لعبة اللوم والاستمرار في التجديف

    فيما الصياد عائدا المنزل عند الغسق .. عبر مجرى النهر الضيق .. فجأة يتجه نحوه مباشرة قارب آخر ، وبسرعة مذهلة .. انزعج الصياد وصار يصرخ على قائد المركب .. .. انتبه! .. انعطف للجهة الاخرى .. لكن المحظور وقع .. ارتطم القارب بالقارب .. تصدعت اضلاعه .. وفي حالة ذهول .. تبين له ان لا احد كان يقود القارب الاخر .. وانه اصطدم بمركب فارغ .. شعر بمزيد من الاسى والحزن .. لا أحد يمكنه تحمل المسؤولية .

    حياتنا مليئة بالمراكب السابحة على غير هدى .. ومعظمها فارغة .. عندما لا تسير الأمور على ما يرام ، فأنت تريد أن تجد من هو مذنب.

    لعبة اللوم .. عندما يصدمنا قارب فارغ ، فإن رد فعلنا الفوري هو العثور على من تسبب في الحادث .. شخص آخر يجب أن يكون هو السبب .. لا يتعلق الأمر بفهم ما حدث ، بل على جعل الآخر مسؤولًا .. الحرب العالمية الأولى – على سبيل المثال – لا يزال المؤرخون يختلفون حول الدولة المسئولة عن الصراع .. مؤامرات بين حكومات .. ألمانيا والنمسا .. المجر والقومية الصربية .. كل خبير له تفسيره الخاص .. في النهاية ، لا أحد يفوز بلعبة اللوم .

    من السهل التفكير في أن الآخر خاطئ أو سيء ، بدلا من تقاسم المسؤولية .. اتهام الآخرين يعميك .. يمكن أن تشعر بالإحباط عدة مرات ، لكنك لست فاشلاً حتى تبدأ في إلقاء اللوم على شخص آخر والتوقف عن المحاولة .. كلما لعبت لعبة اللوم ، كلما خسرت أكثر .

    نحن بحاجة إلى أحدهم يثني علينا ويلوم الاخر .. لا يمكننا القبول بأن كل ما يحدث لنا ، هو من فعلنا .

    عندما تحدث مشكلة ما ، لا يفضل الناس إلقاء اللوم على أنفسهم .. كبش الفداء هو آلية للدفاع عن النفس .. كبش فداء .. رهان ضد كل الصعاب .

    حدث حريق بمنزل ونالت السنة اللهب من منازل الجيران .. اودى بحياة الكثيرون .. قيل حينها ان قطة ركلت مصباح الكيروسين فاشتعل كل شيء .. اهل البيت كانوا نائمين لحظة اشتعال الحريق .. فيما كان السبب الحقيقي شمعة تركت على المنضدة .. اعترفوا بذلك لاحقا .. لكن لعبة اللوم تقتضي ايضا البحث ليس فقط عن اي كبش فداء .. بل في العادة ، كبش فداء لا يستطيع الدفاع عن نفسه .. من السهل إلقاء اللوم على الأشخاص أو الجماعات الذين لا حول لهم ولا قوة .. مجموعة مهمشة ، تعد هدفاً سهلاً في تلك اللحظة .. عندما لا نستطيع التعامل مع شعور قاسي بالذنب ، نرغب في أن نرمي به الى الآخرون .. من خلال إبراز المشاعر السيئة فيهم ، والتي قمنا بإلحاقها بهم قصدا حتى نتمكن من الظهور بشكل جيد.

    عندما يشير رجل بإصبعه إلى شخص آخر ، عليه أن يتذكر أن ثلاثة من أصابعه تشير إلى نفسه .. وعندما نشعر بأننا نتعرض للهجوم ، فإن لوم الآخرين هو الدفاع .. نحمي أنفسنا من خلال توجيه اصبع الاتهام إلى شخص آخر.

    نحن نعيش ثقافة اللوم .. ثقافة الشكوى .. الجميع ضد الجميع .. لأن الجميع يبحثون دائمًا عن أشياء يشتكون منها .. فنحن باستمرار في مقارنة مع الآخرين .. نريد أن نكون جيدين أو أفضل منهم .

    نحن نؤمن بأن معاناتنا تجعلنا مميزين ونستحق المزيد من الاهتمام .. لعب دور الضحية أمر سهل .. فهو يجعلك تشعر بالبراءة .. الآخرين هم المسئولين عن الألم .
عندما تعم الفوضى .. تصبح الحاجة ملحة لتهدئة جنون الحشود ، في العادة يتم اتهام شخص أو مجموعة اشخاص وراء تأليب مشاعر الغوغاء .. يقول فيكتور هوغو : ” المذنب ليس من ارتكب الخطيئة ، بل الذي تسبب في الظلام ” .
استمر في التجديف وتذكر القارب الفارغ .. وانه كان خارج عن السيطرة .. وانك تخلق المزيد من المعاناة بسبب معاناتك .. تأكيد الانحياز للذات يتلاعب بعقلك .. فأنت تدرك أن السفينة كانت متداعية .. فهل هناك شيء يمكن أن تفعله بشكل مختلف لتجنب الانهيار ؟ .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *