مذكرات رحالة من فزان 1852 – ( 5 )

    

   الجبالي ابو نعجه اصله من الجبل الاخضر نواحي بني غازي .. كان رجل فقير ولا يملك سوى نعجة واحدة  ..  هاجر من ارض بنغازي .. الى ارض مصر .. وتبدلت احواله .. وصار شيخ ميسور الحال .

      وقعت كائنة الغزي بعضهم ببعض .. تناحروا .. واتى الملك المرحوم بونابرت .. حكم ملك مصر .. ركب الجبالي ابو نعجه عند مولى مصر .. وكان رجل صنديد في المحن وأوقات الفتن .. كان يصدق بالصحبة الى محمد على .. فلما خرج السلطان .. بعد اربعة سنين تولى محمد على باشا حكم مصر .. فأختار الجبالي ابو نعجه شيخ العرب عنده ..  وأكرمه غاية الكرم .. وصار الجبالي رجل كبير الشأن .. عالي المقام ..  وكسب من الدنيا الشيء الكثير .. والمال الوفير .. الان مات .. ابنه الحاج حسين حل شيخا مكانه .

     الجوازي اصلهم من بني هلال .. خرجوا من نواحي بر نجد .. دخلوا بر مصر .. ومن بر مصر الى ازنات .. ازنات من بر تونس .. ازنات الهلالي .. وطردوا من كل مكان ..  الان رهط منهم نواحي وادي سوف .. يسموهم اطرود  .. وأما اولاد زازي من الهلالي .. رجعوا نواحي بر المشرق .. وسكنوا ارض ريف نواحي البهنس .. قرب وادي سوف .. واما كبار الجوازي الان .. هم عائلة امطيريد .. ولم  يبقى من عائلة امطيريد سوى ثلاثة رجال ..  عبدالنبي وعبدالله وعمر ..  وهذا ما كان من امرهم .

        اردنا التوجه نحو بر مصر ، اهدى الينا الشيخ ابونعجه .. مئة وخمسين خيرية .. وعود من جياد الخيل .. واهدأ لنا ابنه احميد خمسون خيرية .. وأرسلنا الى كرداسه قرب الجيزة .. رحلنا ظهرا ..  تحفنا جبال الصوان والجير .. تسعة ايام حتى وصلنا الى ارض الجيزة ..  اتينا الجيزة .. بنيان الناس الاولين ..  ثلاثة ديار ، اهرامات .. احدهما صغير .. واثنان اكثر ضخامة منه .. بنيت باحجار صلدة ضخمة .. ونقوش الاولين .. قيل .. جبانة الناس الاولين .. نواحي شرق الجيزة ..  وفي ذلك الموضع مدينة يسموها بلسان الناس الاولين منفس .. جبانتهم غطاها الرمل .. لا يظهر منها الا بعض المطارح .. وقد راينا كتاب في مصر ونظرنا فيه .. قال ذلك الكتاب .. انه كان اول الزمان .. يفيض النهر .. ويصل لينال من بنيان معبد سلطان الناس الاولين .. ووصل فيض الماء نواحي ارض الفيوم .

       اما البحر الذي بأرض الفيوم .. حفره سلطان من سلاطين الاولين ..كان قبلها .. عندما يفيض النيل .. يخرب الارض والزرع والضرع .

      كان ذلك السلطان صاحب عقل وسياسة .. خفف فيضان النهر الجارف .. لأجل ان لا يتضرر احد من الرعية .. او تتلف مزروعاته وجهده  .. ولا يجرف الماء معبد السلطان .. وفي هذا المكان .. انتصر المرحوم نابليون بونابرت .. وقهر الغزاة .. واخذ مصر وترأس فيها ..  وقد اخبرنا رجل مدارس بالجامع الازهر .. انسان طيب صدوق .. مرابط  .. اسمه السيد محمد السمان .. عن دعوة المرحوم نابليون .. قال لنا : اتى بونابرت واخذ الاسكندرية ..  ثم زحف بجنوده ومحاله برا حتى وصل ارض الجيزة .. قرب الاهرامات ..  والتقى جيش الغزاة .. وهزمه ..  بعد حرب شديدة المراس .. غلبهم واخذ ملكهم ..  فلما غلب مصر  .. جعل مقربيه من اهل المدارس .. والزوي .. والمرابطين .. قال لهم اني اسلمت .. فأحبوه .. وأحبوا قوله ..  اقام صحبة مع شريف مكة .. وصحبة مع سلطان الحج .. وصحبة مع سلطان الهند .. ومحبة مع سلطان اسطنبول .. قال لنا : لو لم تحدث الدعوة في بر فرنسا .. وأخرجت الدسائس المرحوم  نابليون بونابرت من مصر .. خلف بديلا عنه جننار .. لكن الجننار الذي خلفه كان غافلا .. قليل فهم .. وكان سببا في خروج فرنسا من مصر .. ولو دام حكم المرحوم بونابرت مدة كافية في مصر .. لكان اخذ جميع بر العرب والعجم .. ولكان سببا في تحابب العرب والعجم .. وحلول الود بينهم .. لقد قالها لهم .. اني اسلمت .. كان رجلا شهما .. كريم وصاحب عقل ودراية بفنون السياسة  ..  وهذا ما علمنا من امره رحمه الله عليه .

     بلغنا ” كرداسة ” .. بلاد رائعة الملامح ..  هواءها طيب .. ثمر نخلها صنفه شهي لذيذ  .. افضل من ثمر بر مصر .. لا يعلى على ثمر كرداسة سوى ثمر سيوه والواحات .. وأيضا افضل من ثمر جميع بلدان حواف  النيل .

          قليل كسبهم للأغنام .. يزرعون الحمص ، والدلاع ، والقمح ، والدرة ، والفول .. تحيط بها ناحية الغرب .. والقبلة .. جبال حجرية .. وغرود رمل .. وقريب منها بنيان الناس الاولين ومقابرهم .. وقرب منها غلب بونابرت الغزو .    

 

     وصلنا الي كرداسة .. اقمنا وارتاحت جمالنا ، ثم ركبنا النهر وقطعناه الى ضفة بولاق .. ومن بولاق وجدنا انفسنا في عمق مصر .. استأجرنا بيت في وكالة قرب العجمين .. واستأجرنا  لزواملنا قرب باب المتولي .. ثم ارسلنا زواملنا الى  مولد السيد البدوي مع رجل محب لنا من اهل طرابلس .. فقد نالت مني الحمة .. وصرت مريض مرضا شديدا .. اقمت في مصر مدة .. الى ان حان  وقت الحج ..  وقد ضاق خاطري من شدة المرض والغربة .. وفجيعة فراق ابينا واخوتنا يلاحقني وجعها .. استأجرت جمل بسعر اربعمائة واربعين قرش .. حملت على ظهره قنطارين من الطعام .. مونتنا وعوين رحيلنا .. ومن مصر الى الحصوت .. اقمنا هناك ثلاثة ايام .. ثم ارتحلنا وتوجهنا نحو عجرود .. عجرود ماؤها مر المذاق .. اشبه بالحنظل .. لكن عربها قدموا لنا من ماء الغدير .. شربنا وارتوينا وتابعنا سيرنا ..  لكن الحمى زاد وجعها .. وأظن ان للماء ضلع ..  ولم تتركني تلك الحمة طوال سفري حتى مكة المكرمة .. وصلنا موضع يقال له ” مغار شعيب ” .. غابة من اشجار الطرفي .. بالليل .. اشتدت بي الحمة .. بتنا هناك .

     في جعبتي اثنان بندقية غدارة .. موشاة بالذهب .. اهداهم يوسف باشا مولى طرابلس لابينا .. احتازوا معنا يوم خروجنا من ” قارة البغلة ” ..  يوم مات ابي .. وعمي .. واخوتي .. سعر البندقية حوالى خمسمائة دور .. كنت اعلقها على الجدار امام عيني  ..  طوال فترة سكوني للحمة .. وفي تلك الليلة وقد اشتد بي المرض .. وكدت اغيب عن وعي ..  الرجل الذي استأجرنا منه واسمه الحاج عرفات .. تسلل الى حجرتي .. وسرقها ..  فلما استيقظت .. تفقدتها ولم اجدها .. صرخت  على الحاج عرفه وسألته .. قال لي .. سيكون خير .. وحشا لله لم اراها .. في الصباح .. قصدت كبير الركب المصري طرف محمد علي باشا .. اشتكيت له الواقعة .. فأرسل يطلب الحاج عرفه .. سأله عنها .. قال : حاشا فضل الله لم اراها .. لكني رأيت رجل من الفلاحين بالليل يتمشى قرب جمل هذا المغربي .. فقال له تعرف الرجل ؟  قال : اعرفه .. قال له : اذهب اليه واحضر معه .. ذهب اليه .. وعادا سويا .. سأله كبير الركب .. قال خير الله .. لم اسرق غداري هذا الرجل .. فما اتيت سيدي لأقصد الحج واسرق .. هذا شيء نكر .. باطل .. لكن كبير الركب ظل شاكا في قوله .. وارد ان يضربه بالعصى .. فلما رأيت ذلك الرجل يتوسل .. رق خاطري .. قلت له .. اترك الرجل وشأنه ..قد يكون ليس هو السارق .. ويلحقنا منه ظلم وذنب .. فان كان بها نصيب .. يأتي الله بها .. وان غاب النصيب .. فهي فداء لي .. وفداء لاهلي ..  ترك الرجل .  

       رجعنا واقمنا بمغار شعيب ذلك النهار ..  وفي الليل رحلنا .. جلب لنا العرب الغنم والسمن والعسل .. وأهل المكان مجرمين وقطاع طرق .. ” حرايمية ”  يلحقون بركب الحجيج العابرة .. وكل من تخلف منهم سرقوه .. اناس نحاف البنية ..وجوههم شاحبة .. يظفرون شعورهم كما النساء .. ويرطبونها بدهان السمن .. يرتدون شاشية صغيرة من القطن على رؤوسهم .. ومحرمة اشبه بالعبروق زينة نساء اهل بنغازي .. ينسدل على اكتافهن .. فيضيف لجمالهن جمال .. ولرقتهن انوثة .. ميسوري الحال منهم يجعلونها من الحرير .. والمعدمين يجعلونها من القطن .. تاتي من مصر والشام ومن بر الهند وبر اليمن ..  ملامح نسائهم ليست بالجميلات .. يسكنون اعالي الجبال ..  وفي مواطن العيون وتدفق الماء .. يزرعون القمح ، الدخن ،  اشجار الموح ، اشجار الارنج .

          سكان الجبال يفضلون قمحهم على القمح القادم من بر مصر .. في العادة لا يخلوا من حشرة القميل كما يقولون .

      ماشيتهم من الماعز صغير الحجم .. هيئته اشبه بالغزال .. سألت احدهم عن سر ذلك .. قال لي : عندما تسرح الماعز بالمراعي ..  تأتي اليها ذكور الغزلان .. فتأتي صغارها على صورة الغزال .. اما الغنم فهي قليلة الكسب عندهم .. كما الابل .. حال كل براري الصحراء بين مصر ومكة .

      تكثر اشجار الطلح بأشواكها الحادة في صحرائهم ..يجمعون بذور زهرها .. يهرسونها .. ويدبغون بها الجلود .. جلود البقر .. التي يعز عليهم دبغها .. وكذلك  بذر الخروب .. ومن جذور شجر الجداري يدبغون القرب المصنوعة من جلد الماعز .

         سلاحهم اكثره يشتعل بالفتيل .. يرتدون بأحزمتهم سكاكين على سمت الغنيمي .. يقال لها ” جنبية ” .. عرضها اربعة اصابع .. رأسها مدبب رقيق .. طولها ثلاثة اشبار .. وفي ايديهم يمتشقون الرمح .. ولطباعهم الشرسة .. تحذر قوافل الحجيج عند المرور بارضهم .. وجوه ضامرة ..  سيقان نحيفة ..  يجيدون العدو على صخور الجبال .

    حدثنا رجل منهم اسمه حسنان .. قال : غرب بدر وحنين جبل عالي من الرمل الخشن .. تنبت به حشيشه نادرة .. وذات يوم اتى الينا رجل من اهل الهند .. وأقام بيننا .. وصارت له صحبة مع اهل بدر وحنين .. ذهبت وإياه الى الجبل .. كان يقطف من تلك العشبه ويجمعه ..  سألته : قال لي .. فيها علاج العيون .. ترفع غشاوة العين اذا نزل بها البياض .. اسحقها ناعما .. ورش قليل من المسحوق بالعين المصابة .. تشفى .. اخذت انا الاخر من تلك العشبه .. وعملت بقوله .. وكانت ثمة امرأة تعاني بياض العين .. سحقت العشبة .. ورششت قليل منها على عينها .. فشفيت .. وصح ما قال الطبيب الهندي .. ومنذ ذلك الحين .. صرت امتهن علاج بياض العيون .. يأتي اليّ الناس من مطارح بعيدة .. يأخذونني الى حيث اهليهم وذويهم .. اعالجهم .

     قلت له : اريد ان تدلني عليها .. نعتها لي .. عرفتها ..  وعزمت في طريق عودتي من مكة .. سأقطف منها احمله معي .

مذكرات رحالة من فزان 1852 .. ( 4 )

   

 

   واحة سيوه .. قريتان .. الطوب الطيني مادة البناء .. ديار عالية وغرف .. سيدي سليمان ضريح مرابط يتبركون بزيارته .. يضعون الصدقات من الثمر امام الضريح لعابري السبيل .. يأكل ملء شهوته .. تحيط بالواحة سبخة ملحية ناحية الغرب ..  وجبل به بنيان ونقوش الاولين .. وألطف انواع التمر عندهم ” السعيدي ” .. ويذهب معظم الانتاج الى الاسكندرية .. اشجار الرمان كثير العدد .. كما السفرجل والخوخ والمشمش .. في شهر مايو  .. وفي وقت الخريف .. تزور الواحة حمة غامضة .. تدفع التجار والغرباء الى الابتعاد عنها تلك الفترة .. ومن اصيب بها .. قلما يسلم من الموت ، ومن يصاب بها لا يقول انني شفيت منها ما لم تمضي اربعون يوما على شفائه .

 

     نسائها سمر اللون .. بهية الطلة .. جميلات .. لباسهن اشبه بلباس نساء غدامس .. ارض سيوة مقفرة .. اناس وأشجار نخيل .. . لا زرع ولا حرث ولا ماشية ..  يعتمدون على ما يأتي اليهم من بنغازي .. الغنم .. السمن .. الصوف .. يشتهون لحم الجمال ، فيجد التجار فرصتهم في استبداله بالتمر لديهم .

 

      غادرت سيوه نحو الشرق ..تحفني جبال الصوان والجير .. وارض يغطيها حجر الشب والنطرون .. وسط المسافة الى الواحات .. تمثال ضخم من الحجر الاسود .. يقال له ” تمثال العبد ” ..  قيل انه في اول الزمان كان عبدا عاصيا .. قاطع طريق ..  لكنه تعرض يوما ما لرجل مرابط .. دعا عليه فصار حجرا .. لكن هذا القول الذي يرونه لي .. كلام من لا عقل له .. بل ذهب بهم المعتقد الى رجمه بالحجارة كلما عبر مسافر بجواره .. حتى كادت الحصى تغطيه .

 

   استغرقت رحلتنا من سيوة الى الواحات سبعة ايام .. مررنا بثلاثة معاطن للماء ، لكن ماءها ملح اجاج .. الصحراء بينهما يقال لها :  مفرش جماح  ” .. جرداء مع قليل من شجر البلبال والاثل .

 

    ارض الواحات اكثر خصبا .. الماء مد الادرع عن وجه الارض .. غابات من النخيل الكثيفة .. الخضر والزرع .. العدس .. الارز .. الزيتون ..  قصدنا دار الشيخ يونس .. فرح بنا غاية الفرح .. واكرمنا غاية الكرم .. اقمت عنده سبعة ايام .. ورافقنا سفرنا يوم ودعناه حتى ارض الجوازي .. البهنس قرب وادي سوف ..  لقد اكرمنا اهل البهنس غاية الكرم .. ولكنني مرضت لشهرين متتاليين .. وانتظرت حتى شفيت .. وتابعت سيري نحو مصر .. وقد اهدى لنا مشائخ الجوازي .. عمر عبدالنبي .. وعبدالله بن المصري .. عشرة احمال وعود جواد جيد .. وفيما كنت مقيم عندهم .. كنا نذهب يوميا الى السبخة لنصطاد طير البرني .. والطيور عندهم اجناس اربع ..  الصقر والكوهية والبحاري والقرناص .

 

      ذكر طائر البرني يصطاد به .. وما يميزه انه لا يدمي بالفريسة .. يكتفي بالقبض عليها ..  وأفضل الطيور الصقر .. ثم الكوهية .. ثم البحار .. ثم القرناص .. ذكر الصقر يسمونه الزغزغي ..  وذكر الكوهية يسمونه زغزغي الكواهي .. وذكر البحاري يسموه الشاهين ..  وذكر القرناص يسمونه الطرشون .. وفي اسلوب صيدهم يستخدمون حمامة طعم للطائر الحر الجارح .. يضعون على ظهرها شبك من خيط .. ومنه حلقات صغيرة تقفل عند شدها .. وهي التي تتخبل فيها مخالبه لحظة انقضاضه على الفريسة .. وما ان يستشعر انه في مآزق .. وانه مكبل .. يتوقف عن محاولة الفرار ..  : ” الطير الحر اذا حصل ما يتخبل ”  ..  يأتي الصياد ويخلصه من الشبك .. ويخيط اجفانه .. وفي ارجله يضع ” السمق ” .. خيط من الجلد .. يترك سبعة ايام مغمض العينين .. وفي الليل يشعل الصياد النار قريب منه .. لا يترك له فرصة للنوم ,,  حتى تدل غطرسته .. ويتخلص من ابهته ..  حينها تفتح عينيه .. ويصنعوا قناع حول رأسه .. يسمى ” الكنبيل ” .. ويتجول به حيث الناس مكتظة والأسواق .. وعند العصر يطعمه لحم قلب شاة .. وعندما يستأنس اليه .. يربط حبل طويل برجله ويتركه بعيدا .. ثم ينادي عليه .. يأتي ويحط على يده .. ثم يربط قلب شاة بطائر الحبارى او حيوان الارنب .. ويتركه لينقض عليه .. ثم يأتي ويفك الفريسة ويعطيه شيء من لحم القلب .. ويذبح الفريسة تحت قدميه .. ليحتسي من دمها .. بعد ذلك يخرج به الى الصحراء للصيد .

 

       سعر الصقر الجيد جملين او راسين من رقيق السودان  .. سعر الكوهية اقل من الصقر  ..سعر الباحري حاشي من الابل او نعجتين الى ثلاثة ، وأما اذا كانت مدربة جيدا على الصيد فقد تصل قيمتها العشرة انعام .

 

     الكوهية لونها واحد .. اسود يميل الى الحمرة  .. وراس ابيض توشيه خطوط كحلية ..  ، اما الباحرية لونها بين الابيض والكحلي .. اشبه بازهار نبات الفول .

 

     افضل الطيور عندهم .. ابيض الرجلين قصير الاصابع ، غليظ الصدر ، طويل الذنب ، طويل الرقبة .

 

    القرناص يميل لونه للأبيض العام الاول ثم الى الكحلي .. وفي العام الثاني .. ترمي ريشها ويصير صدرها احمر .. كل صباح يجوبون الغابة والصحراء .. بحثا عن صيد .. الحبار .. الارانب والحجل .. الكروات .. ومنه نزهة على ظهر الخيل ..  وسلاح جيد ..  وفي الصحراء تجد سراح المواشي يتحدثون السنة مختلفة .. وحل وترحال يعقبه حل وترحال ..  اما وقد طال السفر .. اشعر بضيق الخاطر وعذابات الغربة وفراق الاهل والوطن ..  اسئلك يا رب يا مالك الملك يا واحد احد ..  ان ترد غربتي من بلاء الناس الى وكري وأخوتي .. وان ارى اخوتي وأهلي قبل الممات .

 

           اهدوا لنا مشايخ الجوازي هدية ، ورافقونا حتى بلغت شيخ العرب عند محمد علي باشا .. جبالي ابو نعجت ..  فلما وصلنا اليه  استضافنا في بيته .. وكانت في ذمته زوجتان .. الكبيرة اسمها الحاجة امنا .. والأخرى اسمها امنه بنت الشيخ عبدالنبي امطريد شيخ الجوازي سابقا .

 

        خلف الشيخ عبدالنبي ثلاثة ابناء .. امنا ، ورقبه .. وابن اسمه احميد قتله ابن يوسف باشا مولى طرابلس محمد بي الدباح .

 

         تزوجت رقبه ابن اخت يوسف باشا مولى طرابلس .. اسمه سليمان بي .. بي بني غازي .. انجب سليمان بي ثلاثة ابناء وثلاثة بنات ..  ولدين من امة ..  وولد وبنتين من زوجة اخرى .

 

      سبب زواج ابن اخت يوسف باشا من بنت شيخ الجوازي .. كان شيخ الزوازي قد حاصر بني غازي ومات كثير من الناس   .. لحقهم الجوع حتى اكلوا الدواب .. فارسل يوسف باشا ابن اخته ليقتله ويحكم ملك بني غازي .. وصل الى بني غازي عبر البحر .. واختار السياسة والحيلة لاعتلاء عرش بنغازي بديلا عن الحرب .. نزل ضيفا في دار الشيخ امطريد.. قال له : اتيت الى دارك وبين اهلك .. وما اتيت إلا لنيل امنيتي بالقرب منك .. واتشرف بطلب يد ابنتكم رقبة .. انت رجل فحل .. واريد لابني ان يكون فحلا .. وما اتيت لبنغازي لغير هذا الغرض .. قبل الشيخ .. وقرأ الحضور الفاتحة .. وتزوجها .. بعد ذلك .. رحل الشيخ امطيريد .. وتخلى عن حصار بنغازي .. وعادت اوصال الحياة بالمدينة بعد ايام شداد .. ، فلما علم  بي بني غازي بذلك .. اوعز الى يوسف باشا بأن ابن اخته سليمان بي .. اختار القرب من غريمك .. وتزوج ابنته ..  وحال تأكده من الخبر .. ارسل محله من البر واخرى من البحر بقيادة ابنه محمد بي الدباح .. علم اهل بني غازي والجوازي ان البي الذي عادت البلاد على يديه الى الهدوء والسكينة .. يريد يوسف باشا استبداله ..  فر سليمان بي من بني غازي الى بر مصر .. واهدى له مولى مصر قصر.

 

           سليمان بي ابن الكاهية امه اخت يوسف باشا ، والكاهية اصله فرنسي كان مملوك لدى علي باشا .. والد يوسف باشا ، وكان يحبه كثيرا ، فعينه كاهية لما يتمتع به من عقل وسياسة وكياسة .. وزوجه ابنته ، وأنجبت له : سليمان بي .. وحسين بي .. وبنتان .

 

     اكرمنا الجبالي ابو نعجت غاية الكرم ..  مكث بينهم عشرون يوما .. لديه ثلاثة ابناء ..  احميد .. ومحمد من الجازوية بنت شيخ الجوازي .. ومن زوجته الاولى .. الحاج احسين .

 

         كنت اخرج صحبة ابنائه من الجازوية .. الى الصحراء لنصطاد .. تصحبنا كلابنا السلوقية .. كنا نصطاد من الغزلان اعداد وفيرة ..  اولاد الجازوية الى الصحراء  .. نواحي قصور الرهبان .. احميد لديه حصان حر من بر نجد .. يطارد الغزال حتى يتوقف ويبول دم .. عندهم ثلاثة من خيل بر نجد ..  فرس وحصانان ..  يسمونهم باسم عرشهم ..  العود  ملك احميد اسمه السعيدان .. العود ملك الحاج حسين اسمه عبيان .. اما الفرس اسمها عبيانه ..  ومن عاداتهم في ترويض خيل بر نجد .. انها تأكل اللحم وتشرب المرق كل ثمانية ايام . .. وكانوا كل ثمانية ايام يذبحون شاة .. خصيصا للخيل .

 

        اما رحلات صيد النعام ..  نمتطي خيولنا ، رفقة كل خيال .. اربعة جمال تحمل قرب الماء .. و خديم .. نجوب خلاء الصحارى .. حتى نقع على اثر اقدام طير نعام .. نتتبعه .. حتى نصل مكان عشه .. فيما كان بالعش بيض .. نتخفى وننتظر عودته .. ياتي ظليم او ربدا يرعى البيض .. نصطاده .. ونحمل البيض معنا .

 

           نصطاد النعام بالخيل ايضا .. فترة القيلولة الشهيلي .. يختار النعام الركون الى ظل ظليل .. ليهدأ ويستريح .. تحت  اشجار البطوم او الطلح او الاثل .. نقترب منه رويدا رويدا .. ونلاحقه بلطف بداية المطاردة .. لكنه ما ان يستشعر ملاحقتنا له واهتمامنا به .. يعدو مسرعا ليبتعد عنا .. نلاحقه على مكث .. كي لا تتعب الجياد .. الى ان يلحق النعام التعب .. فريسة العدو ..  حر الشمس .. نقترب منه .. وبضربة مطرق على رأسه .. يقع طريحا .. نذبحه في الحال .. ونلاحق الاخريات .

 

       اكرمنا الجبالي ابو نعجة غاية الكرم .. منزله في الفيوم يعج بالفلاحين  .. وله قصر قرب المنزل .. شيده على طراز بنيان المدن .. وخمسة عشش .. بيوت شعر .. ممتلئة بمختلف انواع الحبوب ..  القمح .. الشعير .. الفول .. العدس .. الحلبه .. السمسم .. الرز .. والقطن ايضا .. وقد اخبرنا ابنه احميد .. قال : كل عام نجني من فلاحتنا وحرثنا الفين ومئة وخمس وعشرون  اردب من القمح .. ومثلهم او اكثر منهم من الشعير .. وخمسمائة اردب من الفول .. ومثلهم من الحمص .. وثلاثمائة اردب من الحلبه .. وأربعمائة اردب من العدس .

 

       في مصر وقت الخريف .. عادة ما يفيض نهر النيل .. يغمر الاراضي الزراعية .. والأراضي البور .. وتراهم عقب الفيضان .. يزرعون الفول والحلبة بالمواضع التي جفت لتوها ولا تزال تحتفظ بالندى .. وقد تنمو وتكبر .. وتترك مرعى للحيوان ..  الحلبة للغنم .. والفول للإبل ..  قليلة الزروع الورقية عندهم .. ولعلف الخيل يزرعون البرسيم .. فيما يقدمون لها ايضا .. الحلبة والدرة الصفراء ..

 

      يزرعون القطن والتكروري يصنعون منه القماش والحبال .. حبال المراكب البحرية والبرية .. يزرعون الكتان والدرة البيضاء والدرة الحمراء والدرة الشامية والحبحب ( الدلاع ) والبطيخ .

 

     لتربية الحمام يشيدون ابراج بالطين .. وسطها مجوف .. وتنتصب على ظهرها اعواد .. تغري الحمام بالوقوف عليها .. وثقب عديدة تسمح للحمام بالولوج للداخل بيسر .. ومن ثم اختيار عشه الجاهز داخل البرج ..  مستظلا امنا .. وللبرج باب في الاسفل .. يتفقده كل خمسة ايام او عشرة ايام .. يقبض على الفراخ التي على وشك ان تطير ..  يذبحها ويبيعها مذبوحة ..  وله منه كسب اخر ..  زبل الحمام اغلى سعرا من الارز .. يطلبه كثيرا الفلاحين ممن يزرعون الدلاع.

 

    في احدى رحلات صيدنا رفقة احميد ابن الجبالي ابو نعجه .. نجوب الصحارى .. وجدنا قصر من اثر الاولين .. غرب ارض الفيوم .. به اربعة تماثيل كتب على حرف قدم كل منها بقلم الاولين .. وعلى جدران القصر .. بتنا ليلتنا بالقرب منه . وكان عندنا خدم نصبوا المناديف بالليل .. في الصباح .. تسعة شياه غزال بعدد تلك المناديف .. قطيع عابر وقع في حقل فخاخ .. خلصناها من المناديف وذبحناها ..  وخرجنا نجوب المناطق القريبة منا .. نترك الصيد مهمة الكلب السلوقي ..  وكلما تاق جدي غزال .. اطلقنا الاسلاق تلاحقه .. فتأتي به .. ومن جملة ذلك .. كان عنده كلبة سلوقية جيدة .. اصلها شهير .. اهداها  لابونعجة رجل من سيوه .. وهو تارقي من اهل فزان .. ومولد في ارض فزان .. وصلته من هناك  .

 

    في ذلك اليوم صادفنا جليبه من اربعة شياه ..  اطلقنا العنان للسلوقية .. لاحقت الجليبة .. خطفت الاولى بنهشة في المفرش .. مزقته .. وتركتها .. ولحقت بالثانية .. والثالثة .. والرابعة .. وصارت جثث تتخبط في مكانها .. قتلتهم جملة .. عادت الينا تزهو وترحب .. وتهز ديلها تدللا ..  الخديم يعرف ما يجب ان يفعل .. يقدم لها شيء من الطعام تكريما لها .. شيء من الطحين معجون بالدهان والعسل .. الطمينة ..  دقيق قمح محمص كما القهوة .. يخلط بالدهان والعسل او الثمر ..  اكلت الكلبة .. وشبعت .. ثم قفزت امام سيدها على الجواد .. وصارت تهلل وتتدلل له ..  وفي احدى المرات صادفنا شاة غزال .. فلم يختارها لصيده .. بل اطلق المهمة لكلبة سلوقية من كلابه.. ارادت المشاركة وان تكون هي من يظفر بالطريدة وإرضاء سيدها .. لكنه كان يمنعها في كل مرة .. وعندما احكمت السلوقية الاخرى قبضتها على الطريدة .. ورأت ما حدث .. كادت تتمزق غيضا .

 

     وذات مرة صادف سيرنا بقر الوحش الابيض والأحمر ..  اعداد وفيرة تعدو ..  الابيض اقلها عدوا .. تلاحقه الكلاب السلوقية .. وتظفر به .. لكنها تحتاجنا للقضاء عليه .. طلقة واحدة من البندقية توقف حركته .. فالبقر الابيض عنيد يجيد العراك .. يهاجم البشر ايضا .. وفيما وجد انسان بالصحراء دون سلاح ناري .. يهاجمه .. وبنطحة قرن واحدة يقضي اجله .. وليس له إلا ان يلبس الارض .. قرون البقر المرفوعة للأعلى .. لا تمكنه من نطح الفريسة .. لكنه يستمتع بإذلالها ..  يبول عليه .. يدوسه بحوافره لمرات .. ويتركه ويمضي .. ايضا فيما ان كان لدى الرجل الفريسة سكين يمكنه النجاة منه  .

 

     البقر الاحمر لا يرحل عن موطنه ومكان ولادته .. ينافح بضراوة دفاعا عن ابنائه .. لا تهرب ولا تتقهقر ابدا .. حتى تموت او يقتل الرجل المعتدي على المكان .

 

           الودان نوع من الغزلان اكبر حجما .. قرونه طويلة متفرعة كجدع شجرة .. قصير عريض يتواجد بالصحراء الجبلية .. صيده بالخيل ..  وهو متوفر بكثرة في مواطن قرب بني الوليد ونواحي ارض طرابلس ، وصحرائها .. ونواحي ارض ترهونه .

 

          اما العاج فموطنه صحراء غدامس والبراري المحيطة بها ..  اشبه بكبش خروف ..  له الية صغيرة مكتنزة الشحم ..  لا يقوى على العدو السريع .. ولا عدو المسافات الطويلة ..  دائما يقطن منعزلا بالارض الخالية .. عظامه افضل من عظام ناب الفيل .. ولحمه لذيذ يفوق في طعمه لحوم الحيوانات كلها .

 

      اما الكركدن اشبه بعنز السودان .. إلا انه عريض عنها .. مواطنه صحراء غدامس ..  ودان .. فزان .. صحراء سيوه .. قرونه يصنع منها مقابض السيوف .. وهي ايضا فنجان خلطة علاج سموم الافاعي والثعابين .. قليل من الزيت مع تحريك المخلوط بقرن افعى .. يشربه الملدوغ .. فيشفى .. باذن الله

 

     قرن الكركدن وقرن الافعى تمتلكها فقط الاسر ميسورة الحال  .. الاكابر من اهل غدامس .. اهل فزان .. اهل سوكنه .. اهل هون .. لغلاء ثمنها . 

 

    الضب .. الفهد .. النمر .. عناق الارض .. النعام .. بقر الوحش الابيض والاحمر .. الفنك ..  الحبار .. الارانب .. الحجل .. الكروان .. العقاب .. الحديه .. النسر .. .. جميعها كائنات تجوب هذه الصحراء التي اجوب .. النمر مواطنه نادرة وقليلة .. يعتاش على صيد بقر الوحش .. موطنه حيث شجرالبطوم كثيف .

 

         اما البلارج موطنه بر تمبكتو .. وفي الربيع يهاجر من غابات تمبكتو الى  الى ارض تونس وقسنطينة ..  يقيم اعشاشه في اعالي المباني وحيث يقطن الناس .. يخبئها بعناية .. اول الصيف تكبر فراخه وتصبح قادرة على الطيران والاعتماد على نفسها ..  يعود الكرة مهاجرا الى ارض تنمبكتو .. يعتاش على اكل فراخ الثعابين .. والعقارب .

 

      كنا كلما رجعنا الى منزل الجبالي رفقة ابنائه بعد رحلة صيد .. اصبنا فيها الكثير والكثير من الفرائس .. التف حولنا الصغار والكبار .. واحتفى الاطفال بوجبة شوي شهية .. وشبعوا .

مذكرات رحالة من فزان 1852 .. ( 3 )

   

 

    دخلت الواحة .. صادفت امرأة عجوز .. سألتها .. اين دار الشيخ سليمان ؟ ، قالت لي : هي هناك .. عند التبة ..  استقبلني غلام اسود البشرة .. قلت سلام عليك ، قال :عليكم السلام ورحمة الله سيدي ..  قلت له اين سيدك ، قال : في الحقل ، قلت له اذهب اليه ، وقل له ان رجل حبيب الى نفسك .. وصل من بنغازي .. وينتظرك امام باب البيت .. ذهب الغلام .. اخبره .. عاد مسرعا .. لكنه عندما رأني وتعرف الى شخصي .. ذهب عقله .. وكاد يتميز غيظا ..  ولم يستطع ان يخفي ذلك .. ففي سلامه هافت بارد .. استضافني في داره .. وقدم لنا الطعام .. ووجدنا عنده الخبر سبقنا اليه .. اخبرنا عن قتل مصطفى ابن الاغا ، وقتل المريض ،  اخوتنا ، بكيت بكاءا شديدا .. ذلك النهار .. وفي المساء .. خرجنا سويا للغابة .. التمر الجيد .. الرمان .. الخوخ .. اكلت شهوتي  .

    السفرجلوا .. بنيان اوجلي بالطوب ، له ابيار مثل ابيار بر سوف وفزان ، لكن ماءهم قريب .. قامتين ..  الشيخ سليمان تربطنا به علاقة صحبة قديمة .. كان تاجرا .. يتاجر معنا .. نعطيه ما يطلب من سلع .. رقيق السودان .. تبر الذهب .. يسافر الى مصر .. وياتي الينا بالسلع التي طلبنا .. الركاب المهرية المطلية بالذهب .. كتان الملف .. الكتان نسوي .. السلاح  .. البارود .. كل السلع الرائجة بسوق مصر .. غاب طويلا .. وفي اخر سفرة .. بقى لنا عنده .. لي لا غيري ..  ثمن  خمسين راس من رقيق السودان ..  وخمسمائة  مثقال من الذهب التبر الجيد .. مستحقة السداد ..  عندما قصدته تأملت ان يسدد لي ولو الشيء القليل  .. استعين به على زماني .. اقمت عنده مدة ايام انتظر .. لكنه بدلا من ان يقضي ديني عنده .. اوعز الى حكمدار بنغازي .. ابلغه بوجودي عنده .. وانه لا يريد ان يشارك في القبض .. ما قد تحسب عليه .. ائتمن بك عابر سبيل .. وقد يتسرب خبره غدا .. ويعرف دويه في بر السودان .. انني وراء الخديعة .. سيعاتبونني .. وقد ادفع الثمن  .

، نخشى على انفسنا  ، لكنكم بالامكان ان ترسلوا جند من طرفكم لملاحقته .. والقبض عليه .. يرتفع الحرج عنا .. ولا كأننا على علم بما جرى ..  زوجة الشيخ سليمان التي تعرفه جيدا .. فطنت للمكيدة .. ارسلت مع امها واخبرتني .. ثم اقترب مني خديم من خدمه .. واخبرني .. ادركت ان لا امان في كنف الشيخ ..  خرجت بالليل وتابعت سيري نحو القبلة .. ارض لا شجر ولا حجر .. كساء من الحصى .. عشرون ميلا .. بلغت حطايا نخل .. بت ليلتي .. في الصباح تجولت بالغابة .. كوخ من جريد النخل .. واصوات ساكنة .. افشيت السلام باعلى صوتي .. خرج شاب  في عمر الخامسة عشر .. اجابني .. اقترب .. مرحبا بك .. دخلنا الكوخ .. امرأة مسنه فرحت بقدومي غاية الفرح ..  قالت الحمد لله الذي اتى الينا ضيف من غير ارضنا ، ونحن منذ نحو خمسة اشهر نقطن المكان .. طرف هذا الحقل الصغير .. لم نرى ضيف .. نهضت وامسكت بدجاجة .. ذبحتها .. وقدمت لنا فطور رم عظمنا ..  ثم صرنا نتجول سويا وابنها داخل الحقل .. قدم لي التمر .. شهي وطري في موسمه  .. وقضينا القيلولة تحت ظلال النخيل .. تبادلنا اطراف الحديث .. عرفت عنه انه ابن سلاطين .. وانه من كان حاكما لعرش سيوة .. لكن مضايقات حكم محمد علي لهم .. اضطرتهم للهجرة الى جالو ..الان صاروا اناس بؤساء.. لا يملكون سوى خمسمائة نخله .. اقمت عندهم نحو خمسة عشر يوما ،  وذات يوم  ، عزم على السفر الى اوجلة ..  راه الشيخ سليمان شيخ اوجله .. قبض عليه .. وقال له .. سمعت بأنك تؤويه عندك .. انكر .. ابقاه في السجن . بلغ الخبر عمته شقيقة ابيه .. هرعت واخبرت امه .. وانه سجن .. قبض عليه ليلا رجال الشيخ سليمان .. لما وشي عنه من استضافة شخص مطلوب .. وسيبحثون عنه عندكم .. وان وجد .. سيساق مع ابنك الى بنغازي .. اخبرتني تلك المرأة بما يحاك ضدي .. انهم قد يأتون الى هنا ليلا .. او في أي وقت .. ابني سجن لاجلك .. اذا لم يجدوك هنا .. سيقولون خبر كاذب ويطلقوا سراحه ..  اهرب وانجو بجلدك .. قلت لها : نعم ..  خبزت ارغفة قدمتها لي .. ورافقتني المسير حتى اطراف الغابة ..  قالت لي .. اتجه شرقا .. تصل سيوة .. عرب جالو ليس لديهم زرع ولا شجر .. سوى النخيل .. وبعض اشجار التين والرمان .. يزرعوا البصل كثيرا ، وسط هلال رملي .. ومن التمر جدغ  لين احمر يميل الى الكحلي .. تمريق ابيض يابس مكركب .

      واما ناس اوجله .. اكثرهم بيض البشرة .. عيون تدمع .. والعمش تأبط الاهداب ..  رجال قصار القامة .. هزال البنية .. لا حول لهم ولا قوة ..  الانثى عندهم كائن قوي .. في النخل والخيل والحمير والمعز ، وجميع الذكور عندهم ضعفاء ..   وجميع الانات قويات..  سالنا على ذلك الامر رجل اسمه امستان ابن غلاب التارقي ، اصله من التوارق وجاء جده عابرا للحج  ، ولما عاد .. عاش هنا وتزوج من جالو .. يدعي بانه طبيب .. وله كتب بالقلم التارقي .. لا يعرف قراءتها  الا حفيده .. لمستان ، وهو  طبيب جيد ..  و معرفة في الطب .. شيء عجيب  .. يعالج مرضاه باعشاب الصحراء ..  يذهب الى ارض صحارى فزان لجلبها ..  يتناقلونه بينهم .. للمداواة .. في بنغازي .. وعموم برقة .. من كل مكان ..  ومن العمليات الجراحية التي اشتهر بها .. خياطة تمزق البطن والامعاء .. بواسطة النمل الفارسي .. يقبض على النملة من محزمها .. يقربها الى مزق الشرك .. يقبض النمل بعدوانية على الجسد الذي لامسه .. يقطع راس النملة .. تبقى كلاليبه مقفلة .. وهكذا واحدة وراء الاخرى .. الى ان يندمل الجرح ..  ثم يرش شيء من دقيق الخياط ..  عشبة الخياط .. نبتة صحروية تنمو بالارض الحجرية .. اشبه بعشبة الشيح .. اوراقها تميل الى البياض .. يسحقها سحقا ناعما .. ويداوي الجرح .. تلتئم اطراف الجرح .. يجف .

   سألناه قال لنا :  جميع الاناث في اوجله قوية البنية ..  بسبب الماء الذي يشربون ..  مائهم سراي الانثى .. يعظم عظمها .. وما يحدث مع الرجال عكس ذلك .. ضعف البنية والخمول  .. حتى احجام الرجل تقل .

         اعراسهم ..  زكره من جلد الماعز تتدلى منها قصبتين ..  نهاياتها قبة قرن بقر صغير .. تصاحبها الدبكه .. طبل خشب وجلد ابل .. اشبه با لدربوكه الشهيرة في تونس وطرابلس .. دندن الطبل .. التفت النسوة راقصات .. تكلم البارود .. وليلة دخلة العرسان .. اهل الفتاة يجهزون الطعام .. ويلتف بهم احبائهم .. يأكلون ويفكهون الى ما بعد صلاة العشاء .. الثالثة منتصف الليل تأتي العروس برفقة اهلها وقريباتها .. ورجل ..تدخل بيت زوجها بالزغاريد والغناء  .. معها عشرة ازواد من الجلد مصبوغين بالصبغة او بقرش الرمان ، ومخدة من شعر الجمال او اثنين مصبوغ بالاحمر او الازرق .. منقوشه .

     تعلق الملبوسات بباحة البيت فرجة للنساء .. ينتهي الحفل .. ولا يبقى سوى قريب العروس امام البيت حيث هي .. فاذا بان للرجل انها فتاة بكر .. يخرج اليهم يرش القمح .. يتكلم البارود .. وتعلو الزغاريد .. وان وجد خلاف ذلك ..  يتحدث مع اهلها في اليوم التالي .. تعاد لبيت اهلها .. ويعاد له ما تكلف .. فإذا كان اهلها من ذوي الرفعة والشأن .. يطعموها السم .. كي تموت ويخلصوا من عارها .

     في صحراء جرداء .. لا ضرع ولا ماء .. لا شجر ولا مطر .. حصى وجبال جيرية .. الشب الاحمر حيثما يممت .. الحصى الاحمر والاخضر .. ومنها اشبه بحب الرمان ابيض وله لمعان ..  تابعت سيري .. وعند طلوع النهار .. نمت ساعتين .. وتابعت سيري حتى الليل ..  تناصف الليل والسحاب طمس النجوم .. فلم اعد قادر على الاهتداء بها .. توقفت .. طلع النهار تابعت سيري .. صحراء خالية لا طير ولا شجر .. حصى وسراب يحسبه الضمأن ماء .. في الليل شربت اخر شفة ماء بالقربة ..  واكلت ما بقي لنا من الخبز .. وصرت بلا زاد .. تابعت سيري ليلتها واول النهار ..  عند القيلولة قصدت كتيب رملي .. انتصبت اعلاه .. لمحت نخل كثير .. قصده .. وقلت الحمد لله وصلنا .. عسى ان نجد هنا اناس .. كانت غابة اشبه بالمهجورة .. الغزلان ترتع .. وحوش الصحراء وجدتها ملاذ .. التمر القديم .. وتمر الموسم الطريء .. شربت الماء الزلال .. استرخت عظامي .. لقد هدني الترحال .. تمددت .. فنمت .

        طلع النهار ، تجولت وسط غابة النخيل ..  لا اثر لاقدام ادمي قط .. خلاف .. اثر اقدام غزال .. بقر وحش ..  الكركدن .. لمحت بالقرب مني قطيع غزلان يستأنس بقيلولة .. اقتربت منه اكثر بحدر .. صوبت واصبت جدي منها ..  ذبحته .. جلبت الحطب من شجر البلبال .. اشعلت ناري ..شويت كبده .. واكلت تمر .. ترويقة.. ثم حفرت حفرة بالارض .. وضعت بها اللحم فيها .. غمرته بالحطب .. واشعلت النار .. وظل الجمر يتوهج حتى منتصف الليل ..  بت ليلتي حامدا شاكر .. وفي الصباح تابعت سيري .. يحفني النخيل .. وعند نخلة ليست بعالية الهامة .. ثمرها اخضر اللون شهي الطعم .. وعين ماء اسفلها .. ماء عذب فرات .. قصفت عدد من اغصان جريد النخل .. واقمت لنفسي متكأ .. ومجلس .. اخرجت اللحم ” بو رديم ” من حفرة الطمر .. وجدته طري وشهي .. طاب بما يكفي .. اكلت شهوتي .. قلت في نفسي .. الماء .. الصيد اليسير .. المأوى والظل .. لما لا ابقى هنا ؟ .. قد  يأتي احد الصيادين .. استرشد به .. لاعرف الى اين اسير .. وذات يوم وكنت اجوب الغابة .. ابحث عن جدي غزال .. بصرت كتيب رمل مرتفع قليلا .. حوله بعض الاشجار .. قصدته .. ارتكزت اعلاه .. فإذا به بحر ممتد .. من الغرب الى الشرق ..طوله حوالي عشرة اميال .. وعرضه من قبلي اربعة اميال .. عناق النخل ووالماء والرمل ..  احد اطرافه سبخة  .. كثيرا ما وقع حيوان في وحلها .. والناس ايضا ..  بلعت اناس .. قلب السبخة جبل احمر يقال عنه  العرب قارة الذهب ، وشرق ذلك البحر ..  قصور الناس الاولين وبنيانهم .. مدينة .. قصور بيضا تلمع كانها جديدة ، اردت الدخول والفرجة .. من الشرق والقبلي يحيط بها حوض ماء .. وشرقيها الماء والصمار والسبخة .. فلا احد يجرؤ على الدخول ..  السبخه خمسة وعشرين ميل من الغرب الى الشرق .. عرض تسعة اميال .. من القبله الى الجوف ، اقمت ذلك المكان اثنين واربعين يوما .. اصطاد الغزال وبقر الوحش .. جففت منه الكثير .

الليلة الثالثة والاربعين .. مستلقى على السدة .. بصرت دخان نار قريب .. حملت سيفي بيدي .. وقصدت النار .. اقتربت منها .. وجدت اربعة رجال .. وروائح الخبز .. قلت : سلام عليكم .. ردوا السلام .. وقالوا : ” هلب ” .. تقدم ..  يعجنون الدقيق .. يكبرون النار على حجارة حتى احمر لونها .. قطع العجين يرققها .. ويضعها فوقها .. سألوني .. من اين اتيت ؟ .. قلت : من ارض بنغازي .. قالوا : هذا الطريق لا يقود الى بنغازي .. هل معك احد ؟ .. قلت : نحن قافلة في اربعين رجل .. قالوا لديكم سلاح ؟  .. قلت : كلنا بالسلاح … قدموا لي شيء من ذلك الخبز ..  كنت جائعا .. ومضت ايام اقتات بالقليل .

    وبينما نحن نتبادل اطراف الحديث .. عشرين رجل اقبلوا علينا .. قالوا السلام عليكم .. قلنا لهم عليكم السلام .. قالوا لهم من اين هذا الرجل الغريب الذي معكم ؟  قالوا لهم من بني غازي .. ترجل احدهم واقترب مني .. يسألني : من اين اتيت يا رجل ، ومن اين انت ؟ .. قلت : من بني غازي .. قال : هل معك احد .. قلت نحن قافلة من اربعين فارس .. لكل مكحلة .. قال : كم رجل ؟ .. قلت له خمسة وخمسين .. الخمسة عشر الباقون بلا سلاح .. قال : لكنة لسانك لا تقول انك من بنغازي ؟ قلت : بل من بني غازي حقا ..  قال : من اي عرش ؟ .. قلت له : من عرش الكورغلي .. قال :  من تعرف من كوارغليت بني غازي ..  قلت له محمد الكاهيا ابن رمضان لدغم .. لامين بن اشتيوي .. عمر الكاهيا ..  بن زبلح ، ثم قدم نحونا رجل مسرعا .. كان ذلك الرجل عبدالله بن امطيريد الجازوي .. وكان لنا به سبق صحبة ومعرفة .. تعرف الينا .. غمرني وعانقني بحرارة .. سلم وكرر .. وبكى بكاءا غزير الدمع  .. قال لي : اخبرنا يا سيدنا ما فعل الله بكم ؟  لقد سمعنا بخبركم ، ما حقيقة ما جرى ؟ .. اخبرته .. بكى بكاءا شديدا وقال لاصحابه هذا فلان بن فلان  .. قدموا الينا .. حل الترحاب .. والعناق .. مرحبا بكم يا ابن الناس الاكابر .. قال لهم ..  غدا ان شاء الله .. ارحلوا انتم .. اما انا سابقى مع هذا الرجل حتى اوصله باهله .. بت بينهم ليلتها .. حل الصباح .. اضاء كوكبه ولاح .. بزغت الشمس على قمم الجبال والبطاح .. هم توجهوا نواحي بني غازي ..  ونحن وعبدالله بن امطريد مشينا ست ايام حتى وصلنا سيوة .. عند وصولنا .. استضافنا الشيخ يوسف في داره واكرمنا غاية الكرم .. واقمنا عنده ست عشر يوما ..  ولما عزمنا الرحيل نحو مصر .. اهدى الينا عود من جياد الخيل .. وكسوة .. وجمل يحمل عويننا.. ومئة خيرية في يدي .. صرف الخيرية  تسعة قروش مصرية .. وارسل معنا جواب الى شيخ الواحات .. قال له فيه : الى حضرة من غفر الله لنا وله بالسعادة والغفران ونجاه من شر ما يكون وما كان ، محبنا العزيز علينا الشيخ يونس شيخ الواح ، اما بعد ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وليكون في شريف علمك خير وسبب الكتب اليكم على رجل حامل الجواب … اكرم نزله .. وامن طريقه الى يث اراد .. ودمت بخير والسلام . الختم من عند محبكم الشيخ يوسف شيخ سيوه لطف الله به امين بتاريخ في شعبان 1258 .

مذكرات رحالة من فزان 1852 : ( 2 )

اخذت تلك الدراهم ، وقالت لي : كثر الله خيرك .. قلت لها : اذا اشفاني الله .. وسترني .. سأكون محسنا معكم لحظة الرحيل .. اخذتني تلك المرأة الى زريبة لها .. خبأتني هناك .. وصارت تسخن السمن .. وتدلك الجروح ..  تعافيت .. تواردت الاخبار .. عمي المنتظر قدومه والتموين .. جاء بعدنا بيومين .. وقتله عساكر الاتراك .. ابي وعمي وعمي .. علقت رؤوسهم على جدار قلعة طرابلس .. وسط تهليل واعراس .. وارسلوها الى اسطنبول ..  وقتلوا الترك المريض وابن الاغا عصمان مصطفى ، اولئك الذين خدعونا .. قتلوا بيد ربيبهم الترك  ، واما المرأة التي فعلت بنا خير كثير ، ما ان هممت بالرحيل .. كتبت الى ابنها جوابا بخط يدي  .. عبرت فيه عن امتناني له .. بما قدم لي .. وختمته بختم العائلة .. قلت له .. احتفظ بها .. عسى ان تأتي بك الاقدار نحو ديارنا .. اهلا بك .. ولن ننسى لك جميل ما فعلت .. والحقت الجواب بعشرين بندقي اخرى .. وغادرت ليلا .

     لم يتركني بكرمه .. قدم لي شيء من البسيسة .. وشيء من البارود والرصاص .. قربة ماء ..  وقال لي : هل ترغب ان نشتري لك جمل ؟  ، قلت له : ليس بي حاجة لجمل ، اريد الهرب من رقابة الناس .. ابقيته وامه بالسلامة .. وسايرني مشيا حتى منتصف الليل .. وقبل طاوع الفجر .. عاد على عقبية .. وتابعت سفر ي ، طلع النهار ، ومع اشتداد وهج الصيف .. تحت شجرة قندول .. اخترت متكأ .. وغفوت .. عندما حان الليل  ، واصلت سيري ، ولا اعرف الى اين .. ارض خالية قفر .. اشجار البطوم والاتل ولا انيس اخر .

      هب المساء ، وخرج الوحش من مخبئه ، تترصد الغزالان  ، مشيت الليلة .. وعندما بزغ النهار ، تتبعت اثر وحش اوصلني الى غدير من  ماء المطر ، ملأت قربي ..وتابعت سيري حتى منتصف النهار .. صحراء خالية لا نبت ولا ضرع .. سوى عشب البلبال  ، والحميض ،  والبطوم قليل .. رأيت شجرة بطوم .. قصدتها ، وما ان اقتربت منها .. رجل نائم استظل بظلها .. ولديه فرس يافع .. قلت : السلام عليك يا ايها الرجل ، فقال لي : وعليك السلام ، اجلس ، جلست ،

        يرافقه كلبان سلوقية .. وبصيده اثنان من طيور برني ، وعشرة ارانب ، وسبعة طيور احباره ، واثنان جدي غزال  ..  الحباره والارانب ، يصطادها بالطيور ،..  الغزلان والبعض من الارانب .. تلاحقها الكلاب السلوقية .. امضينا القيلولة معا ، واستضافني بما جاد به عوينه  .. سألني من اين اتيت يا فتى ؟ قلت له :  من ارض طرابلس ، فقال الينا : اخبرنا بالصحيح وعليك الامان ، فإني لن اعيد سيرتك لاحد .. اخبرته بخافيات الامور .. قال لنا : عد معي الى نجع الشيخ لطيوش .. شيخ المغاربة .. سنكرمك غاية الكرم .. ونرسلك الى اخوتك بارض فزان .. قلت له : كثر الله خيرك ، واحسن اليك ، من قال شيء فكأنه فعله ، ولكن اذا كنت انت رجل صدق ووفاء ، فلا تروي قصتي بنجعكم بعد عودتك .. اما انا .. فسأمشي على وجهي .. اقطع فيافي الصحراء .. حتى يحكم الله لنا ، وهو خير الحاكمين .

       يومها .. الحر شديد .. قضينا ترويقة القيلولة مستظلين بالشجرة .. وفي المساء ، عزمنا على الرحيل .. قال لي :  صبر جميل .. اصبر قليلا .. اخرج نصف شاة غزال ، واثنان من طيور الحباره ، وارنب ، .. علف الكانون .. شواهم ، ووضعه لي بمخلاة عويني .. نعت لي المسارب جتى بلوغ ارض سيوة ..  .. ثم سلم علينا وقال : ابقى بالسلامة .. وربنا يجمعنا .. نحن واياك في ساعة الخير ، وغادر ، مشيت المساء والليل تعدى نصفه .. خلدت الى النوم .. طلع النهار .. تناولت طعامي ..  شيء من الزاد .. ثم استأنفت سيري .. صحراء جرداء  .. لا شجر ولا ماء ..  دخلت  ارض سبخة ، انهكني التعب .. اشتداد حرارة النهار .. جعلت من حرامي وبرنوسي مظلة .. وخمدت القيلولة .. حل المساء .. خف وهج الشمس .. تابعت سيري .. صحراء مفتوحة الافق  .. وقليل من شجر القزاح والبلبال .. والاثل والبطوم .. قصدت ظل شجرة ، يستظل بها قطيع من بقر الوحش .. وانا اعبر بين شجرة واخرى .. اثر اقدام .. ظبي غزال .. بقر وحش .. الفهد .. عناق الارض .. تتبعت اثر عناق الارض .. تبين لي انها قادمة من الغرب .. نحو الشرق ..  اهتديت بها حتى بلغت غدير من ماء المطر ، ارويت عطشي ، وتحت ظل شجرة اثل .. اسندت ظهرية وغفوت .. اقترب مني الحيوان من كل جانب .. وعندما اقترب اكثر .. تلمست المكحلة .. وصوبت .. وتكلم البارود .. واصبته .. جدي بقر بري .. وفر بقية القطيع .. ذبحته وسلخت نصفه العلوي .. شيء من  لحم الفخد .. وكبده .. وواصلت سيري حتى اقبل الليل .. تحت شجرة بطوم ..  جمعت الحطب الكثير .. وشويت اللحم وأكلت ملء شهوتي  .. بت الليلة ..  تعدى منتصف الليل .. القمر ضياء ساطع .. سمعت صوتا مرعبا يصرخ .. وكأنه فحل ماعز .. صرت اتجسس قدومه نحوي .. صار قريبا مني .. نظرت اليه .. ثعبان ضخم يتوجه نحوي .. أخذت القاربيله بيدي اليمين .. هيئت الزناد .. وركبت اعلى شجرة البطوم .. قفز نحوي وكاد ان يلحق بي على الغصن  .. ظل يزمجر ويحاول صعود الشجرة .. تمدد واولج رأسة بين غصنين .. وفتح فمه .. تكلم البارود .. اصبته في حلقه .. سقط وظل يتقلب لزمن .. ولم يمت .. نصف ساعة .. فلما تبين لي انه مات .. نزلت من تلك الشجرة .. نمت حتى طلع النهار ..  تفحصت ذلك الثعبان .. شبرته بيدي .. سبعة عشر شبرا .. وعرضه شبر وأربع اصابع .. تعجبت  .. ذنبه يكسوه شعر اشبه بشعر الحلوف .. وأكتافه .. وبين عينيه حجرة تلمع .. اشبه بعين هر .. سلختها وأخذتها .. تابعت سيري النهار .. وفي الليل نمت بصحراء جرداء .. وتابعت سيري .. وبانت اجمات اشجار الطلح  .. اخترت احداها عندما تناصف النهار .. واشتد القيظ .. قيلولة ..  في المساء سرت .. دخلت ارض البقر الوحش .. رغم كثرته .. كان كلما اقترب مني اكثر .. فز ونفر .. وكأنه توجس من سلاحي .. رد شاردا مني .. صرت امشي وبقر الوحش يرافقني المسير .. عن يميني .. وعن شمالي .. في المساء .. وقد قرب الليل ، اقترب مني فحل بقر ابيض .. وصار على نحو خمسة عشر خطوة .. وقف يتأملني طويلا ..  ينظر اليّ بنهم .. عدلت زناد المكحلة .. مديت عليه وفرغت .. تكلم البارود ..صوبت فاصبته .. سقط يتلوى  .. ذبحته .. حملت معي من لحمه زاد ، وعند اشجار طلح .. جردت منها الحطب .. اشعلت ناري .. شويت اللحم واشتهيت .. تعشيت .. وغبت في نوم عميق .. في الصباح .. اجدني اسير عبر صحراء خالية .. لا ماء لا شجر .. خلاف شيء قليل من اشجار الرثم .. واثر الافاعي تحتها .. توجست ..  وواصلت سيري .. وعند صدر القيلولة .. اسندت راسي عند ظل شجرة رتم .. في المساء .. سرت قليلا .. ووجدتني في ارض الترفاس .. واكثر ترفاسها ابيض كبير الحجم .. اشعلت النار ، .. اشوي الترفاس .. ومنه زاد الطريق .. عوين .. وتابعت سيري .. حلول الليل .. عند اشجار الاثل والبطوم الكثيرة .. نمت ليلتي .. ولما اصبح الصباح .. واضاء كوكبه ولاح ..  وزرقت الشمس على العوالي والبطاح ..  سرت يحفني الاثل والبطوم والطلح .. عثرت على اثر اقدام بقر وحش .. وكركدان .. وجدي ودان .. والفهد .. وشيء كثير .. نصف النهار وقعت على غدير من ماء المطر ..  شربت منه ..  اثر اقدام كل تلك الحيوانات ترد هنا .. ترد لترتوي .. ماء الغدير .. عند  ظل شجرة فرد كبيرة طرف الغدير ..  توسدت ظلها ..وفي المساء .. اقبلت اسراب الحيوان من كل جانب .. رصدت كركدان فحل قوي .. وله قرن ضخم ..  تكلم البارود .. غرزت الرصاصة في كتفه .. لتخرج من الكتف الاخرى ..  جرى شيء قليل وسقط على الارض ، ذبحته .. اخذت من لحمه ..   قصمت رأسه  بالسيف ، وخلعت قرنه .. قرن الكركدن .. علاج  للمسموم .. حك قرن الكركدن في آنية فيها الزيت .. وتسقي المريض ذلك الزيت  المحكوك بقرن الكركدن ،  يتعالج ويشفى من السموم  ..  واذا وجدت قرن لفعه ، تجعل من قرن الكركدن مثل الفنجان ، وقرن الافعى مثل العمود ، وتضع في قرن الكركدن زيت وتفرك بقرن الافعى ،  نافع للمسموم ..  قرن الافعى لا يوجد إلا لدى الناس الاكابر من ارض فزان ، .. وتبو وغات وبرنو وغدامس .. والبعض من اكابر اهل طرابلس .. كل من لسعته لفعه  او ثعبان او عقرب او طعموه سم ، حكوا له قرن لفعه وقرن الكركدن بالزيت .. يبرأ بإذن الله .

      بت ليلتي بالمكان  .. طلع الفجر .. تابعت سيري .. ووجدتني ثانية بارض الترفاس .. واعشاب الادرين مخضرة .. يوصى بها لتحفيز الخيل .. حملت معي من الترفاس ما امكنني .. وتابعت سيري .. وعند شجرة بطوم  فارعة  ، اشعلت ناري .. شويت الترفاس .. أكلت من لحم الكركدن شهوتي .. في المساء تابعت سيري .. وجدت افعى تبتلع ارنب بري .. قتلت الافعى ، .. ” افعى ام قرون ” ..  نزعت قرونها وحملتها معي  .. وتابعت سيري النهار كله  ، زادي الترفاس المشوي .. عند القيلولة .. استظليت بشجرة بطوم .. استرحت حتى المساء .. واعتدال الحرارة .. وتابعت سيري الى الليل .. بت على كتيب رمل .. بقربي قصر قديم .. بنيان الاولين .. طلع النهار توجهت اليه .. قصر عجيب .. حوله حزام من الحجارة .. عرضه نصف ميل .. بها سبعة مواجن ماء ..  مفرش الماجن مرصع بالياجور .. عرض ثلاثة اصابع .. وطوله ايضاء .. فسيفساء مذهلة ..  وثلاث تماثيل لفتيات .. وكل ثمتال راكز على حجر الحمل ..  وكتابات بخط الاولين ..  ولجت اليه .. ثمة داموس وسلالم اليه .. نزلت ، وجدت تمثال اخر من رخام .. على صورة طير .. كتابة على الحجرة قدم التمثال .. بمرق الذهب ..  تقدمت اكثر ..  تمثال لرجل لمحارب ركز رمحه المزخرف عن يساره متكأ له .. خال لي انه انسان يحرس المكان .. انتصب شعري .. ولحقتني رجفة .. عدت خطوات للوراء .. تأملته اكثر .. اقتربت منه .. فإذا به .. رجل من حجر .. كتب على صدره بقلم الاولين ..  قاعدته رخامية خضراء ..  لونها عجيب ،  قادني الدهليز الى باحة مفتوحة .. فسحة واسعة ..  اربع بيوت .. دونها حوض ماء .. اردت دخولها .. ولم اتمكن .. الماء منعني .. فجعلت حيلة .. لكنني ما ان اقتربت خرجت في وجهي افواج البعوض .. عدت خطواتي .. شيء عجيب .. كلما لسعتني ناموسة ادمت .. وما ان ابتعدت .. تركني وشأني .. وعاد لمستعمرته .. ظللت اتأمل بنيان الاولين .. حافة صهريج ماء معفر بالرمل .

      عناق ارض صارت قريبة مني ، منعتها علو فهد ، لكنها اقصر منه ، .. اطراف اذانها شعر طويل اشبه بشعر ذيل الجربوع  ..  صوبتها  ،  وقعت على جنبها الايسر .. وتمددت .. ذبحتها .. لم يرق لي لحمها .. تركتها وعدت الى القصر .. للفرجة والعبر .. تماثيل اخرى .. في الليل  .. بت بالقصر .

 طلع النهار ، الان عرفت .. يسمونه ”  قصر الحكيم ” .. قالت العرب .. كان رجل حكيم من الناس الاولين لديه ثلاثة بنات ، فلما استشعر الموت  جعل بناته حجارة .. بالحكمة .. وقالت : قصر البنات .. وقصر الطير .. به تمثال الطائر الضخم .. ذلك القصر في الصحراء .. البر ما بين اوجله وطرابلس .. قبلي اوجله .. وغربها .. واكثر ميلا  غربا ..  ، يبعد عن اوجله مسيرة خمسة ايام .. سير نشط ..  تابعت سيري حتى منتصف النهار .. هبت ريح عاصفة شديدة .. شنة الماء لم يبقى بها سوى رشفات .. وبدأ العطش ينهش كبدي .. فاستلقيت عند ظل شجرة اثل .. وفي المساء .. تابعت سيري .. لم اعد اعرف الى اين .. تائه على وجهي بصحارى ممتدة .. اسير ضرب عشواء .. حل الليل .. خلص الماء .. هذه اخر رشفة .. وقد رشفتها .. بت الليلة حيث انا .. طلع النهار .. تابعت سيري ..  تناصف النهار واذا بي .. اقطع فيافي صحراء جرداء .. لا طير ولا شجر .. ولا حجر .. سريره مقه ..  نظرت قوز رمل .. قصدته ..  وصلت اليه وضاق بي الحال .. العطش نال مني واشعر انها لحظات الوداع الاخير .. تلمست ثرى حفرت .. وجدت الندى .. حفرة اشبه بقبر ، وتمددت في رطوبة الثرى ..  ركزت المكحلة والسيف .. نزعت ملابسي وظللت وجهي  ..  دفنت نفسي في الثرى عريان  .. بردت حرارة  جسمي .. راق قلبي .. خف عطشي .. في المساء .. تابعت سيري .. حتى الفجر .. عندها توقفت .. قلت .. اخلد للراحة ثلاثة او اربع سعات ..اخذتني غفوة نوم عميق .. الساعة السابعه في ذلك اليوم .. من شهر ربيع ثاني .. استيقظت من نومي فوجدتني اشعر بعطش شديد .. واللهاف يلاحق لهاتي .. تابعت سيري ..نظرت قوز رمل .. قصدته ..  تطلعت من اعلاه ..يمينا .. شمالا .. شرق الجبل .. وقع نظري على نخلة .. بعد ثلاثة اميال .. قصدت النخلة .. اقتربت منها .. جنباتها نبات القصب والبرد والصمار .. فرحت فرحا شديدا .. قلت في نفسي : ”  ان شالله سيكون الماء ها هنا ” ..  وصلت .. النخلة على حافة عين ماء جارية .. نبع وسط الرمل .. مددت يدي لاتحسس الماء .. بارد كالثلج .. شربت منه شيء قليل .. خشيت ان انتكس .. عطشان ملهوف .. بعد ساعة زمان .. انتعشت حيويتي .. شيء من لحم .. عويني .. اكلت واسترحت عند جدع النخلة ..  حل المساء ..  ملأت قربتي ..  وتابعت سيري .. الليل نمت حيثما حللت ..  طلع النهار .. تابعت سيري حتى نصفه .. لمحت نخل كثير .. قصدته ..  اثر اقدام الابل .. عين ماء تتدفق بسخاء .. نخيل ثمره في عمر البسرة  .. بداية العينه .. ، وثمر قديم ، اسفل جدوع النخل .. ومدارجها .. اكلت  الثمر الجديد .. عزلت ليف وفتلت حبل .. وصنعت منه خريته .. فخ للابل التي ترد العين .. عند القيلولة .. انتحيت عند ظل النخلة ..  قطيع من الابل يقترب .. شربت وارتوت .. وصارت تلف حول العين .. وقعت بكره في فخ حبلي .. صارت تتخبط .. فقعدت تتخبط .. وفي الآن .. تكلم البارود .. اصبت جمل صغير ..  شرد القطيع .. نحرت الجمل ..  وخلصت البكرة من حبل الفخ .. وعقلتها به عقالين ..  وانا في تلك الحال .. رأيت زوبعة غبار قادمة نحوي .. جمل القطيع هائج يهاجمني .. قلت في نفسي .. ان لم اهرب .. هذا الجمل سيقضي اجلي حتما .. مكحلتي فارغة والوقت يمر .. قصدت جدع نخلة وددت تسلقه .. اقترب مني اكثر .. عدوت ..  وفي فوهة مفتوحة بالارض .. قليلة العمق .. قفزت بها .. اشبه ببئر ماء .. جاف .. لاحقني الجمل .. يرغي ويزبد .. يقحم رأسه جالة الحفرة ..  برك على ركبيه .. واقحم رأسه عله يصل اليّ .. نظرت حولي بالمغارة .. قلبت عيني واذا بثعبان ضخم .. من ذلك النوع الذي صادفنا تلك الليلة .. وطاردني اعلى الشجرة .. عينه اللامعة .. تتوهج كجمر اشتعل .. قلت في نفسي ..  الله اكبر .. ان بقيت مكاني يعضني الجمل .. وان ولجت الغار اكثر ..يلعقني الثعبان .. ظل التعبان هامدا .. والجمل يهدر .. وما توقف .. فما هي إلا برهة .. انقض الثعبان على فم الجمل .. وحقنه سمه ..  ثعبان بحجم الادمي .. بل اكبر من الادمي .. طوله ثلاث قامات .. غرز انيابه بخشم الجمل .. سقط الجمل في الحال .. صار ينظر اليّ.. وانا ابادله النظر .. لونه اكحل .. له سيالة بيضاء بين عينيه .. له شعر على اكتافه وفي ذنبه … اشبه بشعر ظهر الخنزير .. واطول قليلا .. شبر ونصف طول الذنب ..  الشعر على اكتافه اقل من شبر .. وعاد الثعبان الى مربضه .. غادرت الحفرة .. تحسست الجمل .. صار وبره يتطاير .. ولحمه لونه اسمر نيلي ..  قلت الحمد لله والشكر له الذي نجاني من الجمل ومن الثعبان .. ولولا فضل الله لقتلني الثعبان مثل ما قتل الجمل .

         سلخت ما تيسر من جلد الجمل .. واقتطعت شيء من اللحم .. اشعلت ناري .. شويت .. اكلت ..اردت امتطي الناقة التي وقعت بالفخ .. ابت ان تساعدني .. انفها بمخرز نار .. وجعلت فيه خرمة المخرز.. حبل لليف .. وامتطيتها ثانية .. فتبين لي انها تعدو اكثر مما يعدو المهري العشاري ..  قلت الحمد لله .. هذه الناقة ستنقلني الى حيث اريد .. لكنها عندما حل الليل .. واظلمت .. ابت المشي .. كلما دفعتها للمسير .. عادت خطوات للخلف .. اتعبني ذلك غاية التعب ..  نزلت من على ظهرها .. الحبل الذي برأسها ، عقلتها به عقلا جيدا .. وتابعت سيري .. في المساء توقفت .. جمعت الكثير من الحطب .. اشعلت ناري .. شويت وانتشيت ..  ارض قفر ليس بها سوى شجر البلبال ..  وشيء من عشب الحميض .. في الصباح .. تابعت سيري  .. عند القيلولة استظليت بشجرة اتل .. وفي المساء .. وبينما اطوف المكان ، عثرت على اثر لفارس عبر قبلي بايام محدودة .. فارس هنا في هذه الارض الجرداء ..  تتبعت اثره حتى الليل .. بت ليلتي .. وفي الصباح تابعت سيري ..  وجدت في اثره انه اصطاد طير نعام ..  وترك شيء من اللحم بعدما طمره بكومة من قش ورق الشجر  .. ازحت القش .. جلدين من ريش نعام لظليم اكحل .. ورقابها كنز الزهم ..  للكسور .. وتهتك الاوصال .. وتابعت سيري .. في المساء اثر اقدام الفارس تلتقي بطريق معهود .. تتبعت ذلك الطريق .. بلغت مجموعة ابار تحفها غابة نخيل .. من نخل الاولين .. ارويت عطشي .. وتابعت سيري .. ومرة اخرى غابة نخل .. رعاة اغنام .. سراح .. قلت السلام عليكم .. ردوا .. عليكم السلام .. قلت لهم .. هل عندكم شيء من حليب او معصوره  .. قالوا : نعم .. لدينا جبن .. ولكن .. انت ماذا ستعطينا .. قلت لهم انتظر القافلة .. وحال تصل اعطيكم متروده وزميته .. لكن المحقوق عند الله انشالله .. اذا وصلنا لبلاد .. لكم ما اشتهيتم  .. قالوا في أي بلد نجدك .. قلت لهم .. أليس ها هنا بلدتين .. قالو : بلى .. اوجله .. وقبلها جالو .. قلت لهم : في دار الشيخ سليمان .

اريد ان اطير

اريد ان اطير

احلق في سماوات العلى واصبح كالامير

كصقر  جارح  جائع

وفق الافق حمامات روائع

وارنب بري ضائع

 واعود منقضا عليك

 واخطفك .. وارحل اليك

لم تنم

لم تنم .. ولم ينام

 وتعانقا حتى الثمالة بالتمام

وتضاحكا وكانما طيرين فوق الغصن ينتشيا هيام

وكأنما الدنيا لهم ..  بحر محيط من غرام

سبح معا بالنهر ثم ترنما

 كفراش زهر .. والربيع تكلما

***

عيون شاخصة

 

    عيون شاخصة .. الاسلحة مجحفلة .. تدرع الشوارع

 المدينة ليست بخير .. ضحية احتراب …. الان

    فوهات البنادق تدور .. تترصد العبور والصدور .

اقطاب الترحل تتدافع .. وتشهر المدافع

انها الحرب يا هند .. كلانا الخاسر .. ونحشد لها الجند

تجاوزوا الوقائع ..  صفح واعتراف بالفضائع

عودوا كما كنتم ابرار .. اصهار .. اصدقاء اخيار .. وعمار يا دار

  دفعا للخطيئة .. اهتفوا :

اوقفوا الحرب  .. نريد العبور

الحرب الاهلية اعظم الشرور

واشفى عندما تأتي

غاليتي قالت تسألني

اتغازلني

 ما عدت اريد اخبئه

 حقا ما قلت يا قدري

 اني غازلتك فانفجري

اهملتني .. واسأت ظني

 كيف الطريق اليك .. كيف الذهاب اليك

 اشكو اليك .. ارثي اليك

قلبي الذي .. اسرته

 سرقته عينيك

رفقا بقلب  قاده الوجد اليك

 لا تبتعد

 البين يقتلني .. البعد يحرمني

واشفى عندما تاتي 

وتغمرني يديك

يا اجمل خلق الكون

يا اجمل خلق الكون

يا روعة البسمة والمقال

  والانس والدلال

     ماذا اقول لها .. ماذا اجيب ؟

    لو انني قلت لها ..  انت التي في قصائدي الوليمة

 وعلى صفحات اوراقي اليتيمة

انت التي في كل حين

 تخطرين

 تمانعين

 تتمايلين .. تترنمين

 وانا الذي لا يجروء ليفصح بالحقيقة  

انت التي في كل شعر قيل  .. كنت عنيدة

 وكنت حرف القصيدة

 ماذا اقول لها ؟

اسقيتك الحنين

ارويتك من شهدي عسلي كل حين

 قبلتك .. عانقتك .. ولكم تعانقنا ولا ندري

 وكم من قبلة صدفة

وهمسة انعشت همسة

 تلاقينا .. تعانقنا .. وطاب الوقت

 وابتلت مآقينا

ضحكت

ضحكت وبان ثغرها الفتان
وشعرت لو اني كما ما كان
وودت ان الوقت قد حان
حل الربيع بطلعه .. وتراصفت الجنان
عنب وثمر وخوخ ورمان
نرجس وياسمين .. فل ورياحين
بحار وانهار .. برابي وازهار
 
***
 
 لماذا لا تغازلني .
. لماذا لا تعاتبني 
. ولي في غزلها ستون بيت
وقافية بنظم العقد صفت ما ارتويت
 
لكم اهوى اغازلها
واغدو طير دوحتها امازحها
وتبكيني وابكيها .. تواسيني اواسيها
تغنيلي اغنيها .. تحضنني اشاكيها
 

كتيبة محاربين

 

 

 

    محاولات المرأة سلب حقوق الرجل التاريخية بذريعة حقوق الانسان .. اعتقد اننا بحاجة الى قوانين اكثر صرامة تقيد من حركة انفلات المرأة واعتلاء صوتها على الرجل ..باستثمار الاعلام واظهار دور الضحية .. كان للمرأة في الماضي يومان تخرج فيهما من بيت ابيها .. الاولى الي بيت زوجها .. والثانية الى القبر .. يجب ان نقتدي بسير الاولين وسبل تعايشهم .

***

    رقدوا الليل .. تصبح على خير .. لا اظن انا احدهما قالها للاخر .. اللي وصل لفراش تكلكف في بطانيته ورقد .. صبح الصبح .. يا وليه .. صبح .. نوضي ديرلنا طاسة شاي .. بنمشي للسواني .. مرة تنوض .. ومرة تقوله .. ماك غالب في طاسة شاي اديرها لروحك .. وتكمل نومها .. لكن يومها .. ما ردت عليه .. صاحب لوداع خذا وداعه .. رحمها الله .. قالوا الجماعة ..” انظر وين دايرها ولاقيها ” .. واخر ” ضربة جزاء حرة ” .. رقيلوا في العارضة .

****

    جاي من طرابلس ومعاه الولية .. ارتطم بسرب ابل عابر .. التفافة ما بعد القريات .. ماتت .. ونجا .. والتفوا حوله صحبة المواسين المهنئين .. اتم حديثه .. والقصة وما حدث يوم فاضت روح المرحومة .. همس احدهم للاخر  .. لا اله الا الله .. مررت انا وهي مرات ومرات من حنية القريات .. لم يصادفنا حتى جمل واحد .. محظوظ .

****

 

   مطول روحن .. في احدى المرات دمغتها بهاتفي النقال .. كان بيدي حينها  .. ادمى راسها .. ونقلت الى المستشفى .. عشرة غرز في الراس .. بعد اسبوع شفيت وعادت .. واخرى طاسه الشاي ساخنه .. .. كانت بيدي حينها  ..  كجيتها على زومتها ..  صار وجهها خبز التنور .. بلقش مقرقع .. نقلت الى مستشفى الحروق والتجميل .. بقيت عام .. وعادت .. كما انها ليست هي .. وفي احدى المرات وكنا نحتفل بعيد الذبح .. رقتلي السكر .. بيدي حينها سكين .. غرزته في قلبها .. نقلت الى المستشفى .. اجريت لها عملية جراحية استمرت 12 ساعة  .. وحتى في هذه الاخيرة ..  لم تمت .

   روحن طويله .. تلقى عزوز شايبها مات .. وقليل وين تلقى شايب عزوزه ماتت ..

 

****

 

          كما السجادة .. كلما اديت صلاتك .. انفضها من الغبار جيدا .. بيدك .. بعصا .. حسب غبرة المكان .. واين صليت .

 

****

 

       النخل البعلي .. ذكر بين عشرة نخلات .. الابل لكل ثلاثون ناقة .. والغنم لكل اربعون .. امم امثالنا .. واذا عندك ثلاثين ناقة .. كم من نفض سجاد .. ينتظر .

 

****

 

        صادف على طريق سفره جمجمة تدحرجها الرياح ، براح براري صحراوية شاسعة ، قرأ المكتوب على الجبين ” ولد في فاس .. ومات في مكناس .. وما طري وما يطرأ على ها الرأس ” .. تعجب ، وسأل نفسه .. ما عسى ما ينتظر هذه الجمجمة اكثر من دحرجة الرياح وسط قفار مجدبة ، فكر ان يسأل شيخ النجع  يوم وصوله ، حمل الجمجمة معه ، وضعها داخل المخلاة ، وواصل سيره

    ما ان وصل واطمأن على زوجته وابنائه وبقية الاهل .. قصد عشة الشيخ .. يسأله امرا جلب الحيرة في نفسه .. احتار الشيخ هو الاخر ، وطلب تفحص الجمجمة بنفسه .. هرع الرجل لإحضار الجمجمة ، ادخل يده بالمخلاة ، لم يجدها .. سأل الزوجة ، نظرت اليه باستياء .. كانت قد اعقبته ورأت ما يحوي المخلاة ، ساورها الظن بنية سحره لها ، رمت الجمجمة بتنور الخبز .. احترقت الجمجمة ، وصارت رماد .. هكذا عاد الرجل للشيخ الذي ينتظره .. ليقول له .. لقد تحققت مما كان ينتظر الجمجمة .. الحرق بالنار .

 

****

 

      تداعى الامل في الزواج بها .. وطالت سنوات الخطبة .. قال :

غزي القلية واقعدي في بيت امك .. عامك حرف ما لقيت بيش انضمك

****

وقال اخر

يام ضناي بديتي جدة .. وجهك صدى .. شبحك لين ايجيب الفده 

****

 

    عالم يتلصص على بعضه البعض .. لمحك عند نسابتك .. يتمم بالمثابة الام .. خلو الناس في حالها .. ذيب النسنس خير من ذيب الرقاد .

****

    احبت فيه كل شيء فيه .. روحة المرحة .. قلبه الحنون .. طيفه العابر كنسمة ربيعية .. خزرة لواحظه الوادعة الواثقة .. جنونه بها .. وجنونها به .. احبته .. واحببت كل شيء فيه .. واحبها حتى الثمالة ..  تزوجا .. وتحقق المراد والامل ..  صديقي هو الاخر عرسه كان يوم عرسنا .. ترافقنا سويا .. اربعتنا الى بلد اجنبي .. نقضي شهر العسل .. كنا نتحدث مع بعضنا اكثر مما نتحدث معهن .. في احدى المرات  .. مقهى فندقي رائع .. نحتسي قهوتنا سويا .. عبرت فتاتان .. فاتنتان  .. قفزت اعيننا سويا نحوهما .. تتبع دقيق .. نسينا من حولنا .. والتوت رقابنا سويا .. مالت مع ميلان اقدامهن .. واجسامهن .. حتى المشهد الاخير قبل ان تتوارى .. التفت كلانا للاخر مشدوها .. متحسرا  .. قال لي : ” له .. له .. يا حامد .. ما درنا في زماننا ” .. امضينا امسيتنا .. وكان كل شيء طبيعي .

   عدنا لحجرتنا الفندقية .. وما ان اقفل الباب .. زمت شفتيها .. رقبتك التوت حتى كدت تقع من الكرسي .. وماذا قصد عندما قال ” ما درنا في زماننا ” ؟ .. واعجبك قوله .. وابتسمت .

– لا ادري .. ربما قصد .. لكنني لا اوافقه .. ابتسمت بنوع من المجاملة .

– وماذا عن التفافة رقبتك كل هذه الالتفاتة ؟.. ابرر .. رأيته مشدوها لأمر ما .. سايرته النظر .. كنت اظن انه ينظر للقطار .. ومضت ليلتنا نكد .. لم انم مطلقا .. في الصباح الباكر .. كنت اول رواد المقهى الفندقي .. وجدته هو الاخر سبقني .. قلت له : ماذا فعلت بي ؟ .. كانت تنصت الينا . .. قال لي .. لا تشكيلي ابكيلك .. خرجت قبل قليل وتركتها .. لم انم ليلتي .. ماذا .. وكيف .. ونحن لا زلنا في شهر العسل .. فما عسانا غدا .. ليلة نكد .. كذبت بما يكفي ولم يسعفني .. اي عسل هذا ؟

– لا تنسى .. نحن السبب .. وزودناها حبتين .

 

****

 

        اهداني كتاب يخبئه جرده .. كنت ابحث عنه .. كتاب قديم .. حقق ونشر في العشرينات من القرن الماضي .. ومنع من التداول .. واعيد نشره مؤخرا .. عنوانه : ” عودة الشيخ الى صباه ” .. يشترط ان تتزوج فتاة في العشرين عندما تبلغ السبعين .. رحيق الصبايا ينعش القلوب .. اكسير الحياة .

        كلام حلو .. ليه لا .. تزوج ثاني وثالث .. لأجل الخلود .. والعمر شباب .. ومآرب اخرى .. كيف انت وثلاثة نسوة عمي سعد .. في خيار الخير .. و ” المرأ اللي تجيب ولد .. ردت راس مالها ” .. كتيبة محاربين .

 مذكرات رحالة من فزان 1852 : ( 1 )

        اما وقد بلغت اواخر العمر .. وانقضى منتصف القرن السابع عشر .. ونحن اليوم في العام 1852 م .. ورأيت ما رأيت من اهوال العصر .. ومناكفات اصناف البشر .. وحان المستقر .. سأروي لكم ما جرت به المقادير .. بلا تبديل ولا تغيير .. وذلك انني لما بلغت سن الثالثة عشر ، تولى عمي وشقيق والدي امري ، فانتقلت الى ارض تبو برفقته ..  وأجزل معاملتي بصحبته .. في مقام ابنائه وعثرته .. اذ لم يكن لديه في ذلك الوقت احفاد .. بعد مراس الترحال وجوب البلاد ..  فأولى اهتمامه بتعليمي  .. وأدخلني محاضر الكتاب لحفظ القران وتلقيني .. ولما فرغت من حفظه بالتمام .. اقام لي عرس باذخ في حضرة جمع الانام .. ذبح فيه مائة شاة من غنم الصدار .. واستضاف الكثير من اهل النواحي بالجوار .. باركوا لي وله الاجازة والتكريم .. على ما افاض الرب من النعيم .. بحفظي للقرآن الكريم .. وما ان بلغت سن الثامنة عشر في ذلك الزمان .. ارسلني الى بلاد  ” كاشنه ” ، و” برنو ” محملا بالهدايا وود الامان .. الى حضرة ملك ملوك العرب والسودان .. السلطان ابن السلطان .. المرحوم محمد بيلو ( [1] ) الغني عن التعريف والبيان .. نسيبنا وزوج اختنا منذ سابق الازمان .. وقد اكرم نزلي عنده بترحاب ، وقبل الهدايا ببهجة الاصحاب .. واسكنني دار اختنا ابنة عمي بعد طول غياب .. ومرت الايام مر السحاب .. فإذا بأختنا تحفزني للزواج .. وتختار لي فتاة من ذوي الجاه الاصحاب .. الملكة الزهراء ابنة الملك الاعظم الحاج البشير .. فوافقتها حسن التدبير والتقدير .. وأقيم لنا عرسا ابهج الاسارير .. سبع ايام بلياليها كما في الاساطير .. ببلاد ” برنو ” ارض الولاة المشاهير .

    اما والرحيل قد حان .. وشدنا حنين العودة لمقام عمنا حيث كنا وكان  .. وفي يوم وداع الخلان .. رافق ركبنا حضرة السلطان .. محمد بيلو سيد البراري والقفار والوديان  .. صحبة اختنا وحجابه ووزرائه وذوي الشأن  .. وعشرون الفا من عساكر السودان .. واهدى لنا خمسون خادم من الاقنان .. وخمسون غلاما من الفتيان .. وخمسون ناقة وخمسون جملا وشيء من الذهب بريقه لمعان .. واهدى لنا نسيبنا خمسون غلاما وعون الطريق من طعام ضعفان .. وأهدت لنا اختنا قبة نعامة حشوها من تبر الذهب غالي الاثمان .. وركبت زوجتنا في هودج عربي مترادف الاوزان .. ومضينا والركب يزحف بافتتان .. وبعد ثلاثة عشر يوما من الترحال .. بلغنا مقصودنا في احسن حال .. واستقبلنا عمنا بفرح وشوق فاق الوصف والخيال .. وأرسل الى شقيقنا محمد بأرض فزان  .. وكنا في شوق للقائه والعمر فان .. وقد ثم بحضوره الانس .. وازدانت البهجة واكتمل العرس .. وامضى عندنا شهرين .. وكان لنا عز قرين .

       فلما اراد الرجوع الى ارض فزان ، اهدينا له مائة وخمسون رأس من رقيق السودان ، وخمسة جمال هجن اعشاريات ، وناقة اعشارية لابينا ، وركبنا معه لنهارين متتاليين ، وابقانا بالسلامة ، ورجعنا ، فلما عدنا قريب تبو ، قتلنا شيء كثير من الوحش ، والعاج ، والكركدن ، ورجعنا الى عمنا ، فاقمنا ببلاد تبو عامين ، صار عمري واحد وعشرون عاما ، ارسل الينا ابينا ، وقال لنا في الجواب : ” الى حضرة اخينا عمر ، وبعد السؤال عنكم وعلى جملة الاهل ، ومن تعلق بكم خاصة ، بودنا ان ترسل الينا ابننا محمد .. لقد طالت وحشته .. اشتقنا اليه .. امه هي الاخرى لا تفتأ بالسؤال عنه .. قدم لي عمنا الجواب ، قرأته ، قال : هيئوا انفسكم للسفر .. جمل هجين ، يرافقه خمس وعشرون هجين ، على كل هجين اثنان من الرجال ، وركب معنا رجل خديم لنا من اهل تونس اسمه بابا علي كاسكين ، .. على مشارف فزان .. ارسلت هجان الى بلاد مرزق .. الى اشقائي هناك .. وما ان ترامى لهم خبرنا .. ركبوا في خمسمائة فارس من غلمانهم  ، وبنو عمومتهم .. والتقينا .. ونزل اخوتي عن المطايا .. وعانقوني .. ونزلت جميع القوم الذين معهم ، واستقبلونا راجلين .. ونزلنا نحن ومن معنا ، وتمازجت العناقات في مهرجان كعرس شعبي كبير .. لهدت الخيل .. واصطف اهل مرزق مهللين .. دقت الطبول .. ولعلعت المقرونه .. مرزق بناسها رجال ونساء .. والمرابطين ، كانوا في استقبالنا ، وضربت النوبة العثملي ،. عم الفرح .. غاية الفرح ..  وضرب الطبجي المدفع ..  ونزلنا بالقصبة المعلومة في بلاد مرزق .. فاقام لنا اخوتنا عرس لسبعة ايام .. واقمنا في  بلاد مرزق سبعة عشر يوما ، ثم ركبنا وركب معنا خمسون هجين ، وركب اخوتنا رفقة وداع .. ليوم كامل  ، ابقونا بالسلامة .. ورجعوا ، وفي اليوم السابع ، بلغنا  بلاد بني الوليد ، خاب املنا .. اقمنا بها ثلاثة ايام .. وجاء الخبر .. والدي بنواحي ارض الزعفران ، ركبنا وتوجهنا الى ابينا .. وبعد مسير يوم وليلة .. ، بلغناه .. تعانقنا بعد طول غياب .. طوال فترة اقامتى في تبو .. يومها وجدت عنده رجل فرنسي .. محب لابأبينا  .. قدم له اربعة مدافع .. صغيرة .

         فرح عمنا هو الاخر بقدومنا .. واخوتنا .. واولاد عمنا ، وكأني الميت الذي بعث من قبره .. عمت البهجة العائلة .. والاهل .. لكن جوابات ارسلها البلعزي .. يبدو انها ستغير المسار .. يطلب مقابلة ابينا عند غرب الزعفران .. وانه يعرض عليه التحالف معا .. ركبنا اليه في الموعد والمكان .. معنا مائتي فارس من ابناء عمومتنا ..

     المريض .. ونسيبه مصطفى ابن الاغا عصمان لدغم ، عرض عليه التحالف معا .. في مواجهة مصراته .. الذين اختاروا صف الترك .. لكن ما حدث لاحقا .. ينبئ انهم بيتوا لنا الخداع .. لقد اكرمناهم غاية الكرم .. والدي لم يكن متوجسا من التحالف معهم .. ركبنا نحن في مائتي فارس ، وركب المريض ونسيبه مصطفى ابن الاغا عصمان ، في ثلاثمائة فارس .. وعندما بلغنا المكان .. هالنا عدد العساكر .. وانتشارهم ..عند ذلك اتى ابن المريض الحاج عبدالهادي وقال لابينا ، ان اباه المريض ومصطفى الاغا ينون لك على الخديعة ، فلما سمعت منه هذا القول ، توجهت الى عمنا ، واخبرته ، فقال : الحاج عبدالهادي كاذب ، وما هو إلا خائف من القتل ، واستشار عمنا ، فقال ، اعرف الحاج عبدالهادي كاذب جبان ، إلا اذا ارتم تصديقه لتبرروا هرب تتوقون اليه  ، وعنده سنصبح ” مضحكة ” للناس .. ومسخرة عند اشرافها وأراذلها  .

         اقتربنا اكثر منهم .. شعرنا الخيانة تنهشنا .. كنا نظن ان المريض وقومه معنا .. لكنهم خذلونا .. الحاج عبدالله .. كان صادقا في كلامه .. لقد اخطأنا التقدير .. جعلونا في المركز .. وانهالوا علينا من كل جانب .. ناض البارود .. البلعزي امامنا .. والمريض من خلفنا .. واشتعل وطيس الحرب .. ليوم كامل .. دحرناهم .. لكنهم ظلوا محاصرين لنا .. قلت لعمي .. اذا لم نهرب الليلة فستتكالب علينا اقوام العسكر من مصراته وطرابلس .. وسنقتل .. .. والتفت نحوي .. وقال لي : ”  اعرفك .. اردت الهروب من اول يوم ، ربوك  الوصفان فصرت دليلا  .. كأنك لست ابن اخي ” ..  فقلت له : يا عمي .. الهروب ليس صنعتي ، ولا من صنيع احد من نسلنا ، ولكني خمنت ان الهروب افضل لنا ، نحن في خطر ، وانه افضل من الندامة بعد فوات الاوآن ، ولو ان عددنا يوازي عددهم .. او يقترب منه .. لكان ممكنا الصمود والمواجهة .. ضحية خيانة .

    قال عمي .. اذا تكاثروا علينا .. اتركوا الخيل والبسوا الارض ..  نصمد .. ونضرب بشدة .. غدا او بعد غد .. ننتظر دعم اخينا القادم الينا بالمؤن .. ولما زاد زحفهم نحونا .. لجأنا الى جبل طيني .. يقال له ” قارة البغلة ” .. وتخندقنا به .. والتفت بنا العساكر من كل جانب .. تمكنا من صدهم ووقفهم اليوم الاول ، والثاني ، والثالث ، بدأت زواملنا تموت من العطش .. اما انا وعمي وخلفنا احد غلماننا يحشو لنا البارود في المكحلة .. يعمر لنا السلاح ..  كان كل من عبر امامنا .. وتطاله بندقتنا .. قتلناه .. وكلما تكلم البارود .. ان كان من عندي .. او ان عمي صوب نحو هدف .. مات منهم رجل .. سقط من جواده .

     اليوم السابع ، تحاملوا علينا اكثر ، ماتت رجالنا وخيلنا ، اصابت عمي سيف رصاصة نهشت جانبه الايسر ، لكن رصاصة اخرى قصدت رأسه .. فاصابته .. رفع يده يتلمس اصابته .. وشعر انها النهاية .. قال لي :  تعال يا ابن اخي اصافحك عن قرب ، انا وانت سنفترق ..  هذا اليوم .. قلت له : تسلم عمي .. يا قرة عيني ..  اتيت اليه .. قبلني بحرارة .. ضمني الى صدره ، ، قبل جبيني ، وقال : اهرب يا ابن اخي ، فإني انا مت ، وسقط على الارض ، التفت الى الغلمان .. فوجدهم هربوا .. واقترب مني عسكري .. اراد ان يدخل لجة تحصني .. صوبت القربيله على صدره .. ضغطت الزناد .. قتلته .. سقط على الارض .. وتركت دوحتي وحصني .. خرجت  .. وخرج معي عبد اسمه زايد .. استحكمت حلقاتها .. وقبضوا على ابي .. واخوتي .. ومن اولاد عمي .. وما نجا من اعمامي .. غيث طفل صغير .. قتلوا والدي ، واسروا اخوتي .. وقتلوهم بالليل خنقا بالحبل .. ونجوت من قبضتهم في الرمق الاخير ، سرت هائما على وجهي .. ارض تاخذني واخرى تردني .. الى ان بلغت نجع لمغاربة ، كنت جريح في الكاحل ، عدوت مسافات بالليل  ، وما ان تناصف .. رايت ثمانون من خيالة البلعزي قادمون نحوي .. صار بيننا حرب شديد ، في تلك الليلة ، قتلنا منهم اربعة رجال ، وقتلوا الغلام الذي كان معي ، مات الغلام ، وصاروا قريبين مني ، اتى احدهم يمتطي فرس حمراء من جياد الخيل حتى وصلني ، وضربني بالقاربيله .. فسلمني الله منه .. التفت نحوه ، صوبت واصبته .. قتل ، كانت فرصة .. امتطيت الفرس وحملت على القوم  .. هربوا مني ..  ولاحقوني.. ظلوا على اثري حتى منتصف الليل ..  وعندما صرت بعيدا عنهم ..  تركت الفرس ، وصرت امشى بين اشجار القندول المنتشرة .. لحقني العطش ، نظرت شيء ما اعلى التبة ، صرت اليه فوجدته نادر من القمح ، اعلاها رجل نائم ، جلست بالجوار  ، فلم يستفيق .. ، فلكزته  ، استفاق مهلوعا عندا رأى سلاحي .. قال : ماذا تريد سيدي ؟ ، قلت له : اضناني العطش اعطنني ماء .. هرع الى بيت قريب من بيوت العرب الخفر .. احضر لي لبن غنم مخلوط بالماء ، شربت وانتشيت منه كثيرا .. وعندما هممت الرحيل .. تثاقلت ركبتاي .. فلم اقوى على النهوض .. واصابتني الحمة .. عدت مكاني .. احس الرجل بما انا فيه .. احضر مرقوم من الزريبة .. غطاني به .. تمددت ونمت .. حتى شق الفجر عين الصباح ..  زالت الحمة .. ولم يبخل علينا الرجل بالطعام .. لكني عندما عزمت على الرحيل .. لم اقوى على المشي .. جلست الى الارض وبكيت بكاءا شديدا .. قال لي ذلك الرجل ، ما يبكيك يا سيدي ؟ ، ولا بكى الله لي عين ، فقلت له : ابكي نفسي بنفسي ، ولا يبكي عليّ حبيب ، وهذا نهار البكاء عليّ ، فقال لي ، اني اراك يا سيدي ابن ملوك ، ولكن اخبرني بامرك وعليك الامان ؟ ، فإني ادبر عليك ، وامنحك ان قدرت ، فأخبرته بأمري وما جرى علينا ، فقال : سبحان المعز وسبحان المذل . فقلت له هذا كلام لا يسمن ولا يغني من شيء  ، هل لديك موضع اختبئ فيه حتى يندمل جرحي .. وسأمنحك المال .. قال لي صبرا.. استشير والدتي ، برهة زمن وقد عاد برفقة والدته .. قالت ، مرحبا بك يا ايها الرجل ابن الرجل المليح ، واني يا سيدي لما اخبرني ابني عنك ، خافني الحال ، ولكن اذا كنت ستعطينا شيء من الدراهم ، فإننا نخبئك عندنا حتى يندمل جرحك .. ونودعك الى حيث تبغي .. فقدمت لها عشرون بندقي من الذهب ، اعتدنا ان نبقي في جعبتنا دائما خمسمائة بندقي بحزامه .. لعازة الزمان .

قال الشاعر :

 ان الدراهم في المواطن كلها .. تكسي الرجال هيبة وجمالا

 وهي لسان لمن ارد فصاحة .. وهي السيوف لمن اراد قتالا .

فرحمة الله على صاحب هذا القول

[1]     ولد السلطان محمد بلو محمد بلّو بن عثمان بن فودي في عام 1879 بمنطقة سوكوتو بشمال نيجيريا وكان والده الطاهر الأول اخر سلاطين خلافة سوكوتو الإسلامية .. تولى امارة القسم الشرقي للدولة حتى بايعه عام (1817).. توفى بمايرنو في عام 1943 وله ضريح يزار فيها. خلفائه : السلطان محمد الطاهر بن محمد بلو من عام 1943 إلى 1969.. السلطان بلو بن محمد الطاهر من عام 1969 إلى 1972.. السلطان ابوبكر بن محمد الطاهر منذ عام 1972

 

ريح .. ادعي

      انقولها ريح تقلع .. وغبيري يعثعث .. وشمس تصهد .. لا سحابه ولا غابة .. وتقولي تو تمطر .. غير ادعي .. يا رب تمطر .. وتصبح صحراء فزان .. غابة متشابكة الافنان .. فواكه وجنان .. خوخ ورمان .. عنب وتمر تتمايل الاغصان .. ونهر جاري .. وفراشة سابحة .. وعصفور يغرد .. وشاة تتغي .. وبقرة تخور .. وكلب ينبح .. وديك يصيح .. نسمات ربيعية .. خصب ونماء ..ورياض فيحاء .. امين

تخريد .. ولا شيء توقف

       شاحنات .. جمع خردة .. كنس .. امام تدني اسعار الدينار وفرق العملة .. اي شيء يمكنك تصديره او تهريبه .. وان يصل خارج البلاد .. لو بعته بسنتات .. تستعيد اتعابك .. الدولار .. قفز .. هكذا نعمل .. فيما نتجه بالخردة شمالا .. السلع المعمرة .. السيارات .. الغذاء .. تتجه جنوبا .. مليون سيارة ليبية بيعت في اسواق دول الجوار .. تشاد .. النيجر .. السودان .. العام 2016 م .. ولا شيء توقف .

           شاحنات خردة تتجه شمالا .. تمنهنت .

الحلم .. المر

 

 

         غادرنا جبال السودة .. سريرة القاف .. من معطن بير وشكة .. ننزلوا على عين الشب .. ومنها تروق الغنم .. الى عين ام العبيد ..وصلت لبلاد .. 20 كم الزيغن .. وين تمشي معطن .. الحطيه .. بير انقيزو .. بير عبدالرحمان .. بير محضية  .. من سرت .. الى الزيغن ..  وما بقي من القطيع .. وارق الفيافي .. 600 كم .. شهر .. هش شاه من هانا .. واطي تشرب الغنم .

    من نجع لنجع .. ماشين مغرب .. نزلوا على نجع .. خير يا اجواد .. ضيوفكم عرب من فزان .. قال لهم : اما انت صاحب الجلابية والمسبحة .. اقبل منك .. اصدق انك مرابط .. لكن صاحبك .. لا .. ولنا ثار معهم .. والآن اتى موعده .. هرعوا يستجدون اخيه .. اجابهم .. قتل والده .. الذي هو والدي .. لا حيلة لدي اليه .. طلبوا اليه ان يؤجلهم .. بقية النهار .. من هانا الى الغداء .. انتم حداي ما يقربكم .. حان وقت الغداء .. صهلت الخيل وسط الخيام .. اين قاتل ابيه .. قلت لهم .. ها هو .. اختبأ في بيت الراعي  .. وقبل قليل كان سيقتلني .. اخذوه .. ربطوا بذيل الحصان .. وفروا به .. اما نحن .. فغادرنا على الفور .. بعد ثلاثة ايام من السير .. والتوقف .. امرأة وابنتها .. امه واخته .. لحقنا بكم .. نعرف انه ظلمكم .. نريد صفحكم .. رأفة به .. اذا عنا .. سامحناه .. لكن الزناد ان وقع وقع .. وعسى يأخذه الله بلطفه .. امين .

         مررنا على نجع .. عندي جبيره سمحة .. شب فيها عابر .. تبيعها .. لا ماي للبيع .. ونهضت العرب .. وكل حد في شور .. لحقنا العطش .. تخلفت .. رويدا رويدا .. توقفوا لاجلي .. وعندما بلغت حال القعود .. الرجل يكاد يموت الان .. او بعد حين  .. لا وقت للانتظار .. رحلوا وتركوني .. طريح الارض .. فاقد الوعي .. مضى الليل .. نسمة الصبح انعشتني  .. القيت نظرة .. ارض قاحلة .. زحفت .. نبتة عشبه منعزلة .. اسندت رأسي لظلها … غبت مرة اخرى .. وأجدني وسط عشه  .. واناس تنعشني .. سحلب القصب .. قطرات محدودة من الماء .. كنت في كل مرة .. اتمنى لو ترك الامر لي .. اشرب الماء حتى الثمالة .. وفي اليوم الثالث اصبحت احسن حالا .. قال لي .. جاء عابر سبيل يرتدي الجبيرة التي ساومك بها الرجل العابر .. سألته :  كيف حصلت عليها ؟ .. قال لي .. من رجل يلفظ انفاسه الاخيرة .. مسيرة ثلاثة ايام .. قلت لهم هيا بنا .. حملناك على بهيمة .. واتينا بك الى هنا .. وها انت تتعافى .. والحمد لله .

         فاقة .. وشر انكري .. الحل .. الهجرة طلبا للاستدانة  .. مروا على نجع .. حان الرحيل .. طلبوا من سيده الفاتحة .. وان يفتح الله لهم الابواب لبلوغ .. مأربهم .. فقال في اول جملة .. ” الله يفككم من الدين ودعاء الوالدين ” .. اوقفه .. لحظة يا شيخ .. احنا ماشيين ندينوا .. عدلها الدعوة .

      اللي ينكسر دراعه .. ساقه .. خير من يجبر العظم معاه .. يتحسس الكسر .. يرد العظم لمكانه .. طين طفل .. دعامتين .. ورباط .. بتكوي طباعه .. بتكوي محاور .. المنقل والع .. والمحاور جاهزة .. والطباعه جاهزة .. صغير .. وكبيرة .. جمر حامي .. ولدعة نار .. تشفي من نيران .. بتحجم ..  المغاته واتية .. شخت واشعل .. الحجامة باهية .. تجدد الدم .. تسحب الدم الخامر .. وعقاب الليل .. يفرش حصير .. قدام بيته .. طرف البر .. ويسند ظهره .. وليلة ظلمة .. ونجوم اتباقص .. لا تسمع فيها لاغية .. يحط كراع على كراع .. ويبدأ يهاجي .. يأخذ غايته .. تقاصر العمر .. وحط الرحال .. عودة .. وحسرة .. عمر انقضى .. حفريات في الذاكرة .. اللحظات السعيدة .. والألم الوضيع .  

     مرض في تونس .. كبير سن .. لهت حياة المهجر .. روحوا بيه .. وصل .. شهر من تونس الى طرابلس .. وشهر لفزان ..  وصل تاعب .. المرض خلاه جلده على عظم .. سابع يوم توفى .. بعد سنين غربه .. والحلم المر .. كتبله ربي سبع ايام .. راء فيهن عويلته .. ودعهم .. ورحل . . الحمد لله .

 

   البارح منام الليل جاب حلامه .. تفسيرها صاعب يبي علامه .. يبي بصاره .. بلاوي فطاحل يعرفوا بالاشارة .. نعرض عليهم حلم فيه مرارة .. بعد ما شربته كسروا اللقامه .. يبي عرافه .. هايل كافه .. اساوى علي وزاد زاد ظلامه .. ولا حد قال النور يا جلامه .. اللي يعرف التفسير قتله حالم .. بعد ما سمعني قال .. روح سالم .. تعوذ من الشيطان غير جثامه .

        غالبني العطش .. صيف الصحراء .. ووقعت طريحا .. مرت الايام .. تائه .. وبلغ بي اليأس محله .. تلك الليلة .. غائب عن كل العوالم .. رأيت كما يرى الناس في المنام .. سيدي امحمد كيف ما راته عيني وقت ودعته .. مد لي عمرة شراب .. اطمئن قلبي .. قلت .. سأعيش ثانية .. وليست هذه لحظة النهاية .. وتمت منقذ في الطريق اليّ .. عابر سبيل ..اسعفوني .. أعطوني ماء وحساء .. لم يتركوني .. وما ان اعدت وعيي .. رحلوا .

لماذا يطلقون علينا النار ؟

  

    الحاج روح من الهاروج  .. حل الصيف .. قيظ الصحراء لا يرحم .. في الشتاء تكتفي بمطرة .. اما الان فكم نحتاج من الماء .. طبخ وشرب وغسل .. ومعاك الراعي ينتظر .. ليس العطش يهددنا فقط .. بل الجوع ايضا .. ليلتها كنا قد عزمنا على الرحيل .. عودة للقرية .. الزيغن .. انقضت شهور ربيع الهاروج .. ما عاد البقاء هنا مجدي .. انتهى موسم الرحلة الى الشمال .. بقي من الزاد ثلاثة اكياس مكرونه .. استيفني .. هذا ما بقى ..نحتاج اسبوع زمن .. قلت له .. ساغيب عنك 6 ايام .. كل كيس مكرونة .. منه غداء وعشاء .. الوجبة 250 جرام .. كاف الى ان اعود .. خلاف ذلك .. ستجوع .

      الحاصل .. الليلة اصبحنا بلا عشاء .. المكرونه يألله تسد الراعي .. واحنا خاشين طريق .. عندي فردات خبزة يابسة .. قرن .. كم .. درهوبة رشاده .. فشفشتهن .. ودرت طبيخة جارية .. فشفش خبزه ميدوم .. تعشينا عشوة ما في الحساب .. واطمنا على الراعي .

 

      في الصباح .. رحلنا .. تركنا الهاروج وراءنا .. وصلنا واحة الفقها .. الطريق معبد الى الزيغن .. في العادة نختصر الطريق ..  خش البر  .. بدل اللفة الطويلة .. 80 كم .. تكون في الزيغن .. اعمد مغرب الشمس .. والصبح ظلك قدامك .. تبع ظلك .. توصل

       روحنا للزيغن .. ويا ودي ما هناك قعاد .. ولمينا روحنا .. ورحلنا .. الراعي يراجي .. معاي رفيقي .. براح البر .. قرب الفقها .. عبرت ولا ادري انني نجوت من فخ مرعب .. رفيقي الذي يتاخر عني بمسافة زمن .. اعترضته عصابة مسلحة .. اطلقوا النار .. كدمه احدهم باخمص البندقية على راسه  .. بعدما سلبوه .. حدث في 10 ابريل 2017 م .. يؤلمني المصير الذي انتهى اليه رفيقي .. هو الان بتونس للعلاج .. كان يمكنهم ان يسلبوا ما عنده فقط .. لماذا اطلقوا النار .. لماذا يضربوننا ؟ .. على الراس .. لماذا يطلقون علينا النار ؟ .. نحن رعاة اغنام عزل .

 

الحاج عبدالله .. رفيقي الذي تعرض للحادث .. يرتدي الكامجو الوردي 

الراعي

 

قدامى الرياضيين .. مهرجان للتسامح .. سبها

 

      مدينة سبها .. فزان .. مساء امس .. برعاية جمعية قدامى الرياضيين .. مهرجان للتسامح .. رفيق النشأة والصبى .. ابن زيغنا .. الكابتن احمد بشير .. دفاع ايمن نادي الاهلي .. صدارة احتدام التنافس بين فريقي النهضة .. حي الجديد .. والاهلي .. حي القرضة .. 

     عرض فروسية .. مهرجان خطابي .. فضل التسامح .. ثم مباراة كرة قدم .. فريق قدامى الرياضيين .. وروحنا .

بات غادي

   

 

     عينه على بنت خالته .. يومها تاخر في بيت خالته سهر ليل .. قالتله خالته ما فيك ما روح .. المطر خيط من السماء .. بات معانا .. وهي ليله وفراقها صبح .. من الفرحة .. انطلق جري لبيتهم .. لا همه في المطر خيط .. لا اخر الليل .. جاب بيجامة نومه  وجاء .. خالته فاطنه ..  صار تقدر تروح لبيتكم .. روح .

   خطرها .. الواحد غايته ديمه داير حسابه .. بجامتك معاك.. تشرب طاسة شاهي وتاكل المقروض .. تاخذك الهدرزة عندهم .. تنسى مقعدك .. يخش عليك الليل .. وبلاد الامن ما تنشدني  .. ليلة وفراقها صبح .. بات غادي .. وما صبح لين فتح .

                             – كلام حلو
                                     –  الكلام بس حلو .. وإلا قصدك حتى انا ؟ 
                                    – هههههه انت رائع

ما تخلي الغنم عطشانه

   

    الغنم كان تبيها تهدأ في الحظيرة .. كثر العلفة .. والخرطان .. ويبقى ديمه القرمد مليان .. كلت وزيدت .. شبعانه مربعه .. هادية .. كان القرمد فاضي .. الغنم جيعانه .. اللي مهبية .. واللي ادور وكاثر صياحها .. وديمه طعمها ضد الامراض السارية والمعدية .. واذا خديت شاه جديدة وحطيتها معاها .. تأكد .. مرات مريضة تعدي القطيع كله ..  جدري .. دودة الراس .. ديدان معوية .. وحتى علف الشاه تكون عارفة .. انشد البايع .. يقولك .. متعود علفه وخرطان .. وإلا علف تقشف .. خبزة يابسه وميه .. وزيادة تو الكوشه غليت .. 4 فرادي بدينار .. قبل لاقينها العشرة بخمسين قرش ..  خوذلك مثل .. الجدي هذا شريناه تو ..  مبشوم .. فرزته بروحه .. جاي جيعان .. ما يعرف العلفة .. وما تعود القرمد مليان والخير كاثر حداه .. جاء لقي غنداق .. واهق .. حط راسه في العلفه .. ما رفعه .. العلفة شاعته .. زكمتت بطنه .. ما لا حل .. إلا الموس والذبح .. وإلا .. غرله في فمه ..شربه اميه .. وجريه .. تسرح بطنه .. كان طلعت منه حتى ريح .. طار سوه .. جدي كيف هذا .. عطيه العلفة وبلها بالمية قبل .. لين يتعود .. حتى كان الميه ما باهية للغنم واجد .. الغاية تشرب عدل .. شربت واجد .. اللي تاكله تخرطه اسهال .. شربت شويه .. لحقها العطش .. جلتها فلاقط .. جلطت .. كان مش كله حبة جله بروحها ..الغنم عطشانه .

      ووقت ولادتها .. كون قريب .. ينزل غداها متعرض .. اسحبه منها .. ساندها .. غير هكي .. تموت هي واياه .

 

       الفحل .. بعد عامين ثلاثة .. ديمه غيره .. معاد يقدر .. عجز .. ومنه تغير سلالة .. القطيع ينتعش من جديد .

هون بلاد لسلام

   

 

   من الزيغن .. عاش عمر في هون .. اخر العمر .. وجاب عويلته معاه .. وقال .. وكري وكري .. وين حطك بوك .. يلقاك جدك .. هفت نسوم حنين هون ..  بيوت وناس وعشرة عمر انقضى .. احبهم .. على جادة الطريق .. ينتظر اول سيارة مبحره .. اسأله .. الى اين عمي الوحيشي ؟ .. الى هون انشالله  ..تصل بالسلامة .. يودعني بابتسامة .. في احيان .. باقتضاب .. ” ماشي لبلاد لسلام ”  .. ادرك ان احد منا ازعجه .. اسبوع .. اسبوعين .. ويعود .. وكأنه الذي لم يرحل بالأمس مغاضبا .. لهون حنين .. وللزيغن حنين .. وهون بلاد لسلام .. 300 كم .. الجفرة … عنده .. حذفت رشاده  .. رحل .. غاب .. وليه وحشة .