مذكرات رحالة من فزان 1852 – ( 7 )

  

 

       يوم الثاني عشر من شهر رجب .. تأتي القوافل من مكة والطائف .. ومن جميع بر الحجاز .. يرحل اهل المدينة .. لا يبقى إلا القليل .. تقيم المراحيل ثلاثة ايام عند قبر سيدنا حمزة .. ويوم اثنى عشر .. يوم اغتيل .. وان كان في سائر الايام مزاره مكتظ بالمتبركين .

     ليلة الخميس .. جبل احد .. ممتد تكسوه حجارة حمراء  ..  اعلى الجبل  قبة سيدنا هارون .. وفسقية من عمل الناس الاولين .. اذا هطل المطر .. امتلأت .. قرب المكان .. اصنام حجرية وتماثيل .. كتب عليها بقلم الاولين .. ظهر الجبل غربا .. عين البركة .. واصل التسمية .. انها عين قديمة .. طمرها التراب .. فاراد اهل البركة في سنة ستين ومئتين والف .. حفر العين وتجديدها .. سقاية النخل والابل .. وكان امامها بناء قديم .. فلما دخلوه ..  عثروا على جثامين لسبعة عشر رجل ..  وسيوف بأيديهم .. وأجسادهم لم تتحلل ..  وكأنهم نائمون .. ابلغوا شريف باشا امير يثرب .. حضر وتفقد بنفسه .. وقال : ردوا عليهم التراب .. هؤلاء اناس ماتوا مجاهدين .. ردوا عليهم التراب .. وتوقفوا عن حفر العين .. موضع العين القديمة .. قريب من موضع الجديدة .

        اشجار النخيل تحف المدينة .. حزام اخضر  .. ظهرها مسجد القبلتين .. منبر نحو بيت المقدس .. ومنبر اخر نحو مكة  .. غرب المدينة جبل حجري ضخم .. اعلاه مغارة .. وبيوت امام كل منها حجر كتب عليه بقلم الاولين ..  قبلي المدينة مسجد قبا ..  اول مسجد بناه المسلمين .

      عندما خرج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مهاجرا من مكة الى المدينة .. عبر وادي قبا .. وأول من قابله هناك .. فتاتان من بنات النجار .. يعملان بالحقل .. وفي ايديهن طار .. ودف .. يغنون ترحيبا بقدومه  :

يا مرحبا يا مرحبا .. بهلال هل في وادي قبا .

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ما دعا لله داع

أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع

جئت شرفت المدينة

مرحباً يا خير داع

      مكتوب في الاثر النبوي عند اهل المدينة .. من زارني ولم يزر بنات النجار .. لم تقبل منه زيارة .. بنات النجار استضافوا النبي .. واول من هللوا لقدومه .. ونزل عندهم يستريح من عناء السفر والمهجر .. وبالموضع بني جامع قبا ، كتب اعلى الباب ..  ( هذا اول مسجد اسس على التقوى  ) .. بئر ماء غرب المسجد .. يقال لها ” بير الخاتم ” .. فيها سقط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم .

          ” الجيشية ” .. جنائن تتحلق حول المسجد متنوعة القطاف .. النخيل .. العنب .. الرمان .. التين .. الغلال بأصنافها .. وأبار تروي الزرع بالدلو والجمال .. جنائن مسجد قبا لا تضاهيها جنائن اخرى بالمدينة .. بها ستة ابار .. وجملين على كل بئر للسقاية ..  بلغت قيمة منتوجها السنوي هذا العام .. اربعين الف قرش .

       ثمر ” الشلبي ” .. شهير عندهم .. الصاع .. بسعر ستون قرشا .. وسبعون .. وللثمر عندهم انواع حسب الفسيلة .. تمر الحلية .. الوحشي .. الغزاب .. الطابون .. العلجية .

        العين الزرقه .. يقال ان ماءها ينبع من ارض بغداد .. كما العين التي بمكة .. وسميت هكذا لشحط المسافة التي يقطعها الماء من ارض العراق الى ارض الحجاز .. ففي الاثر عندهم  .. العين الزرقاء لقبت به امرأة شهيرة بحدة النظر ..  كان لون صبي عينها ازرق .. وكانت تترقب القوافل القادمة وترصدها قبل الناس بوقت طويل .

     غرب المدينة  .. اقرب لناحية القبلة .. حطايا النخل يقال لها ارض الاجابة ..   كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ..  ان اراد ان يدعو ربه بالحاح .. واثقا بالاجابة .. ينزوي متوحدا بذلك المكان .. الدعاء مستجاب به .. هكذا سمعنا من اهل المدينة .. والله اعلم .

      اواخر الربيع واوئل الصيف .. تأتي قوافل العرب محملة بالسلع .. السمن بالاوقية .. في كل رطل ست عشر اوقية .. رطلين ونصف بسعر ستون قرش .. فيما الدور الفرنسي .. سنة ستون .. يعادل اربعة وعشرون قرش .

       تجلب القوافل من بر نجد الغنم ..  جميعها لونها كحلي .. ووجوهها بيض .. ومن غير قرون .. ولها إلية مكتنزة الدهن ..  وهي اوفر حجما من غنم برنو .

      عند بئر نجد  حيث الماء .. ملتقى القوافل .. عرب اهل نجد .. يربون الماشية ..  الغنم .. الابل كثير .. ولا افضل من مهاري نجد في الارض برمتها ..  لكن ما يتميز عندهم هي الخيل .. خيل نجد شهيرة ..  صبرها وجلدها وهي تعدو ..  خيل اصايل ..  وهي اقصر ظهرا من خيل بر الغرب .. واجود منها  .

     عرب نجد يرتدون ملابس اشبه بملابس اهل مكة والمدينة .. يمتشقون سلاح الفتيل .. والأكابر منهم والأغنياء تتصدر احزمتهم ” جنبية ” .. موشحه بالذهب او الفضة  .. وجنبية من نحاس لرقيق الحال .. ومن ادرع الغنم يصنعون .. اسباس .. ينظفون مجرى وسط العظم .. يعلقونه رقابهم بسلسلة فضة .. يلازمهم اشبه بالمسبحة .. يدخنون به التبغ .. وعندهم هذا شيء جليل .. ويدخنون الغليون .. وهم اناس كرام .. وهذا ما شهدنا من امرهم .

          توجهنا الى مكة ثانية .. وعدنا للمدينة .. والى الصفرة والجديدة مع رجل من اهل الصفرة والجديدة اسمه درغام .. نزلنا داره ..وتنزهنا بحقله ..  اشجار الارنج .. التين .. الموز .. النخيل .. الحنة .. ومن الصفرة والجديدة توجهنا الى بدر وحنين .. ومن بدر وحنين توجهنا الى ينبع النخل ..  تزدهي بالنخل وماء العيون ..  ومنها خرج مولاي ادريس الاكبر .. دفين الغرب ..  ومن ذريته مولاي سليمان .. ومولاي عبدالرحمان .. كان اليزيد بن معاوية قد انتصر على خصمه سيدنا الحسين رضي الله عنه .. وقتله بارض الكرب والبلاء  .. ثم توجه الى المدينة وغلبها وقتل الكثير من نسل الاشراف .. وضاق الخناق علي مولاي ادريس  .. هاجر غربا .

        في بلاد المغرب وجد الترحاب .. وتزوج ابنة سلطان البربر ..  زمن سلطنة بني مرين .. ثم مات السلطان .. فبايعوا مولاي اديس سلطانهم .. ومن نسله اشراف المغرب .. وابنه ادريس الاصغر .

        من ينبع النخيل توجهنا الى ينبع البحر ..  بلاد مطلة على ساحل البحر .. لا غرس ولا زرع .. وفي ناحية الغرب صروح لمآثر الاولين .. قصورهم وبصمات اقلامهم على الجدران والحجر .. مرسى بحري .. يأتي اليه القمح والرز وجميع الحبوب من مصر .. تكثر به حشرة الذباب الطائرة .. لا تترك لك فرصة لتناول طعام .. نزلنا في دار رجل من اشراف ينبع اسمه السيد عبدالعالي .. وفي الليل اطلعنا على كتاب يؤرخ لغزوات الصحابة للجاهلية .. نقلنا منه غزوة وادي السيسبان .. غرب الجبل ..  عشب الطرفة الناضجة .. وقصب رعي الماشية .. الاغنام  .. البقر .. وادي خصب تكتنز عنده الطير والأنعام .. وهي هكذا :

       قال ابن عباس رضي الله عنه ، صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. واسند ظهره لحائط محرابه وهو يحدثنا ونحدثه ، ويخاطبنا ونخاطبه ، فلا يعلو كلامنا على كلامه ، ولا خطابنا على خطابه ، فإذا بأعرابي قد اقبل علينا من البرية يمتطي ناقة اضناها السير بالليل والنهار .. نزل من على ظهرها ، ربطها بفضل زمامها في صحن باب المسجد .. وقال السلام عليكم يا معشر النبوة ومعدن الرسالة ، افيكم محمد بن عبدالله المختار من خير خلق الله ، فقال له رجل من الانصار: اما تنظر الى صاحب الوجه الاقمر ، والجبين الازهر ، فذلك سيد البشر ، فعرف بذلك الاعرابي .. نهض وتخطى الصفوف حتى اتى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : الصلاة والسلام عليك يا رسول الله ، فإني رجل من اهل مكة ، كانت لي رجال وأبطال ، فقام الدهر عليّ فأبكاني في رجالي وأبطالي .. رحلت الى ارض اليمن امدح الرجال والأبطال لعلهم يعطوني شيء استعين به على زماني ، فلما عبرت عند ارض اليمن .. نالني العطش .. صادفني سارح اغنام .. قلت له : انهكني العطش .. هل لي عندك شربة ماء ؟ .. قال :  كأنك يا فتى من غير اهل ارضنا ، جاهل بنا .. كيف تطلب الماء في ارضنا ؟  .

    قلت له : انا من ارض مكة ، وكان لي مال ورجال ، فقام الدهر عليّ فأبكاني في مالي ورجالي ، واتيت امدح مشائخ العرب لعلهم يعطوني شيء استعان به على زماني .

     رفعت بصري .. رأيت قصرا عالي القرار .. فسيح الباحات .. سألت السارح .. ما اسم ذاك القصر ؟ ..  قال لي : القصر اسمه قصر الارقم .. وسيدته ومالكته  تدعى حسن بنت منعم ..  اما المضارب والخيام لملك من ملوك العرب الجاهلية اسمه العفريط ..  عنده سبعين محلة .. في كل محلة سبعون الف فارس ..  عاهد نفسه على ان يتزوج صاحبة هذا القصر .. وان يقدم لها كل ما اشتهت وطلبت ..  من مال ورجال ..  فقالت له لا اريد منك مال ولا رجال ..  اريد منك ان تأتيني براس محمد ، وابن عمه علي ابن ابي طالب .. عندها سأتزوجك .. فلما سمع قولها .. جمع جنوده ومحاله .. وها هو قادم اليك ..  فلما علمت بذلك .. اتيت اليك وأخبرتك صلى الله عليك وسلم .. فما اتم الاعرابي من كلامه إلا وأبواب السماء قد فتحت .. نزل جبريل ..  وقال : السلام عليك يا محمد ، العلي الاعلى يقرئك السلام .. ويخصك بالتحية والإكرام ، ويقول لك .. صدق الاعرابي فيما اخبرك ..هؤلاء يكيدون لك وقد جمعوا اربعمائة الف فارس .. فإن سبقوك الى وادي السيسبان غلبوك وانتصروا عليك ، وان سبقتهم غلبتهم وانتصرت عليهم . فقال اين بلال ؟ فأجابه بالتلبية ، فقال له اذن في الناس للجمع ، فركب بلال صحن المسجد وقال : يا معشر خلق الله ورسوله ، اركبوا الى الجهاد ، فبادروا للنبي صلى الله عليه وسلم ، فاجتمعت القبائل على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال لهم : هل بقى في المدينة احد ، ، فقالو له ما بقي في المدينة إلا طفل صغير لا عقل له ، او شيخ كبير لا جهد له ..  فقال لهم : القوم عبادون الاشجار .. اتوا بأربعمائة الف فارس .. ولا كفتهم هذه الكثرة حتى اتوا بكبارهم وصغارهم ولا خلفوا ورائهم دنار ولا نافخ نار .. كيف نذهب لحربهم ونترك حريمنا خلفنا ..  فقال اين بلال ، فأجابه بالتلبية ، قال له اذن للناس من له حريم فليأتي به الى بيت رسول الله ، فأذن بلال : يا معشر خلق الله ، من له حريم فليأتي به الى بيت رسول الله ، ولا يبقى بالمدينة سوى فاطمة الزهراء والحسن والحسين رضي الله عنهم .

    رحل النبي وجد السير اليوم الاول والثاني والثالث الى ثمانية ايام ..  صلى صلاة الصبح .. وقال : من يذهب يستكشف لنا وادي السيسبان .. وله قصر في الجنة .. فنهض رجل اسمه الداهية الكبرى والمصيبة العظمى ، عمر ابن اميه الضمري رضي الله عنه . فقال له : نحن يا رسول الله ، فجد السير حتى دخل وادي السيسبان ، فوجد به قصر يحده السهل والوعر .. بداخله تخت .. اعلاه قبة من الذهب ، واعلى القبة صليب من الذهب ، وتسعون كرسي من الذهب يجلس عليها تسعون وزيرا ، وكرسي بالوسط مرصع باحجار الزمرد الاخضر يعتليه رجل  كبير السن .. يستحلفون اصنام يعبدونها على قتل محمد وابن عمه على بن ابي طالب ..  عاد عمر ابن اميه على عقبيه .. وفي اليوم الثاني من وصل المدينة  وقت اقامة صلاة العصر ، صلى وراء النبي .. التفت الرسول للمصلين .. فوجده بينهم  ..  قال يا عمر ابن امية اخبرني بحقيقة الامر ، فاخبره بما رأى .. بكى النبي .. وبكت كافة المسلمين لبكائه .. فقال اعلموا يا معشر المسلمين ، ان هذه الغزوة يشيب منها الوليد ، ويلين لشدتها الحديد ، فبكت المسلمين .. فأتى اليهم رجل اسمه خالد ابن الوليد وقال له .. ضع في امرتي عشرون الف فارس .. نثخن بهم ..ونغلبهم .. ببركتك .. قال رسول الله اين بلال ؟ . فأجابه بالتلبية  .. قال له .. اذن للناس بالرحيل .. قال بلال : يا معشر المسلمين ، ويا خير خلف الله ، ارحلوا بارك الله فيكم ، وأحسن اليكم … رحلوا .. وفي اليوم الثالث دخلوا ارض الوادي .. حطت الرحال للاستراحة .. صباح يوم اثنى عشر .

     رأى النبي جيش المشركين فعرفهم ، وراء العفريط جيش المسلمين فعرفهم ، وكان عند العفريط وزير اسمه الحلام ..( رأى في المنام انه يسلم على يد رسول الله ) .. قال : له ما هذه القوم يا وزير ؟  فقال له : انك تريد ان تقاتل محمد وعلي ، ها هم سبقوك الى وادي السيسبان .. رد العفريط : هذه شرذمة قليلة  .. مثل سراح الابل عندنا ، فقال له لا تستخف بالشرذمة القليلة .. ففيهم خالد ابن الوليد ، والمقداد ابن الاسود ، والزبير ابن العوام ، وعبدالله ابن مالك ، وفيها الرجال الابطال .. قال له : اذا تريد .. اذهب معهم ،  عندي غلامين ، لو امرت واحد منهم .. لأتاني برؤوس الذي طلبت مني حسنة بنت منعم .

     رتب وزرائه يمينا وشمالا ، وقال النبي : اتوني بصف الرايات ؟ فأتوه بها ، فأخذ راية حمراء وسلمها سيدنا عمر بن الخطاب .. كتب عليها نصر من الله وفتح قريب .. وراية خضراء عقدها على سن رمح طويل ، وسلمها لسيدنا عثمان ابن عفان .. كتب عليها وما النصر إلا من عند الله .. اعطى الراية بعد الراية حتى كملت الرايات .. دخل الخيمة صحبة سيدنا ابي بكر

     قال ابن عباس تقاتلون الله فوق ، وتجردون السيوف ، ولا ترى واحد إلا صريع او جريح .. ونار الحرب شعلت السنتها ، وعلا في السماء دخانها ، اليوم الاول ، والثاني ، والثالث ، والنبي وسيدنا ابوبكر يدعون نصر المسلمين على عدوهم ، فلما كان اليوم الثالث خرج النبي يتفقد المسلمين وما بقى من جيشه سبعة الف من ثلاثة عشر الف ، مات منهم ست الاف ..  ومات من الجاهلية العدد الكثير .. قال سيدنا ابوبكر : مات من المسلمين النصف وبقي النصف ولم تنزل آية الجهاد بعد ، فما ان تم كلامه ، إلا وابواب السماء قد فتحت .. وجبرائيل قد نزل بالوحي يرشد .. قال : السلام عليك يا محمد  ، العلي  الاعلى يقرئك السلام ، ويخصك بالتحية والإكرام ، ويقول لك بشر المسلمين ، قال فبما ابشرهم ؟  قال بشرهم بأن الله اشترى من المؤمنين اموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة ، وان لا يولوهم الادبار ..  فخرج النبي وقال : اسمعوا يا معشر المؤمنين الاية التي نزلت من الله في حقكم .. قرأها عليهم سيدنا ابي بكر ، فلما علم بذلك المسلمين اسندوا رؤوسهم على صفح سروجهم .. يتقدمهم خالد ابن الوليد ، وحملوا على المشركين ..  اليوم الاول والثاني ، وفي اليوم الثالث .. تفقد النبي جيش المسلمين ، فما بقي منهم سوى المسلمين سبعمائة فارس ، وسمع سيدنا عثمان ابن عفان يغيث ويستغيث ويقول : يا سيداه .. ويا ديناه محمداه .. وقد اصابته طعنة على سرته فوقع من على جواده الى الامام .. فلما اتى اليه النبي ، فإذا بفتاتان من  المهاجرين والأنصار قد خرجوا وعروا رؤوسهم وهم وراء النبي يقولون .. يا مهتك حريمنا ، ويا ميسر اولادنا ، فبكى النبي . وبكت جميع المسلمين ، ثم دخل خيمته ، يدعو مفرج الكروب .. قال اللهم سيدي ومولاي .. اسئلك بالذي بيني وبينك ليلة الاسراء ، إلا ان تغلبني وتنصرني وتأتيني بإبن عمي على ابن ابي طالب ، وكان علي بمكة .. في زيارة عمته عاتقه ..  قالت عاتقه : فصاح علي صيحة عظيمة وقال لبيك :  لبيك اللهم لبيك .. انا بين يديك ، ونهض قطيب الحاجبين  .. بين عينيه كأنه قطيب ياقوت .. واحمرت عيناه .. وهاج هوجة عظيمة ..  فقلت له مالك يا ابن اخي صرخت هكذا صرخة .. قال : يا عمتي ، رأيت ابن عمي واصحابه في شدة عظيمة ، وهو يغيث ويستغيث إليّ ، فقلت له يا ابن اخي ، اذا اردت ان تلحق به .. اختار السير ليلا . ففي مكة لا احد إلا وله دين او حق عليك ، لقد قتلت منهم خلق كثير ، وان ظفروا بك .. قتلوك .. فقال لها : لا  .. وعزت ربي .. سأرحل نهارا .. قالت عاتقه .. بقى على حاله حتى بزوغ  الشمس .. ركب الجبل .. وقال : يا اهل مكة .. من عرفني فقد عرفني ، ومن لا يعرفني فإني اعرفه بنفسي ، اني علي ابن ابي طالب ، فمن له حق علي ، او دين ،  فليرفع رأسه ويأخذه مني .. فقالت عاتقة .. فوالله ما لاحق الامام علي أي منهم ، حتى وصل وادي اليمون .. توضأ وصلى ركعتين ،  وقال : اللهم سيدي ومولاي اسئلك بالذي بيني وبينك وبين نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ، ان تطوي لي كل بعيد قريب ، وتهون علي كل شدة وضيق ، فما كان بزوغ شمس اليوم الثاني .. دخل المدينة يثرب .. وجدها خالية من الناس .. قصد داره .. فوجد السيدة  فاطمة الزهراء ، والحسن ، والحسين رضي الله عنهم .. فقال : يا فاطمة من اوعز لأبيك القيام بهذه الغزوة ؟ .. قالت له :  جبرائيل ..  فقال لها كم بيننا وبين وادي السيسبان ؟ . قالت : احدى عشر يوما ، وقد لا نصل اليه إلا وقتلوا أبي  ..  ومن معه من المسلمين  .. قال لها : هل ترك ابيك شيء من رواحله ، قالت : ناقة الغضب .. قال لها : حضريها .. حضرتها ، ركبت السيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين ، وجدوا السير ، اليوم الاول والثاني ، وفي اليوم والثالث وقد وجدت السيدة فاطمة الزهراء نفسها وزوجها واطفالها يجوبون صحراء مقفرة ، وطال السفر .. بكت ..  التفت اليها الامام علي وقال :  يا فاطمة .. بكائك  زادني بكاء .. وقد بكت ملائكة السماوات والارض لبكائك .. قالت له : كيف لا نبكي وبيننا وبين وادي السيسبان احد عشر يوما ..  منهم ثلاثة ايام وبقي لنا ثمانية ايام .. قال لها : يا فاطمة .. دعائك مقبول ، ويا حسن ويا حسين دعاؤكم مقبول ، ادعوا الله بجاه جدكما ان يطوي لنا كل بعيد قريب ، ويهون علينا كل شدة وضيق ، قالت فاطمة .. فرأت الناقة مسرعة حتى تكاد  تطير بين السماء والأرض ، فما كان وقت صلاة الظهر إلا دخلوا الوادي ، فقال للحسن والحسين : اقصدوا انتم وأمكم خيمة جدكما ، فقال يا ابانا نجاهد معك ، قال لهم .. لا زلتم صغار .. بارك الله فيكم ، وخرج الامام  للحرب .. قصد الميدان .. وكان العفريط يراقب .. ووزيره الحلام .. قال له :  يا وزير .. اني ارى طفل صغير لا نبات له ، يرتدي درع كامل .. من يا ترى يكون ؟ . قال له : هذا علي ابن ابي طالب ، فقال له : هذا المطلوب الذي طلبت مني حسنة بنت منعم ..  قال له نعم .. فقال لغلام من غلمانه اذهب اليه وقل له : اين كنت يا فتى ونار الحرب اشعلت نيرانها وغشي السماء دخانها ؟ .. ركب الفتى الفيل .. اقترب منه وقال ، دون ان يفشي السلام ..  يقول اليك سيدي اين كنت يا فتى ونار الحرب قد اشعلت نيرانها وعلا في السماء دخانها .. قال له  كنت في مكة ، فقال له : متى خرجت من مكة ، فقال له : نحو اربعة ايام ، فقال له : متى حضرت ، قال له : الساعة .. ثم شهر سيفه .. وبضربة واحدة جدع اذن الفيل .. ولطم بها وجه الغلام .. فعاد مذعورا  .. وشرد الفيل ينزف دما .. ولما بلغ سيده اخبره بما كان .. قال له .. ماذا قلت له ، وكيف كان رده .. قال له : قلت له اين كنت يا فتى ؟ ونار الحرب قد اشعلت نيرانها وعلا في السماء دخانها ؟ .  فقال لي : كنت بمكة .. ومتى خرجت من مكة ؟ . قال منذ نحو اربعة ايام ، ومتى حضرت الى هنا ؟ .  قال لي الساعة الان .. ثم اشهر سيفه وحف اذن الفيل .. خلعها ولطمني بها .. قال له : ارجع اليه وقل له : عد من حيث الطريق الذي قادتك الى هنا .. ولسوف يأتيك سيدي .. وسيقتلك شر قتلة .. او بأخذك اسير عنده ..  فرفض الغلام .. فأرسل اليه غيره ليبلغه ما قال سيده .. فلما سمع الامام علي من الغلام ذلك القول .. شهر سيفه .. وضرب رقبة الغلام .. سقط ومات .. عجل الله بروحه الى النار وبئس القرار ..  فلما رأى العفريط غلامه .. قال لوزرائه اطلبوا المبارزة معه .. قالوا : لا احد جدير بمبارزته سواك .. وانت لذلك اهل .. قال نعم : انا لها .. انا انازله .. سأتيكم برأسه .. وان غلبني .. اطلبوا النجاة لأنفسكم ..  جيشهم ردع .. وهذا الرجل ردع اخر .. صنديد وفارس عنيد ..  قال ابن عباس رضي الله عنه : تقابل الاثنان .. كأنهم جبلين شامخين .. او صيدين جسورين .. وحملو على بعضهم .. ومضى اليوم الاول والثاني والثالث .. والنبي وجميع الصحابة يدعون له بالنصر على عدوه ، وفي اول ساعات النهار الثالث ..  سمعوا صيحة الامام علي ..  بسم الله .. الله اكبر .. فتحا ونصرا .. ابشر يا من كفر بالويل والمحق ، وضربه بسيفه ذوي الفلقتين .. فحز رأسه .. فلما رأى الوزير الحلام قتل سيده .. اتى طائعا عند قدم الامام علي .. أراد الامام علي ان يقتله ، فقال له : امدد يمينك .. اني اقول لا اله إلا الله محمد رسول الله . فقال له : لا يتم  اسلامك حتى تجاهد معي ..  فجاهد معه .. وبدأت سيوف المسلمين تحز رقاب المشركين .. اليوم الاول والثاني وفي الثالث .. تحقق النصر للمسلمين .. وتفرق شمل المشركين .. أطمأن المسلمين بالظفر .. دفنوا اخوانهم .. لملموا الغنائم .. تقاسموها ..  ورجعوا الى يثرب .. مؤيدين مسرورين .. والحمد لله رب العالمين . وقد تمت غزوة وادي السيسبان وما نظرنا في الكتب كتبناه ، وما يعلم بالغيب إلا علام الغيوب والسلام ، وكل انسان ميزه الله بالعقل يخمن هذا القول وغيره ، والعارف لا يعرف ، والسلام على القارئ والمستمع من لسان محمد بن عبدالجليل بتاريخ سنة 136 هـ.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *