت الوزارة .. غير أن هذا العهد كسالفه لم يمتد كثيرا .. إذ عمت الفوضى وخابت آمالي من جديد . فانصرفت عن السياسة .

انصرفي هذا جاء اختيارا . . لقد تيقنت من أن هذه الطريقة لن تؤدي بي إلى ما اطمح إليه – اعني رجوع الدولة الأموية الأولي –  ووجدتني اواسي نفسي على زوال دولة بني أمية ، مؤملا بعثها من جديد :

فلا تيأسي يا نفسُ علَّ زماننا

يعود بوجــهٍ مُقبلٍ غير مُدبر

كما صَرَفَ الرَّحمنُ مُلكَ أُميَّة

إليهم ولُوذي بالتَجَمُلِ والصَبّر

فمن هو

( 19 )

 

غادر قرطبة وحططت رحالي في الشاطبة احدي مدن إمارة بلنسية . غير انه لم يستقر بيّ المقام ..  ظللت متنقلا بين إمارات شرق الأندلس وجنوبه الغربي . في الشاطبة شغلني رد على رسالة صديق لي بالمرية ..  كتابك وردني من مدينة المرية إلى مسكني بحضرة شاطبة  ..  فأنت تعلم أن ذهني متقلب وبالي مضطرب بما نحن فيه من نيؤ الديار ، والجلاء عن الأوطان ، وتغير الزمان ، ونكبات السلطان ، وتغير الإخوان ، وفساد الأحوال ، وتبدل الأيام ، وذهاب الوفر ، والخروج عن الطارف والتالد ، واقتطاع مكاسب الآباء والأجداد ، والغربة في البلاد ، وذهاب المال والجاه ، والفكر في صيانة الأهل والولد ، واليأس عن الرجوع إلى موضع الأهل .

فمن هو ؟

 

 

 

( 20 )

     من  قرطبة .. حط بي الرحال في الشاطبة احدي مدن إمارة بلنسية .. لم استقر بها .. وظللت لزمن متنقلا بين إمارات شرق الأندلس وجنوبه الغربي .. في الشاطبة وردني كتاب من صديق لي بالمرية .. رددت اليه : ” كتابك وردني من مدينة المرية إلى مسكني بحضرة شاطبة. . فأنت تعلم أن ذهني متقلب وبالي مضطرب بما نحن فيه من نيؤ الديار ، والجلاء عن الأوطان ، وتغير الزمان ، ونكبات السلطان ، وتغير الإخوان ، وفساد الأحوال ، وتبدل الأيام ، وذهاب الوفر ، والخروج عن الطارف والتالد ، واقتطاع مكاسب الآباء والأجداد ، والغربة في البلاد ، وذهاب المال والجاه ، والفكر في صيانة الأهل والولد ، واليأس عن الرجوع إلى موضع الأهل .

     وفي ” جزيرة ميورقة ” .. وكنت على صداقة مع واليها احمد بن رشيق .. جرت مناظرة مع أبو الوليد الباجي ..  وفي” اشبيلية “.. اقمت فترة في ظل أميرها المعتضد بن عباد .. ولم يطل مقامي بها .. فكي نقمة الفقهاء .. وسخط السلطان ، لاحقتني .. فانتقلت إلى منقطع أصلي .. قرية  من بادية ” لبله ” جنوب غرب الاندلس .. وأقمت هناك بقية حياتي .. اطلّع واؤلف .. ابث تعاليم مذهبي بين الناس ..كانت لبله تابعة للمعتضد بن عباد الذي لم يجد شيئا ينال به مني .. فاحرق كتبي علانية في اشبيلية .. وصلني الخبر ..  انشد لسان الحال :

فان تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي

تضمنه القرطاس بل هو في صـــدر

ييسير معــي حيث استقلت ركائبي

وينزل إن انزل ويدفــــــن في قبري

دعوني من إحــــراق رقٍ وكاغد

وقولوا بعـــلم كي يري الناس من يدري

وإلاّ فعــــودوا في المكاتب بدأة

فكم دون ما تبغـــــــون لله من ستر

فمن هو ؟ 

( 21 )

     “شيخ الجبال ..  زعيم طائفة سرية تنعت بالحشاشين ..  في عام 1902 م . وقف رجلان على استحكامات قلعة ” عش النسر” المقامة على الصخور المنحدرة لجبال فارس في العصور الوسطى . وكانا : الممثل الشخصي للإمبراطور ورجلا مقنعا يزعم بأنه ظل الله على الأرض . قال شيخ الجبال وقائد الحشاشين : اترون هؤلاء الأتقياء الواقفين يحرسون هنالك عند قمة البرج ؟  أنظروا ..  وقام بإشارة من يديه ، فجأة رفع الرجل ذو الملابس البيضاء يديه محييا ، ورمى بنفسه ألفي قدم داخل السيل المزبد الذي يحيط بالقلعة .. لدى سبعون ألف رجل وإمرأة  في كل أسيا .. كل واحد منهم مستعد لتنفيذ أوامري .. هل يستطيع سيدك ” مالك شاه ” أن يقول نفس الشى وهو يطلب منى أن أخضع لسلطته ؟ هذه إجابتى أذهب .

        يستحق مثل هذا المشهد المتطرف جدا فيلما من أفلام الرعب . لكنه في الحقيقة حدث كواقعة تاريخية .. فكيف أستمد هذا قوته الخارقة ؟ اوجد منظمة صمدت حولي ألف سنة أخرى . فمن كان هذا ؟ عاش أربع وثلاثين سنة بعد إقامته لقلعة ” الموت ” . في مناسبتين فقط ترك حجرته . ومع هذا حكم امبراوطورية خفيه ، عظيمة ومفزعة ، لم تكن لرجل قبله او في زمانه . هناك قوانين وقواعد للعمل ولنشر الإيمان …القانون الأول : على المبشر أن يعرف خفايا النفس البشرية بطريقة يكون قادر بها على إختيار الأشخاص المناسبين لادخالهم في المنظمة ، ويمكن تلخيصه .. ” لاترمي بالحب على الصخور” .. القانون الثاني : يتعلق بإستخدام المداهنة وكسب ثقة عضو المستقبل .. القانون الثالث : بث الشك في العقول من خلال المعرفة الأرقى ..  القانون الرابع : قسم الطالب أن لا يخون أيا من الحقائق التي كشفت له أبدا .. كانت أيدى وعيون وأذآن الحشاشين في كل مكان ، وبمجرد أن يلتحق الشخص بالمنظمة ويكون كامل العضوية ، فإنه يمكن أن يرسل الى مكان بعيد الاف الاميال .. ويقيم هناك .. ويعيش فيه منتظرا اللحظة التي تأتيه فيها الأوامر .

        في عام 1332 عندما كان الملك فليب السادس ملك فرنسا يفكر في القيام بحملة صليبية جديدة .. وجد قس الماني يدعى بروكا ردوس أن من واجبه أن يضع رسالة يقدم فيها للملك النصح والإرشاد قبل أن يضطلع بهذا المشروع .. أفرد جزأ هاما من رسالته للحديث عن الأخطار الغريبة التي تنطوي عليها مثل تلك الحملة الى الشرق .. من هذه الأخطار الحشاشين أنهم يبيعون أنفسهم .. ولا يلقون إعتبارا للحياة البشرية او النجاة . وهم يغيرون مظهرهم .. يحاكون الحركات والثياب واللغات والعادات والتصرفات التي تأتيها الامم والأقوام المختلفة .. يتعرضون للموت بمجرد أن يكشفهم الناس .. لست أعرف سوى وسيلة واحدة لوقاية الملك وحمايته .. أن يكون الشخص المسموح له بالاقتراب من الملك معروفا تماما .. المعروف أن التضحية البشرية وطقوس القتل ليس لها مكان في الإسلام شريعة او تراثا او ممارسة ، ولكنها رغم ذلك قديمان وعميقا الجذور في المجتمعات البشرية ومن الممكن أن يظهرا في اماكن غير متوقعة تماما .. ففي كثير من الأزمنة والامكنة يوجد رجال طموحون يرغبون في الحصول على مساعدة العناصر العنيفة المتطرفة ، ربما كانوا لا يشاركونهم عقائدهم بل لا يحبونها بالمرة ، ولكنهم يرون في الإمكان استخدامهم .إنه وحلفاءه قد نجحوا في إعادة تشكيل وتوجيه الرغبات الغامضة والغضب غير الهادف لدي الساخطين في ايديولوجيا ليس لهما نظير من حيث التماسك والنظام والعنف الهادف . في أى منظمة أخرى من قبل او بعد .. ولم تلبت مثلهم ووسائلهم أن وجدت من المقلدين .. وقد أمدتهم التغيرات الكبرى في عصرنا الحديث بأسباب جديدة للغضب ، وأحلام جديدة تبحث عن التحقق ، وأدوات جديدة للهجوم.

بيان السلطان السلجوقى إحتفالا بالنصر على الحشاشين وزعيمهم بقلعة شاه ديزة 1107

       في قلعة شاه ديزه ..باض الزيف وأفرخ ..هناك كان إبن وطاش الذى طار منه صوابه في طريق الخطأ وضل ..  والذى قال لرجاله أن الصراط المستقيم طريق زائف ، وجعل مرشدا له كتابا مليئا بالأكاذيب ، وأباح سفك دماء المسلمين والاستيلاء على ممتلكاتهم .. أتبعوا أساليب الخيانة واوقعوا فرائسهم في حبالهم بالغدر والخديعة وقتلوهم بوسائل التعذيب المريعة والموت الفظيع ..  وما قاموا به من اغتيالات عديدة بدأت بنبلاء البلاط ونخبة العلماء وما سفكوه من دماء زكية لاتعد ولا تحصى .. وغير ذلك من الجرائم البشعة في حق الإسلام .. إن لم يكن قد فعلوا اكثر من ذلك .. فقد كان من واجبنا أن نحارب دفاعا عن الدين .. وأن نركب السهل والصعب في حربنا المقدسة ضدهم حتى حدود الصين .

رسالة الحشاشين الى صلاح الدين

      قرأنا خطابك وفهمنا نصة وفحواه ولاحظنا ما يحتوى عليه من تهديدات لنا بالكلمات والأفعال ، ووالله إنه لشئ يدعو الى الدهشة .. كثيرون قبلك قالوا مثل هذه الأشياء ودمرناهم دون ان يشفع لهم شفيع فهل تبطل الحق وتؤيد الباطل ؟ إذا كنت حقا قد أصدرت أوامرك بقطع راسي وتمزيق قلاعى في الجبال الصلدة ، فان هذه أمال وخيالات واهمة . اننا مضطهدون ولسنا طغاة ، محرومون ولسنا حارمين .. وأنت تعرف ظاهر احوالنا وقدر رجالنا وما يمكن ان يحققوه في لحظة واحدة ، وكيف يحبون الموت .. والمثل الشائع يقول إنك لا تستطيع ان تهدد بطة بالقائها في النهر . فخد كل ما في إستطاعتك اتخاذه من إحتياطات دون الكوارت والفواجع ، فإنى هازمك من داخل صفوفك ، ومنتقم منك في مكانك ، وستكون كمن يدمر نفسه بنفسه .. عندما تقرأ خطابنا هذا فارتقبنا وترحم على نفسك .. واقرا اول ” النحل” وآخر “صاد ” “

.( اول النحل : أتى امر الله فلا تستعجلوه . وآخر ص : ولتعلمن نبأه بعد حين ) .

        القرية الجبلية ألموت التي جمع فيها زعيم الحشاشين أتباعه وقسمها لهم نصفها للحياة .. ونصفها للجنة .. وخدرهم بالكلام .. ليتمكن من امتلاك مقودهم والدفع بهم إلى جنان يختارها من صنع خياله .. ومن قلعة الموت الحصينة كان يرسل أتباعه ومريديه لاغتيال الشخصيات السياسية من ملوك ووزراء وأمراء ممن لا يوافقونه على مذهبه الاسماعيلي المتطرف .. مثل الوزير نظام الملك .. والجدير بالذكر أن المتطرف كان صديقا وزميل دراسة لكل من الشاعر المعروف عمر الخيام والوزير المغتال نظام الملك .

    التصفيات السياسية النهائية .. جرائم تاريخية لم تقيد ضد الانسانية من الحشاشين الى طالبان في تاريخ العرب وغيرهم .. مذابح فردية وجماعية وتصفيات سياسية من أيام بروتوس والقيصر عند الرومان الى أيام أحمد شاه مسعود في الزمن الأفغاني .. أما العرب فعندهم من ايام ابي لؤلوة ومعاوية وفرقة الحشاشين وصولا الى آخر خنجر يسن في هذه اللحظات .. ما لا يحصى من تلك التصفيات التي نفذت بدم بارد .. ولم تقيد كجرائم ضد الانسانية  .

      حين يؤرخ للجرائم السياسية ,, الإنسان سيقف طويلاً في مسيرة تاريخه وحضارته عند قضية الانفجارات أو التفجيرات ، فالخصوم السياسيون مروا بالكثير من التصفيات .. وإنهاء رأي الآخر أو الإلغاء من الساحة .. أو من الحياة ، من خنجر في الخاصرة أو الظهر حين يكون الليل هو الضامن للهروب والاختباء أو يمكن أن تغيبه الطرقات غير المنارة ، بروتوس شكى من ذلك ، علي بن أبي طالب لاقى المصير نفسه .

         هناك ليل وخيانة وخنجر من الحقد أو التصفية السياسية .. مثل الذي حدث لعمر بن الخطاب حين دارت رحى صانع الخنجر المسموم والمثلوم .. قائلاً : إن هذه الرحى سيسمع بها العرب والعجم قاطبة .. وطارق بن زياد ذاك الذي لم يوقفه البحر، مات شحاذاً في شوارع دمشق ، وقائده موسى بن نصير ظل قابعاً في سجن على أطراف دمشق ، يئن من الرطوبة ، وروائح البول!

    فرقة الحشاشين خرجت عن كونها فكرة تنويرية تجادل بالتي هي أحسن .. وتستخدم الحجة والمنطق والفلسفة الجديدة .. إلى كونها فرقة انتحارية مارقة خارجة عن الملة ومجتهدة في التفسير ، حين تقرّ قتل الآخر ضمن مشروع تحشيشي فدائي قتلي ، بحيث يذهب الفاعل القاتل ولا يرجع إلا بعد تصفية خصمه السياسي والفكري أو تصفية نفسه •

    وفي أوروبا، في عصورها المظلمة كانت الكنيسة تحارب الخصوم وتنعتهم بالهرطقة وبالزندقة والكفر والخروج عن السلطة الدينية .. تحرق خصومها مع كتبهم أو تشنقهم حاملين صلبانهم المعرفية الجديدة.

    وفي عصرها الديكتاتوري كان الخصوم السياسيون أو العرقيون يوضعون في معسكرات التعذيب أو أفران الغاز أو النفي إلى مدن الثلج الدائمة ، فكانت سيبيريا هي محطتهم الأخيرة قبل القبر البارد أو المعتقلات البعيدة ، لكن هذه الشعوب تخلصت من الأنظمة الديكتاتورية بعدما دفعت ضريبة الحياة دماً!

    أما عند الشعوب العربية والأفريقية وأميركا اللاتينية .. السجون السياسية والتصفيات التي يقوم بها زوّار الفجر والجلاوزة وكلاب الحراسة ومخترعو مؤامرات قلب نظام الحكم ، كانت تصفيات بالسم الجديد .. الدفن حياً .. والشطر إلى نصفين .. والسحل والسجن الإنفرادي لربع قرن .. والمقابر الجماعية والكيماوي وغيرها•

    كانت هذه الجرائم ضد الإنسانية وضد الآدمية وضد التحضر والقيم النبيلة، كانت ضد الكثير من المدنيين وغير الخصوم والأبرياء .. وهي مسألة سيتوقف الإنسان المتحضر تجاهها كثيراً ، وسيتوقف التاريخ أيضاً ، لأنها قلبت مفاهيم كثيرة وحطّت من مصطلحات كثيرة وفرّخت أعوان .. وقوضت برجان.. وووو!!

فمن هو شيخ الجبال ؟

 

 

( 21 )

 

      يبدو انك غريب على القرآن ومن الافضل ان تكلف نفسك وتقرأه ولو مرة بدلا من طبع ملايين النسخ منه .. ولو فعلت ذلك ستعلم ان كلامك مصداق للآية : « يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ » .. انك تتصور الدفاع عن المظلوم تدخلا والدفاع عن الظالم حقا مشروعا لك .. ان الآصرة اللا مباركة بينكم وبين الكيان الصهيوني كارثة دينية .. حري على العالم الاسلامي ان يعلن بسببه الحداد العام .

      اعلموا انه ما دمتم والكيان الصهيوني تهاجمون البلدان الاسلامية بدعم من اميركا .. فإننا سنواصل دعمنا للمظلومين الذين يرزحون تحت نير عدوانكم ، وكونوا واثقين من الاية « وَسَيعلَم الّذينَ ظَلَموا أَي مَنقَلَبٍ ينقَلِبونَ » .

        ارن الكلام .. في ثنايا رسائل قادة بلاد الاسلام  .. اوائل القرن الواحد والعشرين بالتمام .. من براري وبحار الظلام  ..  وجوار منذ سالف العهد والاوان .. وتوالت الازمان ..   وذات يوم .. اشتعل الفتيل المشتعل ..  توهج جمر المرجل ..  وكان يا ما كان   .

 

فمن هما ؟

 

 

 

( 22 )

دعوة للمجتمع الدولي لقطع الروابط مع الرئيس

بيان صحفي

     ان ما جرى من تزوير للانتخابات الهلامية .. سرقة لصوت الشعب .. امام مرأى ومسمع الراي العام الدولي .. واكثر من ذلك .. تهنئة الرئيس بالفوز .. من رؤساء دول جوار افريقية  .. وفي علمها استهجان الرأي العام المحلي .. والتي هي أصبحت عادة افريقية .. وصيغة رابحة ..  تحت مظلة .. “الديمقراطية” الأفريقية .. لهو نوع من ابتلاع القذارة .

        حكم مدة 25 عاما ..  الفساد المالي التهم عيش الفقراء .. القتل الجماعي للشعب ..  النهب المخزي للموارد الوطنية ..  شحن الاموال  خارج البلاد .. من بين ابرز النتائج المنطقية للإساءة الفظيعة التي تعرض لهذا الشعب خلال ربع قرن مضى  .. السياسية منها والتجارية .. محاصرة الدكتاتور للشعب كرهائن غارقة في اوكار البؤس والفقر المدقع الجهنمية .

    في لعبة الرسوم المتحركة الانتخابية ..  تحت قيادة  المرشد الاعلى الذي لا يزال يجبر الرجال والأرقام  ..  وقد فاز المرشح الاوحد .. بالجولة الأولى .. هذا الافلاس ..  حزين حقا .

         إعلان نتائج 21 أبريل 2016  والفوز بالجولة الاولى .. كاذبة .. الفائز دون خجل ليس هو  .. وبأكثر من 61٪ من أول اليوم .. يا له من عار .. وما هذا الجشع ؟

       الشعب متعب .. تحكمه زمرة عرقية ..  هذه العصابة المافيا .. وهذا الحشد البري ..  يعيش حالة تأهب قصوى .. وعلى استعداد لحرق البلاد وإبادة السكان .. حال الشعور بانفراط عرى السلطة المطلقة القابض على جمرها  .. تويوتات مسلحة تنتخب .. الذي يستحق السلطة من بيده السلاح .. قالها بنفسه .

       حكمه .. ارتال النار والدم  .. تجوب بطحاء البلاد .. تلجم افواه الفقراء .. من الشمال إلى الجنوب .. ومن الشرق إلى الغرب . وشواظ لهب  يتطاير شررا .. يحرق  دول الجوار .

        المدرك لطبيعة السلطة القائمة .. يعرف لماذا الحل الوحيد للدراما ..  هو المقاومة .. والعنف الرجعي ..  يجب على الشعب أن يعارض العنف فورا .. ويرنو للارتقاء نحو افاق ارحب ..  لتحقيق تغيير جذري ..  برؤية ثورية .

    سوف لن ندخر  أي جهد لإيجاد السلام في البلاد  .. يحدونا الالتزام الحازم لتحرير البلد من براثن هذه المرتد الفاسد بكل الوسائل .. لتحقيق السلام الدائم .. والبدء في تنمية البلاد .. وأخيرا .. لإدراج البلاد وشعبها في قائمة مجتمعات الدول المتقدمة الحديثة.

    وبهذا المعنى فإننا نناشد بقوة المجتمع المدني والأحزاب السياسية والحركات السياسية والعسكرية ..  تحمل المسؤولية من جراء ما يحدث .. وتوحيد الصفوف .. والوقوف جسرا واحدا .. من أجل مغادرة شللية النظام الدكتاتوري سيئة السمعة المكروه من قبل شعبنا والشعوب الأفريقية المحبة للسلام والعدالة .. مغادرة البلاد في أسرع وقت ممكن .. ومنح الشعب فرصة وضع الأسس السليمة للديمقراطية وسيادة القانون .. وتضميد جراح ربع قرن .. هدر .. من عمر الوطن والأجيال .

     وبناء على ذلك ..  فإننا نطالب المجتمع الدولي قطع كل اتصال مع النظام الفاسد .. والمافيا المساندة له .. والتواصل مع  المعارضة فيما يخص الشأن العام ومستقبل البلاد  .. من خلال عناصرها الثلاثة .. الضمانة الوحيدة لإنقاذ البلد الجريح .. والعبور به نحو الافاق الرحبة للحرية والسلام والتقدم .. ولتبقى .. نسج صفحة مضيئة في تاريخ الصداقة و التعاون بين الشعوب .

تحيا بلادنا

 

النضال مستمر!

فمن هما ؟

 

واخيرا .. عبرنا

    

   الساعة الرابعة مساءا .. انطقت بنا السيارة تطوي الارض .. من سبها نحو واحة غدوة 70 كم .. واحة تراغن .. 65 كم .. استدرنا يسارا عند مفترق طريق مرزق .. بلغنا ام الارانب .. وعند مفرق القطرون .. استدرنا يمينا .. ومضينا نعبر قرى .. مسقوين .. مجدول .. القطرون .. تجرهي .. البخي .. قاعدة الويغ .. والطريق الترابي .. جنوبا نحو الحدود النيجيرية .. ورغم انحراف خط سيرنا غربا .. إلا اننا عثرنا على احد المسالك ,, عاد بنا الى اول نقطة حدودية شمال النيجر .. قاعدة ماداما الفرنسية .. استوقفنا حرس الحدود .. اقترب منا .. حدق بوجوهنا .. وفجأة قفز قفزة طويلة وابتعد .. اشهر سلاحه .. وصرخ في وجهي .. اهبط من السيارة .. ارفعوا ايديكم للأعلى .. استدر للخلف .. وعملت مطيعا لاوامره في ذهول .. ما الذي حدث له .. وما الذي جاء بهذا الفرنسي من ضفاف السين .. واطلالة ايفل .. وطاب له المقام هجير ” ماداما ” ..  قفار تبستي .. هرع زميلة ووضع الكلابشات بيدي .. واحضر الثالث جهاز كشف المعادن .. تحسس خصري .. وساقاي .. وعندها لم يكن ايا منا ملغما .

    بعد برهة زمن .. فك قيدي .. وزميلي ايضا .. حدق بأوراقنا طويلا .. ثم سألنا : ما غرض قدومكم الى النيجر .. اجبته .. غرضنا البحث عن الامان .. بلادنا حروب .. قصدنا جيراننا .. اعاد التحديق بالسيارة .. واستمر يتلمس بقية امتعتنا .. وكان كلما وضع يده على حقيبة لاحقه بها شك  .. يسألني : اجيبه عن محتواها بشفافية .. ولم يكن لدي ممنوعات تذكر .. كرتونة محكمة الاغلاق .. بها عدد من الرمانات 36 مهداد .. قنابل يدوية صغيرة لا يعول عليها .. وجعب رصاص بي كي تي .. ودانات ار بي جي .. جوال مغلف  هيروين .. وجوال اخر كوكائين  .. وجوالين حشيش .. وكرتونة اقراص ترامادول .. وكرتونين وسكي اوريجنال .. عوين طريق .. ومجموعة قوادف وبعض من الاحزمة الناسفة .. وجهاز GPS لتحديد الاتجاهات .. واخر للتنقيب عن الذهب ..  وجهاز لقياس نسبة الاشعاع النووي .. مع ان محاجر ” ارليت لليورانيوم ” شمال النيجر .. لا تسمح شركة ” اريفا ” الفرنسية مجرد الاقتراب .. ومنذ 70 عاما مضت وهي هناك .

    وكي لا نتأخر .. ولا زال امامنا طريق طويل .. الى ما بعد النيجر .. شمال نيجيريا  .. وضفاف بحيرة تشاد  .. وطلبا لمودته  .. اهديت له  قفة تمر تاليس  من تمر فزان .. سر كثيرا وابتهج .. وقال بذهول مفرط : يا الله .. كم يعز عليّ تمر فزان .. حكى لي جدي كثيرا عن مذاقه العذب .. وفي مذكراته كتب عنه ..  وعن اشتهاؤه وشغفه بتذوقه .. كان ضمن طلائع رتل لوكلير 1943 م .. وعلى الفور .. مد يده .. واخذ حارة .. وهم يلتهم .. وما ان تجاوزت اللقمة بلعومه .. ابتسم لوحده وقال .. مع ان في بضاعتكم ما يعد محظورة  .. ولكن لا بأس .. ( اهل فزان اهلنا ) .. يمكنكم العبور متى ما شئتم .. وبما حملتم .. وعبرنا .  

صدفة لقاء بالرئيس

   8

      التقيته صدفة .. بلا سابق موعد ..  باحة برج ايفل .. ملامحه لم تغب عني .. وأكاد اجزم انه هو .. لكن شكوك ساورتني ..  عدلت .. وأيقنت انه ليس هو .. وإلا  .. لا حراسات  .. لا مواكب  .. لا منتوسيكلات .. يخلق من الشبه اربعين .. واطمأن قلبي .

   بادرني بالسؤال ؟ من اين ايها المواطن ؟

– اهلا بك .. انا مجرد زائر لبلادكم .. باريس  .. فترة قصيرة وساعود .. قدمت من ليبيا .. فزان .

– اهلا بكم في بلدكم الثاني .. انا رئيس هذه البلاد .. على الفور .. تأكد حدسي .. صافحته بذهول .. شددت يده بحرارة .. لا اصدق .. نعم هو .. الرئيس هولاند ..  بشحمه ولحمه .. وما ان لا حظ شدة ذهولي .. اخذ بيدي .. وقال بلطف الكرم : تعال نشرب سويا  كأس من العصير ينعش مساءنا .. سررت اكثر وأكثر .. كم كان متواضعا .. لبقا .. وتبادلنا اطراف الحديث .. عن ديار الشرق الاوسط وشمال افريقيا .. والساحل والصحراء .. وفزان .. جغرافيا وديموقرافيا .. طبائع وجبلة الناس .. واتسع صدره للحديث .. والغى عدة مواعيد .. وظلنا حتى آخر الليل .. نتسامر  .. مقهى متواضع ناصية نهر السين .. واسترسل في الحديث .. ولم نترك صغيرة ولا كبيرة إلا وقلبنا الحجر الذي تختبئ تحته .. عرج على التاريخ .. ولكأنه مؤرخ .. يعرف عن الاوس والخزرج .. ودياب .. وتغلب .. والقيسيين واليمنيين .. وحروب عشرون عاما .. وحروب امتدت اربعين عاما .. بسبب الناقة .

      وبصوت هادئ رزين .. يسألني : ”  لا ادري ما بكم .. كل يرى في نفسه مركز الارض .. والشمس تدور حوله .. ان اختلفت مصالحكم .. انتفى الحوار .. واشتعل الفصام والصدام .. منكم من يرتكب نفس الرذائل ويطالب بشنق مرتكبيها .. ودائما حروبكم تستمر لزمن طويل .. تحتاجون الى شرط الاقناع الفكري .. ألا توافقني ؟

     احرجني .. تلعثم لساني .. ثم خطر ببالي شيء عن السلف .. ( المجتمع كالوالدين .. الاب الذي يختار العصا لتربية اطفاله يستطيع ان يحافظ على شكل العائلة ..  لكنه يمزق رباط احشائها .. يصعب رتقها .. ويتعذر انقادها .. وعندما يكبر اطفاله ويصيرون اطول من العصا .. تبدأ حرب جديدة ).

      صافحني مودعا بسرور .. ربت على كتفي مرات ومرات .. قهقه كثيرا .. كما لم تفارق البسمة ثغره طوال المؤانسة .. وقبل ان يسحب يده من يدي .. صافحني بقوة اكثر .. وقال : ( لا تقولي لا انقولك .. الغداء غدوة عندي في قصر الابليزيه  .. بازين شعير .. بلحم قعود .. حتى الوليه وصيتها .. وسيارة المراسم تجيك ليا عندك في الفندق ) .

– قلت .. فيها خيره .

مقهى الفيشاوي

ققق   

      القاهرة الفاطمية .. ناصية شارع الحسين .. الجامع الازهر يسار .. خان الخليلي .. مقهى الفيشاوي .. عتيق صغير المساحة .. شهير برواده العمالقة ذات يوم .. صورهم تكسو الجدران .. الاديب نجيب محفوظ .. احدهم .. المقهى شهير بتقديم الشاي الاخضر .. ويقال .. لا يوجد بالقاهرة الكبرى مقهى خلافه يقدم الشاي الاخضر .. كلها .. شاهي احمر .. شاي كوشري .. على الاقل هذا ما نعلم .
كراسي عتيقة .. طاولة صغيرة .. رصيف المقهى .. احتسي فنجان الشاي الاخضر .. على نخب الفسطاط .. شيخ مسن بالطاولة المصاقبة .. كتفي كتفك .. جرس لهجة حديثنا .. اثار فضوله .. يسألني .. الاخوه من ليبيا ؟.
– اه .. نعم من ليبيا .
– من فين في ليبيا .. من طرابلس وإلا طبرق ؟.
– من ( سبها ) .. فزان .
– الله .. اول مرة اسمع انو فيه بلد اسمها سبها .. وفي الصحراء كمان .. حد سابها هناك وجري .. لا سامح الله .. وإلا ايه ؟ وهو انتو قاعدين الزاي ؟

نص الميه خمسين

DSCF5188

      ليلة غاب القمر .. نجم سهيل عبر .. صحن السماء .. اضاع وقته في حلب النجوم .. يبحث عن مثال مصنوع على المقاس .. ذلك الحلم الحافي القدمين .. يؤرقه .. يا لها من ليلة .. ليال شهريار .. تنتظر صياح الديك .. وتباشير الصباح .. هذا الليل السرمدي .. مثل الطريق الى غات .. وليلة وفراقها صبح .. وهو العمر كم منه .. دفن راسه بين يديه .. غالب حزنه بالصبر واللبان .. اضجع على ظهره .. اسند جمجمته لحجر املس .. توسد الشنة الحمره واقي .. عدل معرقتة البيضاء .. واتكالها .
     آه يا ليل .. اجبني .. ابحث عن مثال مصنوع على المقاس ؟ ..
تذكر جدته .. رحمها الله .. كم كانت تحبه .. كانت دائما تنصحه .. تكرر نصيحتها ليل نهار .. ( اقرا يا ولدي ما تنفعك غير لقراية ) .. وكانت عندما تمل .. وانه لا يصغي الى ما تقول .. وقد نالها اليأس منه .. ومن تكرار نصيحتها .. وطول تعنته .. نص الميه خمسين .. تزم شفتيها .. يمر الصمت ثقيلا .. ولا يبالي …. تلف وجهها عنه .. ناحية الجدار .. تسلم امرها لله .. وتردد المثل : ( اقرا يا قاري في القلب الخالي ) .
تذكرها والمثل .. ترحم عليها .. وقال في نفسه .. لعله مثال مصنوع على المقاس .. وهذا ما ابحث عنه .. ضالتي في نصيحة جدتي .
عاد وتذكر جده .. وكم كان يحبه هو الاخر .. وترحم عليه .. كان يربت على كتفه بحنو .. وكان دائما .. يردد على مسمعه .. وصيته .. ( اعلم يا حفيدي .. وقل لبقية المواطنين .. ان نص الميه خمسين .. وان الصمت من ذهب .

ايطاليا وأزمة الهجرة عبر ليبيا

13001214_922864634478712_8418993699144859448_n

 
     معدلات الهجرة الغير شرعية من ليبيا نحو إيطاليا ترتفع بشكل حاد ، مما يثير القلق في روما الآن .. أصبحت إيطاليا تواجه تدفق للمهاجرين غير مسبوق ، وتمة زيادة في حركة المهاجرين خلال الأسابيع الأخيرة بالذات حسب ما اوردته قناة صقلية .. يحدث هذا تزامنا مع اقتراب تحسن اوضاع الطقس وهدوء اضطراب البحر . اذ لوحظ بدايات لطفرة جديدة غير معهودة في وقت سابق ، ويبدو انها أكثر مأساوية مما كانت عليه في الماضي ، مما يشكل خطرا جديدا للماتيو رينزي، رئيس الوزراء الذي يمثل يسار الوسط في إيطاليا. هذه الاوضاع المستجدة سمحت لما يقرب من 15000 شخص العبور من شمال أفريقيا إلى السواحل الإيطالية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2016 ، وهي زيادة بنسبة 43 بالمائة عن الفترة نفسها من عام 2015 ، وزيادة بنسبة 38 في المائة عن نفس الفترة من عام 2014 .
12961475_922864904478685_6153240240576086207_n
     الرأي العام الاوروبي والايطالي بوجه خاص ، يشعر بالتململ تجاه ما يحدث ، ومثل هذا الشعور قد يمكن ، بل ويشجع الأحزاب الشعبية المعادية للمهاجرين مثل رابطة الشمال من استثمار الازمة للنيل من رئيس الوزراء وحكومته ، ما قد يفقده منصبه قبل الانتخابات البلدية المقررة في يونيو القادم .
     إيطاليا كانت مركز الأزمة ، ومعبر الهجرة في أوروبا ، وهي تستقبل اللاجئين من ليبيا بعدما دمرت الحرب بلادهم ، ونهشت الفوضى اطنابها ، وصارت جسرا لعبور المهاجرين الباحثين عن فرص أفضل شمال ، والفارين من الفقر المدقع في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى .. ومن نيجيريا، غامبيا والسنغال وفدت أكبر الجاليات في عام 2016 .. إيطاليا الآن .. مرة أخرى على مقعد ساخن ، ما يدعو للقلق .
       في الماضي ، كان يمكن لإيطاليا تسهيل عبور العديد من المهاجرين غير الشرعيين نحو شمال أوروبا ، ولكن منذ ان قررت النمسا تكثيف عمليات التفتيش على طول الحدود الإيطالية والحد من تدفق اعداد اللاجئين المسموح لهم بدخولها ، اصبح المهاجرين شبه محاصرين بمنطقة جنوب جبال الألب .

      الاقتصاد الايطالي اصبح بالفعل في ورطة ، ولقد تعامل مع اللاجئين والمهاجرين لسنوات . ولكن هذه الموجة الجديدة قد ينجم عنها زعزعة الاستقرار السياسي في واحدة من أهم الدول في أوروبا . وهذا من شأنه له تأثيرات كبيرة على مجمل انماط الحياة . شمال افريقيا يترنح وتنهشه الفوضى والحرب والدمار ، وأعداد اللاجئين والمهاجرين في تزايد ، وسيظل هؤلاء على الرغم من اجراءات الرقابة ، قادرين على انتهاج سبل جديدة ، واستغلال أفضل الاساليب القديمة للعبور نحو ايطاليا عبر معبر ليبيا .

سلطان اغاديز .. وقف الهجرة غير ممكن

0,,19105866_302,00

    منذ شهور تنطلق كل يوم اثنين قبل غروب الشمس حافلات تقل مهاجرين من أغاديز في اتجاه الشمال. الفوضى في ليبيا أدت إلى تمكن المهربين من العبور دون مراقبة حتى البحر المتوسط. ونلاحظ بسرعة هنا أن السلطات في النيجر لا تكثرت لأنشطة المهربين.

     بعد مفاوضات طويلة يوافق أحد مهربي البشر على التحدث إلينا. يسمي نفسه ستيف. ويقول إنه نجح في تهريب أكثر من مائة نيجيري إلى ليبيا، وهو يرفض تقديم معلومات عن الأشخاص الذين يقفون وراء هذه التجارة ـ ويعتبر أنه خادم بسيط. ويقول ستيف “الناس هنا في إيدو طماعين. من أجل حياة أفضل هم مستعدون لفعل كل شيء”.

    مقابل 600 يورو ينظم ستيف الرحلة من نيجيريا إلى إيطاليا. ويقول المهرب:”الغالبية تدرك خطر السفر عبر الصحراء”. ومن حين لآخر تؤدي حوادث عطل إلى وفات بعض الأشخاص. “تلك هي المخاطرة”، يقول ستيف الذي يرافق المهاجرين حتى أغاديز في النيجر حيث يتولى شخص آخر المهمة.

      مدينة أغاديز الصحراوية هي المحطة الأخطر في رحلة بحثنا. سكان هذه المنطقة يعيشون من تجارة البشر والمخدرات ، ويتعرض أجانب من حين لآخر للاختطاف. لا يمكن لنا التحرك إلا تحت حراسة مسلحة ، كما وجب علينا تغطية الرأس بزي تقليدي لتجنب لفت الأنظار.

    ويعتبر سلطان أغاديز عمر إبراهيم عمر مثل العديد من الناس أنه لا يمكن القضاء على مشكلة تجارة البشر في عين المكان، وهو يطالب بأموال أكثر من المجتمع الدولي. وحجته في ذلك عندما يقول بأنه إذا أرادت أوروبا وقف تدفق المهاجرين عليها نحو البحر المتوسط، فوجب عليها دعم النيجر أكثر.

الكاتب: يان فليب شولتس

ليبيا والمهربين والنيجر والمهاجرين

Libyan border post commander Salah Galmah Saleh (MEE-Tom Westcott)

 

 

  تويوتا هايلكس .. شاحنة سريعة عبر رمال صحراء جنوب ليبيا ،  مطية للمهاجرين جنوب الصحراء الأفريقية ، وجوه لفحها وهج الشمس وصهد الرمال .. تهريب البشر هنا لم يعد بالعمل السري . كل أسبوع 2000 شخص يعبرون نحو ليبيا ارض الاحلام .. نقطة الانطلاق من ” اغاديس ” أكبر مدينة في النيجر .. الى المدينة الصحراوية ” ديركو ” .. الجيش النيجر المتوقع منه الحد من سيلان المهاجرين ، يكتفي بدور الحارس المرافق لتلك القوافل العابرة  600km عبر الصحراء .. ويعد مصدر ربح وفير وارتزاق ما يدفعه المهربين لقوات الأمن النيجر مقابلة الحماية وتأمين الطريق لقافلة تناهز 100 سيارة شاحنة .. أجورهم الهزيلة مع الرشاوى المنتزعة من السائقين تفرض على قوات الامن غض الطرف .

  ” مادما ” واحدة من نقاط التفتيش الحدودية بالنيجر .. 100KM إلى الجنوب من الحدود الليبية ، حيث اقام الجيش الفرنسي قاعدة عسكرية للمراقبة . لكن المهربين يقرون بأن الجنود الفرنسيين يكتفون بالمراقبة ولا يتدخلون .

حسن سوكي ، جندي ليبي من الجنوب ،  تظاهر بأنه مدني بغية مراقبة تدفق المهاجرين ، يقول :  كل من الحكومتين الفرنسية والنيجر تساهم في تفاقم مشكلة المهاجرين .. كثير من الناس في الاتحاد الأوروبي لا يدركون ما يحدث هنا ، وحقيقة أن فرنسا والنيجر وراء ذلك ..  لقد شاهدنا قادة يخرجون من القاعدة للتحدث مع المهربين ، لكنهم لم يوقفوا أي شخص ..  هذه القوات الفرنسية المجحفلة والرابضة هنا ، مع مئات من الأفراد العسكريين والمروحيات والطائرات الحربية .. يمكنها أن توقف أي شيء من عبور تلك الحدود .

      عند المعبر الحدودي Tumo في ليبيا ، اطلال مكاتب للشرطة ، مراقبة جوازات السفر وسلطات الهجرة ، مهجورة منذ عام 2011.

      ضحك مهرب ردا على سؤال حول مراقبة فعالة للحدود مستقبلا  ، قائلا : ” لن تكون هناك قوة قادرة على السيطرة على تلك الحدود الصحراوية الشاسعة .. ولن يتغير شيء .. وسوف يكون دائما الحال عينه .. في الوقت الحاضر التهريب نحو ليبيا بات أقل خطورة وفرصة للعمل .. لن تحتاج لاطفاء الانارة ليلا اثناء سيرك ، ولا الى التسلل عبر مسالك ومسارات معقدة ، ولا انتظار ليلة قمر 14 الشهر .. قلت حوادث السير بعدما طمرت في الماضي الكثير من جثث المهاجرين اسفل المركبات المقلوبة .. المهربين الآن بحاجة فقط لتجنب نقطة عبور الحدود الليبية ونقاط التفتيش عبر الطريق المؤدي إلى مركز التهريب في ليبيا – المدينة الجنوبية التي ينعدم فيها القانون .. سبها .

      قليلة هي فرص العمل وسط الصحراء .. التهريب هو واحد من تلك الفرص المربحة .. و السبيل الوحيد لكسب المال الوفير .. ففي رحلة تهريب لعدد 25 مهاجر .. مكسب مالي عشرة ألاف دولار .. كما ان معظم العمال المهاجرين العائدين يلزمه دفع مقابل اضافي عن احمال البضائع التي هي في العادة يتم شراؤها من ليبيا تلبية لحاجات أسرهم المعيشية .

      ليبيا قدمت فرص عمل مجزية للعمال المهاجرين ، ولكن الآن البلاد معرضة للخطر وعلى حافة الانهيار الاقتصادي ، وعدد قليل المهاجرين يرغب في اطالة اقامته بها ، وجلهم يفضلون بدلا من العودة إلى ديارهم ، تحمل مخاطر أكبر وعبور البحر الأبيض المتوسط ​​.. لكن هذا لن يقلل من عدد الأشخاص الذين يدخلون ليبيا ، لان الكثير من الناس يأملون في الوصول إلى أوروبا .

صيد الذهب .. الحدود الليبية

      منذ عام 2012 .. بدأ الجميع في اوزو يبحث عن الذهب ، حتى كوكي المدير .. ومسؤولين آخرين .. في السنوات الأخيرة تم اكتشاف الذهب .. هل كانت الصراعات التي تقذف بنا هنا وهناك .. كانت لأجل الذهب ؟ من يدري .. لعل الخصوم كانوا مدركين لخيرات تحت اقدامنا .. ونحن فقط من لا يعلم .. اجهزة كشف المعادن للتنقيب عن الذهب تلقى رواجا هنا .. ومتوفرة بكثرة .. كما الزئبق لفصل الذهب من الرمال . طوال تاريخ موغل بالالم .. عشنا ارق الصراعات المسلحة .. وصل المستعمرين الفرنسيين الى تشاد عام 1900 ، وقضوا نحو 35 عاما في تيبستي . وبعد أن غادروا واعلن استقلال البلاد عام 1965 ، عانينا كما منطقة شمال تشاد بأسرها .. ارق 30 عاما من التجاهل .. وسيطرة انجامينا .. وتعاقبت موجات التمرد .. ويوما ما وجدتني مقاتل ضمن فرق المتمردين .. كانت تجربة مريرة تفتحت عيني على اهوالها .. ولا زالت تطاردني .. فأنا لا اتخلى عن سلاحي .. ولن .. ولا استبعد عودة للانخراط بفرق متمردين جدد .

    خلال الحروب المتتالية في تيبستي ، غادر كثيرون نحو الواحات الجنوبية في ليبيا .. الآن ، وبفضل سقوط القذافي وانعدام قيود الجنسية التي تلت ذلك ، العبور إلى ليبيا أصبح أسهل بكثير .

     المنقبين بمناجم الذهب من تشاد وليبيا يعتمدون على حد سواء في إمدادات الغذاء والوقود على ما يأتي من ليبيا .. ومنهم من يأتي الى العمل ممتشق السلاح .. تهريب الاسلحة ايضا هنا .. تجارة رائجة مربحة .. ثمة منافسة بين رجال الجيش التشادي والمنقبين المتمردين .. وكذلك مقاتلوا اقليم دار فور غرب السودان .. الجيش التشادي يتظاهر بالسعي لوقف التعدين وحمى الذهب .. وحالة من التوتر الشديد .. فنحن لا زلنا مستعدون للدفاع عن أنفسنا .

 

  

      كنا ننقب عن الذهب بمنطقة جبل عامر ، أحد مناجم الذهب الضخمة التي أصبحت فيما بعد مسرحا لحرب ميليشيات دار فور .. والجنجويد .. ( جن على جواد ) .

   
     بين اوائل عام 2013 وعام 2014 ، انتقلنا إلى تيبستي .. وفي منتصف عام 2013 ، بلغ مسامعنا العثور على الذهب غربا .. قرب الحدود النيجرية الجزائرية .. وهناك يتم توجيه كل شيء نحو هدف واحد .. ملء الجيوب الخاصة بك بالمال . بحلول سبتمبر عام 2014 .. اعتاد البعض المغامرة بما يملك لشراء سيارة ، قررت وتسعة من رفاقي العودة إلى تشاد .. لكن ما ان اقتربنا من سفوح جبال تيبستي ، تعرضنا لكمين من قبل مسلحين .. قتل اثنان من رفاقي .. واتصلت بصديق من دارفور في ليبيا ، قدم لنا إحداثيات GPS لمخبأ اسلحة كان قد طمره في مكان قريب .. خشية المصادرة من قبل السلطات النيجرية أو القوات الفرنسية التي تجوب شمال شرق النيجر ، ولكن هو الآن ومنذ وقت اختار العيش في ليبيا ، وقال انه لم يعد في حاجة اليها .. عثرنا على سلاح رشاش وقاذفة قنابل صاروخية بالمخبأ ، يسر لنا شق طريقنا نحو تشاد .. دمرنا كل شيء كان في طريقنا .. وانتاب بعض منا ممن فقدوا أقاربهم جوقة غضب عارمة .. أحرقت البيوت والأشجار .

     تتزايد حدة الاشتباكات حول مناجم الذهب في تيبستي بين حين واخر . بعض المسلحين صغار السن .. لا يستطيعون مقاومة الاغراء .. بنصب كمين .. وغيرهم يبحثون عن الذهب بأنفسهم .. لكن الأهم .. ان الذين يعيشون في تيبستي يريدون ببساطة طرد المنقبين الجدد بعيدا .. فقد اصبح وجودهم لا يطاق .. الالاف وهم ينقبون ويحفرون ويعبثون بمراعي الابل .. وهي نادرة .. فالصحراء مقفرة ومواطن الكلأ محدودة هنا .

       الناس هنا يدركون كما في مواطن اخرى مجاورة .. فشل الحكومة التشادية في التصدي .. اذا نقوم بواجبنا على طريقتنا التقليدية .. نتولى حراسة الأرض ، و حماية الغطاء النباتي من جور الاحتطاب ، كما وأشجار النخيل ، والمراعي .. واذا كان الحراس قديما يمتشقون العصي والرماح ، فالحراس الجدد بيدهم السلاح الناري .. منهم من المتمردين السابقين والجنود المسرحين والمنشقين .. وبحوزتهم سيارات مجهزة ، وهواتف تعمل بالاقمار الصناعية .. وان صح التعبير .. فقد شكلوا ميليشيا غير رسمية .

      المنجم الكبيرة على الحدود بين تشاد وليبيا .. تشير التقديرات إلى أن عمال المناجم تجاوز عددهم 40000 على الجانب التشادي وحده .. اقاموا لانفسهم على عجل احياء فقيرة في الصحراء .. تتعيش على ما تجلبه الشاحنات القادمة من ليبيا.

        في منتصف عام 2015، طلبت منهم لجنة wangada مغادرة المكان .. وقطعت عنهم الامدادات القادمة من ليبيا .. 67 من عمال المناجم لقوا حتفهم ، قبل أن يأتي الجيش التشادي ويتولى إجلاء الناجين .

        العديد من عمال المناجم اختاروا البديل المناسب .. عبروا الحدود الليبية .. وجدوا في الجانب الاخر أقل مقاومة لهم .. لا من السلطات المحلية ، ولا السكان المحليين .. وهناك من الليبيين المستفيد من هذه التجارة .. كما وأنهم غارقون في صراعات مريرة .. ومنشغلون .. وجهودهم قاصرة من أجل السيطرة على الأرض والموارد ، وطرق التهريب عبر الحدود.

يوميات مهرب من ” اغاديز ” النيجر

    

    أغاديز النيجر ، هذه البؤرة الاستيطانية وسط صحراء يغطيها التراب قضيت عشرون عاما وأنا اخدش لقمة العيش من وراء قيادة شاحنة صغيرة بيك اب تويوتا .. نقل المهاجرين الذين يأملون في الوصول إلى شواطئ أوروبا ، بات اليوم الاكثر ربحية من أي نشاط اخر .. كل اسبوع ، احشو جوفها بعدد 30 فردا من الأفارقة .. من السنغال وغامبيا ونيجيريا وغيرها ، وخلال مدة أربعة أيام عبر الكثبان الرملية وحقول الحمم البركانية الصخرية اجدني قد بلغت بهم نقطة الوصول .. او التأهب الثاني لمواصلة الرحلة .. فزان ليبيا ، ففي احلامهم امل لا ينطفئ ، وشغف بأن تحين لحظة اخرى ، يوم ان يصعدوا مغامرين على متن مركب لعبور البحر الأبيض المتوسط نحو الشواطئ الباردة والبلاد الغنية .

     رحلة الألف ميل غادرة في غالب الاحيان ، بقدر ما هي مربحة ، القتل ، السرقة والسطو ، من بين ابرز معاطب الطريق ، كما الموت تيها بالصحراء ، لكنني وبعد كل هذا المخاض العسير ، ومنذ خمس سنوات مضت ، تمكنت من ادخار المال الكافي لشراء منزل من خمس غرف .. ولأجل ارساء قواعد مستجدة للحلم بتوسعة تجارتي ، استثمره ايضا كوكالة لإيجار المركبات الجديدة .. ومنه مأوى خشبي لاستضافة المهاجر الى حين دق لحظة الرحيل .

     السفر نحو ليبيا ما عاد مغريا ، بل ولا مربحا كما كان .. وصار تهريب الفقراء ممن يحلمون بالتسلل الى الدول الغنية عبر الجزائر .. رواده اكثر .

      من هنا تهاجر الاموال الضئيلة .. تستنزف قوت يوم الفقراء .. اموال مهاجرة .. الزمن يمر ثقيلا ، يذكرني بمرحلة القرون الوسطى اوج ازدهار تجارة عرفها المكان ، حملتها اسراب قوافل الملح والبشر الرقيق ، المتجهة نحو أسواق البحر الأبيض المتوسط .

      الآن هذه البوابة إلى الصحراء تزدهر مرة أخرى ، وهذه المرة تعود اغاذيز كمركز حيوي يحتضن أكبر موجة من المهاجرين منذ الحرب العالمية الثانية .

       صناع السياسة الأوروبيين يأملون تضييق الخناق على طرق التهريب .. لكن جاذبية المغامرة تستهوي الكثيرون هنا .. رغم كل الصعوبات والمعوقات .

       المهاجرون العابرون لبلادنا يشترون الاشياء ، وتستهلك بضائعنا ، وينشطون اقتصادنا .. والناس هنا يستفيدون من وراء رواج التجارة معهم .. كيف يمكننا أن نوقف ذلك ؟

      من المتوقع أن يمر عبر أغاديز التي لا يزيد عدد سكانها عن 140000 نسمة ، ما يضاهي عددها ويتجاوزه من المهاجرين .. حوالى 150 الف مهاجر .. بزيادة قدرها أربعة أضعاف منذ اندلاع الانتفاضة في ليبيا عام 2011 .

       آلاف المهاجرين غير الشرعيين من شرق وغرب أفريقيا يعبرون صحراء ليبيا ، نحو نقاط انطلاق المراكب المتجهة لأوروبا . وفي عام 2014 .. غادر حوالي 170600 مهاجر عبر الموانئ الليبية .. وعبر اثنين من اكثر المسالك اعتيادا .. فزان .. الكفرة .

       مالي .. السودان .. النيجر .. السنغال .. إريتريا .. نيجيريا .. ساحل العاج .. أثيوبيا .. الصومال .. الدول الاكثر تصديرا للمهاجرين .. وحجم العائدات من المتجهين نحو ليبيا وحدها تجاوز 100 مليون $ هذا العام ، والمسئولين هنا يقدرون ذلك . بل وان بعضهم انخرط في عمليات الاتجار هذه .. وتبدو فرصة الترحال وبلوغ اوروبا الآن وبعد انتهاء حكم القذافي .. اكثر نجاعة .. هذا ساعد على رفع معيشة السكان هنا في بلد يعيش معظم سكانه على أقل من 2 $ .. لقد اعتادوا قبل عقد من الزمان ، نقل امتعتهم على ظهور الماشية ، كالجمال والحمير ، وبين منازل بنيت من لبن الطوب ، تستضئ بنور فتيل شمعة .

       الآن ، الشوارع مكتظة بالدراجات النارية وسيارات البيك أب تيوتا التي يقودها ليبيين ، وفيلل جديدة بنيت من الاسمنت ، وتوجت بالعديد من صفائح الألواح الشمسية وأطباق التقاط الأقمار الصناعية.

اهات جنوبية – 1

DSCF3251

   

    مع إطلالة كل صباح كنت ارقب حضوره في الموعد .. أراه مهتم بفحص مركبته المسلحة ( اربعطاش ونص ) .  يرتدي بزة عسكرية تعبق بفائح التحرر .. موشحه بأنواط وشارات ليبيا الحرة .. ما ان أجد نفسي على مقربة من مسكنه الذي اشتراه حديثا بحي بن عاشور .. يخفق قلبي بلا سابق اندار .. اتطلع إلى التحديق في طلته عن قرب .. ولا يتوانى هو الأخر مبادلتي النظرات .. بريق عينيه الحاد .. ابتسامته الصامتة الكتومة .. قصره المشيد .. تبعث نشوى انتعش بها إلى حين عودتي من المدرسة .. وهناك في عين المكان أجده في الموعد .. هذه المرة وهو يهم بأمور أخرى .. أحيانا بالنداء على عامل الصيانة .. وأخرى بإعطاء تعليمات للغفير والسائق المكلف بالشؤون الشخصية وتسوق مستلزمات القصر على ما يبدو .. وطابع افتعال أسباب وجوده في الموعد تكاد تكون ظاهرة .. بل وأصبحت على ثقة بأنه ينتظرني الان .. كلما حان موعد الذهاب إلى المدرسة مرورا بالحي حيث يقطن حديث العهد .. وموعد العودة .

      صباح الخير … أجد نفسي مضطرة للإجابة وان بهمس محتشم .. ومع الأيام تبعتها بسمات انتهت الى تبادل متوازي ومتوازن .. للكلمات والنظرات والبسمات والهمسات وأحيانا الإيماءات .. لا بل أكثر من ذلك .. تبادلنا أرقام الهواتف .. وصار التواصل بشذى الكلمة أنيس الليل .. حتى بت انتظر الموعد بلهفة وترقب    .

      اشعر انه يحبني إلى درجة الجنون .. تغنى بجمالي وروعة مفاتني .. نظم المواويل وأشعار الزجل .. ولا يمكنني ان اخفي عنه ما أنا عليه .. أفكر فيه .. انتظر طلته .. موعد اللقاء .. وكان لا يخلف موعد النظر والانتظار  .

     ثمة أشياء وأشياء .. اشعر انها تجذبني إليه .. وأكمل حديثه عن بطولات التحرير إزاحة ما تبقى من هواجس .. حدثني عن بطولاته بالجبل ، و99 معركة خاضها ، وعن ليلة تحرير طرابلس .. وكيف هم بالانقضاض على اركان العهد السابق في أوكارهم .. وكم العملات الصعبة بالملايين التي عثر عليها مخزنة بأقبية دورهم .. وكم السيارات الفارهة .. ولم يخفي عني احتفاظه ببعض منها .. كالفيراري الذهبية التي يستخدمها عادة في طلته المسائية كلما اختار المرور أمام منزلنا بحي الظهرة .. زهوا بالانتصار وبليبيا الحرة الجديدة .. ولربما بي .. أنا حبيبته التي لا تخلف الميعاد .. تنتظر لحظة مروره وتراقب من على شرفة شقة العائلة .

     حدثني عن أشياء وأشياء من تلك التي لا يتناولها الإعلام والفضائيات الليبية .. وتأسف كثيرا على أولائك الذين باعوا الوطن وهربوا أركان الطغيان ليقبضوا الملايين .. وعن من سرقوا المؤسسات العامة .. ومن لا زالوا يعبثون ويستفزون سلطات الحكومة .. يتقافزون على المناصب ويقتسمون الهبات والصلاحيات .. وعن دول عربية وأجنبية تدك انفها في كل صغيرة وكبيرة .. وعن تشاؤمه لما ألت إليه الأمور من فوضى وما قد تؤول إليه أحوال ليبيا .. والمصير المجهول .. انه يعرف الكثير مما تحمله الخفايا .

    كان كلما تحدث أضاف إلى حبي له رصيدا أخر .. وعاطفة جياشة تنبض بداخلي ولا تستثني شيء من الحواس والمشاعر .. انه ليس فقط ذلك المحارب العنيد .. ولا الفارس الذي يقدم لفتاته مهرها النفيس ( تحرير ليبيا ) .. انه أكثر من ذلك بكثير .. فهو المكافح الذي قاسى ضنك العيش والعوز والفقر .. هناك حيث ولد وترعرع بـ ( قرارة الحمادة الحمراء ) .. حيث موسم جمع الترفاس موعد الاقتيات لعام مقبل .. وفي سنوات انحباس المطر يصعب حسب تفسيره احتساب السنة في عداد عمر انقضى  .

      يهاتفني في الموعد .. تطول السهرة .. والليل والوجد وكلمات الحب  .. ولتشمل أحاديثنا كل شيء .. بما في ذلك الطبخ واشتهاءه لـ ( بازين بالترفاس وراها طاسة شاهي خضرة تقص المسمار ) ووعدي بتعلم فنونها .. أسوة بـ ( البيتي فور ، والسفنز ) ووعده بمحاولة استساغة طعمها وتذوقها ولربما التعود عليها .. وفي كثير من الأحيان لا يكترث حتى وهو يستأنس ويتسامر وجمع الرفقة والأصدقاء بالبيداء .. وبضواحي العاصمة ومفاوزها .. ليترك سماعة الهاتف مفتوحة .. تنقل لي طرب اللقاء وسمر المحررين .. وأحيانا يشتد به الوجد فيمتطي مركبته ( الاربعطاش ونصف ) .. ويهمس لي قبلها .. الآن وقد جن الليل .. لابد من تحية تخصك .. 50 طلقة في الهواء تعبيرا عن حب نما وترعرع في أجواء الحرية والتحرر .. أجواء ليبيا الحرة  .

     كم يحبني .. وكم أصبحت أنا أحبه أكثر من أي وقت مضى .. وقريبا يجمعنا القصر .. وسأمشى ألهوينا كما يمشي الوجى الوحل .. من حي شعبيات الظهر إلى حي بن عاشور .. حيث قصر حبيبي الذي اشتراه حديثا .. بعد التحرير .. والى ذلك الحين .. انتظر لحظة الغياب عن العالم .. وكل العوالم .. لحظة العناق والارتماء بأحضان حبيب العمر .. في ليلة العمر .. ليلة الزفاف .. عندها يصبح الحلم حقيقة .. وعندها سأردد ما حفظته عنه من أشعار .. ( وتعانقن ارقابنا وايدينا .. كما اتعانقن طيرين بين اغصاني .. شربنا رحيق الحب لين روينا .. وغبنا من العالم لعالم ثاني  ).

 . .

( 2 )

       قلت .. حدثني عن أشياء وأشياء من تلك التي لا يتناولها الإعلام والفضائيات الليبية .. وبلغة العارف بالكثير من الخفايا يكتفي بالإيماء عن البوح الصريح .. ذات مرة سألته عن تصريح الدكتور محمود جبريل الذي اتهم فيه أيدي أجنبية وراء قتل القذافي .. فأجاب : شيء من هذا القبيل .. وأسهب في ذكر الغاز مماثلة .. تهريب شخصيات تعد شفرة الصندوق الأسود للقذافي .. عبدالله السنوسي .. بشير صالح .. وغيرهم من كنزة الأموال وأصحاب النفوذ والعلاقات الممتدة .. وإن في أحيان أخرى لا تغذي إجاباته فضولي .. أو لعله اختار التنكر للحقيقة حفاظا على امن البلاد .. إذ  لا يمكن ان تكون سبب زيارة وزير الدفاع الفرنسي لليبيا حبه للترفاس .. لدرجة النهم والشبق ..  وطالما أحبه .. يبقى ما يقوله الصدق .. بل عين اليقين  .

         لا يهم .. ففي العادة .. التعريج على السياسة  يحوز على قدر قليل من زمن الأحاديث بيننا .. وأنا أيضا لا أفضل إحراجه بالأسئلة .. خطر ببالي ذات مرة ..  سؤاله عن مبرر مكافآت الثوار .. وهل القصد تحويلهم الى مرتزقة بالمال ؟ .. بالطبع .. ترددت .. ولا داعي لهكذا أسئلة .. أحاديث الحب والغرام .. والوله والهيام .. أنجع في تقريب المسافات .. وجبر القلوب الكسيرات .. والتفاؤل بما هو آت .. وتضميد جراح وأهات .. وشهيق وزفير تسكنه عبرات وعبرات .. اختنق بها الفؤاد لعقود وسنوات .. عجاف قاسيات .. ذهبت بلا رجعة .. ولا أسف على ما فات  .

      حبيبي من نوع خاص .. فريد الطبع والطباع .. أحيانا يفضل ان أراه وهو يرتدي البذلة وربطة العنق .. وأحيان أخرى .. زبون وعباءة ( خبخابي ) .. وفي معظم الأحيان البزة العسكرية المرقطة المهيبة .. فلسفته في الحياة .. اختيار اللباس يخضع لطبيعة المشوار .. وكما لكل مقام مقال .. للباس مهمة وغرض دال .. وتمظهر حسب الحال .. البزة العسكرية كلما استدعى الأمر المرور على الكتائب الثورية .. واوآن الوناسة والسهرية .. وربطة العنق  للصباحية .. ومراجعة الدوائر الحكومية .. والعباءة والزبون .. للفترة المسائية  .. مع الفيراري والعطور الفرنسية .. وجولات شوارع العاصمة الرئيسية ..  اما حيث اقطن أنا حبيبته الوفية .. فللمرور اليومي خصوصية .

       لا اخفي عليكم .. لقد همس لي أخيرا انه يود ان يرشح نفسه لعضوية المؤتمر الوطني .. يرى ذلك واجبا أكثر منه رغبة في بلوغ المناصب .. هناك فراغ سياسي ومحاولات اركان العهد المنصرم ملء الفراغ .. ولما لا ؟ أنا أيضا شجعته على ذلك .. وكما يقولون : ( وراء كل عظيم امرأة ) .. كذلك أريد له ان يكون عظيما كما هو الآن وأكثر .. يكفي انه خاض أكثر من 99 معركة بالجبل اختتمها بتحرير طرابلس .. الوجاهة والانتماء الثوري تطغى على كل ما يعتقد الآخرون انها نقيصة تلحقه .. بما في ذلك الكفأة والمعرفة .. ولا ضير .. يكفي انه يجيد القراءة والكتابة فوق كل ذلك الثراء والبطولات .. ويحضى بشعبية واسعة بين زمرة الرفقة والأصدقاء .. فلما لا ؟

      اظن ان الليل تمطى بصلبه وناء بكلكله .. فالى لقاء اخر .. واحاديث  الحب  .. واهات جنوبية .. زمن الترفاس  .. قصة ثائر عظيم من الجبل .. جاب المهاد والوهاد .. والفيافي والقفار .. وكان على موعد مع القدر .. هناك بالعاصمة  .. حيث حي الظهرة وبن عاشور .. وقصة حب نما وترعرع في أجواء ليبيا الحرة .. فأينع وأزهر وأثمر .. عظيم من وراءه عظيمة .

( 3 )

      بالأمس اتصل بي متأخر عن موعده وعلى غير عادته .. توقعت انه حن الى رحلات التقاط الترفاس بالحمادة .. لقد خاب ظني .. كثرت مشاغله حسب قوله .. تبادلنا اطراف الحديث طوال الليل .. عبر عن استياءه من استمرار علاقتنا على هذه الرتابة التي لا تزيد عن تواصل بالكلمة المسموعة عبر الهاتف .. ونظرة عابرة عن بعد .. وانه يرغب في اللقاء والتحاور وجه لوجه .. عش الزوجية لا يبنى من وراء الأستار .. أقنعني بالفكرة .. تواعدنا .. وعلى طريقي الى المدرسة .. كان في انتظاري .. امتطينا الفيراري سويا لوحدنا .. رهبة المغامرة .. والحديث عن قرب .. وأجواء الخلوة .. ألهبت مشاعري .. وبشيء من وخز الضمير .. ساورتني الأسئلة والظنون .. أي سحر هذا الذي يمتلكه ؟ وكيف تولدت كل هذه الجرأة لدي ؟!!.

     هناك على ضفاف ( شط الهنشير ) .. توقفنا نتأمل أمواج البحر المتلاطم .. للمكان سحره .. ضفاف المتوسط  .. وكغيرنا آخرون من أسرى الوجد .. لم نترجل خارج السيارة .. حل الصمت وخرست الألسن عن الكلام .. وبين الحين والحين .. يرمقني بنظرة وبسمة حائرة متوقدة   .. أبادله برمية خجولة مثلها .. ابحث عن فكرة .. عن كلمة تسعفني فلا أجد .. السياسة .. الترفاس .. الثورة .. الحب .. شلت الذاكرة .. وصعب الوصف والسؤال .. وللخروج من حالة الارتباك .. تصنعت البحث عن ( سي دي ) لأغنية تروق لي وتتناغم مع الموقف .. ووجد هو الأخر في الأمر فرصة لتحريك المشهد . فهم بعرض كل ما تحويه خزانة السيارة والمسجل الستيريو .. لم يقصد ملامسة يدي عنوة .. وظلت المسافة بيننا تحتفظ بالزوايا الحرجة .. رغم محدودية حيز المكان .. وفي بعض الأحيان غالبت الأنامل الحواجز .. وأشعلت فتيل الوجد .. بتصادم غير مقصود ، او لعله عناق مع سبق الإصرار والترصد ، سهوا . ( هذه اغنية رائعة النغم والكلمة .. خذي السي دي .. جربي الاستماع إليها ).. تلامس .. تصادم ..  دبت قشعريرة بالجسد كدت أخفيها .. وظل وهجها يلفح لواعجي .. ويبعث الدف بالمحيط .. اما عندما قدم لي طقم الذهب هدية اللقاء الأول .. تحجرت الحناجر .. وتشابكت الأنامل  .. وتجمد الدم في العروق .. وظللنا برهة وقد توقف الزمن .. ولابد لهكذا لحظات ان تجبر بالهمس وعذب الكلام .. وبجرأة .. نطق اللسان بجواهر لحن الغزل والهيام  .. ( حبي ..لا يغلى عليك .. مقامك ارفع مما تحوي الدنيا كنوز) .. ( شكرا حبي ) .. نطقتها بصوت خافت خجول .. كتم صدى وقعها بين جوانحي  .

       بقاء اكثر من ساعتين لم يكن وقتا كافيا وقد تحولت السعات إلى ثواني .. لقد سرقنا الوقت .. وآن اوآن العودة مرغمين .. ولا اعتقد انه سيكون اللقاء الأول والأخير .. إذ أننا لم نتحدث عن أي شيء يتعلق بالمستقبل الآتي ..  لعل اللقاء القادم .. يسعفنا .. إلى ذلك الحين .. انتظر بلهفة .

( 4 )

        ثقيل هذا اليوم .. ملل .. كلل .. تشاؤم .. سأم .. لا ادري ربما قلق تكتنفه هواجس وتساؤلات حول مشوار الأمس .. لكنه كان رائعا حقا في حينه ..  وها أنا أتطلع من وراء النوافذ والشبابيك .. أقف بما يكفي بالشرفة وبما لا يثير فضول الجيران .. ارقب مروره المعتاد بين الحين والأخر .. بموعد وبلا موعد  .

      احرجني فضول مدرسة الرياضيات بالمدرسة صباحا .. لاحظت حالة الشرود الذهني تنتابني على غير العادة .. تساءلت : ما بك اليوم يا فتاة ؟ .. على غير عادتك .. همهمت بكلمات لأظهر براءتي .. بدلت جهدا ضائعا لئلا تدرك زميلاتي ان طيفه يطاردني منذ لقاء الأمس .. وان كان ما بي خارج نطاق السيطرة .. وسوم الملامح .. ترسم صورة الوله والوجد ولا تخفى حتى عن أولئك اللائي لم يخضن التجربة بعد .. لكن ما عساي ان افعل ؟ . 

       حال عودتي من المدرسة تولدت لدي الرغبة في الاتصال به .. ترددت وعدلت عن الفكرة بعد لآي .. لا أريده يشعر بمطاردتي له .. طال انتظاره .. قلبت دفاتري فلم افلح في إضافة فكرة جديدة .. حتى المسلسل التركي المدبلج  الذي أتابعه يوميا .. لم يغذي لهفي ولا اختصر وقت الانتظار .. عين على التلفزيون وأخرى على الهاتف .. لا بل ا ضاف إلى شجوني شجون .. الفكر .. الخيال .. لقد اغتصب كل شيء ..  ما هذا .. لما هو قاسيا إلى هذا الحد ؟ ألا يدرك أنني  أتلهف لسماع صوته !! .. حاولت ان أغفو قليلا .. النوم هو الأخر عصي معاند .. أريد ان اخلد للنعاس . ليهدأ بالي .. ولعل أحلامي تطارد طيفه .. احلام جميل بثينه    :                 وإني لاستغشي وما بي نعسة .. لعل خيال منك يلقى خياليا .

       الساعة التاسعة وثلاث دقائق وعشرون ثانية مساء .. رن جرس الهاتف .. هرعت إلى غرفتي .. أواه .. أواه .. أخير اتصلت .. رغبت أن أعاتبه .. وعدلت عن ذلك .. أريد ان أضفي على موقفي شيء من التمظهر بالثبات .. ( والرزن ).

     قال لي فيما قال .. ان المهام المتتالية أرهقته .. في الصباح الباكر اشرف على تجهيز كتيبتين .. احداهما متجهة الى زوارة – رقدالين .. والاخرى الى سبها .. وفي المساء شارك الاجتماع المنعقد بين الحكومة والثوار لمناقشة ملفات عالقة .. ( ملف الجرحى والنهب والسرقات وإمكانية المسألة وتغيير فوري للجان الاشراف ) ( ملف الجيش الوطني وإمكانية دمج الثوار بوزارتي الدفاع والداخلية وتجميع السلاح ) ( ملف إخلاء الثوار لمقار مؤسسات حكومية كمطار طرابلس .. ومطار معيثيقة .. الدوحة في همس بعضهم ) ( ملف استيلاء جماعات على المنابر عنوة وبالقوة وفق تصريحات وزير الاوقاف ) ( ملف الأموال من عملات نقدية وسبائك الذهب التي سحبها عبدالله السنوسي من مصرف ليبيا المركزي قبل سقوط طرابلس وكم غنم منها الذين سهلوا له الهروب  ، وتصريحات الدكتور قويدر الاخيرة في الخصوص ) ( اتهامات الدكتور البعجة والدكتور جبريل للمجلس الانتقالي والحكومة بالقصور والتقصير والاهمال المتعمد ) ( ارتال حماية الشخصيات وتكاليف الاقامة بفنادق الخمر نجوم ) ( وتمترس اركان العهد المنصرم بمفاصل الدولة ).. الخ .

    ولئلا يسهب في الحديث عن ما ثم التوصل إليه .. قاطعته بلطف .. ( كنت أتوقع انك معزوم عند حد آخر على بازين بالترفاس هههههه ) .. منها إيماءة لما قد يكون على علاقة مع أخرى .. لعلها ابنة العم من هناك ( قرارة الحمادة الحمراء ) .. ومنها أنني انتظر لحظة التواصل لاشتهى سماع كلمات الحب والوله .. لا العسكر والسياسة  .

       أمي تطلبني لمساعدتها باعمال المنزل .. نادت أكثر من مرة .. أهملتها .. ليس هذا وقته ..  ويا لخيبتي .. لم يطل بنا المقام .. ها هو الأخر يشكو التعب .. ويغالبه النعاس .. ليعتذر .. ولا مناص .. إلى اللقاء ( حبيبتي ) غدا .. حقا .. ثقيل هذا اليوم  .

( 5 )

     تتحطم اللغة على أسوار الحب .. تتقلص مفرداتها فلا تعد أوعية مناسبة لصياغة المعاني اللطيفة ووصف المشاعر المرهفة .. عجز اللغة يرهق فرص التعبير ..  التمثيل .. الاستعارة .. كل الاساليب البلاغية تبدو ركيكة  وقلما تلامس  شطحات الوجد .. بؤس اللغة يتمظهر بوضوح وهي تطارد الاحرف والجمل لبناء موشحات الغرام  .

         تعذر قنص الأحرف والجمل  .. لم أجد ما اكتب على ظهر الصورة التي سأهديها له في الموعد .. وعند اللقاء صباح الغد .. لكنني كتبت : ” الإنسان لا يضمن الزمن .. فإن غاب عنك جسدي .. وانقطع وصلي .. وصعب وصفي .. اذكرني برسمي ” .. اخترت أيضا قنينة رائحة تعبق بشذى الياسمين .. اشتريتها خصيصا له .. مع سلسلة عقيق تتدلى على صدري .. تحمل الحرف الأول من اسمه واسمي  .

      فكرت في ان يكون موعد اللقاء مساءا .. وكدت ارتب الأمر مع إحدى صديقاتي الحميمات ، لأتعلل لامي بمهمة زيارتها .. ترددت وعدلت ..  الخطوة تحمل الكثير من التسرع .. لا زلنا في بداية الطريق .. وجسر العلاقة غض .. كما أنني لا أثق بصديقتي للحد الذي يمنعها سرقته مني .. وان كنت أثق فيها في مجمل الأحوال .. وبالطبع لا بد لي من الإفصاح لها بالحقيقة لتتدبر معي وتتستر أوان غيابي .. هي الأخرى رائعة الجمال .. وصية أمي تقول : ” يا مؤمن الرجال .. يا مؤمن الميه في الغربال ” .

        أصبحت أحفظ عن ظهر قلب كل الجمل والعبارات التي نثرها على مسامعي .. صداها يتردد بأذني ووقعها يطرق وجداني .. أتمثلها .. أعيدها .. استهدي بها .. أتأملها مرارا وتكرارا .. لا استثني شيئا منها ، بما في ذلك أخبار الطهو .. وبازين بالترفاس التي يشتهيها .. حتى أنني كلما ولجت دائرة الانترنت لم يغب عني سؤال ( المستشار قوقل ) عن كنهها .. وما الترفاس ؟ .. مواسمه .. انواعه : الأحمر ، الأبيض .. فوائده .. سبل جنيه .. فطر التراب .. وأفضل الطرق لطهوه .. قرأت كل ما كتب عن الترفاس .. حتى انني فكرت بكتابة رواية  ” أحاديث الحب زمن الترفاس ” ..   لا شك ان لكل ما قاله حيز ووقع خاص .. وللأوقات ومواعيدها .. وبين ذلك الكل المترامي .. والوجد المتنامي  .. وما جاد به لسانه الدليق .. يبقى لصدى كلمة ( حبيبتي ) .. ارن كارن المهر .. يزلزل الأركان .. يصعق الاذان  .. يدغدغ الوجدان  .

       اعشق حبيبي حد الثمالة ..  ولم يعدو ابن الملوح ( مجنون ليلي ) الصواب عندما قال :

 لحى الله اقواما يقولون إننا .. وجدنا طوال الدهر للحب شافيا ..

    نعم .. ليس ثمة  شفاء للحب .. الهجر زنزانة .. واد .. انتحار .. من لم يدخل التجربة  فليحتفظ بوصفاته العلاجية .. لا شيء يمكنه ان يقف ليعترض طريق الأحبة  .. سيلقفه سيل جارف لا يعرف المستحيل .. هكذا أنا .. فليحذر الجميع .

       أحيانا أقول متى تنتهي مرحلة الثورة لنلج مرحلة الدولة .. الثورة سرقت حبيبي مني .. وقته وجهده .. اما آن له ان يكرم ويتفرغ لمحبوبته .. الثورة أصبحت ضرة لي .. لا بل اشعر أنني أنا الضرة .. أحب الثورة .. ثم أحبني .. لا لا .. اكره الثورة .. اشعر بحالة من التجردن .. هل الحب يقود الى التجردن ؟ لا ادري .. غدا سأفصح للحبيب عن كل هواجسي .. وسأصارحه .. ( أريدك ملكا لي وحدي ) .. والى ان يحين موعد اللقاء .. يتبختر الزمن .. تتباطأ حركته .. اغنية لسيف النصر تواسي ”  كان الطريق جاباتك .. وجيت شور ديارهم .. سلملي على عيون الغلا .. انشدلي على عيون الغلا .. عيون الغلا .. واخبارهم ” .. وها أنا انتظر واتململ على جمر الوجد .

( 6 )

      نجمت وفكرت كثيرا .. لكني لم اقرأ أبدا .. فنجان يشبه فنجانك .. قالت جارتنا قارئة الفنجان وهي تحدق وتتأمل فنجان قهوتي .. ثم تسألت بدهشة : من هذا الغريب الذي يطوف حولك ؟ تجاهلت !! .. أي غريب ؟ .. لا ادري !! . صمتت برهة .. ابتسمت ونظرت اليّ بريبة .. احذري .. الطريق طويل .. وثمة ما يرهق المسير .. قاطعتها .. لا يشغلني احد ولا أؤمن بالتنجيم .. لا أريدها ان تعبر الى ردهات أسراري وسبر اغواري .. ولا ارغب في سماع من يدعي التنبؤ بالمستقبل . مخبوله هذه المرأة ، تدعي علم الغيب .. لا اكثرت ، تساورني شكوك في كل قول يخالف توقعاتي .. أصدقه في كل حرف وكلمة نطق بها .. احبه ويحبني .. افكر في عرض الموضوع على أمي قريبا ، وفي لقاء الأمس وعدني هو الأخر بمفاتحة والده . وقد تكون والدته ضيفة عزيزة علينا في الأيام او الأسابيع القادمة . لا ادري .. اشعر بتفاؤل يداعب جوانحي .. اكاد اطير .. افكر فيه .. طيفه يلاحقني .. يطاردني حيث أنا .. في يقظتي ومنامي .. لقاء الأمس ، وعوده ، مشاكساته ، ماثلة بخيالاتي .. كان جريئا وعلى غير عادته ، امسك بيدي عنوة ، احرجني حتى كدت اسحبها وما استطعت . ظللنا هكذا طوال اللقاء ، البسمة تغمر شفاهنا ، نتقاذف النظرات الهامسة اشبه بتعاطي القبلات ، ولا انسى كيف حدجني برمية شفاه وهو يودعني . وكأنه يقول لي لا تتأخري عن موعدنا القادم . وها انا انتظر .

( 7 )

كاتبه عليه إزالة ..

ملفك لقسم الهدم درت إحالة…

نبي نقولك…كاتبه عليه إزالة

      رسالة قصيرة من هاتفي النقال أرسلتها الى ابن عمي ( فضيل ) .. وليحدث ما يحدث … الليلة زراتنا زوجة عمي ووالدة فضيل .. تعللت بطول الوحشة ورغبتها في مسامرة أمي .. شيء من التظاهر بواجب الوصل وشيء من ( قصقصة الأحوال ) .. وفوق هذا وذاك أعربت لأمي عن رغبتها في اختياري زوجة لابنها فضيل .. اعرف زوجة عمي ودسائسها القديمة التي كادت ان تقطع الوصل بين اسرتينا .. فلم اترك لها الفرصة لتغتنم الخلوة بأمي او ان تلتهم أذنها .. تظاهرت القيام بواجب ضيافتها .. مرة اقدم لهن الشاي .. واخرى الكعك والمرطبات .. واخرى عطرتها بالبخور البلدي .. واخرى .. وهكذا لم اغب عن مجلسهن .. أتلصص لمعرفة كنه الزيارة وأغراضها .. ندرت أذني لمتابعة همسها ولمزها الى ان قالت : ( ولد عمها اولى بها .. وكما يقولون .. ينزلها من الباصور ) .. كان لوقع كلماتها لفح العواصف وصدى الرعود .. سرى وهج زمهرير بكياني .. تسمرت بمكاني .. تمالكت نفسي قدر ما استطيع .. اعارني الجدار سنده وكأنه ادرك حجم وقع المفاجأة الصعقة .. وعند اقرب مرتبة اسلمت جسدي وارتميت .. وقد فاضت عيناي بانهار الدموع ولبس الكون تاج الأسى والحزن .. أتسأل .. ما الذي يحدث حولي ؟ .. لما انا بالذات ؟ .. كيف له ان يتجرأ على فعلته ؟ .. لست بضاعة .. انا إنسانه امتلك مشاعر وأحاسيس .. أحب واكره .. من قال له أنني أحبه او إنني ارغب مشاركته عش الزوجية ؟ .. أليس من المنطق ان يسألني انا صاحبة الشأن اولا ؟ .. عادات .. تقاليد بالية .. لا اعترف .. ولن اقبل .. سأرفض مهما استدرجوا والدي .. انا سأتزوج من احب .. ومن هو يبادلني ذات الشعور . كدت ان اواجهها في الحين .. وان اعلنها صراحة امامها .. انني احب إنسان اخر وقد تواعدنا المودة وشراكة المستقبل والحياة .. لولا خوفي من تندر أمي واستهجانها لسلوكي .. لكنني لن أنام الليلة .. وسأنتهز الفرصة لأضع أمي امام الأمر الواقع . سأفضي لها غدا صباحا بكل ما يخالجني او لعله الليلة .. سأرمي بين يديها بصورة حبيبي الذي أخفيته عنها .. وقصة حبنا .. حبيبي الذي احب .. والذي لا اقبل لغيره بديل .. ولن يظمئ ولهي سواه .. والى ذاك الحين .. الليلة او الغد .. ها انا انتظر بفارغ الصبر .. لم اجد ما يواسيني ويضمد صبري سوى رسالة إليه .. الى فضيل على هاتفه النقال :

       ( كاتبه عليه إزالة .. ملفك لقسم الهدم درت إحالة… نبي نقولك … كاتبه عليه إزالة  )

( 8 )

      يومان مضت لم تعرف عيناي النوم .. سهر سهاد .. استجدي نزيف القلم ان يرسم كلمة .. استنطق اللغة ان تستجيرني عبارة .. أبى الكلم وتلعثم اللسان .. لقد حدثت الطامة الكبرى ، تفجرت الارض غيضا ، واطبقت السماء برعود قاصفة مزمجرة .. ضاق الصدر والمكان .. ما ان شاع الخبر .. وسري بين الأهل والجيران كسريان النار في الهشيم .. ملعونه .. فاجرة .. من تكون .. قليلة تربية .. يجب معاقبتها .. كيف لها ان تتجرأ بكل صلف ووقاحة وترفض ابن عمها من لحمها ودمها .. واكثر من هذا تستبدله بأخر خطف عقلها ولبها .. الى أين تسير .. يا للعار .. ماذا سيقال عنا .. قال ابن عمي الاكبر شقيق فضيل وهو يتجمهر مع أبناء عمومتي امام منزلنا ، واصوات البارود وقرقعة ( الاربعطاش ونص ) تملأ المكان والزمان بوابل التهديد والوعيد .. من يتجرأ على خطبتها او التلفظ باسمها سيكون مصيره الموت كعقاب أولي .. عليه ان يدرك المصير الذي ينتظره .. ( هي بنات الناس سايبه )  .

        منزلنا تحول لثكنه عسكرية .. حراسات ونفير .. في الداخل أبي الذي يجلس منكفئا على نفسه يداعب لحيته ويعبث بوقارة .. يغالبه التخمين صمتا وهو يبتلع آهات زافرة بالحسرة .. لا يريد ان يرى أمي بالمكان .. نهرها معاتبا إهمالها .. صرخ في وجهها : ( أين كنت .. بنتك فلتت من بين ايديك ) .. يا للهول .. ما الذي يجري .. انتظروني  .

( 9 )

         يا رب هل يرضيك هذا الجفاء .. والماء ينساب أمامي زلال .

     أي جرم هذا الذي أذنبت .. سحب جهاز الهاتف الجوال مني  .. اللابتوب .. قيدت حركتي .. وكمن حشر في زنزانة ضاقت جدرانها .. ونفذ هواءها .. اضع يدي على صحن خدي متهاوية في ركن حجرتي .. تتوارد مشاهد تلفحها عبره  .. ادرك حقيقة واحدة فقط .. ان المحيط  يغلي من حولي .. يؤنبني .. يسخر مني .. وان جميعهم ضدي .. هل سيسمحوا لي بمتابعة دراستي بعد هذا الانقطاع والمنع .. هل سيثقون  بي ثانية ، هل سيسمح لصديقاتي بزيارتي  .. او ان اتواصل معهن .. حصار .. حصار .. وقلوب قاسية لا تعرف الرحمة ترمق وتراقب بحنق شديد .. ماذا لو لم أكن فاتنة الجمال .. هل سيتمسك  ابن عمي فضيل بحقه المزعوم في إرغامي .. هل سيستنفر فرسان القبيلة لرتق شرفهما المهدور يوم ان تعلق قلب ابنة القبيلة الفاتنة بغير أبناءها  ؟ .. يا للهول .. ويا للمفارقة .. ان تكوني جميلة .. فارعة الطول .. بهية الطلة .. ثاقبة النظر .. زاهية الوجنات .. ممتلئة القوام .. نافرة النهد والارداف .. وادعة البسمات .. ان تكوني رائعة الجمال .. فذاك شر مستطير .. تنتظره ازمة لهيبها زمهرير ..  احداثها اشبه بالخلاف على تقاسم وليمة او غنيمة .. ليس لك ان تكوني عضوا في زفة المهرجان .. عبدة مأمورة .. ولعلك سبيه .. تباع وتشترى .. تمنح لمن يدعى الأحق بها .. لما كل هذا الارق والنزق .. أين أنت يا فضيل الذي تدعي قربى الدم .. من ولد ادم .. أتدري ما تفعل ؟ ، كم من كوابيس وآلام  زرعتها واقبرت بها قلوب كسيرة متلهفة للقاء .. يا مفرّق الوجد .. وزارع الألم والشقاق .. عد إلى رشدك واترك تراتيل النفاق  .

        أواه .. أواه .. أين أنت يا حبيبي يا رفيق العمر ؟ .. ومنية الخاطر .. كيف أنت ..  انقطع الوصل وتاهت الأخبار .. ماذا لو اغتالوك اكثر ؟ .. ماذا قالوا لك ؟ .. كيف أوصلوا تهديدهم إليك ؟ .. هل لا زلت تحب من أولجت حياتك  كل هذا العناء ؟ .. والتعب والشقاء ؟ .. أين أنت مني ؟ .. هل قررت التخلي عني في أوج محنتي ؟ اسألك .. اسأل نفسي التي لا تؤانسني بغير التشاؤم والمصير المحتوم ..  كيف لي ان أسمعك صوتي ورأيي .. ؟ كيف لي ان اقول لك وأعيد .. ( احبك ) ولا زلت على العهد .. وسأبقى أتسمر بجمر الوجد في وجه رياحهم العاتية .. سأنتظرك .. سأنتظرك .. سأرفض سبيي .. وسأراهن على الايام ان تأتي بأمل قد كان .. وتضمّد حسرة الوجدان  . سأنتظرك طالما انا لا زلت على قيد الحياة .. مهما طال الزمان  .

( 10 )

      اركض فوق قارعة طريق موحله  .. اشعر وكابوسا مرعبا جاثم على صدري  .. جالسة في الوحل وسط زقاق مقفر .. احس بوطأة السماء فوق راسي ابرقت وارعدت ودوى صوت الصاعقة .. والارض تكاد تفغر فاها لتلتهمني .. خيم الظلام واختلطت صرخات الألم بصيحات الذعر  .. لم اتمالك عن اطلاق صرخات الفزع .. عينيي الهبتها الدموع .. ارتعد واسعل بكل ما في قلبي من قوة .. هنا جن جنون الناس . الى متى يضلون سادرين في الغي .. والى متى تبقى العيون والقلوب مغلقة .. جاءوا في صلف كسيل عرم كاسحا في طريقه كل شيء ..إنهم يودون قتلي .. فرسان القبيلة .. كنت اصرخ بأكثر مما يفعل الاخرون .. ابحث عن ملاذ اختبئ منهم .. أخي الاكبر يشد من ازري ويتوعدهم .. ان من يقترب عتبة المنزل سوف يلقى مصيره .. اخيرا تشتت الجمع وهم يزمجرون .. ويتوعدونني .. خفت اصوات الدوي الذي كنت اسمعه في الشارع .. أمي تغمغم وهي تنظر الى السماء : ( لا حول ولا قوة إلا بالله )  .

      الحيرة تقتلني والرعب يملأ جوانحي .. انا الطريدة وجحافل الصيادين تلحق بي .. وما عساي ان افعل غدا .. اليوم أخي الاكبر اوقفهم عند عتبة الباب . الآن هدأت العاصفة .. أخي يقترح علينا ان نهجر المنزل لفترة من الزمن والى حين عودته .. انه لا يأنس لهم .. ظرف طارئ حدث يفرض عليه الذهاب الى غدامس وحدودنا الغربية .. يقول ان مجاملات  بعض قادة الجزائر لم تثني اخرين عن الحنين الى زمن القذافي .. وانه كقائد ميداني لإحدى كتائب الثوار يعتقد ان تحرشات مدعومة من قبل اسرة القذافي هناك وحاشيتها المحتمين بالجزائر قد تحدث .. قال فيما قال .. بالأمس  فقط صرح الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي أحمد أويحي في خطاب بقاعة حرشة حسان بالعاصمة في إطار الحملة الإنتخابية ( أن الشعب الجزائري يجب أن يكون يقظا، فبعد تدمير العراق وتقسيم السودان وتكسير ليبيا وإدخال مصر في الفوضى جاء الدور الآن على مالي )  .            

    أخي لا يثق في هؤلاء القابعين على سدة هرم السلطة في الجزائر الشقيقة .. اضاف : إننا لا نعرف الجزائر إلا من خلال هذه الوجوه العتيقة التي لا تفارق المشهد رغم الازمات التي تمر بها الجزائر والتي ستأتي عليهم أسوة بغيرهم ، وهو ما يخشونه في بلد النفط والغاز والمعادن .. لا ضير .. ما عساه ان يقول غير ذلك .. انه يخشى الطوفان .. اما الفوضى فهي الطف برا من الاستبداد وحكم العسكر .. ويبدو ان الشعب الجزائري العريق قارب ان يقول كلمته ويجأر في وجه البنادق المصوبه إليه لعقود .. ليبيا ليست فوضى لكنه تفاعل في اجواء الحرية .. ومثل هذه التصريحات تنم عن تصدير لازمات قد تكون ضحيتها وكبش الفداء بلدان الجوار .. لابد له من البقاء هناك لرصد ما يدور على حدودنا الغربية والجنوبية المحادية لبلد الازمات .

       لا ضير ولا خيار اخر .. غدا ستحزم العائلة أمتعتها .. وسأرافق أمي وأبي الى حيث لا يعرف فرسان الليل مكاننا .. ما كل هذه الكوارث التي جلبت لأسرتي لمجرد انني احببت !!! اما الى أين ستمضي بنا الامور فذاك ما تكشفه الايام القادمة .

( 11 )

      ليبيا اليوم اكثر رونقا وبهاء ، اشجار الشارع تتنفس الحرية بعمق وسخاء ، ورائحة الاستبداد الذي ازكم الأنوف ذهبت الى غير رجعة على الأقل هذا ما نزعم .. لكن أسرتي التي اختارت طريق المنفى والبحث عن ملاذ آمن تبدو لي وكأنها استكانت للضيم الى الأبد .. ذاكرتي لا تتسع وبياني عاجز عن الجموح .. وااسفاه .. زخارف حكاياته تسرح بي الى حيث لا احد .. الى فضاءات الوجد والخيال .. اردد كلماته .. لحن نبراته .. مهاد ووهاد .. فراق وبعاد .. وكورقة خريف اصفر لونها ويبست فلم تقوى على التشبث بشجرتها الأم .. الملم مقتنياتي وأسرج حقائبي .. الرحيل .. وانهار الدموع .. وهواجس الوداع .. وداعا يا ارض الحب والحبيب . لقد صحت اشد مخاوفي نكرا ..غابت اخبارك .. فيا ترى اين أنت ؟ وكيف أنت ؟ هل تسمع نجواي ؟

      لقد ترامت الاخبار بافضع النذر .. الثوار يستنفرون قواهم ويتوجهون الى الجنوب .. احداث دامية في الكفرة وسبها .. لا استبعد انه توجه الى هناك .. لقد كان دائما يردد على مسامعي قولته الشهيرة : ” في اوقات الشدة يظهر السمو او تنكشف الضعة ”  .

     ( شينك نقه .. فيه انتمنى وما اقدرت انطقه .. متباعد عزيز اليوم ) .. ها قد آنت لحظة الرحيل .. ما اقسى تذكر افراح الماضي .. تواعدنا.. لقاءنا .. زهونا .. كنت اقول لنفسي وأنا افكر بارتباك أنى لي ان ابقى هنا وليحدث ما يحدث .. الرحيل يعني فقدان الأمل في تتبع اخباره .. ليس في طاقتي احتمال ذلك  .

الله الله يا ماضي مضى .. .. زهينا ايام ومعانا الحبيب

وكنا اثنين في مركب غـــلا .. جاته ريح خلاته خريب

      ها هو جارنا الحاج مخلوف متوجه نحو والدي ليودعنا رافعا يديه بحركة لا ارادية الى عمامته . اصلحها وسرح بصره للأعلى ليعلو صوته على الهمهمة المتصاعدة بينهما .. لحيته تنتفض غضبا وسخرية .. اتنصت إليهم بتورية وأنا أهم بوضع أمتعتنا بسيارة والدي .. يتجاذبان الحديث حول الوطن والثورة وما آلت إليه الامور .. منذ زمن بعيد ونحن نعاني التهميش والقهر والجور والجوع ومصادرة الحريات والحقوق على يد القذافي وجلاديه وممارساتهم الهمجية والتعسفية الدكتاتورية والقمعية المقيتة .. قال الحاج مخلوف واضاف : خاض أبناءنا نضالات دؤوبة من أجل الانعتاق والحرية والاستقلال ، واستعادة الكرامة المسلوبة والمستباحة ، وقدموا في سبيل ذلك الغالي والنفيس على مذبح الحرية والانعتاق والتقدم والديمقراطية ، وأنجزوا حزمة من المكاسب والانتصارات . لكن ما نلاحظ اليوم أننا منينا بالانتكاسات والعثرات والإخفاقات خلال مسيرة ما بعد التحرير الطويلة والشاقة . وبات بناء المستقبل الافضل اشبه بحلم قصي . وكذا الدولة العصرية المتحضرة المدنية الديمقراطية ، دولة العدل والمساواة بين الجميع من أبناء الوطن . تحترم أرادتهم وخياراتهم من خلال المؤسسات والقانون  .

         كل يغني على ليلاه .. الحاج مخلوف يتألم لحال وطن يسكنه ، وأنا اتألم لحال وجد يرهقني .. ولئن عبر عن تأوهات تؤلمه فذاك افضل حالا مني وأنا اطوي ما في سريرتي كمدا واساطير وتقاليد بالية تجبرني على الصمت ، وتلحق العار بالثورة في داخلي  .

       ادعياء الثورة يرفضون الانتفاض والثورة .. الثورة على زمن الأسى الماضوي .. زمن الحرملك .. لا اخفي انني بالأمس سررت بصدور قانون يجرم من يرفعون عقائرهم بالكلام على المجلس الانتقالي واعضاءه .. نكاية بهم .. رغم ان القانون يعود بنا الى نقطة الصفر وحيث كنا .. ويسفه كل ذلك العنف الثوري لاقتناص الحرية .. الحرية التي كنت اتمنى ان انعم بها انا ايضا كامرأة .. رحماك نزار .. يا شاعر المرأة .. ليتهم يسمعون .. ليتهم يدركون  :

لماذا لا يكون الحبُّ في بلدي

طبيعياً ..

كأيةِ زهرةٍ بيضاء ..

طالعة من الصخر..

طبيعياً ..

كلُقْيا الثغرِ بالثغرِ ..

ومنساباً

كما شَعْري على ظَهْري …

لماذا لا يحبُّ الناسُ .. في لينٍ وفي يُسْرِ ؟

كما الأسماكُ في البحرِ ..

كما الأقمارُ في أفلاكها تجري..

لماذا لا يكون الحبُّ في بلدي ؟

ضرورياً ..

كديوانٍ من الشعرِ ….

لماذا لا يكون الحبُّ في بلدي ؟

ضرورياً ..

كديوانٍ من الشعرِ

( 12 )

         ليومين خلت غادرنا طرابلس ووصلنا هنا الى بني وليد .. لدينا أقارب وأصدقاء والدي هناك ، لكن المقام هنا أيضا لن يطول ، الأخبار المترامية تفيد بان الجيش الوطني والثوار يتأهبون  لاقتحام المدينة والقبض على الكثير من مجرمي الحرب المختبئين هناك ..  والألسن تلوك كلام عن سيطرة اركان العهد الماضي وكتائبه المدججة بالمرتزقة الأفارقة  على الواحة  .. وقد ارتدوا لحاف الثورة والثوار ، وشكلوا كتائب تتستر بعلم الاستقلال . وما يقال عن تحرير المدينة خال من الصحة  .

        بكى احد أصدقاء والدي الذين استضافونا بالواحة ونحن نهم بالرحيل .. وتلعثمت الكلمات في أعماق حلقه  .. اما والدي وقد ضاعف الغضب ضلعه تمتم بصوت كليل ” سنتجه جنوبا نحو فزان ” . وكان من بين الحضور ساعة الرحيل عدد لا بأس به من أصدقاء الأسرة وأبناءهم وبناتهم .. الشاب ( هيثم ) ولفرط انزعاجه حدجني بنظرة ثاقبة قرأت في عينيه وقد اغرورقت بالدموع لفحة هوى اصابته نحوي ..  انه شاب خلوق ، وسيم القسمات ، رقيق الملامح ، بدوي الطله .. لا اخفي ان فيه الكثير مما يذكرني بصورة حبيبيي المفقود ( رعد ) .. لاحقني بنظراته طوال مشهد الوداع شارد الذهن ..  وكنت مثله على استحياء ، اشعر وكأننا على فلك ، نعوم معا او نغرق معا .. مسحت انا الاخرى خدي بديل ثوبي ، لقد آنت لحظة الفراق .

      يحدوني الانزعاج .. عشية الحوادث الجسام واللحظات العصيبة .. صرخات الكرب وأمارات التفجع تعلو وجوه الكثير من أهل الواحة ، مذهولين مجفلين وهم يهمون بالمغادرة قبل ان يقرع القدر بابهم .. صيحات الأطفال بين الفينة والفينة وحدها تبعث الحياة وتذكرنا بأجواء الأمن والوئام .  وها هو شيخ مسن وقد أماط اللثام عن وجهه ، وبرزت لحيته الكثة ، وادار عمامته التي كان قد لاتها حول راسه فغطت جبينه الى الحاجبين . وكادت ان تخفي عينيه المحملقة ، يتلو تمتمات وادعية السفر  .

    غادرنا الواحة  ولا ادري بالضبط الى اي درب نسلك .. كل ما هناك اننا ذاهبون الى فزان .. لك ان تتدبر معي كيف لي التأقلم هناك .. صحراء فزان المقفرة والمناخ القاسي المتطرف .. أين انا من كل هذا العناء ؟.. لقد كان القدر اشد تقلبا من جلد الحرباء  .

     تتوالى الصور وتتوارد ..  تخامر ذهني في اليقظة والمنام ..  بعض الهمهمات التي لا طائل لها تزفر بها شفتاي . اين انت يا ( رعد ) .. وكيف انت ؟ المسافة بيننا تزداد بونا وتمتد .. فزان ليست هنا .. وجدار الصمت يواكب سير المركبة وهي تتجه جنوبا .. يا للوعتي .. هل ستعود بنا الايام  لتضمد جرح دامي ، وقلب كسير اضناه السفر والفراق وارق التنقل والنفاق  .. اين عمرى من ليل طويل ،  ودموع لا تكف تنهمر بالوجد والصمت والغليل  ؟.

وداعا يوسف .

11301481_701691403291762_2052971937_n

        السبت 27  مارس .. لقاء الوداع .. عزاء عمتي الزهرة .. عن عمر ناهز التسعين ..  رحمها الله .. بعد صلاة المغرب .. باحة مسجد الظهرة طرابلس  .. عمي .. آه يوسفو .. اهلين .. متى وصلتم .. هذا المساء .. قدمنا برا .. ورفيقي يوسف .. عانقت يده يدي طويلا .. وانتحينا جانبا ثلاثتنا  .. حواديث عن الاهل  .. وسبها .. والزيغن واحتنا .. وفزان  .. يوسف الاخر ابن اختي ..  وملحة الوداع : ( بكرة يا عمي مروحين .. اي توصية ؟ ) .

     –  سلامتكم ..  ولكن لما العجلة ؟ ..  800 كم .. وقضاء سعات محدودة بطرابلس .. والعودة في اليوم التالي .. ارق المسافة .. وغول الطريق .. وتهتمات .. وبوابات .. ابقوا ليوم او يومين ؟

       – ( العزاء .. وعزينا .. وربحنا شوفتكم .. سماح عمو ..  الصبح راجعين لسبها ) ..

      – سلامنا للجميع .. جدد مصافحتي .. وتوارى .

      عمتي الزهرة رحلت عن دنيانا ولم يتحقق لها حلم طاردها لدهر طويل .. منذ عام 1956 غاب شقيقها .. غادر نحو الجزائر .. كانت تتأمل ان تكتحل عيناها برؤيته قبل الممات .

     والآن وقد طال الزمن ، وبلغت من الكبر عتيا ، لم تنطفئ حيرتي ولهفتي علي أخي شقيقي بعد ، كيف هو ؟ وأين هو ؟ وكيف انتهي به المطاف ؟ .

     

    يوسف ابن اخي .. قبل اشهر قليلة احتفلنا به .. يوم نيله اجازة معهد النفط .. طرابلس ..  حضرت وأعمامه .. والأبناء .. احتفالية التخرج بمقر المعهد .. التقطنا الصور .. بباحة المعهد .

   

     مساء امس .. السبت 6 ابريل .. شقيقي الاكبر من واحتي الزيغن .. بالجنوب .. على الهاتف .. قبل قليل .. الساعة الخامسة والربع هذا المساء .. يوسف رحل .. رصاصة غادرة .. اغتالته .. حي الثانوية سبها .. كان في طريق عودته من صلاة العصر .. المنزل على بعد خطوات عن المسجد .. كالعادة .. صحبة والده .. اخي الاكبر .. تلاها وقفة يوسف المعتادة ورفاقه ابناء الحي .. ناصية الشارع .. المصلين كل في طريق العودة لمنزلة ..  هذا راجلا .. وأخر يمتطي مركبته .. في الجوار .. سيارة تيوتا لبوة .. اتم مالكها صلاته .. وما ان هم بفتح الباب ..  سيارة مترصدة على مقربة منه .. تمطر صدره ورأسه وجسده .. وحيث هو .. وابل من رصاص منهمر .. تدفق  كريح عاصف .. وسيل جارف .. التهم كل شيء .. وكأنه رصاص من نوع اخر .. لم يكتفي بتمزيق جسد واحد .. ما ان يجهز عليه .. يخترق جدار اللبوة .. ويبحث عن مستقر .. اخر .. ليمزقه .. حوائط الجدران التهبت .. وما لم تحرق ناره الجدران ..  اشفى غليله بجسد يوسف .. رحل يوسف مضرجا بالدماء .. ورحل الشاب مهند صاحب اللبوة اشلاء .

يوسف

   

    محمد .. ابن اخي الآخر .. رفيقه وصديق يوسف .. هو الان بالمستشفى .. جرح غائر بالفخذ .. واقل منه بالفخذ الاخر .. وشظايا حفت الجبهة  .. ورصاصة اخترقت البطن واستقرت .. الطبيب يرى ان لا خوف من بقائها مؤقتا .. ينسى ألالام جسده  .. فقد يوسف .. وهول اللحظة ..  لا يفارقه .

    يوسف الذي حلم مهندسا نفطيا .. رحل مبكرا .. لحظة الاجازة .. لم يتحقق حلمة .. وعمتي الزهرة انتظرت حتى سن الثمانون  .. ليتحقق حلمها .. ولم يتحقق .

   الوقت الآن متأخر .. غرب النهار .. ما ادراك والسفر بالليل .. لنؤجل سفرنا حتى الصباح .. اغمض عيني .. احبس انفاسي .. تغالبني دمعة .. مضى الليل ثقيلا .. قلق مضجعي ، وطال ليلي ، وقل انسي ، واشتدت وحشتي ، وبعد سروري .. وكأن الدهر ناصبني وقذف بي فجاج الارض ومخارمها ..  ابت غفوة مداهمة الجفون .. الساعة الثامنة صباحا .. موعد بدء السير .. طريق العزيزية غريان .. ( غير آمن ) .. لوحة ارشادية رصيف الطريق .. طريق السبيعة .. غريان .. البديل .. والتفافة طويلة حول العاصمة .. بحثا عن مسلك للخروج نحو فزان .

      السبيعة .. بن غيلان .. القواسم .. غريان .. الاصابعة .. توقفنا للتزود بالوقود .. ركن محطة الوقود المنعزلة .. شيخ مسن يدير محل تجاري للمواد الغذائية .. ولوازم الطريق الطويل الذي ينتظرك .. وبوابات .. ومطبات  .. عبرنا واحة مزدة  .. واحة ابو الغرب ..  وعند واحة القريات ..  اعدنا التزود بالوقود احتياطا .. كنا عند توقعنا .. في واحة الشويرف نقطة التزود القادمة .. مسافة 100 كم .. ازدحام خفيف بالمحطة  .. سيارات تنتظر دورها .. يلزمنا البقاء  .. نصف الساعة او اكثر .. امامنا 300 كم .. لنصل نقطة التزود القادمة .. واحة براك .. البنزين كاف .. واصلنا سيرنا .. محطة الغيلانية 120 كم .. كما توقعنا .. المضخات متوقفة .. وانتظار سيارات اقل .. واصلنا سيرنا .. عند واحة براك اعدنا التزود بالوقود .. عبرنا بطحاء زلاف .. وعند بوابة قويرة المال .. مدخل سبها .. ادار مقود السيارة يسارا نحو وادي البوانيس .. واحة تمنهنت .. واحة سمنو .. اسامة ابن اخي تولى مهمة قيادة السيارة .. محمد ابني 12 عام .. الجالس بالكرسي الخلفي .. يتطلع من نافدة السيارة ..  والكاميرا بيده .. اختار لنا باقة ذكرى .. صور لمعالم على الطريق .. الساعة الرابعة والنصف ، وصلنا الزيغن .. واحتي .. قبل ساعة من موعد الدفن .. الناس من مدن وقرى وواحات فزان هنا ..  حظروا للمواساة .. قلبي معهم وهم في طريق العودة الى مدنهم وقراهم  .

     لحظات تشييع الجثمان .. مرارة الحرقة .. تكالبت وتزاحمت أسباب الهذيان ..  اهات تتلوها عبرات وزفرات .. غصات القلب وأوجاعه تتكلم … وحالة من الذبول والغثيان جاثمة على الصدر والكيان ..

      حزني عليك أكبر من كلماتي وألمي … من يعزيني فيك . ما احر احتراقي عليك .. ابكاني فقدك احر بكاء .. يا لقلب وجيع .

     لحظة موارته الثرى .. عانقته مرة اخرى ..  جسدا هامدا هذه المرة .. بعد الآن ..  يوسف .. لن تعد تكتحل عيني برؤيته ثانية .. لا حيا .. ولا جثة هامدة ..  غاب في الابدية .. مضرجا بالدماء .. لقد قرع الطبل .. وحان موعد الوداع الاخير .. وداعا يوسف .

DSCF6595 DSCF6610 DSCF6596 DSCF6601 DSCF6604 DSCF6600 DSCF6616 DSCF6615 DSCF6616 DSCF6619 DSCF6627 DSCF6630 DSCF6675

مذكرات مواطن ليبي ( 3 )

DSCF3109 (2)

 

     يصادف اليوم 27 ، نوفمبر, 2011 .. حراك عسكري .. اللواء حفتر يتهم من أداروا معركة التحرير بالمنطقة الشرقية بالقصور وعدم الكفاءة لجهلهم بالعلوم العسكرية .. ويمثل لذلك بمن كان يوجه العمليات من غرفة العقيلة .. جبريل وشلقم واستهجان التدخل القطري في شؤوننا المحلية .. ولواء ينسب اليه الاشراف على ملف الترسانه النووية .. وقصة عبدالقدير خان .. ومليارات ذهبت سدى .. واخر يعتب على تصريحات بوكتف ويطالبه بتقوى الله .. وجمع يلقي بيان سرايا ثوار المنطقة الشرقية .. ينزع الشرعية القانونية عن بوكتف .

      ثوار سوق الجمعة .. في كمين ببني وليد .. اشتباكات ومواجهات .. ورحيل 17 شاب .. شكوك بوجود آلية جديدة .. يعمل ويخطط من خلالها الطابور الخامس .. ومع محمود شمام .. انه لم يعد هناك طابور خامس ولا اثر لازلام القذافي ، الكل اصبح ثوار ، والمجلس بالأمس كان امام مئات او ألاف المقاتلين يفاجأ بقوائم لا حصر لها تحت مسمى ” ثوار ” … وخلاف بين ثوار قصر بن غشير يتحول الى مواجهات .. حول من يقود .

    تحت الرماد .. فرار عبدالله السنوسي بمعونة اخرين .. بعد اعلان القبض عليه .. وثوار الزنتان ينفون اتهامهم المقايضة بسيف الاسلام ويتهمون الطابور الخامس بترويج شائعات لا اصل لها .. وكلام عن فضح سيف الاسلام لممارسات من تعاونوا معه وتصدروا زعامة الثوار .. وسوق لبيع السلاح جهارا نهارا ببنغازي .. جوار مستشفى العيون ، ونزلاء وإدارة المستشفى يشتكون من الازعاج الناجم عن تجريب السلاح والذي طال المبنى في احيان كثيرة . ولا رادع .

    ملف الجرحى الى الواجهة .. الفساد ينخر كل شيء .. المشرفين على اللجان متهمون .. المستشار عبدالجليل يقر بقصور اللجان المشرفة .. الثوار الجرحى ( يا ارض انهدي ما حد قدي ) .. تهجم على السفارات ومداهمة بعضها .. الشرعية ثورية .. .. وعلى مقار اللجان المشرفة على التسفير .. ( شتائم وتهديد ومشاجرات ) .. مصحات تونس تطرد الجرحى لعدم ايفاء المجلس بالتزاماته المالية .. وأخرى ترفع الأسعار .. طالما الدفع مؤجل .. ولجنة متابعة الجرحى توقف عملها بتونس .. لعدم تناغمها ومتطلبات الثوار .. تهديد بالمغادرة والعودة الى ليبيا .. وهو ما لا يحبذونه .. وجرحي ينامون بسيارات الإسعاف .. فلا وجود لمصحة تستقبلهم .. سفارتنا بتونس يصعب مراجعتها .. تزاحم ومعضل شاق .. وجرحى ثم استشفاءهم ولا يودون مغادرة المصحات .. وآخرون استأجروا خارج الفنادق والمقار المستاجرة من قبل المجلس الانتقالي .. منهم محرجين لعدم استيفاء الأجرة .. وتأخر المنح .. وآخرون غادروا الى ليبيا ومنحهم لا تزال جارية .. وآخرون وجدوا فرصة لنزهة .. رغم شفائهم فلا احد يقوى على ردعهم .. وليالي زاخرة بالمشاجرات والصراخ والفوضى العارمة بأماكن سكناهم .. الساعة الحادية عشر .. ليلا ( فندق الهناء .. دار النوار .. الخ .. شيء يحشم ) ولا رادع ( ألف ليلة وليلة ).. وتظاهرات ( ديغاج .. ديغاج ) .. الشرطة التونسية تخشى التدخل وتكتفي بزيادة مراقبيها .. وبلا جدوى .. البوليس التونسي يومك وثانيك .. إودع بالسجن .. ثلاثة ايام ويعود لسابق عهده .. مشرفي اللجان ( مش موضوعي .. طبس عنها تخطاك .. وفرصة العمر تكسيده في تونس ) .. ومدير يداهن فوضوي .. يمنحه 1600 دينار تونسي ليستأجر بعيدا ويغرب .. مع 200 دينار منحة أسبوعية ( غير اقلب وجهك عنا ) .. لكنه يبقى .. هنا وهناك .. تزاحم جرحى الانتظار .. لشهور ولجان اخرى .. لمهمة نقل من يستوجب علاجهم خارج تونس .. لجنة المانيا .. لجنة بريطانيا .. لجنة ايطاليا .. لجنة اليونان .. واتهام الجرحى للجان الفرز بالوساطة ( حمد وحميده ) .. هشم المتزاحمون .. واجهة المقر .. ودرءا للخطر .. اكتفت بقبول الأوراق والتقارير .. وإبلاغ من تتوفر فيهم الشروط وتم قبول ترحيلهم عبر الهاتف .. وحذر ان لا تكون طريقة مستحدثة لتمرير اختياراتهم بأمان .. وحديث عن فيروسات بمصحات تونس .. لفقدان التعقيم الكافي .. والوزير يعتبر الأمر طبيعي ويحدث في كل مصحات العالم .

     شكاوى الجرحى باليونان .. وكلام عن إيداع الجرحى المرحلين من تونس الى المانيا الحجر الصحي .. وعن عدم التنسيق مع المكتب الطبي بالسفارة .. ومدير المكتب يعبر عن استياءه من تجاهل لجنة التعاقد لهم .. اختارت مصحات مبعثرة وبعيدة عن المركز .. حيث العاصمة .. ثمة صعوبة في الإشراف والإطلاع بأخر المستجدات .. وفي المغرب الجرحى أودعوا مستشفى عسكري متواضع .. والتمويل المالي قاسم مشترك ضمن شكوى الجميع .. والمستشار عبدالجليل يؤكد بلغة هادئة إدراكه للمعضل .. ويعد باهتمام أوفر بملف الجرحى .. وان أردنا التماس العذر .. يمكن القول بأن كثير من الجرحى يحتاج علاج نفسي يواكب الجسدي .

مذكرات مواطن ليبي ( 2 )

IMG_20110914_194408

   

      يصادف اليوم 26 ، نوفمبر, 2011 .. احدهم على شاشة التلفاز .. يسخر من وصاية لدولة شقيقة .. يعتب تدخلها في عملية الاختيار .. وبلا همز ولا لمز .. الوزير الكيب .. قادم من هناك .. وكان مقيم بها لزمن .. ” قطرولوجي ” .. حكومة مستوردة .. وما اشيع عن اعتماد الكفاءة عنوان الاختيار .. غير دقيق .. وهل ليس بالداخل كفاءات مطلقا .. بل هي حكومة ” اصدقاء الكيب ” .. اربع شخصيات من أصدقائه اسندت لهم مهام سيادية .. منهم نائب الرئيس .. اظن ان رئيس الوزراء ناله التغابي .. وفقد خارطة التركيبة الاجتماعية .. غاب طويلا .. لم يعاصر التحولات التي شهدها الداخل عن كتب .. التهمه المهجر لزمن طويل .. فأنساه .. وهل عقمت ليبيا ؟

     لما نستكثر على ليبيا ان يحكمها ابناءها ورجالاتها الذين لم يتركوها ؟ .. وأخر يتحفظ لمجرد اقتناء المكلفين جنسيات أجنبية … وثالث يصرخ .. ليست سوى حكومة ” محاصصة ” جهوية .. وثمة اقصاء لبعض المناطق … ورابع يصفها بحكومة كبار السن .. صار الوطن اشبه بحافلات النقل العام .. حيث الكراسي لكبار السن فقط …. وخامس يتهم .. بل حكومة شكلت مراضاة للغرب .

     وتظاهرات واعتصامات في اجدابيا .. وسؤال : اين موقع اجدابيا من الخارطة السياسية ؟ .. عدد سكانها 150 الف نسمة .. لما لا تكون محافظة مستقلة ، وهتاف ” الثورة مستمرة والكيب يطلع بره ” .

     واحتجاجات مماثلة في بنغازي ، عدد خمسة وزراء غير كاف لمعقل الثوار ومهد الثورة طالما يفتقد الحقائب السيادية .. ويرد رفيقه في النضال .. كيف يكون هناك تهميش لبرقة والسيد رئيس المجلس الوطني بعظمه ولحمه وشحمه منها .. أليس هو رئيس الدولة ؟! .. ماذا تريدون والرئيس في جانبكم ومن بينكم ؟ .. حالنا كحال التي كلما اتمت غزلها نقضته مرة اخرى انكاثا .. هذا حديث صيغ في قوالب المنطق الجهوي الصدئة .

     وآخرون يعتبون لإسناد مهام وزراء لأشخاص كان لهم باع طويل في خدمة العهد السابق ، ودعوة للاحتجاج بالعاصمة .. تطالب باسقاطهم .. اخرتها .. بدلا من محاسبتهم .. تمت مكافأتهم .

      وكتب مدون ” اسرق . اسرق .. وفي ليبيا الحرة اربح وزارة هدية .. وبداية القصيدة كفر .. عمار يا ليبيا ” .. تعقيب على كلام منى الليبية من البيضاء ” الجنود لا يبحثون عن بدل مبيت ، المتسكعون وحدهم من يروق لهم النوم في الخمر نجوم .. قاعدة لا تكسرها مرايا ريكسوس .. ولا اضواء كورنثيا .. ولا تلك المظاهرة العقيمة امام فندق تبستي .. خلو الحكومة تخدم خدمتها .. المعايرة السياسية ظاهرة ليبية ، هي حكومة عمل .. ماذا لو منحوا الحكومة فرصتها . صدقوني ستصل الهوتيلات الى بيوتهم .

     وانباء عن احتجاجات في زوارة .. ترفض تهميش قوم الامازيغ .. تمثيلهم بالوزارة محتشم .. بل يكاد معدوم .. وبيان مجلس زوارة المحلي يلطف الاجواء .. وهمس دون جعجعة حول تهميش الجنوب بالكامل .. وتظاهرات نسوية تندد بإجحاف في حق المرأة .. نسبة ضئيلة .. جل الوزراء من الرجال .. وقناة ” ليبيا الاحرار ” .. انتحلت اسم جديد .. ” ليبيا الاشرار ” .. وسفير عين اخيرا بعد رحلة غربة طويلة .. شريد .. ناله الهمز .. يصرخ .. الكفاءات هم من اثبتوا جدارتهم بالخارج .. وفي كل الأحوال .. رضا الجميع غاية لا تدرك .