مذكرات رحالة من فزان 1852 .. ( 3 )

   

 

    دخلت الواحة .. صادفت امرأة عجوز .. سألتها .. اين دار الشيخ سليمان ؟ ، قالت لي : هي هناك .. عند التبة ..  استقبلني غلام اسود البشرة .. قلت سلام عليك ، قال :عليكم السلام ورحمة الله سيدي ..  قلت له اين سيدك ، قال : في الحقل ، قلت له اذهب اليه ، وقل له ان رجل حبيب الى نفسك .. وصل من بنغازي .. وينتظرك امام باب البيت .. ذهب الغلام .. اخبره .. عاد مسرعا .. لكنه عندما رأني وتعرف الى شخصي .. ذهب عقله .. وكاد يتميز غيظا ..  ولم يستطع ان يخفي ذلك .. ففي سلامه هافت بارد .. استضافني في داره .. وقدم لنا الطعام .. ووجدنا عنده الخبر سبقنا اليه .. اخبرنا عن قتل مصطفى ابن الاغا ، وقتل المريض ،  اخوتنا ، بكيت بكاءا شديدا .. ذلك النهار .. وفي المساء .. خرجنا سويا للغابة .. التمر الجيد .. الرمان .. الخوخ .. اكلت شهوتي  .

    السفرجلوا .. بنيان اوجلي بالطوب ، له ابيار مثل ابيار بر سوف وفزان ، لكن ماءهم قريب .. قامتين ..  الشيخ سليمان تربطنا به علاقة صحبة قديمة .. كان تاجرا .. يتاجر معنا .. نعطيه ما يطلب من سلع .. رقيق السودان .. تبر الذهب .. يسافر الى مصر .. وياتي الينا بالسلع التي طلبنا .. الركاب المهرية المطلية بالذهب .. كتان الملف .. الكتان نسوي .. السلاح  .. البارود .. كل السلع الرائجة بسوق مصر .. غاب طويلا .. وفي اخر سفرة .. بقى لنا عنده .. لي لا غيري ..  ثمن  خمسين راس من رقيق السودان ..  وخمسمائة  مثقال من الذهب التبر الجيد .. مستحقة السداد ..  عندما قصدته تأملت ان يسدد لي ولو الشيء القليل  .. استعين به على زماني .. اقمت عنده مدة ايام انتظر .. لكنه بدلا من ان يقضي ديني عنده .. اوعز الى حكمدار بنغازي .. ابلغه بوجودي عنده .. وانه لا يريد ان يشارك في القبض .. ما قد تحسب عليه .. ائتمن بك عابر سبيل .. وقد يتسرب خبره غدا .. ويعرف دويه في بر السودان .. انني وراء الخديعة .. سيعاتبونني .. وقد ادفع الثمن  .

، نخشى على انفسنا  ، لكنكم بالامكان ان ترسلوا جند من طرفكم لملاحقته .. والقبض عليه .. يرتفع الحرج عنا .. ولا كأننا على علم بما جرى ..  زوجة الشيخ سليمان التي تعرفه جيدا .. فطنت للمكيدة .. ارسلت مع امها واخبرتني .. ثم اقترب مني خديم من خدمه .. واخبرني .. ادركت ان لا امان في كنف الشيخ ..  خرجت بالليل وتابعت سيري نحو القبلة .. ارض لا شجر ولا حجر .. كساء من الحصى .. عشرون ميلا .. بلغت حطايا نخل .. بت ليلتي .. في الصباح تجولت بالغابة .. كوخ من جريد النخل .. واصوات ساكنة .. افشيت السلام باعلى صوتي .. خرج شاب  في عمر الخامسة عشر .. اجابني .. اقترب .. مرحبا بك .. دخلنا الكوخ .. امرأة مسنه فرحت بقدومي غاية الفرح ..  قالت الحمد لله الذي اتى الينا ضيف من غير ارضنا ، ونحن منذ نحو خمسة اشهر نقطن المكان .. طرف هذا الحقل الصغير .. لم نرى ضيف .. نهضت وامسكت بدجاجة .. ذبحتها .. وقدمت لنا فطور رم عظمنا ..  ثم صرنا نتجول سويا وابنها داخل الحقل .. قدم لي التمر .. شهي وطري في موسمه  .. وقضينا القيلولة تحت ظلال النخيل .. تبادلنا اطراف الحديث .. عرفت عنه انه ابن سلاطين .. وانه من كان حاكما لعرش سيوة .. لكن مضايقات حكم محمد علي لهم .. اضطرتهم للهجرة الى جالو ..الان صاروا اناس بؤساء.. لا يملكون سوى خمسمائة نخله .. اقمت عندهم نحو خمسة عشر يوما ،  وذات يوم  ، عزم على السفر الى اوجلة ..  راه الشيخ سليمان شيخ اوجله .. قبض عليه .. وقال له .. سمعت بأنك تؤويه عندك .. انكر .. ابقاه في السجن . بلغ الخبر عمته شقيقة ابيه .. هرعت واخبرت امه .. وانه سجن .. قبض عليه ليلا رجال الشيخ سليمان .. لما وشي عنه من استضافة شخص مطلوب .. وسيبحثون عنه عندكم .. وان وجد .. سيساق مع ابنك الى بنغازي .. اخبرتني تلك المرأة بما يحاك ضدي .. انهم قد يأتون الى هنا ليلا .. او في أي وقت .. ابني سجن لاجلك .. اذا لم يجدوك هنا .. سيقولون خبر كاذب ويطلقوا سراحه ..  اهرب وانجو بجلدك .. قلت لها : نعم ..  خبزت ارغفة قدمتها لي .. ورافقتني المسير حتى اطراف الغابة ..  قالت لي .. اتجه شرقا .. تصل سيوة .. عرب جالو ليس لديهم زرع ولا شجر .. سوى النخيل .. وبعض اشجار التين والرمان .. يزرعوا البصل كثيرا ، وسط هلال رملي .. ومن التمر جدغ  لين احمر يميل الى الكحلي .. تمريق ابيض يابس مكركب .

      واما ناس اوجله .. اكثرهم بيض البشرة .. عيون تدمع .. والعمش تأبط الاهداب ..  رجال قصار القامة .. هزال البنية .. لا حول لهم ولا قوة ..  الانثى عندهم كائن قوي .. في النخل والخيل والحمير والمعز ، وجميع الذكور عندهم ضعفاء ..   وجميع الانات قويات..  سالنا على ذلك الامر رجل اسمه امستان ابن غلاب التارقي ، اصله من التوارق وجاء جده عابرا للحج  ، ولما عاد .. عاش هنا وتزوج من جالو .. يدعي بانه طبيب .. وله كتب بالقلم التارقي .. لا يعرف قراءتها  الا حفيده .. لمستان ، وهو  طبيب جيد ..  و معرفة في الطب .. شيء عجيب  .. يعالج مرضاه باعشاب الصحراء ..  يذهب الى ارض صحارى فزان لجلبها ..  يتناقلونه بينهم .. للمداواة .. في بنغازي .. وعموم برقة .. من كل مكان ..  ومن العمليات الجراحية التي اشتهر بها .. خياطة تمزق البطن والامعاء .. بواسطة النمل الفارسي .. يقبض على النملة من محزمها .. يقربها الى مزق الشرك .. يقبض النمل بعدوانية على الجسد الذي لامسه .. يقطع راس النملة .. تبقى كلاليبه مقفلة .. وهكذا واحدة وراء الاخرى .. الى ان يندمل الجرح ..  ثم يرش شيء من دقيق الخياط ..  عشبة الخياط .. نبتة صحروية تنمو بالارض الحجرية .. اشبه بعشبة الشيح .. اوراقها تميل الى البياض .. يسحقها سحقا ناعما .. ويداوي الجرح .. تلتئم اطراف الجرح .. يجف .

   سألناه قال لنا :  جميع الاناث في اوجله قوية البنية ..  بسبب الماء الذي يشربون ..  مائهم سراي الانثى .. يعظم عظمها .. وما يحدث مع الرجال عكس ذلك .. ضعف البنية والخمول  .. حتى احجام الرجل تقل .

         اعراسهم ..  زكره من جلد الماعز تتدلى منها قصبتين ..  نهاياتها قبة قرن بقر صغير .. تصاحبها الدبكه .. طبل خشب وجلد ابل .. اشبه با لدربوكه الشهيرة في تونس وطرابلس .. دندن الطبل .. التفت النسوة راقصات .. تكلم البارود .. وليلة دخلة العرسان .. اهل الفتاة يجهزون الطعام .. ويلتف بهم احبائهم .. يأكلون ويفكهون الى ما بعد صلاة العشاء .. الثالثة منتصف الليل تأتي العروس برفقة اهلها وقريباتها .. ورجل ..تدخل بيت زوجها بالزغاريد والغناء  .. معها عشرة ازواد من الجلد مصبوغين بالصبغة او بقرش الرمان ، ومخدة من شعر الجمال او اثنين مصبوغ بالاحمر او الازرق .. منقوشه .

     تعلق الملبوسات بباحة البيت فرجة للنساء .. ينتهي الحفل .. ولا يبقى سوى قريب العروس امام البيت حيث هي .. فاذا بان للرجل انها فتاة بكر .. يخرج اليهم يرش القمح .. يتكلم البارود .. وتعلو الزغاريد .. وان وجد خلاف ذلك ..  يتحدث مع اهلها في اليوم التالي .. تعاد لبيت اهلها .. ويعاد له ما تكلف .. فإذا كان اهلها من ذوي الرفعة والشأن .. يطعموها السم .. كي تموت ويخلصوا من عارها .

     في صحراء جرداء .. لا ضرع ولا ماء .. لا شجر ولا مطر .. حصى وجبال جيرية .. الشب الاحمر حيثما يممت .. الحصى الاحمر والاخضر .. ومنها اشبه بحب الرمان ابيض وله لمعان ..  تابعت سيري .. وعند طلوع النهار .. نمت ساعتين .. وتابعت سيري حتى الليل ..  تناصف الليل والسحاب طمس النجوم .. فلم اعد قادر على الاهتداء بها .. توقفت .. طلع النهار تابعت سيري .. صحراء خالية لا طير ولا شجر .. حصى وسراب يحسبه الضمأن ماء .. في الليل شربت اخر شفة ماء بالقربة ..  واكلت ما بقي لنا من الخبز .. وصرت بلا زاد .. تابعت سيري ليلتها واول النهار ..  عند القيلولة قصدت كتيب رملي .. انتصبت اعلاه .. لمحت نخل كثير .. قصده .. وقلت الحمد لله وصلنا .. عسى ان نجد هنا اناس .. كانت غابة اشبه بالمهجورة .. الغزلان ترتع .. وحوش الصحراء وجدتها ملاذ .. التمر القديم .. وتمر الموسم الطريء .. شربت الماء الزلال .. استرخت عظامي .. لقد هدني الترحال .. تمددت .. فنمت .

        طلع النهار ، تجولت وسط غابة النخيل ..  لا اثر لاقدام ادمي قط .. خلاف .. اثر اقدام غزال .. بقر وحش ..  الكركدن .. لمحت بالقرب مني قطيع غزلان يستأنس بقيلولة .. اقتربت منه اكثر بحدر .. صوبت واصبت جدي منها ..  ذبحته .. جلبت الحطب من شجر البلبال .. اشعلت ناري ..شويت كبده .. واكلت تمر .. ترويقة.. ثم حفرت حفرة بالارض .. وضعت بها اللحم فيها .. غمرته بالحطب .. واشعلت النار .. وظل الجمر يتوهج حتى منتصف الليل ..  بت ليلتي حامدا شاكر .. وفي الصباح تابعت سيري .. يحفني النخيل .. وعند نخلة ليست بعالية الهامة .. ثمرها اخضر اللون شهي الطعم .. وعين ماء اسفلها .. ماء عذب فرات .. قصفت عدد من اغصان جريد النخل .. واقمت لنفسي متكأ .. ومجلس .. اخرجت اللحم ” بو رديم ” من حفرة الطمر .. وجدته طري وشهي .. طاب بما يكفي .. اكلت شهوتي .. قلت في نفسي .. الماء .. الصيد اليسير .. المأوى والظل .. لما لا ابقى هنا ؟ .. قد  يأتي احد الصيادين .. استرشد به .. لاعرف الى اين اسير .. وذات يوم وكنت اجوب الغابة .. ابحث عن جدي غزال .. بصرت كتيب رمل مرتفع قليلا .. حوله بعض الاشجار .. قصدته .. ارتكزت اعلاه .. فإذا به بحر ممتد .. من الغرب الى الشرق ..طوله حوالي عشرة اميال .. وعرضه من قبلي اربعة اميال .. عناق النخل ووالماء والرمل ..  احد اطرافه سبخة  .. كثيرا ما وقع حيوان في وحلها .. والناس ايضا ..  بلعت اناس .. قلب السبخة جبل احمر يقال عنه  العرب قارة الذهب ، وشرق ذلك البحر ..  قصور الناس الاولين وبنيانهم .. مدينة .. قصور بيضا تلمع كانها جديدة ، اردت الدخول والفرجة .. من الشرق والقبلي يحيط بها حوض ماء .. وشرقيها الماء والصمار والسبخة .. فلا احد يجرؤ على الدخول ..  السبخه خمسة وعشرين ميل من الغرب الى الشرق .. عرض تسعة اميال .. من القبله الى الجوف ، اقمت ذلك المكان اثنين واربعين يوما .. اصطاد الغزال وبقر الوحش .. جففت منه الكثير .

الليلة الثالثة والاربعين .. مستلقى على السدة .. بصرت دخان نار قريب .. حملت سيفي بيدي .. وقصدت النار .. اقتربت منها .. وجدت اربعة رجال .. وروائح الخبز .. قلت : سلام عليكم .. ردوا السلام .. وقالوا : ” هلب ” .. تقدم ..  يعجنون الدقيق .. يكبرون النار على حجارة حتى احمر لونها .. قطع العجين يرققها .. ويضعها فوقها .. سألوني .. من اين اتيت ؟ .. قلت : من ارض بنغازي .. قالوا : هذا الطريق لا يقود الى بنغازي .. هل معك احد ؟ .. قلت : نحن قافلة في اربعين رجل .. قالوا لديكم سلاح ؟  .. قلت : كلنا بالسلاح … قدموا لي شيء من ذلك الخبز ..  كنت جائعا .. ومضت ايام اقتات بالقليل .

    وبينما نحن نتبادل اطراف الحديث .. عشرين رجل اقبلوا علينا .. قالوا السلام عليكم .. قلنا لهم عليكم السلام .. قالوا لهم من اين هذا الرجل الغريب الذي معكم ؟  قالوا لهم من بني غازي .. ترجل احدهم واقترب مني .. يسألني : من اين اتيت يا رجل ، ومن اين انت ؟ .. قلت : من بني غازي .. قال : هل معك احد .. قلت نحن قافلة من اربعين فارس .. لكل مكحلة .. قال : كم رجل ؟ .. قلت له خمسة وخمسين .. الخمسة عشر الباقون بلا سلاح .. قال : لكنة لسانك لا تقول انك من بنغازي ؟ قلت : بل من بني غازي حقا ..  قال : من اي عرش ؟ .. قلت له : من عرش الكورغلي .. قال :  من تعرف من كوارغليت بني غازي ..  قلت له محمد الكاهيا ابن رمضان لدغم .. لامين بن اشتيوي .. عمر الكاهيا ..  بن زبلح ، ثم قدم نحونا رجل مسرعا .. كان ذلك الرجل عبدالله بن امطيريد الجازوي .. وكان لنا به سبق صحبة ومعرفة .. تعرف الينا .. غمرني وعانقني بحرارة .. سلم وكرر .. وبكى بكاءا غزير الدمع  .. قال لي : اخبرنا يا سيدنا ما فعل الله بكم ؟  لقد سمعنا بخبركم ، ما حقيقة ما جرى ؟ .. اخبرته .. بكى بكاءا شديدا وقال لاصحابه هذا فلان بن فلان  .. قدموا الينا .. حل الترحاب .. والعناق .. مرحبا بكم يا ابن الناس الاكابر .. قال لهم ..  غدا ان شاء الله .. ارحلوا انتم .. اما انا سابقى مع هذا الرجل حتى اوصله باهله .. بت بينهم ليلتها .. حل الصباح .. اضاء كوكبه ولاح .. بزغت الشمس على قمم الجبال والبطاح .. هم توجهوا نواحي بني غازي ..  ونحن وعبدالله بن امطريد مشينا ست ايام حتى وصلنا سيوة .. عند وصولنا .. استضافنا الشيخ يوسف في داره واكرمنا غاية الكرم .. واقمنا عنده ست عشر يوما ..  ولما عزمنا الرحيل نحو مصر .. اهدى الينا عود من جياد الخيل .. وكسوة .. وجمل يحمل عويننا.. ومئة خيرية في يدي .. صرف الخيرية  تسعة قروش مصرية .. وارسل معنا جواب الى شيخ الواحات .. قال له فيه : الى حضرة من غفر الله لنا وله بالسعادة والغفران ونجاه من شر ما يكون وما كان ، محبنا العزيز علينا الشيخ يونس شيخ الواح ، اما بعد ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وليكون في شريف علمك خير وسبب الكتب اليكم على رجل حامل الجواب … اكرم نزله .. وامن طريقه الى يث اراد .. ودمت بخير والسلام . الختم من عند محبكم الشيخ يوسف شيخ سيوه لطف الله به امين بتاريخ في شعبان 1258 .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *