سنين اللاسلكي

 

    عام 1972 .. فكرت الخروج من ربقة العوز .. البحث عن فرصة عمل .. والأمل في استكمال دراسة المرحلة الاعدادية بالفترة المسائية .. على مكث .. وفي ادارة مدرية الامن .. سياره فلكس تنتظرنا .. الى طرابلس .. دورة تدريبية في مجال الاتصالات اللاسلكية .. كان عددنا 13 مجند .. من فزان .

   شهور وانتهت الدورة  .. نسبت لمحطة لاسلكي الشرطة بسبها .. قرب المطار .. وذات يوم صدر قرار بضمنا للقوات المسلحة 1979 .. ضم الموظفين .. كل حسب التخصص المناظر .. نسبت لكتيبة المخابرة .. وصار ديدني استقبل برقيات من هنا وهناك .. وابرق ما يأتي من غرفة العمليات ..احيانا ترسل برقية مشفرة .. تمليها احرف بواسطة لاقط الصوت وأنت لا تعلم فحواها .. ارقام فقط .. عمليات المنطقة الاخرى لديها جدول فك الشفرة .. وفيما يجب ان يبقى المناوب طوال فتره عمله .. عينه تراقب شارات الجهاز .. في احيان  نتراخى .. ذات يوم اتصل امر الحامية .. ولم نوفق بالرد عليه .. وزميلي من الجهاز المجاور .. لكنه اعاد الاتصال حانقا .. سمعت صدى صوته وهو يكيل لنا الشتائم على مسمع زميلي .. ومن يمكنه التطاول على امر الحامية  المتعجرف .. اقفل السماعة في صمت .. قلت له : من هذا ؟ .. قال امر الحامية .. شتمنا للتأخير في الرد على اتصاله .. ماذا قال ؟ .. قال : ” وين كنتم يا حمير .. ” .. همهمت .. وقلت له همسا : ” قول له : حمار بروحك ” .. كتمها هو الاخر .    

      نقلت للعمل بمعسكر ام العبيد .. اللواء الاسمر .. العام السادس كلفت امر للمعسكر .. مدة عام  .. طيران من بنين الى مطار سبها .. يوزع المجندين التشاديين .. يرسل منهم الى معسكر المردوم في بني وليد .. واخرون الينا .. من 500 عنصر الى 600 عنصر .. كل دفعة .. . شهرين تدريب او ثلاثة .. احيانا اقل من شهر .. حسب مقتضى طلب الجبهات  .. القوات الصديقة .. جندنا مع كوكني زعيم التبو .. وضد كوكني .. جندنا للشيخ بن عمر زعيم المحاميد .. وزغاوى .. وتبو .. تأتي افواج مختلطة .. القرعان قبيلة الرئيس حبري لا تجدهم بينهم  .. كما السراى المسيحيين .

       تموين طازج .. وتموين جاف .. وله متى ما اراد ان يأكل .. اللحوم سقايط  .. مطبخ واربع مراجل نافثه ضخمة .. اطقم طباخين .. كل يوم سيارة خبزه من سبها .. وسيارة ” ريو المكشوفه ” .. تموين طازج .

 

       

    عنابر .. خيم .. كانت يوما ما .. معسكر لايواء المتسللين .. هجرة غير شرعية .. في البداية جمعوا منهم .. وأعادوهم بالطائرات الى بلدانهم .. بعدها كلوا وسئموا .. واشتعلت حرب تشاد .. صار المكان مناسبا لتدريب القوات .. وسط صحراء خالية ..  بعيدة عن عين الرقيب .

   ذات يوم وصلت حافلة بها 45 مجند .. ترافقها سيارة رانج روفر .. بها قادتهم اربعة .. جميعهم من الزغاوه  .. ورسالة من امر المنطقة بتمكينهم من الاقامة .. محمد فضل شيخ المحاميد .. وكان يوقرني .. قال لي : هؤلاء لا يمكن ان نقطن سويا معهم .. بيننا وبينهم ثارات ” .. قلت لهم اعتذر عن قبولكم .. طلبوا ما يفيد .. كتبت .. بل المحمودي كتب التقرير .. وسلمته لهم المظروف .

      عددنا نحن الليبيين 40 فرد .. منهم معلمين تعود بهم الحافلة الى سبها اخر الدوام .. 90 كم .. يوم الخميس وبينما المعلمين غادروا .. وأنا الاخر .. توارى المعسكر ورائي .. مرة اخرى الحافلة والسيارة الرنج .. توقفنا على مقربة من دار محقن .. عدت معهم الى المعسكر .. اخبرت محمد فضل .. وان الاوامر جازمة بتمكينهم .. قال لي : عداك العيب .. وعندما دخلت السيارة الرنج .. والحافلة من البوابة .. نزل فقط القادة .. وكانوا مسلحين .. ومباشرة اشتبكوا في حديث بلهجتهم ” رطانه ” مع شيوخ المحاميد .. سألت محمد فضل وقد قاطعته : ما الامر ؟ .. قال لي : هؤلاء اما نحن او هم .

     برهة زمن .. الاشتباك بالأيدي دفع القادمين لاستخدام سلاحهم .. حاولت قدر جهدي ان افصل بينهم .. لدي فقط 7 جنود .. وفيما الاشتباكات توسعت .. طلبت من جنودي السبعة اخذ مكانهم أعلى القلعة .. هرع كل المحاميد بالمعسكر .. من يحمل حجر .. واخر عصا حديدية .. وسقط امامي اثنان منهم .. وفي الاثناء .. احضروا جدع نخلة .. حملوه جماعة .. وصدموا به باب مخزن السلاح .. طار الباب والإطار .. نهبوا البنادق .. وقتلوا اربعة من الزغاوه 

.

       

    غادرت المعسكر الى اقرب نقطة اتصال .. تمنهنت 50 كم .. ابلغت امر المعسكر .. ماذا عن الليبيين ؟ جميعهم بسلام . ومن اي بقعة تتحدث ؟ .. بوابة تمنهنت .. ابقى مكانك وستأتي اليك القوى المناسبة .. انتظرت طوال المساء .. وقت الغروب حضرت كتيبة برفقة مدير مكتب شؤون تشاد .. وضباط اخرون .. المعسكر صار خلاء .. فر جميع المجندين .. وكنا نراهم اسراب يغادرون نحو الجنوب ونحن قادمين .. بقي قادة المحاميد فقط .. ليلة مقمرة .. رفض محمد فضل الحديث مع احد سواي  .. وقال لي : حدرناهم من البداية .. لن اتحدث معهم .. اما البنادق التي اخذت من المخزن .. سنعيدها بالكامل .. وبالفعل اعادها جميعها .. عدا واحدة .. وما كان امر حيازة بندقية يمر هكذا .. في اليوم الرابع قبض على المحمودي بمنطقة المنشية سبها .. فر من المعسكر واخذ البندقية معه .. شكلت لجنة للتحقيق .. قلت لآمر المعسكر .. سئمت افضل ان استقيل من المهمة .

   العاصمة التشادية ” انجامينا ” عام 1980 م .. ( كما في الصورة ) .. جوار عربتي للاتصالات اللاسلكية .. كتيبة تبستي .. من هذه العربة اتواصل مع جميع المحاور وتمركزات القوات الليبية داخل حدود تشاد .. ام شعلوبه .. فادا .. ابشا .. وغيرها .. ولمسافة 1000 كم مربع .. مهمتي ابلاغ الاوامر والتعليمات الصادرة عن غرفة العمليات الى محاور القتال .

    ” البيسي ” .. جهاز اتصال روسي .. في حدود 100 كم .. محمول على الكتف ..   ( يو اس بي .. ال اس بي ) .. موجات بث الجهاز الامريكي ” ار اف ” .. محمول على سيارة تيوتا .. محول كهربائي .. من بطارية 24  .. طويل المدى .. من انجامينا نتواصل مع البقاع اللبناني .. كان معنا جماعة من صبراته ولهم اقارب وزملاء بالقوات الليبية في لبنان .. تردادت معروفة بيننا .. تغيير الشفرات كل شهر

     في واحة ” توقي ” 80 كم شمال انجامينا .. مكث الجيش الليبي لا شهر عدة في حالة انتظار .. طرف الواحة مطار ترابي استخدم في تامين الدعم اللوجستي للقوات .. وعندما سيطرت قوات الرئيس كوكوني على مطار انجامينا .. انتقلنا الى هناك .. كانت القاعدة الفرنسية قرب المطار خالية تماما بعدما سحب الفرنسيين جنودهم .. فاقمنا حيث كانوا يقيمون .. واحلنا الهناجر الضخمة وعرين الطائرات الى مخازن للسلع الاستهلاكية .. الارز .. الدقيق .. الخ .. في القاعدة الفرنسية هالني حجم العبث الذي لحق بها .. فما ان انسحب الفرنسيين .. زحف الاهالي .. وتمت سرقة كل المقتنيات المتبقية .. ولم يستثنى بساط الارضيات اللاصق .

     كنا ننظر لحظة الصفر .. للانقضاض على ما تبقى من فلول الرئيس حبري المتحصنة بمنطقة محدودة بالعاصمة المحاصرة من ثلاث محاور .. كان كل ما يملكه اعوان حبري .. عدد اصابع اليد من عربة فرنسية عتيقة ” كسكافي ” .. وقوة القناصة المتحصنة التي اربكت تقدم قواتنا .. ما دفعنا لانتظار دعم القوات بالكثافة النارية المدمرة لسلاح الدبابات .. استغرقت رحلة رتل الدبابات المحمول على ظهر ” اسكملات روسية عتيقة ” وقتا .. وقد خصصت طائرة مروحية لمتابعة الرتل وتامين وصوله .. وفي كل مرة ” اسكمل تعطل انقطعت الشنقه ” .. تبديل سير الحركة بين الحين والاخر .. تكرار الاعطال والتوقفات .. استغرقت الرحلة من الكفرة الى انجامينا مدة 26 يوما .. وفي المساء .. ما ان وصل الرتل .. عقدت غرفة العمليات اجتماعا .. وفي الصباح بدأ القصف .. كانت الدبابات تتوغل داخل المدينة بيسر .. يحتمي خلف كل دبابة عدد 24 فرد من جند المشاة .. بأسلحتهم الخفيفة والمتوسطة .. بل تخلفوا ولم يواكبوا الدبابات في تحركها وتقدمها السريع .. وفي شارع 40 واجهت قوات الصاعقة مقاومة ضارية .. ما استدعى دعم سلاح صواريخ الجراد .. وصدر الامر .. ” احداثي شارع 40 .. عدد 40 صاروخ .. ارمي ” .. كانت المعركة الفاصلة مع اخر جيوب مقاومة هبري .. الذي اختار في اللحظات الاخيرة .. الفرار الى الكاميرون عبر نهر شاري .. بعدما اعدم اسرى ليبيين سجناء عنده تشفيا .. فر هبري كابوس تشاد .. وفقدت القوات الليبية في معركة شارع 40 نخبة من اسود قوات الصاعقة .. وتبين ان سلاح الجراد الاعمى الى حد كبير .. التهم الكثير منهم اثناء الاشتباك القريب .

    اواه يا زمن .. لما كل هذا الالم .. كلما استدعت الذاكرة كل هذه التداعيات .. يحضرني رسم برقية مشفرة .. اعدت ابراقها الى طرابلس .. كان ذلك زمن عقد السبعينات .. وكنت بمدينة سبها .. فحوى البرقية مرسلة من المكلف بالتفاوض مع هبري العقيد العربي المكي الزنتاني .. اللقاء بقرية اوزو .. يقول : ” انتهت المفاوضات معه الى طريق مسدود .. وهو في ايدينا ان اردنا القبض عليه .. ننتظر الاوامر ” .. لكن الاوامر طلبت عدم الاقدام على الخطوة .. وتأجيل التفاوض الى لقاءات لاحقة .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *