مذكرات رحالة من فزان 1852 ( 10 )

   

 

    غادرنا تبسه مع قافلة من اهلها .. تحمل الصوف الى قسنطينة .. كبير القافلة يقال له حميد بن الهامس ، عاشر اهل تبسه وملك بها .

    تبسه القديمة صارت خرابه .. ما تبقى منها سوى  كنيسة خارج البلدة .. باب البلدة حيث يقطن العرب ، من بناء الاولين .. لا يزال قائما .. اعلى قوس الباب حجر نحث عليه صورة امرأة .

     وسط البلدة .. قصر صغير من بناء الناس الاولين ..تزين جدرانه صور رؤوس البقر ، الكباش ، الحنش .. وجميع المخلوقات .. يقطنه يهودي يدعي انه مركانتي .. وهو زير نساء .. وله مع اكابر نساء تبسه صولات .. احتال على كثيرون ، من عامة الناس وقادتها .. سلب اموالهم .. ساعده في بلوع مطمحه اجادته للغة الفرنسيين .. يمارس الدجل والكذب على العرب .. يوهمهم انه يتحدث عن همومهم مع ارباب الدولة الفرنسية .

     شرق تبسه .. عين ماء تنبع من الجبل .. تسقي مزروعاتهم .. وغرسهم .. اشجار اللوز الكثيرة .. التين .. العنب .. الهندي .. الرمان .. حطايا النخل الكثير .. ومنها بالديار .. العسل الطبيعي الصافي .. سعر الرطل ثمانية سوردي .

     يزرعون القمح فيعظم في ارضهم .. قمح تبسه افضل اصناف القمح .. لا يماثله سوى قمح ” ميلت ” .. غني بالسميد .. .. الحنة ايضا تكثر عندهم وقت الخريف .

    يجلب التجار العرب الى تبسه .. الصوف الكثير .. الغنم .. السمن .. اواخر الصيف .. الصوف والدهان ارخص ثمنا من جميع البلدات التي مررنا بها .

          خمسة ايام والقافلة تذرع الفيافي نحو قسنطينة حتى بلغناها .. بلاد مليحة تتموضع اعلى تبة الجبل .. وجبال مناظرة تحفها من كل جانب .. بها وادي كبير خصب .. الجنائن المزدانة بأشجار التين والعنب والرمان والتفاح والأجاص ..  الجننار بقسنطينة .. عرف بنزاهة حكمه وعدله في تحري الحق والإنصاف .. اسمه سنطرنو ” .. جميع العرب تحبه .

      قصدنا مقهى ” باب اسطنبول ” .. يملكه رجل تركي كبير السن .. تحدثنا معه فيما جرى علينا .. قال : ان تنصت لنصيحتي ..  اذهب الى ” بيرعرب ” .. واشتكي امرك هناك .. ذهبت ..  فوجدت جموع كثيرة من الناس تنتظر .. جلست انتظر سؤال الحاجب : ” هل من مشتكي ؟ ” .. كان الناس كثيرو الثرثرة والحديث .. فجأة خرج شاويش بيده عصا .. وانهال على الجميع بالضرب .. نلت ثلاثة ضربات .. عند ذلك خرجت.. وعزمت على ترك قسنطينة .. قلت في نفسي .. هذه بلاد ظالمة .. وأهلها ظالمين ..  وتوجهت نحو ” باتنة ” .. وعند غروب شمس اليوم الثالث .. دخلنا باتنة .. اهلها مهتمون ببناء سور حماية جديد .. قصدنا مقهى لرجل من اهل تونس .. اقمنا به خمسة ايام .. وكل من سئلنا اجبناه .. نحن من اهل الغرب .

   ” باتنه ” .. بلدة قديمة .. يلفها بنيان الاولين وعيون الماء الدافق من كل جانب .. قريب منها ناحية القبلة بلدة ” تنزولت ” .. كانت يوما ما كبيرة المعالم .. ولا اكبر منها في جبال الاوراس .. وقيل انها كانت مقاما للكهنة التي تحكم ممالك الاوراس ..  كثير هي بصمات قلم الاولين على الاحجار .. غبرت تلك المدينة بأهلها بعدما غزاها العرب .. موقعها لا يمنحها الامن والحماية .. قمم الجبال حولها .. ولو انك وضعت مدفع هناك .. خربتها كلها .

         من تازولت رجعنا الى باتنه  .. صادفنا اناس من اهل فزان .. تعرفوا الينا .. وأعطوا لنا خمسة وثلاثون دور .. ومن باتنه الى ” ميلت ” ..  ومن ميلت الى ” اسطيف ” .

    ” ميلت ” .. بلدة قديمة .. وأطلال مآثر الناس الاولين .. سورها القديم لا يزال قائما .. وبها عين ماء وسط البلدة ..  بساتين زاهرة ومياه دافقة تروي الغرس ..  العنب .. الرمان .. الخوخ .. التفاح .. الاجاص .. التين .. واصناف الشجر العديدة ..  النساء عندهم تمتهن فتل الكسكسي .. كسكسي من السميد .. يأتي الناس من جميع وطن قسنطينة وعمالتها ليشتروا الكسكسي من اهل ميلت .. كسكسي السحور .. ولا يعلى على سحور ميلت ..  الصاع بعشرون دورو .. ومن ميلت توجهنا الى اسطيف .

    اسطيف بلدة مليحة .. لكنها في ذلك الوقت تشتعل بها الفتن بين القبائل .. قصدنا  مقهى لرجل من اهل قسنطينة اسمه الموركان .. صاحب ترجمان للجننار .. وكان الترجمان يهودي .. وفي كل يوم تأتي والدته الى المقهى تسأل القهوجي : هل اتى خبر على ابني وسيده الجننار .. وذات يوم .. قال لها ” الله اعلم .. لكن خبر وارد يقوا ان الجننار اصيب .. وبه جرح .. ولا حققنا من هذا الامر ” .

         غادرنا اسطيف برا .. تحفنا الجبال الشاهقة .. اشجار الصنوبر .. اشجار المستكه ..  وفي اليوم السادس بلغنا ” سور الغزال ” .. عند منتصف النهار .

      قصدنا مقهى لنمضي ليلتنا .. وفي الصباح اثناء تجولنا بالبلدة .. اذا برجل من اهل غريان يقال له ابو عيشة عرض لنا .. تعرف علينا .. كان قد عاش بيننا في تبو  .. وكان عمه كاتب لدى والدي .. ما ان تيقن منا .. عانقنا .. وفرح فرحا شديد .. وأكرمنا غاية الكرم .. توجهنا برفقته الى الجبل خارج البلدة .. حيث محجر الجير .. وله صناع يتولون المهمة .. وشريك من اهل البلدة يدعى عبدالحفيظ .. كان ميسور الحال ..  يمتلك ست معامل لنسج الحرير .. وله صناع كثر .

    اكرمونا غاية الكرم .. وعندما ابلغناهم رغبتنا في الرحيل نحو ديار الغرب عند عمتنا .. اعطوا لنا ستون دورو .. واستأجروا لنا الكروسة من سور الغزال الى ” لربع ” .

     حاكم سور غزال رجل من الفرنسيين ..  اسمه ابوبريط .. اخبرنا عنه ذلك الرجل الذي نزلنا عنده في سور غزال .. وعن سيرته وظلمه .. روى ما حدث مع رجل من اهل قابس .. عمل في استخراج الجير من المحاجر .. وصار ميسور الحال .. لكنه كان مغرما بإحدى بائعات الهوى بالدوار .. نزل السبايس .. صرف على نزواتها امواله .. سلبته ماله وكل ما جمع .. وفي احدى الليالي وكان على وعد منها .. وفي خلوتهما .. دخل عليهم رجل من السباييس هو الاخر واعدها .. سل سيفه وضرب ذلك القابسي .. قال له : لما تضربني ؟  فتمادى وضربه بالسيف ضربة اخرى .. اخرج القابسي بشطوله له .. وضرب السبايسي اصاب يده .. وهرب .. طاردوه في صباح اليوم التالي .. ولاحقه بوبريط بنفسه في البيت حيث يسكن القابسي .. فلم يجده .. ووجد صاحبه وشريكه .. كان ذلك الرجل مريض جدا .. انهكته الحمى ..  قال له : اين صاحبك ؟ فقال : لا علم لي به ، وأنا مريض .. فأخرج بوبريط بشطولة .. وقتل ذلك الرجل ظلما وعدوانا .. فاستعجبنا من ذلك الامر ، وقلنا : كيف يقال عن الفرنسيين انهم اناس تحكم بالحق .. اذا كان حكمهم مثل ما فعل بوبريط .. ومثل ما رأينا في بيرعرب .. فهذا ليس حكم عدل ..  وما هو إلا الباطل .. اذا كان كل حكمهم مثل هذا .

     بلغنا ” لربع ” في يوم السوق الاربعاء .. الحاكم يدعى بدر الدين .. يدعي امام العرب بأنه مرابط .. وابن زاوية .. وواجب خدمتهم له بلا مقابل .. وعند الفرنسيين يدعي حبهم والوفاء لهم .. ولم يكن إلا كاذب على الاثنين .. ولا هم له إلا ان يتكسب المال .

       بتنا ليلة الاربعاء .. ثم ركبنا الكروسة في اليوم التالي نحو الجزائر .. وجدنا الجزائر بلد رائع .. تحترم فيه قوانين الحاكم اكثر من غيره من البلاد .. سور غزال .. سطيف .. بير عرب .. وغيرها .

   الجزائر بلدة على ساحل البحر المتوسط .. اجمل من تونس .. حكمها عدل .. تلفها عيون الماء والوديان النضرة من كل جانب .. اهلها يمتازون بصفاء النية .. اقمنا بها سبعة ايام .. ومنها توجهنا الى ” ابوفريك ” .. ومن ابوفريك الى ” البليده ” .

    البليدة .. بلدة مليحة .. تحفها الجنائن وحقول الغرس من كل جانب ..  البرتقال .. التين .. الهندي .. بها حاكم عدل .. وأهلها طباعهم نزقة .. لا يطيقون وجود غريب بينهم .. سواء كان فرنسي او غيره .. مثلهم مثل اليهود .. لا يحبون إلا بعضهم البعض .. اقمنا بها وتجولنا بحواريها .. ثم غادرنا الى ” المديه ” .. عبرنا مشيا جبال وعرة .. حفر بها الفرنسيين انفاق لعبور الكروسة .. في اعلى الجبل ثمة برج .. اسفله منجم ذهب .. واناس تعمل به .. وقريب منه منجم الجفت .. كانت لنا فرجة من اعلى الجبل .

   المدية بلدة مليحة .. بها مآثر الاولين .. الجبال تتحلق بها من كل جانب .. قبلي البلدة وادي دافق .. حكمها عدل ..  وأكثر اهلها يسكنون خارجها .. وسط حقولهم ..  وليس بالبلدة سوى بني مزاب .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *