مذكرات رحالة من فزان 1852 .. ( 11 )

 

المدية بلاد العنب الفاخر .. اجود انواع العنب ببلاد الجزائر .. ويها غرس التين  والرمان ..

من المدية توجهنا برا الى ” مليانه ” .. بلدة مليحة .. تحفها الجبال من كل جانب .. الماء العذب وفير .. اطلال مآثر الناس الاولين .. اشجار العنب ..الاجاص .. استأجرنا دار للسكنى .. وظللنا ننتظر احد من اهل الغرب نرافقه الى وهران .. ومن وهران نركب البحر نحو الغرب حيث اولاد عمنا ..مولاي عبدالرحمان سلطان الغرب .. وقد جاءنا الخبر انهم يسكنون ارض تافيلالت .. عزمنا التوجه اليهم .. ومن تافيلالت الى توات .. ومن توات الى ارض تبو .. فخيب الله مقصدنا .. مرضت بمليانة مرضا شديدا .. حتى ترهلت اقدامنا .. ما استطعت المشي تى لمسافة محدودة .. شهرين متتاليين وانا اتعذب .. ونصح لنا العرب بالذهاب الى حمام علاجي طرف الجبل .. مسيرة يوم .. استأجرنا بغل بخمسة فرنك .. ووجدنا حمام لطيف .. مآثر الاولين تحفه من كل جانب .. الماء الساخن ينبع من قمة الجبل .. بنى حوله الفرنسيين برج .. وغرس اشجار القسطلي .. اقمنا بالحمام اربعة عشر يوما .. استحم بالماء الساخن حتى تعافت ارجلنا .. وصرت قادرا على المسير ..  تداركت امري .. مواصلة السفر غربا امر مرهق .. عدت الى البليده .. ومنها عبرنا ببلدة  ” بوسعادة ” .. بلدة في احضان الصحراء .. بها غرس النخيل .. يبني بها الفرنسيين برج .. ومنها الى ” بسكره ” .. وهناك نزلنا بجامع سيدي احمد دبابس .. وفي الليل مر علينا القاضي يسألنا .. من اين ؟ قلنا له حجاج من اهل الغرب .. فقال للجماعة .. هذا الرجل ضيف عندكم .. كل يوم يستضيفه احدكم .. قالوا له : نعم .. وأخذني القاضي ضيفا عنده اول ليلة .. تناولنا العشاء سويا في داره .. وفي حديثه يشكو افعال الفرنسيين .. قال لنا : لم نعد نعرف ما يجب علينا فعله .. اولاني الفرنسيين القضاء ببلاد بسكرة .. وإذا حكمنا بشرع المسلمين .. وما جاء في كتبهم .. يغضب منا الفرنسيين .. وإذا تبعنا الفرنسيين .. خشينا معاقبة الله ورسوله .. قلت له : لما لا تقدم لهم طلب اعفاء من مهام القضاء .. لن يفرضوا عليك غصبا ؟ .. قال : اخاف ان ينهبوني .. وتنالني ملاحقتهم .. لكني افكر في مراوغتهم .. واقول لهم انني ذاهب الى الحج .. واحمل اولادي ومالي .. واهجر عن المدينة ولن اعود حتى يخرج الفرنسيين من وطننا .. او يحكم لنا .. وهو خير الحاكمين .. وكل من مات تحت حكم الفرنسيين يموت كافرا مشرك .. قلت له : انت رجل طالب علم .. تعرف كتاب الله .. ألم تتأمل قوله تعالى : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ” .. اما وقد ولى عليكم الفرنسيين .. اطيعوا ولاة امركم .. واصبروا .. والفرنسيين ليسوا مثل الانجليز .. فوالله لو حكمكم الانجليز لترك وطنكم كما وطن اهل الهند .. احمد الله .. لعل الفرنسيين افضل من غيرهم .. ولا ادري لما تشتكون كما الامس عندما حكمكم الاتراك .. ولى الله عليكم الفرنسيين .. اصبروا  حتى يحكم الله لكم ولنا وهو خير الحاكمين .. تجولنا في حواري بسكره وأزقتها .. وعزمنا مغادرتها نحو بلدة تقرت .. ومنها الى وادي سوف .. الى بلاد غات .. ثم بلاد تبو .. عند اعمامنا وإخوتنا .. وننسى ما حدث .. وما جرى علينا .. وراء ظهورنا .

    غادرنا بسكره ووصلنا ” سيدي عقبة ” .. بلدة مليحة .. بها سوق رائجة  .. يجلب اليها العرب الخيرات من كل مكان .. تحفها الجبال ناحية الشرق .. تجولنا بها .. زرنا ضريح سيدي عقبة .. والجامع المقام الذي هو اشبه بالمدرسة .. يأتي اليه طلبة القران من كل مكان .. يهاجر لأجل حمل القران ..  يسكنون البيوت الملحقة .. مأكولهم بعهدة وكيل المسجد .. فلكل مسجد ” حبوس ” .. ومن ايرادها يتعيش الطلبة الحفاظ .. لكن ما حدث .. ان الفرنسيين عندما حكموا .. اخذوا املاك المساجد والزوي الصوفية .. لان العرب تنصت بإمعان وطاعة لكلام حفظة القران .. والمرابطين .. وبسبب ذلك تخلق الفتن على الفرنسيين .. بسبب فتوى حافظ .. او امر مرابط .. او شريف .

غادرنا سيدي عقبة .. بلغنا بلدة ” الحوش ” .. سكانها مرابطون جاء جدهم الاول من ارض ” وادي سوس ” غربا .. وهم من ذرية سيدي احمد موسى .. جاء في متقدم الزمان وكانت ارض بور .. غرس النخل .. وبدر الزرع .. وصار له اولاد وأحفاد .. وأملاك ..  فلما تولى الفرنسيين .. صادروا بعض املاكهم .. وأراضيهم .. ووزعوها على عرب اخرين .. لهذا تجدهم دائما مع من يناهض حكم الفرنسيين .. وان سمعوا بنداء لجهادهم تجدهم سارعوا وانضموا للنداء .

     حدثنا رجل منهم عن دعوة ابوزيان لقتال الفرنسيين .. وكيف انضم اليه اهل اقليم الزاب جملة .. وأهل الجبل احمر خده .. وأهل سيدي عقبة .. واهل وادي ريع .. و اهل الحوش .

حان الرحيل والسير نحو تغرت .. لكننا لم نجد قافلة ننضم اليها .. كان وقت الخريف .. وفيه تداهم البلدة حمة قاتلة .. هي اخطر على البشرة البيضاء منها الى السمراء .. وهي اشد فتكا بالغريب .. قليل هم من يسافرون اليها في هذه الاوقات .

  غادرت الحوش بمفردي .. دلني احدهم على الطريق نحو وادي سطيل .. حل الليل .. توقفت وقضيت ليلتي بالوادي .. حدث ذلك شهر ذي الحجة من عام 1344 هـ .

      في الصباح تابعت سيري بارض سبخة .. امضيت في عبورها خمس سعات .. وعند منتصف النهار بلغت ” الوريري ” .. بلد صغير .. بها قليل من اشجار النخيل .. قصدنا المسجد .. قدم لنا قيم المسجد الماء .. والتمر الطازج .. ا كلنا شهوتنا .. وتابعت سيري حتى بلغت بلدة ” المغير ” .. بينها وبين الورير مسافة ثلاث ساعات .. بت ليلتي لدى مرابط يدعى ابن سيدي مبارك الصائم .. اكرمنا غاية الكرم ..  في الصباح تجولت بحواري وأزقة البلدة  .. ممتدة المعالم .. كبيرة ..  اكبر من بلدات وادي دريغ .. واقل حجما من بلدة تقرت .. تحفها غابات النخيل من الفسائل الجيدة .. والعرب تختارها لتخزين محصول زرعهم .

   تابعت سيري ووصلت ” عين الكرمة ” .. موضعها ما بين سيدي خليل ، والمغير .. الماء العذب يتدفق من باطن الرمل .. تقذفه يمينا وشمالا ..  تحفها ست نخلات طويلة .. غادرت عين الكرمة .. وبلغت سيدي خليل .. اهل متصوفة .. اصحاب زوايا الحضرة .. يطعمون الطعام لكل عابر سبيل لا يمتلك زاد .. و ” سيدي خليل ” .. كان سلطان وملك وادي ريغ .. يدعي انه مرابط .. وملك ملكا ليس لأحد من اهل الوادي .. يمتلك ثلاثمائة شريعة .. وكل حقل منها غابة من الغرس .. منها ما يتجاوز الخمسة الاف شجرة .. اصله من المغير .. واذا نظرت الى الغرب .. الغابة الممتدة من ارض السبخة حتى مكب وادي خروف .. هي ملكا لسيدي خليل .. اما نسله فهم بيض البشرة .. ونساؤهم جميلات .. يزرعون القمح والشعير .. والتمر عندهم من اجود الاصناف .. ولا اجود من تمر نخيل سيدي خليل في وادي ريغ .

     قبر سيدي خليل وضريحه ظهر الغابة والبلدة .. وقريب منه قبة ضريح سيدي سالم .. والناس عندما يحلفون صادقين .. يقولون : ” وحق سيدي خليل وسيدي سالم ” .. ولا  يحنثون ..  وهم كرام وأكثر لطفا من اهل المغير .

    غادرت سيدي خليل صباحا .. عين المعريز شمال الطريق الى تقرت بنصف ميل  .. حولها اشجار نخيل .. ثم عبرنا تندل ، والبارد .. وهي بلدات صغيرة .. بها ابار وليس بها عيون .. والى نواحي غرب الطريق ظهر شرائع سيدي خليل .. وادي مالح .. مشينا ساعة زمن .. ووصلنا وادي مالح اخر .. ونصف ساعة اخر .. وادي مالح .. وساعتين اخرى حتى بلغنا ” عين اغفيان ” .. شمال الطريق بنحو ربع ميل  .. تحفها اشجار النخيل والسمار والطرفه .. بعدها بميلين بلغنا وادي مالح .. واصلنا سيرنا حتى بلغنا ” زاوية ارياب ” و ” مازر ” و ” وغلان ” وهي بلدات صغيرة . يزرعون القوت ويعتمدون الفلاحة معيشتهم .. ومنها الى جامع ” دسرة العريان ” .. ثم جامع  سيدي عمران ناحية القبلي .. ثم ” تنقدين ” .. ومنها الى ” سيدي يحي ” .. زاوية وأبار ماء حولها .. اهله يعتاشون على الصيد .. الغزلان والوحش والأرنب والذئب .. الوحش بالبارود .. والبقية بزرع الفخاخ والمناديف .. سيدي يحي الذي تحمل البلدة اسمه .. يملك خمسة عشر شريعة طرف البلدة .. ناحية الغرب .. غرسها نخيل .. قبلي ” سيدي يحي ” .. تظهر معالم ” تمرانت ” القديمة ..

   دخلنا ” تمرنت ” .. التقينا برجل اسمه الشيخ احمد الطلحي ..طفل صغير لا يتجاوز عمره سن العشرين .. كان ابيه شيخ تمرنت .. مات ابيه وتركه طفل صغير .. تولى المشيخة  ابن عمه الشيخ علي بن طاهر .. ثم الشيخ عبدالرحمان بن عمر بن جلاب .. الذي يتهمه الشيخ احمد الطلحي بأخذ ما خلف والده .

   قبلي البلدة .. مسجد من بنيان الاولين ينتصب اعلى  جبل صغير .. بني من الجبس والياجور .. تهدم اثره ولم تبقى سوى الاعمدة .. كما حضرنا عرس اثناء اقامتنا .. حفل طرف البلدة .. خرجت النساء والولدان وأهل البلدة .. دقت الطبول .. زغردت النساء .. وتغنوا الغيطه .. وتكلم البارود .. اشعل الرقص .. رقصت الفتيات .. تتشابك ايديهن .. وتترنم اكتافهن .. يقتربون من الاولاد من جيلهن .. يتكلم البارود .. وتعلو الزغاريد .. ويشرع الاولاد في نثر اوراق الحبق على رؤوس الفتيات .. .. وعندما اقترب الليل .. عادوا الى دار العريس .. تناولوا طعام وليمة العشاء .

      عين ” المراية ” في تمرنت .. ماءها عذب .. وأفضل مذاقا من جميع عيون وادي ريغ .. كما نخل تمرنت .. قوي الجدع مخضر .. افضل اصنافه ” دقلة نور ” .. ويزرعون القمح .. يصل ثمن القنطار اربعين ريال تونسي .. وتكثر عندهم أشجار العنب والتين والرمان والتفاح والبرقوق .. ومن تمرنت القديمة .. توجهنا الى تمرنت الجديدة ناحية القبلة .. وهي قريبة منها .. وهي بلدة رائعة .. يحفها البحر .. نخيلها وزرعها مخضر زاهي .. اهلها اغنياء .. بيض البشرة .. قليل هم سمر البشرة .. يفضلون تربية الماعز التركي .. وتهجينه بفحل الضان .. ماعز بلا قرون .. اذانه طويلة متهدلة .. يدر الحليب بوفرة .

غادرنا تمرنت الجديدة .. بين سيدي راشد وتمرنت عين ماء حولها اشجار نخيل يقال لها شريعة سيدي بن عثمان .. قطعنا مسافة اثنى عشر ميل تقريبا .. وبلغنا ” سيدي بو راشد ” .. نواحي القبلة والغرب تحفها كثبان رملية .. ومن الشرق سبخة ماء .. حسن اهلها ذات وصفات .. بها زاوية لاستضافة عابري السبيل .. الطعام يقدم مجانا لكل عابر او محتاج .. اشجار النخيل والبرقوق والورد تمتد لمساحات شاسعة .. مخضرة زاهية اكثر من أي منها في وادي ريغ .

   لضريح سيدي راشد توقيرا لدى الناس .. ومن اقترف جرما ولجأ اليه .. سلم من ملاحقة السلطات ..ويظل يتمتع بالأمن والطعام في ذلك الضريح .. ولا يجرؤ احد على القبض عليه .. حتى يأتي اولاد سيدي راشد لنجدته .. يلبسونه سبحة سيدي راشد .. سبحة كبيرة الحجم .. حباتها ضخمة .. بها خمسة الاف خرزة .. عشرة ارطال من حطب الرتم .. يؤخذ الجاني الهارب في زفة الحضرة الصوفية .. الاعلام الحمراء والصفراء والخضراء .. دندنة بنادير الدف .. الى ان يصلوا بلدة تقرت مقر السلطان .. عندما يصلون الى موضع قريب من تغرت يقال له ” دبوسة ” .. تشرع الاعلام .. وتبدأ جوقة المديح .. ودندنة البنادير .. حتى باب القصبة .. مقر السلطان .. وعند باب السلطان .. يشتد وقع الشطح والمديح .. يخرج لهم السلطان .. يسلم له الجاني .. يقبل السلطان .. يعتذر له .. وفي الحين يعلق المرابط السبحة برقبة السلطان قائلا : الامان لهذا الرجل .. ولك بركة صاحب هذه السبحة .. سيدي خليل .. فيقول لهم : اني عفوت عنه .. يقبل السلطان السبحة .. ويأتي كبير المرابطين ليحوم بها سبع مرات حول رأس السلطان .. ويدعو له بالنصر وكول العمر .. ويهدي لهم السلطان شيء من امور الدنيا .. او يرمي على كبيرهم برنوص ملف احمر او اخضر .. ويستضيفهم السلطان ثلاثة ايام .. ثم يعودوا الى بلادهم .. وثمة جبل يقال له ” كديت النصف ” .. نصف المسافة بين سيدي راشد ، وتغرت  .

    غادرنا سيدي خليل .. سبخة طينية ووحل في طريقنا الى ” ابرام ” ..  بلدة كبيرة ..بها الكثير من غابات النخيل .. غير ان اهلها شياطين الانس .. قبح ولا اصل لهم ..  اذا قدم غريب لأرضهم .. احتالوا كيف يقتلونه ويسلبونه المال .. وفي عرفهم عمل حلال .. واوصيك يا من تعبر وادي ريغ .. الحذر من اهل مغرت .. انهم سراق غدارين ، ولا امان عندهم للغريب ولا القريب .

      تابعت سيري نحو بلدة ” الهرهير ” .. وفي الطريق اليها ناحية الشرق .. ضريح سيدي سليمان .. بلدة تنتصب على جبل صغير  .. بها غرس النخيل .. واصل فسيلة دقلة نور من هرهير .. ومنها انتقلت لبقية البلدات .. ويقال ان اصل فرعون مصر منها .. قبل كل البلدان .. ويقال انه في اول الزمان كانت هناك امرأة اسمها ” نور ” .. درويشه .. تختار العزلة في موضع خارج البلدة .. اعتادت ان تحمل معها التمر طعامها .. ومع الايام والسنين .. نمت تلك النوى التي كانت ترميها .. وأنبتت فسيلة نخيل جيدة المذاق .. مختلفة عن سابقها .. هي ما سمي باسمها .. ومن تغرت نقلت الفسائل منها الى بلاد الزاب .. وارض وادي ريغ .. وارض الجريد .

وفي كل ليلة جمعة يشعل اهل الهرير القناديل .. ويحرقون بخور الجاوي .. ويخرج الساكنة نساء واطفال ورجال في كوكبة صوفية لزيارة سيدي عيسى بن نوح .. للتبرك ..  حفظا للنخلة .. وهو رجل مرابط تخافه جميع اهل وادي ريغ .. يهدون له اعز ما عندهم .. وحتى سلطانهم يخافه ويحرص على تقديم الهدايا له كل عام ..  يقيم في بيت تعلوه شجرة طرفي  .. يجلس امامه ويشعل النار ليل نهار .. شتاء وصيف .. وتجدهم يتحلقون حولها ويشربون التكروري .

       فصل الشتاء .. وهممت بالرحيل نحو ” غمره ” .. والسفر اليها عبر طريق المقارين محفوف بالمخاطر .. ومرهق .. فثمة سبخة واوحال موسم المطر  .. فيما السفر عبر نواحي الغرب ايسر حالا والأرض رملية .. وثمة على الطريق موضع يقال له ” ابو رخيص ” .. ارض خصبة يعظم بها القمح والشعير وجميع الخضر .. لكن اشجار الطرفي الكثيفة تفرض  على من يستصلح الارض عناء قطعها .

       من غمره الى بلدة ” ثالت ” تكثر بها اطلال مآثر الاولين .. قصورهم .. مساجدهم .. وكانت ذات يوم في اول الزمان .. مقر كرسي سلطان وادي ريغ .

المقارين الجديدة بلدة كبيرة يكثر بها غرس النخيل .. واكثره تداولا تمر ” الحلوة ” .. احمر مدور جاف .. حاذق الطعم .. ومنها الى بلدة المقارين القديمة .. اطلال ومآثر الاولي .. وما بقي منها سوى القليل المتهدم .. اهلها جميعهم سمر البشرة .. يزرعون الخضر .. وتنمو بأرضهم افضل من اراض غيرهم .. لذا هم معظمهم اثرياء من بيع الخضر في بلاد تغرت .

من المقارين تتوجه الى تغرت .. تترك بلدة ثالت ، وغمره ، على يمينك .. تصل موضع به نخل جديد .. حول عين يقال لها ” عين السبخة “.. ومنها الى بلدة قديمة يقال لها ” ارقيوي ” .. حدود عشرة مباني تسورها غابة نخيل قديمة .. ومنا الى زاوية سيدي العابد .. وهو سلطان من سلاطين اول الزمان تسمى المكان باسمه .. ويقال لها ايضا ” زاوية سيدي حموده ” .. فقد جاء بعده سلطان اخر يسمى احموده .. اقام بالزاوية .. وصارت له املاك اضعاف ما ملك سيدي العابد .. فحملت اسمه .. والان خلفه ابنه سيدي المنور .. رجل غني .. وله دين على كثير من اهل البلاد .. وجميعهم يخافه .. فهو الثري صاحب الاموال .. وهو المرابط صاحب الدعوى .. يأتمرون بأمره .. بشرته تميل للسمرة .. عريض الوجه والحواجب . له اخ من امه اسمه سيدي عبدالرحمان بن سيدي  بوعزيز  ..  من اولاد سيدي ابوعزيز .

       لم يبقى من ذرية سيدي العابد إلا رجل ضعيف الحال ، يقال له سيء السوق .. لا يملك شيء من متاع الدنيا .

    من زاوية سيد العابد تعبر الى بلدة صغيرة يقال لها ” سيدي بن جريو ” .. ومنها الى ” تبسه ” .. بلدة كبيرة ممتدة بها النخل الكثير .. يرونه بماء البحر القريب منهم .. عبر ساقية تخرج من شرق تغرت .. ومنها اناس اهل مشيخة يقال لهم اولاد رقية .. ومعظم اهلها سمر البشرة .

       مقابل تبسه قبتان يقال لها قباب ” رجال المليحة ” .. ضيرح لامراءة يقال لها لالاء  مليحة .. مزار تأتي اليه الناس من جميع بلدات  وادي ريغ .. ويقيمون اعراس المديح .. ويتولى سلطان تغرت توفير الطعام لزوار التبرك .

من سيدي بن جريو توجهنا نحو تبسه .. ومنها الى سيدي بن لسود .. ومنه الى سيدي بوعزيز .. تغرت .

   تغرت .. يحكمها رجل يدعى الشيخ عبدالرحمان بن عمر جلاب .. اصله في متقدم الزمان من اسر  سلاطين مراكش .. من بني مرين .. ولما ذهب ملك بني مرين .. وتشتتوا .. عمل تاجرا للغنم .. يجلبها الى وادي ريغ .. وتطاول الدهر وكسب الكثير من المال ..  وكان يبيع الناس بالدين .. حتى صار اهل المكان جميعهم مدينون له .. ولما طالبهم دينه وحقه .. لم يجدوا ما يقدموا له .. اتوا اليه وقالوا له .. انت فعلت معنا كل الخير .. الناس مدينون لك ولا لهم قدرة على سداد ما عليهم .. ملكتنا بدينك .. وارتأينا ان نبايعك ملكا علينا .

قال لهم : اقبل بيعتكم حال بايعني سيدي امحمد بن يحي .. واسمع منه بنفسي .. فهو سلطانكم اليوم .. فأتى اليه سيدي امحمد .. وقال له : تنازلت لك عن سلطنة تغرت .. انت سطانها وقد غلبتني فيما املك .. بدينك وجلبك .. وبويع عن طيب خاطر .. وخلف ذرية .. ومن سلالته الشيخ عبدالرحمان بن عمر بن جلاب .. والشيخ سلمان بن علي بن جلاب .. وكان علي قد تولى حكم تغرت  .. ولما توفي كان ابنه   الشيخ سلمان .. صغير سن .. وابن اخيه الشيخ عبدالرحمان بن عمير راشدا .. فتولى عبدالرحمان حكم مملكة تغرت .. وقتل خلق كثير من خدم عمه علي .. وصار يحكم تغرت .. وأمه هي من يعطي له المشورة .. وانزوى الشيخ سلمان .. بعيدا متحسرا .. وذات يوم خطط وارسل خدمه لاغتيال الشيخ عبدالرحمان بن عمر بن جلاب .. تسلق خديم الشيخ سلمان جدار بيت الشيخ عبدالرحمان ليلا .. ودخل عليه داره وهو نائم .. وأطلق عليه من غدريه يحملها سبع رصاصات  ..اصابت رقبته .. وذراعه .. وصدره ..  وتركه يتخبط في دمائه .. وهرب .. اتوا له بطبيب من لمامش .. ظل يعالج جروحه لزمن حتى شفي .

    هرب الخديم  .. ولجأ الى ضريح سيدي بن يحيا .. وكان اسمه عبدالله بن النخلت .. شوشان مولد .. وصار حبيس الضريح لا تناله ملاحقة .. لكن زوجته وهي في زيارته تحمل له الطعام .. دست بالطعام ” مبرد حديد ” .. وفي الليل .. برد الحديد الذي يكبل رجليه .. وهرب .

     في الصباح دخل الخفراء يتفقدوه .. فلم يجدوه بالضريح .. خرجوا يبحثون عن اثره اطراف سيدي يحيى .. فلم يجدوا له اثر .. ولا الى اي وجهة قصد .. لكن امرأة كانت قد قابلته بواكير الصباح وهو هاربا .. قالت لهم :  اذا كنتم تبحثون عن العبد سجين سيدي بن يحيا .. التقيت به بواكير الصباح وسط الغابة .. نواحي تماسين .. فلما سمعوا قولها .. ركبوا خيلهم ولاحقوا اثره .. وعند السبخة ما بين تماسين وتغرت .. رأوه راي العين .. اقتربوا منه .. هرب وغطس في  بحيرة مرجاجت القريبة .. قبلي تغرت .. فلما رأوه توغل وسط البحيرة .. ظن رجل منهم يدعى احمد بن عمير انه يفلت من ايديهم .. اعتلى ركاب خيله .. وأطلق عليه رصاصه .. ارداه قتيلا . سحبوا جثمانه الى اليابسة .. قطعوا رأسه .. حملوه معهم .. وتركوا جثثه مكانها .

      قدموا رأسه للشيخ عبدالرحمان بن جلاب .. قال لهم .. من قال لكم اقتلوه ؟ لما لم تنتظروا حتى يخرج اليكم ؟ كان يمكنكم ان تأتوا به حيا .. حينها كنا نعرف خبره ومن وراءه ..  قالوا له .. خشينا ان يفلت من بين ايدينا وقد ظفرنا به .. قال لهم : والله لو لم يكن معيب قتلكم مكانه .. لقتلتكم ؟

    اما نحن وقد بلغنا تغرت بعد كل هذه الخطوب التي تقاذفتها .. وجدنا الشيخ سلمان بن علي بن جلاب تحوط داره حراسة .. لا يخرج من داره إلا اذا خرج ابن عمه الشيخ عبدالرحمن بن عمر .. وهذا ما شهدنا .

       في تغرت التقيت رجل من اهل صفاقص .. حمود الويز .. جرى الود بيننا وتشاركنا في تجارة .. اشترينا سلعة بثمن عشرون دورو .. سلعة تغرت ووادي ريغ وقت الخريف التمر .. نستبدل سلعتنا .. قنطار الحنة ثمانون ريال تونسي .. قنطار ورد قمام  اربعون ريال تونسي .. النيله الرطل بثمن سبعة ريالات تونسية .. القرنفل الرطل ثلاثة ريالات  .. المستكة الرطل ثمانون ريال ..البارود اربعون ريال .. زرابيط وغبابيط لعب الاطفال ريال للميت .

          توجهنا الى تماسين .. وفتحنا حانوت هناك .. ازدهر حانوتنا وتجارتنا .. وصار لدينا التمر الكثير .. مما بادلنا من سلع .. وعبرت قافلة  من اهل الحرازلي واولاد ساسي والاد بن نايل .. اشتروا منا بسعر الجملة .. حمل جمل .. اربعة وعشرون ريال تونسي .. الحمل اربعة قناطير .. فبعنا لتلك القافلة بما قيمته مائة وست واربعون دورو .. واتت قافلة اولاد بن نايل .. ويقال لهم اود ” دام لخوي ” .. وهم اربع واربعون رجل .. اشتروا منا التمر .. وجلبوا معهم الى تماسين الغنم والصوف والسمن .. الكبش الاملح باثنى عشر  ريال تونسي ..  الصوف كا خمس جزات بثمن دورو اسباني .. السمن بالجلدة .. الجلدة بثمن ستون ريال .. اشتريت منهم جلدة بخمسون .. واشتروا البارود بثلاثمائة ريال للقنطار .. والرصاص مائة ريال .. البارود والرصاص يأتي من صفاقص وقابس .. يأتي عبر البحر .. اهل صفاقص يبيعونه اهل الطوية .. ينقلونه الى ارض الجريد .. ومن الجريد الى اهل سوف .. ومن ارض سوف الى وارقله .. ثم الى الاغواط .. الى ابوسعاده .. الى ان تصل تغرت .. الى سائر وطن الزاب .. الى وطن ازواوه .. وكل اولئك الذين يناهضون حكم الفرنسيين .. يصل اليهم البارود عبر هذه الدروب .

شيخ تماسين اسمه علي بن عبدالله .. وهو طفل صغير .. عمره لا يتجاوز الثمانية عشر عام .. يعدو في شوارع تماسين حافي القدمين .. بلا نعل .. وكل ما التقى بمرأة رفع اللحاف عن وجهها .. وقبلها .. وجميع اهل تماسين يخافونه .. يحلفون باسمه .. ” وراس سيدي الشيخ ” .

      في احتفالية عاشوراء عام 1366 هـ .. كنا ليلتها مع شريكنا في الحانوت .. اقبل علينا عدد من الرجال والصبية يتقدمهم شيخهم  .. يرتدون ليف النخيل .. يطبلون ويتغنون ويتوسلون .. ” نحن حجاج شواشين .. ومن يعطينا يربح ” .. تصدقنا عليهم ببعض ريالات .. وعبروا .. سألت شريكي : اليس هذا هو شيخ تماسين الذي يتقدمهم ؟ .. كيف لرجل يدعي انه شيخ البلاد  ويتسول الناس  ؟ ..  قال : نعم .. هذه عادة عندهم في هذه البلاد .. فتعجبت منهم ومن عاداتهم .

تغرت .. عشرة اميال مسافة عن تماسين .. تماسين غرب تغرت . اما بحيرة مرجاجت قبلي تغرت .. مسافة خمسة اميال .. تحفها اشجار الطرفى والقصب الاكحل والسمار .. بها الحوت .. وتجد طيور الاوز والدجاج الاكحل وقت الخريف والشتاء فيها ملاذ ..  وكنا نعتاد الذهاب اليها كل يومين او ثلاث للصيد .. نتموضع في مكان قريب من الماء .. نختبئ ونراقب قدوم الاوز والدجاج حتى يدنو منا .. نطلق الرصاص .. كنا نصطاد منها الكثير .. وفي الليل يصير الاوز ايسر صيدا .. تجده يجوب رمل الشاطئ .. بأعداد وفيرة .. ولما سمع بنا ابوبكر بن عباس .. وعن مهارتنا في الصيد .. وهو خليل ام الشيخ عبدالرحمان بن عمر بن جلاب .. ينام عندها .. ويصبح عندها .. وجميع اهل تغرت يعلمون بذلك ..   بمن فيهم ابنها السلطان .. ولا احد يجرؤ على قول .. ام الشيخ تصاحب رجل ” براني ” بلا فاتحة او صداق .. عرض علينا ابوبكر هذا ان يذهب معنا الى الصيد .. وكان فصل الشتاء وشدة البرد  .. وكل يوم يأتي الينا .. يقدم لنا بغل او فرس .. لنرافقه الى الصيد بالبحيرة .. كنا نصطاد الكثير من الاوز .. وما كان له حظ بالصيد .. لكننا ما ان نصل قرب تغرت عائدين .. يأخذ الصيد لنفسه .. يقول لنا .. انت لا دار ولا عيال .. ويذهب به الى ام الشيخ ليقول لها .. انظري كم انا صياد .. اخبرنا خديم ام الشيخ واسمه الطاهر .

   لما علمنا بأمره .. في اليوم التالي قدم الينا .. قلت له لا رغبة لي بالصيد .. ذهب لوحده ولم يصطاد طير واحد .. وفي اليوم التالي اعتذرت بأنني مريض .. وعند ذلك عرف اننا لا نرغب مرافقته .. وشاع الخبر ان عرفت ام الشيخ ان الصيد الذي يأتي به ليس من صيده .. وان محمد بن عبدالجليل رفيقه هو الصياد .. وعاتبته لكذبه .. وبلغ الامر الشيخ .

     الشيخ  عبدالرحمان بن جلاب .. رجل صغير السن .. عريض الوجه .. ضخم الجثة .. كبير الانف .. في ذمته اربع نساء .. اثنتان من تماسين .. واخرى بنت الشيخ علي عمه ..  واخرى من الدواود بيت ابو عكاز .. وهو زير نساء .. كلما سمع برجل من تغرت سيتزوج بامرأة جميلة .. ارسل اليها ..طلبها الى نفسه لينام معها قبل ان يدخل بها زوجها .. وفي كل خمسة عشر يوما ..  الى العشرون يوما .. ترسل ام السلطان الى نساء القرية للحضور .. وتختار من بينهن من تراها تروق لابنها .. واحدة .. اثنان .. ليقضي معها لياليه .

     الشيخ سلمان رجل احمر البشرة .. رقيق الوجه  والجسد .. اكحل العينين .. فارس خيال .. صنديد وقت الحرب .. في ذمته زوجتان .. زوّجه السلطان عبدالرحمان  شقيقتة .. كان ذلك عام 1367 هـ  .. اقاموا لهما عرس استمر سبعة ايام بلياليها .. جمع كل اهل وادي ريغ .. جاءوا بسلاحهم .. وشاركوا الفرح برقصاتهم امام القصبة .. بيت السلطان .. لمدة اربعة ايام .. وفي اليوم الخامس حملوا هودج العروس على اكتافهم .. اربعة منهم .. وساروا بها من البلدة الى زاوية سيدي العابد .. واحضروا الحنة .. وخضبوا ارجل العروس ويديها .. وخضب الشيخ سليمان يده بالحنة ..  دندنة طبلة الدربوكه .. والرقص وبهجة السمر .. فرح شيخ .. جال الفرسان .. اطلقوا البارد والجياد تعدو .. طال السمر وان اوآن الزفة .. دخلت العروس من باب  سيدي عبدالسلام .. ودخل العريس من باب الخضرة ..  واهتاج الحفل بدخول كوكبة العرس سور القصبة .. واطل الشيخ عبدالراحمان من شباك غرفته .. لكن عينه كانت على النساء الحضور اكثر .. وكلما اعجبته فتاة ارسل وراءها الى امه .. ترسلها له .. لا يستحي هذا الرجل في فعل العيب .. وبعلم امه .

في اليوم السادس للعرس .. حملوا العروس في هودجها على الاكتاف .. ثم على بغلة وذهبت لمزار سيدي امحمد بن يحي .. واستقبلتها النساء تقبل ايديها وتبارك لها .. ودخلت الباب وخبيرة الحنة .. اقفلوا الباب .. ومن ثم حضر العريس الشيخ سلمان .. وخضب هو الاخر انامل يده اليسرى بالحنة .. وتعالت الزغاريد لحظة خروجهم .. وعجت باحة السوق بالراقصين والراقصات .. ولديهم رجال يرقصون رقص النساء .. ويرتدون زي النساء .. يتغنون مثلهن ..يخضبون ايديهم بنقش الحنة .. يظفرون شعورهم جدائل .. يعفرونها بالطيب .. لا يخشى دخولهم لأي بيت .. ولا حرج عليهم في مقابلة النساء .. يسمونهم اعلاج .

     في الليل اتى اهل تماسين يزفون هودج شقيقة الشيخ علي .. شيخ تماسين .. ناخ جملها .. وترجلت .. وتكلم البارود .. وعلت زغاريد النساء .. واهتاج الرقص .. دخلت باب القصبة .. وفي الليل زف الى ابنة عمه اولا .. دخل بها .. واتم ليلته مع عروسته الاخرى شقيقة شيخ تماسين .. ودخل بها .

      في اليوم السابع .. نادي الشيخ عبدالرحمان على الشيخ سلمان .. ادخله معه دار الخزنة .. واهدى له بمناسبة الزيجة .. حفنات من محبوب الذهب .. وقال له : يا ابن عمي .. هذا ما خلف والدي .. وهذا ما خلف والدك .. وهذا ما خلف اجدادنا .. وما نكنزه إلا لك .. ولذريتك .. وذريتي .. ولا عندي مال دونك .. لا تترك الحاقدين ينسجوا بيننا الفتن .. انا بضعة منك .. وانت بضعة مني .

 

 

 

 

 

   

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *