مذكرات رحالة من فزان 1852 – ( 6 )

    

     

   بدر وحنين بلدة صغير ..  عين ماء شرق البلدة ..  بين الشرق والقبلة .. حافة العين شجرة سدر كبيرة  ..  ناحية القبلة مآثر الاولين .. تلال وحجارة اصنام .. شهد ذلك المكان نزال الحرب بين المسلمين بقيادة الرسول ..  سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه .. ومات خلق كثير من الصحابة ومن الجاهلية .. وفي الليل رأى كل صحابي منهم انه ينام في بيته .. يجامع زوجته .. فلما اصبح النهار .. حاصرهم جيش الجاهلية ..  فلم يقوى ايا منهم على بلوغ الماء .. والتطهر من الجنابة .. فأمطر الله عليهم مطرا .. ابتلت اجسادهم وملابسهم .. واغتسلوا .. وكان الحرب على اشدها ..  سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يمتطي بغلة بيضاء ذلك النهار  .. وحال حمى وطيس المعركة .. وتقهقر جيش المسلمين .. تحص الرسول بالغار سفح الجبل .. قرب بدر وحنين ..  زرنا ذلك المآثر حيث وقيعة الحرب ..  كتابات على صفح الاحجار  .. منها بقلم الاولين .. واخرى بقلم العرب .

      اقمنا ببدر وحنين يوم واحد ، وفي الغد بعد نصف النهار اقبل علينا الركب الشامي ، فرحلنا ..  وتركنا الركب الشامي مقيم بالمكان ..  توجهنا نحو رابغ .. ومن رابغ الى خليص ..  ومن خليص الى وادي فاطم .. نزلنا قرب المرابط سيدي محمود .. ومن وادي فاطم توجهنا الى مكة ..  دخلنا من باب السلام .. ادينا الطواف بالكعبة .. زرنا مقام ابراهيم الخليل عليه السلام .. مقام ابنه اسماعيل الصابر للوعد الذي نزلت في حقه وحق ابيه الايات ..  يا ابراهيم لقد صدقت ، انا كذلك نجزئ المحسنين ..  وشربنا من ماء زمزم ..  وزرنا مآثر الناس الاولين ..  قبر خديجة الكبرى زوجة النبي وعريسته ، وام فاطمة الزهراء .. صعدنا جبل قبيس ، واستأجرنا بيت قرب المصلى  ..  وعندما حان موسم الحج .. توجهنا الى جبل عرفات .. جبل صغير ينبع وسطه عين ماء ، يقال ان مياهها تأتي من بغداد  .. وان امراة من بغداد يقال لها زبيد هي من مول تشييد تلك العين .. ومن بغداد اوصلتها مكة ..  لا تزال تحمل اسمها .. عين زبيد ..  والله اعلم .

      جبل عرفات يقع ببطحاء مقفرة .. اشجار الطلح تكسي المكان ..  اعلاه ينتصب حجر مستطيل  من رخام ..  طولها اربعة عشر دراع .. مكتوب عليها بقلم الاولين ..  كثير هم الذين يعرفوا اقلام الاولين .. قلم الرومان وغيرهم من الامم ..  ولا احد منهم فك شفرة الحرف على الحجر .

     سمي جبل عرفات .. نسبة الى اللقاء البشري الاول على الارض .. لقاء ام البشر حواء .. واب البشر ادم ..  كانوا قد خرجوا من الجنة .. وتاهوا في بطاح الارض وغربتها .. وكان لقائهم عند الجبل .. تعارفوا .

     وقت الحج يصعد الامام عرفات ويخطب والناس وقوفا .. حشود على سفج الجبل ..  يوم تسعة ذي الحجة .. ومع كل تلبية ودعاء .. يومئ للناس بمحرمة في يده .. تتدفق السنة الناس بالدعاء والتلبية .. لبيك اللهم لبيك .. لبيك لا شريك لك لبيك .. ان الحمد .. والنعمة .. والملك لك .

        غروب شمس يوم التاسع من دي الحجة .. يرحل الحجيج عن عرفات .. ويتوجهون الى منطقة ” منى ” ..  يذبحوا الماشية قربانا وفداء لما فاتهم .. وقصروا عن ادائه من طقوس الحج ..  تأتي الاغنام والإبل من نواحي الطائف ، والجبال نواحي مكة .. ويزدهر سوقها .

         يأتي العرب بالكثير من السلع .. الزبيب واللوز المبشور ..  سعر رطل لوز مبشور نصف قرش .. والقرش اربعين فضة .. والدور الفرنسي اربعة وعشرون قرش .. والدور الاسباني سبعة وعشرين ونصف .. وثمانية وعشرين ..  وفي اوقات اقل من هذا السعر .. الغنم   .. الكبش المليح خمسون قرش ..  الماعزة .. المعزة المليحة ثلاثون قرش .. الجمل يتباع في مكة ومنى .. المليح بخمسة عشر دور .. والبقر المليح بثمانية دور وعشرة .

         في ” منى ” ..  بنيان في الموضع الذي اراد سيدنا ابراهيم عليه السلام .. الافتداء بولده اسماعيل عليه السلام .. لقد رأى في المنام انه يذبحه .. قص عليه الرؤيا .. قبل الوالد طاعة لابيه وتصديقا للرؤيا .. وكاد ان يذبحه .. وفداه الله بكبش عظيم .. الحجيج يذبحون كرامة للنبي ابراهيم عليه السلام .

        في موسم الحج .. مكاسب وربح وفير لاهل مكة .. ولو لم يكن الحج بمكة .. لما سكنها احد .. كثيرون يذهبون للحج غرضهم التجارة .. ولقاء الناس من كل ارض .    

    يجلب اليها التجار السلع من كل مكان .. الشام والهند .. الجوخ .. القرمسون .. فضل الحرير .. الفضة .. الذهب .. المسك .. العنبر .. اللوبان .. الجاوي .. العود القماري .

    عدنا الى مكة .. انهينا مناسك الحج .. توجهنا الى المدينة مع الركب المصري ..  وأثناء سيرنا وعبورنا الصحراء بين جبال الصفرة والجديدة .. اعترض طريقنا عرب .. ارادوا أخذ متاعنا .. وهددونا .. بأننا لن نعبر دونما ندفع لهم ..  لم يتركونا .. حتى دفعنا الجزية والخراج .. ولو لم يأتي  عبدالله ابن الشريف ابن عون .. شريف مكة .. لكان قتلوا الحجيج .. قطاع طرق .. ومن هب ودب قد تقع في فخاخهم في اية لحظة .. وصارت دعوة على اهل الغرب في ذلك العام .

  في المدينة .. لقينا صاحبنا ..  حسنات .. من بلاد بدر وحنين .. الذي نبهني لتلك العشبة النادرة .. علاج بياض العيون .. والتي لا تخرج إلا موضع فيه رمل .. لا عروق لها .. اغصان .. حمراء وخضراء وصفراء وبيضاء اشبه بالجذور .. ..  اشبه بأشجار الشيح والكليل والزعتر .. يسمونها في ارض طرابلس عروق الترفاس .. وتوجد في جميع مواطن الصحراء والجبال الرطبة التراب

     انا ايضا كان لي تجربة .. وكم رجل عالجتهم بتلك العشبة .. لرفع غشاوة بياض العين .. تصفية العين من الاحمرار الدائم .. تهدئة الم وجع العين .. لا شك في هذا .

       في طرقنا الى المدينة .. مررنا بقبور الشهداء ..  صحابة اول الزمان .. يوم ان غلبت الجاهلية .. وكسرت شوكة المسلمين .. رحلنا ونزلنا ابيارعلي .. قرب مدينة يثرب .. المدينة حيث قبر الرسول صلى الله عليه وسلم .

   ” يثرب ” .. نسبة لسلطان من الناس الاولين اسمه يثربا .. ابيار علي .. قربها بناء من بنيان الاولين .. يقال عندما هاجر الصحابة من مكة الى المدينة .. لاحقهم العطش .. قال سيدنا علي رضي الله عنه .. احفروا في هذا المكان .. وسيخرج الماء ..  حفروا فخرج الماء .. فحملت اسمه .. ابيار علي .

    اقتربنا من المدينة يثرب بالليل ..  بقينا ثلاثة ساعات في موضع يقال له المدرج .. قبلي المدينة .. ومنه وصلنا جامع يقال له قبة سيدنا احمد الخضر .. ثم دخلنا المدينة .. نزلنا بالربض .. قرب جامع الغمامة .. في الصباح تجولنا بباب المصرية .. حيث السوق والسلع المكدسة  ..  الجوخ .. الحرير .. الكتان .. الرز .. القهوة .. السكر .. لألئ الجوهر .. ومنه الى باب السلام .. بين الغرب والقبلة .. احد ابواب الحرم والجامع النبوي .. زرنا مقام سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام .. خرجنا من باب الرحمة .. الى باب المصرية .. وأخذنا متاعنا .. واستأجرنا قرب باب الرحمة .. مع رجل عالم اسمه الشيخ يوسف السمان .. اقمنا بالمدينة حتى رحلت القوافل  كلها .. رحلنا .. زرنا مقبرة البقيع .. حيث قبور الخلفاء والصحابة ..  سيدنا عثمان ابن عفان .. الخليفة .

       عهد سيدنا عثمان .. ارسل ابن  سيدنا ابوبكر الصديق الى مصر .. على راس جيش كثير العدد ..  لكن رجل خارجي من ال وهب .. ارسل جواب الى قائد الجيش .. بلسان الخليفة سيدنا عثمان .. اعطى رجل جمل هجين .. وقال له : اذهب حتى تكون بموضع اقرب الى الجيش .. ارسل اليه .. بلغه ..  فقال أتوني به انظروا ما عنده .. ابريات مكتوبين على لسان سيدنا عثمان .. موجهة الى والي مصر .. عندما يصل اليكم ابن سيدنا ابوبكر .. اقتله .. قرأ الجوابات .. امتعض وعاد راجعا الى المدينة ..  جرد سيفه ودخل على سيدنا عثمان في داره .. لقد ظلمه .. ذهب ضحية دسيسة الجوابات .. التي كتبها ذلك الخارجي .. جد بني امزاب .. اسمه عبدالرحمن .. مات سيدنا عثمان مظلوما .. رحمة الله عليه .. وعلى من مات مظلوم .

      من البقيع توجهنا لمزار سيدنا حمزة عم الرسول .. قرب جبل احد .. قتله رجل من الجاهلية اسمه الوحش  .. قتله وخلع كبده .. لتأكل منها امرأة الوحش انتقاما .. كان سيدنا حمزة .. رجل شهم .. قوي الشكيمة .. قتل الكثير من الجاهلية ..  اصابه الوحشي برمح .. تبة جبل صغير قرب جبل احد .. يسمى جبل الرماد .. ودفن هناك .. كان يوم غزوة احد عسيرا على المسلمين .. كسرت سن سيدنا محمد وهو يقاتل .. وضاق الامر بالمسلمين .. وتشتت جمعهم .. انسحبوا ..  ومات خلق كثير من المسلمين ، ومن الجاهلية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *