مذكرات رحالة من فزان 1852 .. ( 12 )

   في الليل .. تسلل الشيخ عبدالرحمان صحبه اثنان من عبيده .. مرزوق .. ومهدي .. ودخل دار الشيخ سليمان حيث شقيقته .. انزعجت شقيقته من قدومه ليلا .. قالت له : ما بك ؟ وما الذي اضطرك للقدوم الينا في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل .. قال لها : اين زوجك سلمان ؟ .. قالت ليلته مع زوجته بنت شيخ تماسين .. خرج وذهب اليه حيث ينام .. يود قتله .. لكنه حين هم بكسر قفل الباب .. استيقظ الشيخ سلمان .. وما ان شعر بصحوته .. انسحب وعبيده .. لكن الشيخ سلمان خمن انها مكيدة وراءها الشيخ عبدالرحمان .. وانها الخديعة كما كل ما قال له يوم ادخله دار الخزنه واهدى له ريالات الذهب طلبا لوده .. وتناسي ماض التناحر بينهما .

      كان الشيخ سلمان قد تأكد حدسه عندما اخبرته زوجته شقيقة السلطان .. ان اخيها حضر اخر الليل يبحث عنه .. وفي عيونه شر الحقد .. ويود قتله .. وحذرني  من تسريب الخبر لك .. هددني بالقتل انا الاخرى .. لكنك ابن عمي وتظل اقرب لي من شقيقي الضال .

    في الليلة التالية .. عاد الشيخ عبدالرحمان لتنفيذ مخططه .. رفقة اربعة من غلمانه هذه المرة .. لكن الشيخ سلمان كان يقضا .. اشهر بندقيته .. وقال له : ما تريد عند داري في هذا الوقت المتأخر ؟ والله .. لو لم نكن حلفنا على كتاب الله .. وعهد سيدي عبدالله بن ابو حميره .. لقتلتك .. ضحك الشيخ عبدالرحمان قائلا : لا تذهب بعيدا انما جئت لأراك وأتعلل عندك .. لكنك يبدو وكأنك فقدت عقلك .. سأعود اليك عندما لا تكون سكران .. وانسحب صحبة غلمانه .

في الصباح كلف الشيخ عبدالرحمان حفنة من غلمانه برصد حركة الشيخ سلمان .. وعدم السماح باختلاطه بآخرين .. وان لا يدخل بيته سوى غلامه النمله .. وخديمه احمد المرابط ابن سيدي اممد بن يحي .. وفي المساء قال له خديمه : لما لا تحاول الهرب شيخ سلمان .. لتنجو من مكائده وحشره لك ؟ .. لدي خطة للهرب .. قال له : اذا هربتني خارج حدود سطوته  .. ابايعك .. وتصبح الحبيب والخديم حقا .

   كان عدد الغلمان الذين يراقبون الشيخ سلمان اربعون غلام .. ذهب الخديم احمد المرابط الى سيدهم يستلطفه .. ويراوغه بالحديث .. وقال له : ان الشيخ سلمان رأى رؤية في المنام .. رأى فيها وجه رسول الله .. وانه يود اقامة وليمة فاخرة .. يدعو لها الضيوف .. لكنني اشرت عليه ان لا يدعو الناس ” البرانية ” .. والحراس منا وفينا .. وهم اولى بالضيافة .. وان الشيخ قبل قولي .. وها انا ابلغك الامر .. فرح سيد العساسين .. وفي الليل حضروا الوليمة .. اكداس اللحم ول قصعتين .. على كل قصعة وليمة عشرون رجل .. وفي حضرة الشيخ سلمان .. واطمئنانهم لوجوده بينهم .. صار اولئك المجندين المعدمين يأكلون بنهم .. ويتناهبون اللحم فيما بينهم .. اشعل لهم المرابط قبس ضوء نار جريدة نخل .. وحينما انطفأت .. اشعل اخرى .. وحينما انطفأت .. واظلم المكان .. فر الشيخ سلمان .. ولحق به غلامه عبدالله النمله  ..  وخديمه لمرابط بعدما اوعز لهم انه ذاهب الى السوق لإحضار فتيل ضوء .. تسلقوا جداران سور البلدة .. ارتفاعه قدين ..  وفروا نحو تماسين .. وما ان شعر الحراس بالمكيدة .. وتوجسوا عقاب الشيخ عبدالرحمان .. فروا هم الاخرون الى سيدي يحي .. وأعطى الشيخ عبدالرحمان اولاد سيدي بن يحي الامان عليهم .

     وصل الشيخ سلمان الى تماسين .. ومن هناك ارسل جواب مع عبدين له .. الحاج المهدي .. وأخر يدعى سعيد .. الى الكولونيل بودفيل ببلاد بسكره .. قال له فيه : ان اوكل للحاج المهدي النيابة عنه .. ونزل الحاج المهدي بدار الضيافة .. وقال للكولونيل :  ان الشيخ عبدالرحمان بن عمر بن جلاب اراد قتل ابن عمه الشيخ سلمان ظلما .. وانه فر من سطوته الى ارض تماسين .. وان الشيخ سلمان ينتظر ردكم .. ويعرب لكم عن رغبته في التعاون معكم .. وخدمة فرنسا والفرنسيين ..   علم الشيخ عبدالرحمان بالجواب وعرض التقارب .. فأرسل هو الاخر جوابات الى الكولونيل .. والى شيخ العرب القائد محمد الصغير .. قال للكولنيل : اذا شجنت الحاج المهدي فسوف اقدم لك دية دمه .. اربعة وعشرون مئة ريال تونسي .. وأعطى لشيخ العرب عشر مئة ريال .. رفض شيخ العرب العرض .. لكن الكولونيل راقه المال .. فأمر مسيو سروري متولي امر العرب ببسكرة ان يضع  الحاج المهدي في السجن .. ولم يكن موافقا له .. الرجل طاب الامان منا .. ويريد ان ينضم الينا .. وهو شيخ صغير سن وله مكانته .. لكن الكولونيل وقد سلمه المال مبعوث الشيخ ابوشمال ومسعودي بن مهدي خديم الشيخ عبدالرحمان .. تنكر .. وطلب تنفيذ امره .. ووضع الحاج المهدي خلف قضبان السجن .

        الكولونيل بودفيل ينصت الى مشورة الدواوده .. وهم لا يهمهم خير الوطن ولا خير الفرنسيين .. سوى رجلان منهم .. محب للفرنسيين يدعى محمد الصغير .. ورجل اخر يدعى السي خالد .

      شيخ العرب وغيره كثيرون لا يدركون مصلحة الوطن .. وليست همهم .. منشغلين بمناهضة الفرنسيين كي يجدوا لأنفسهم مكانة ويقال عنهم من اكابر الناس . وجميع الدعوات ضد الفرنسيين خرجت من بيت قانه .. وعندما صاروا من اكابر البلدة .. واسترضاهم الفرنسيين ونصبوهم .. ارادوا الانتقام  من كل من عاداهم سابقا .. مثلهم  مثل ابوزيان في قسنطينه زمن احمد بي .. نافق بيت قانه وأنصارهم الفرنسيين .. ولا سقط من عساكرهم احد خدمة للفرنسيين .. غنموا اموال طائلة بسبب فساد الامر على الفرنسيين .. فمما لا شك فيه ..  ان جميع العرب .. السلمية .. رحمان .. الاشراف .. وأهل بن علي .. بل وأكثر الناس تشهد ان بيت قانه افسدوا .. ولو ان الفرنسيين اختاروا لنا قيادة من عندهم فرنسيين .. ومشائخ .. من اناس كبار .. عن كل عرش .. وتحت امرة كولوينيل فرنسي .. لكان افضل لنا .. فجميع القادة الذين نصبهم الفرنسيين فاسدين .. ولا معرفة لهم بسياسة الحكم .. ولو الامر لنا لاخترنا ذلك .

    تعجب الشيخ سلمان من فعل الفرنسيين الذين نقضوا عهد الامان .. نصحه الخديم : طالما الفرنسيين لا يريدون المودة معك ولا قبلوا ان تعمل معهم .. واستكانوا لمن كان سيقتلك .. لما لا تسل جواب الى الشريف محمد بن عبدالله بأرض ” وارقله ” .. وتنضم اليه .

   قدمت قافلة اهل الحرزلي الى تغرت .. وأعربوا الى الشيخ عبدالرحمان عن رغبتهم في خدمة الدولة الفرنسية .. فأرسل الى الكولونيل بودفيل واعلمه بالأمر .. فأوعز اليه ان يقبلهم عنده .. وأعاد لهم شيء مما اخذ منهم  من الدية .. ونزل عند رغبة اهل تغرت الذين قالوا : انه من العيب ان نسلبهم اموالهم وقد طلبوا الينا الامان .

        قدمت قافلة اخرى محملة بالصوف والدهان والغنم .. فلما علم بها الكولونيل بودفيل .. ارسل لها اولاد مولات .. بالليل وقبل وصولها .. قبالة باب سيدي عبدالسلام .. بغية سلبها .. وتكلم البارود .. وسقط اربعة رجال من ال الحرزلي .. وهرب اللصوص دون ان ينالوا من القافلة . . وعلم اهل الحرزليت ان الفرنسيين لا عهد لهم .. وأنهم يناصبونهم العداء .. ويبتزون قوافله بإرسال اولاد المولات لسلبها ..فما ان خرجوا من تغرت .. اتصلوا بالشريف محمد بن عبدالله .. عزوة لهم ونصير ضد الفرنسيين وأنصارهم .. وأغاروا على اولاد مولات في وادي سطيل .. اخر رمضان 1367 هـ .. قتلوا منهم سبعة عشر رجل .. وعديد الجرحى .. واستولى على بيت الشيخ المبارك .. وأقام به ثلاثة ايام يخدمه خدام الشيخ .. ثم رحل .. وعاد الى ورقله .

    قدم الشيخ عبدالحميد من وادي سوف الى تغرت .. استقبله الشيخ عبدالرحمان في ارض المقارين .. ولما وصل تغرت نزل ضيفا في دار عمه الشيخ علي بن جلاب .. وفرح بقدومه غاية الفرح .. وفي حواديثهم .. قال له الشيخ عبدالحميد  : انا رجل تركي .. لكني اميل الى خدمة فرنسا .. لقد فعل الفرنسيين كل الخير .. وهم يسعون الى بسط الامن والسلام في البلاد .. كان الشيخ عبدالحميد من رواد المسجد .. وممن يحضرون حلقات تدارس العلم .. احبه الناس .

     في تغرت .. اضناني المرض .. حتى تقوست ساقاي .. وعييت عن المشي خطوات .. فأتى الينا رجل محب لنا يدعى سيدي حموده بن سيدي بوعزيز .. قال لي : ان رجل تركي قدم من وادي سوف .. وقيل انه ضليع في معرفة الطب .. اذهب اليه لعله يشير اليك بالدواء وتشفى .. ذهبت رفقة سيدي حموده الى الشيخ عبدالحميد .. فرح بقدومنا غاية الفرح .. وقال لي : اذا بقيت في هذه البلاد فلن تشفى .. اقصد ” بسكره ” .. تداوى بطب الفرنسيين .. قلنا لا بأس .. نفكر بالامران لم نتعافى .

   اتى خبر قدوم الشريف بن عبدالله الى تماسين .. وفي طريقه الى تغرت .. فخرج اليه الشيخ عبدالرحمان برفقة الشيخ عبدالحميد لمواجهته وحربه .. وتقابل العساكر .. وكان يوما شديد البأس .. حدث اثناء المعركة ان بدأت صفوف عساكر الشيخ عبدالرحمان تتقهقر .. وبعضهم حاول الهرب .. وفطن الشيخ عبدالحميد للخطر الذي يتهددهم .. فصار يقتل كل من يحاول الهرب .. وقاتل الشيخ عبدالحميد قتالا باسلا  .. وفي صولة له على فرقة من الشعانب ..  وقع جواده على الارض .. لكنه نهض وقاوم .. واضطر عسكر الشريف الى التقهقر والانزواء .

    انتهت المعركة .. لكن عسكر الشعانب اختطفوا معهم وهم منسحبون رجل من اكابر تغرت .. يدعى المقدم محمد بن ابراهيم .. نقلوه الى تماسين .. وهناك بصره الحاج محدق .. سأله وتأكد من هويته .. ثم اخرج بشطولة وأطلق عليه الرصاص .. قتله في الحال .. ثم استل سيفه وقطع جثثه اربعة قطع .. وغمرها بأكوام الحطب .. وأشعل بها النار .. فاحترقت .. وصار رماد .

    عاد الشيخ عبدالرحمان .. والشيخ عبدالحميد الى تغرت .. وأعرب الشيخ عبدالرحمان عن امتنانه للشيخ عبدالحميد الذي لولاه لضاع ملكه .. اعترف له بالجميل وسأله ان يقدم له المشورة فيما ينبغي فعله .. نصحه ان يكتب رسالة الى الكولونيل بودفيل تطلب اليه ان يمدكم بمحلات عساكر لدحر غارات شريف وارقله .. وحمل الشيخ عبدالحميد الجوابات بنفسه .. لكن الكولونيل رفض .. ولو انه وافق لصار ملك وارقله تحت سلطة الفرنسيين ..  وجميع ارض الصحراء .. من وطن الشعانبة الى وادي سوف .. ولكان الطريق لإخضاع  بر السودان لسلطانهم  .. ويجلب الطوارق السلع والبضائع المختلفة من بر السودان الى وطن الجزائر .. ويتعرفون اكثر على الفرنسيين .. ويتوجسون منهم .. فهم لا يعرفونهم كما نعرفهم نحن .. وان حكمهم عادل .. وأفضل من حكم الترك .. لا يظلم احد .. ولا يشتهي العقاب .

     اشتد بنا المرض .. قصدنا الشيخ عبدالحميد .. قلنا له : نريد التوجه الى بسكرة .. كتب لنا جواب .. وأرسلنا الى الكولونيل بودفيل في بسكرة .. قدمنا له الجواب حال وصولنا .. ونزلنا عند رجل من اهل تونس يدعى حسن بوشناف .. ثم ارسل الينا شيخ العرب القائد محمد الصغير .. وسئلنا عن احوال تغرت وابن جلاب .. والحاج عبدالحميد .. وعلي الشريف صاحب وارقله .. فأخبرته بما في معرفتي .. ثم توجهنا برفقته الى الكولنيل .. سئلنا واخبرناه بحال مرضنا وبما في علمنا .. فأوعز لنا بالعلاج في السبيتار .. مستشفى الفرنسيين .

    ونحن ببسكرة .. شاع خبر قدوم الشيخ عبدالحميد .. وقد ارسل الكولونيل ثلاثمائة خيال لاستقباله .. والتقوا بركبه عند موضع ” الشقة ” .. وحال اقترابه من اسوار بسكرة .. خرج الكولونيل بودافيل لمصافحته والترحيب بقدومه .. ونزل ضيفه بالقصبة القديمة .

كان هناك رجل تلقبه العرب بالمملوكي .. عمل في معسكر فرنسا .. وهرب منهم الى بلاد القبائل .. يؤلب الناس لمحاربة فرنسا .. وتنقل بين البلدان .. وفي بسكرة صار خديم للقائد   محمد الصغير بن قانه .. قائد بسكرة .. وكتب يتعهد للفرنسيين خدمتهم وصحبتهم .. ولما وصل الحاج عبدالحميد بسكره .. ارسل الكولونيل هذا المملوكي الى تغرت بغرض إثارة الفتنة بينه والشيخ عبدالرحمان .. وعاد المملوكي من تغرت يحمل هدايا الشيخ عبدالرحمان للكولونيل بودافيل .. وألحقه بإرسال خديمه يحمل جوابات للكولونيل .. والشيخ عبدالحميد .. قال لهم فيها : انه مريض وفي شدة .. وقد انهكه السعال وضيق الصدر .. ويريد الدواء من  بسكرة .. ولكن اذا حكم الله بالموت .. فإن اولادي على عهدي .. والقائمين مقامي .. في الوفاء خدمة للدولة الفرنساوية  .. وان الحاج عبدالحميد وكيله ونائبا عنه .  

      وصل خبر وفاة الشيخ عبدالرحمان بن جلاب .. ولما علم الكولونيل بودفيل بالخبر .. ارسل الحاج احمد بن قانه لتولي حكم تغرت ..   فتوجه اليها ونزل بالقرب منها  .. استقبله الناس بالطعام والشراب .. وأرسل الى خدام الشيخ عبدالرحمان يريد استعطافهم ودخول تغرت بالخديعة .. فلما علموا بذلك .. هب اهل البلدة وقالوا له : قبل ان يموت سلطاننا خلف وصية لأبنائه من بعده .. ليسيروا على نهجه في خدمة فرنسا .. وأننا كنا نعتقد ان الفرنسيين اهل معرفة ومودة وعدل .. وكنا نتوقع منهم ارسال جلباب السلطنة والختم لابنه الوصي من بعده .. ولكن طالما هم ارادوا السطو على بلادنا لمجرد موت السلطان وخلفه ابنه الطفل .. فنحن لن نقبل .. وسنقاومهم قدر ما امكننا .. ونحن في حرب معهم ، ما لم يأتي الينا ابن عمه الشيخ سلمان الذي نقبل مشورته  .. اما الدواوده .. لن نقبل بهم ، ولا حاجة لهم ببلادنا .. وتكلم البارود بين الفريقين .. وهرب احمد بن الحاج وعساكره .. ترك خيمته وخزنته  .. وكتب للكولونيل بودفيل يطلب فيها محلة لتعضيد جنده .

      ثم ذهبوا الى قسنطينة حيث الجننار لعرض مظلمتهم .. فأكرمهم وأرسل معهم جلباب السلطنة وختم الطابع للشيخ عبدالقادر بن عبدالرحمان بن جلاب .. اما الشيخ سلمان فلم يقبلوا به .. وذهب الى تماسين صحبة الشريف محمد بن عبدالله .. ورحبوا به اهل تماسين .. وفي الليل نزل بالقرب من تغرت عند موضع يقال له قبور المشائخ .. وأرسل لأنصاره في تغرت يخبرهم بقدومه .. وكان الشيخ المبارك والي اهل سوف ومن المحبين للشيخ سلمان .. نزيل القصبة .. ففتح لهم الباب .. وتكلم البارود بين الفريقين حتى الصباح .. مات من خدام الشيخ عبدالقادر اثنان .. ومات من خدام الشيخ سلمان ثلاثة وجرح رجل .. ثم تدخل المرابطين لإطفاء نار الفتنة ووقف الحرب .. واخرجوا خدام الشيخ عبدالقادر من القصبة بأمن وسلام .. ودخل الشيخ سلمان القصبة .. وحكم تغرت .. وقتل في ذلك اليوم عددا من انصار وخدام الشيخ عبدالقادر .. منهم : احمد المقدم محمد بن ابراهيم وإخوته الاربعة .. وقتل مسعود بن مهدي خديم الشيخ عبدالرحمان .. وسبعة عشرة رجل من رجالات الشيخ عبدالقادر .. وأرسل الشيخ سلمان الى ولاة الدولة الفرنسية ، والى الحاج عبدالحميد .. قال لهم : كنت صاغرا لحكم ابن عمي الشيخ عبدالرحمان .. كان كبيرنا وكنت خليفته .. واستطاع الحاقدين اذكاء نار الفتنة بيننا .. وعندما تيقنت انه يود قتلي هربت من بطشه سطوته .. وأرسلت الى الكولينيل بودفيل اخبره بما انتهى اليه حالي في تماسين حيث التجأت .. لكنه بدلا من ان ينظر في مظلمتي سجن رسولنا وخديمنا .. ورفض مقابلتنا .. كما ان الشيخ عبدالرحمان ارسل الى شيخ تماسين يطلب اليه قتلي او تسليمي اليه .. وعلمت بالأمر .. فهربت الى نواحي الغرب والتجأت الى حيث الشريف محمد بن عبدالله .. وما ان بلغنا خبر موت الشيخ عبدالرحمان .. عدنا الى بلادنا وحكمنا مملكة اباءنا وأجدادنا ..  ومن يدخل ملكه لا يتسمى طالما ولا معتدي .. وهذه سيرتنا اولاد جلاب .. من كبير الى كبير .. وما دخلنا تغرت إلا برضاء اهلها .. وهي ليست من البلدان التي تؤخذ غصبا .. لقد غلبت الاتراك في زمانهم ..  تركوا مدافعهم وأشلاء جنودهم .. وفروا منهزمين .

مذكرات رحالة من فزان 1852 .. ( 11 )

 

المدية بلاد العنب الفاخر .. اجود انواع العنب ببلاد الجزائر .. ويها غرس التين  والرمان ..

من المدية توجهنا برا الى ” مليانه ” .. بلدة مليحة .. تحفها الجبال من كل جانب .. الماء العذب وفير .. اطلال مآثر الناس الاولين .. اشجار العنب ..الاجاص .. استأجرنا دار للسكنى .. وظللنا ننتظر احد من اهل الغرب نرافقه الى وهران .. ومن وهران نركب البحر نحو الغرب حيث اولاد عمنا ..مولاي عبدالرحمان سلطان الغرب .. وقد جاءنا الخبر انهم يسكنون ارض تافيلالت .. عزمنا التوجه اليهم .. ومن تافيلالت الى توات .. ومن توات الى ارض تبو .. فخيب الله مقصدنا .. مرضت بمليانة مرضا شديدا .. حتى ترهلت اقدامنا .. ما استطعت المشي تى لمسافة محدودة .. شهرين متتاليين وانا اتعذب .. ونصح لنا العرب بالذهاب الى حمام علاجي طرف الجبل .. مسيرة يوم .. استأجرنا بغل بخمسة فرنك .. ووجدنا حمام لطيف .. مآثر الاولين تحفه من كل جانب .. الماء الساخن ينبع من قمة الجبل .. بنى حوله الفرنسيين برج .. وغرس اشجار القسطلي .. اقمنا بالحمام اربعة عشر يوما .. استحم بالماء الساخن حتى تعافت ارجلنا .. وصرت قادرا على المسير ..  تداركت امري .. مواصلة السفر غربا امر مرهق .. عدت الى البليده .. ومنها عبرنا ببلدة  ” بوسعادة ” .. بلدة في احضان الصحراء .. بها غرس النخيل .. يبني بها الفرنسيين برج .. ومنها الى ” بسكره ” .. وهناك نزلنا بجامع سيدي احمد دبابس .. وفي الليل مر علينا القاضي يسألنا .. من اين ؟ قلنا له حجاج من اهل الغرب .. فقال للجماعة .. هذا الرجل ضيف عندكم .. كل يوم يستضيفه احدكم .. قالوا له : نعم .. وأخذني القاضي ضيفا عنده اول ليلة .. تناولنا العشاء سويا في داره .. وفي حديثه يشكو افعال الفرنسيين .. قال لنا : لم نعد نعرف ما يجب علينا فعله .. اولاني الفرنسيين القضاء ببلاد بسكرة .. وإذا حكمنا بشرع المسلمين .. وما جاء في كتبهم .. يغضب منا الفرنسيين .. وإذا تبعنا الفرنسيين .. خشينا معاقبة الله ورسوله .. قلت له : لما لا تقدم لهم طلب اعفاء من مهام القضاء .. لن يفرضوا عليك غصبا ؟ .. قال : اخاف ان ينهبوني .. وتنالني ملاحقتهم .. لكني افكر في مراوغتهم .. واقول لهم انني ذاهب الى الحج .. واحمل اولادي ومالي .. واهجر عن المدينة ولن اعود حتى يخرج الفرنسيين من وطننا .. او يحكم لنا .. وهو خير الحاكمين .. وكل من مات تحت حكم الفرنسيين يموت كافرا مشرك .. قلت له : انت رجل طالب علم .. تعرف كتاب الله .. ألم تتأمل قوله تعالى : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ” .. اما وقد ولى عليكم الفرنسيين .. اطيعوا ولاة امركم .. واصبروا .. والفرنسيين ليسوا مثل الانجليز .. فوالله لو حكمكم الانجليز لترك وطنكم كما وطن اهل الهند .. احمد الله .. لعل الفرنسيين افضل من غيرهم .. ولا ادري لما تشتكون كما الامس عندما حكمكم الاتراك .. ولى الله عليكم الفرنسيين .. اصبروا  حتى يحكم الله لكم ولنا وهو خير الحاكمين .. تجولنا في حواري بسكره وأزقتها .. وعزمنا مغادرتها نحو بلدة تقرت .. ومنها الى وادي سوف .. الى بلاد غات .. ثم بلاد تبو .. عند اعمامنا وإخوتنا .. وننسى ما حدث .. وما جرى علينا .. وراء ظهورنا .

    غادرنا بسكره ووصلنا ” سيدي عقبة ” .. بلدة مليحة .. بها سوق رائجة  .. يجلب اليها العرب الخيرات من كل مكان .. تحفها الجبال ناحية الشرق .. تجولنا بها .. زرنا ضريح سيدي عقبة .. والجامع المقام الذي هو اشبه بالمدرسة .. يأتي اليه طلبة القران من كل مكان .. يهاجر لأجل حمل القران ..  يسكنون البيوت الملحقة .. مأكولهم بعهدة وكيل المسجد .. فلكل مسجد ” حبوس ” .. ومن ايرادها يتعيش الطلبة الحفاظ .. لكن ما حدث .. ان الفرنسيين عندما حكموا .. اخذوا املاك المساجد والزوي الصوفية .. لان العرب تنصت بإمعان وطاعة لكلام حفظة القران .. والمرابطين .. وبسبب ذلك تخلق الفتن على الفرنسيين .. بسبب فتوى حافظ .. او امر مرابط .. او شريف .

غادرنا سيدي عقبة .. بلغنا بلدة ” الحوش ” .. سكانها مرابطون جاء جدهم الاول من ارض ” وادي سوس ” غربا .. وهم من ذرية سيدي احمد موسى .. جاء في متقدم الزمان وكانت ارض بور .. غرس النخل .. وبدر الزرع .. وصار له اولاد وأحفاد .. وأملاك ..  فلما تولى الفرنسيين .. صادروا بعض املاكهم .. وأراضيهم .. ووزعوها على عرب اخرين .. لهذا تجدهم دائما مع من يناهض حكم الفرنسيين .. وان سمعوا بنداء لجهادهم تجدهم سارعوا وانضموا للنداء .

     حدثنا رجل منهم عن دعوة ابوزيان لقتال الفرنسيين .. وكيف انضم اليه اهل اقليم الزاب جملة .. وأهل الجبل احمر خده .. وأهل سيدي عقبة .. واهل وادي ريع .. و اهل الحوش .

حان الرحيل والسير نحو تغرت .. لكننا لم نجد قافلة ننضم اليها .. كان وقت الخريف .. وفيه تداهم البلدة حمة قاتلة .. هي اخطر على البشرة البيضاء منها الى السمراء .. وهي اشد فتكا بالغريب .. قليل هم من يسافرون اليها في هذه الاوقات .

  غادرت الحوش بمفردي .. دلني احدهم على الطريق نحو وادي سطيل .. حل الليل .. توقفت وقضيت ليلتي بالوادي .. حدث ذلك شهر ذي الحجة من عام 1344 هـ .

      في الصباح تابعت سيري بارض سبخة .. امضيت في عبورها خمس سعات .. وعند منتصف النهار بلغت ” الوريري ” .. بلد صغير .. بها قليل من اشجار النخيل .. قصدنا المسجد .. قدم لنا قيم المسجد الماء .. والتمر الطازج .. ا كلنا شهوتنا .. وتابعت سيري حتى بلغت بلدة ” المغير ” .. بينها وبين الورير مسافة ثلاث ساعات .. بت ليلتي لدى مرابط يدعى ابن سيدي مبارك الصائم .. اكرمنا غاية الكرم ..  في الصباح تجولت بحواري وأزقة البلدة  .. ممتدة المعالم .. كبيرة ..  اكبر من بلدات وادي دريغ .. واقل حجما من بلدة تقرت .. تحفها غابات النخيل من الفسائل الجيدة .. والعرب تختارها لتخزين محصول زرعهم .

   تابعت سيري ووصلت ” عين الكرمة ” .. موضعها ما بين سيدي خليل ، والمغير .. الماء العذب يتدفق من باطن الرمل .. تقذفه يمينا وشمالا ..  تحفها ست نخلات طويلة .. غادرت عين الكرمة .. وبلغت سيدي خليل .. اهل متصوفة .. اصحاب زوايا الحضرة .. يطعمون الطعام لكل عابر سبيل لا يمتلك زاد .. و ” سيدي خليل ” .. كان سلطان وملك وادي ريغ .. يدعي انه مرابط .. وملك ملكا ليس لأحد من اهل الوادي .. يمتلك ثلاثمائة شريعة .. وكل حقل منها غابة من الغرس .. منها ما يتجاوز الخمسة الاف شجرة .. اصله من المغير .. واذا نظرت الى الغرب .. الغابة الممتدة من ارض السبخة حتى مكب وادي خروف .. هي ملكا لسيدي خليل .. اما نسله فهم بيض البشرة .. ونساؤهم جميلات .. يزرعون القمح والشعير .. والتمر عندهم من اجود الاصناف .. ولا اجود من تمر نخيل سيدي خليل في وادي ريغ .

     قبر سيدي خليل وضريحه ظهر الغابة والبلدة .. وقريب منه قبة ضريح سيدي سالم .. والناس عندما يحلفون صادقين .. يقولون : ” وحق سيدي خليل وسيدي سالم ” .. ولا  يحنثون ..  وهم كرام وأكثر لطفا من اهل المغير .

    غادرت سيدي خليل صباحا .. عين المعريز شمال الطريق الى تقرت بنصف ميل  .. حولها اشجار نخيل .. ثم عبرنا تندل ، والبارد .. وهي بلدات صغيرة .. بها ابار وليس بها عيون .. والى نواحي غرب الطريق ظهر شرائع سيدي خليل .. وادي مالح .. مشينا ساعة زمن .. ووصلنا وادي مالح اخر .. ونصف ساعة اخر .. وادي مالح .. وساعتين اخرى حتى بلغنا ” عين اغفيان ” .. شمال الطريق بنحو ربع ميل  .. تحفها اشجار النخيل والسمار والطرفه .. بعدها بميلين بلغنا وادي مالح .. واصلنا سيرنا حتى بلغنا ” زاوية ارياب ” و ” مازر ” و ” وغلان ” وهي بلدات صغيرة . يزرعون القوت ويعتمدون الفلاحة معيشتهم .. ومنها الى جامع ” دسرة العريان ” .. ثم جامع  سيدي عمران ناحية القبلي .. ثم ” تنقدين ” .. ومنها الى ” سيدي يحي ” .. زاوية وأبار ماء حولها .. اهله يعتاشون على الصيد .. الغزلان والوحش والأرنب والذئب .. الوحش بالبارود .. والبقية بزرع الفخاخ والمناديف .. سيدي يحي الذي تحمل البلدة اسمه .. يملك خمسة عشر شريعة طرف البلدة .. ناحية الغرب .. غرسها نخيل .. قبلي ” سيدي يحي ” .. تظهر معالم ” تمرانت ” القديمة ..

   دخلنا ” تمرنت ” .. التقينا برجل اسمه الشيخ احمد الطلحي ..طفل صغير لا يتجاوز عمره سن العشرين .. كان ابيه شيخ تمرنت .. مات ابيه وتركه طفل صغير .. تولى المشيخة  ابن عمه الشيخ علي بن طاهر .. ثم الشيخ عبدالرحمان بن عمر بن جلاب .. الذي يتهمه الشيخ احمد الطلحي بأخذ ما خلف والده .

   قبلي البلدة .. مسجد من بنيان الاولين ينتصب اعلى  جبل صغير .. بني من الجبس والياجور .. تهدم اثره ولم تبقى سوى الاعمدة .. كما حضرنا عرس اثناء اقامتنا .. حفل طرف البلدة .. خرجت النساء والولدان وأهل البلدة .. دقت الطبول .. زغردت النساء .. وتغنوا الغيطه .. وتكلم البارود .. اشعل الرقص .. رقصت الفتيات .. تتشابك ايديهن .. وتترنم اكتافهن .. يقتربون من الاولاد من جيلهن .. يتكلم البارود .. وتعلو الزغاريد .. ويشرع الاولاد في نثر اوراق الحبق على رؤوس الفتيات .. .. وعندما اقترب الليل .. عادوا الى دار العريس .. تناولوا طعام وليمة العشاء .

      عين ” المراية ” في تمرنت .. ماءها عذب .. وأفضل مذاقا من جميع عيون وادي ريغ .. كما نخل تمرنت .. قوي الجدع مخضر .. افضل اصنافه ” دقلة نور ” .. ويزرعون القمح .. يصل ثمن القنطار اربعين ريال تونسي .. وتكثر عندهم أشجار العنب والتين والرمان والتفاح والبرقوق .. ومن تمرنت القديمة .. توجهنا الى تمرنت الجديدة ناحية القبلة .. وهي قريبة منها .. وهي بلدة رائعة .. يحفها البحر .. نخيلها وزرعها مخضر زاهي .. اهلها اغنياء .. بيض البشرة .. قليل هم سمر البشرة .. يفضلون تربية الماعز التركي .. وتهجينه بفحل الضان .. ماعز بلا قرون .. اذانه طويلة متهدلة .. يدر الحليب بوفرة .

غادرنا تمرنت الجديدة .. بين سيدي راشد وتمرنت عين ماء حولها اشجار نخيل يقال لها شريعة سيدي بن عثمان .. قطعنا مسافة اثنى عشر ميل تقريبا .. وبلغنا ” سيدي بو راشد ” .. نواحي القبلة والغرب تحفها كثبان رملية .. ومن الشرق سبخة ماء .. حسن اهلها ذات وصفات .. بها زاوية لاستضافة عابري السبيل .. الطعام يقدم مجانا لكل عابر او محتاج .. اشجار النخيل والبرقوق والورد تمتد لمساحات شاسعة .. مخضرة زاهية اكثر من أي منها في وادي ريغ .

   لضريح سيدي راشد توقيرا لدى الناس .. ومن اقترف جرما ولجأ اليه .. سلم من ملاحقة السلطات ..ويظل يتمتع بالأمن والطعام في ذلك الضريح .. ولا يجرؤ احد على القبض عليه .. حتى يأتي اولاد سيدي راشد لنجدته .. يلبسونه سبحة سيدي راشد .. سبحة كبيرة الحجم .. حباتها ضخمة .. بها خمسة الاف خرزة .. عشرة ارطال من حطب الرتم .. يؤخذ الجاني الهارب في زفة الحضرة الصوفية .. الاعلام الحمراء والصفراء والخضراء .. دندنة بنادير الدف .. الى ان يصلوا بلدة تقرت مقر السلطان .. عندما يصلون الى موضع قريب من تغرت يقال له ” دبوسة ” .. تشرع الاعلام .. وتبدأ جوقة المديح .. ودندنة البنادير .. حتى باب القصبة .. مقر السلطان .. وعند باب السلطان .. يشتد وقع الشطح والمديح .. يخرج لهم السلطان .. يسلم له الجاني .. يقبل السلطان .. يعتذر له .. وفي الحين يعلق المرابط السبحة برقبة السلطان قائلا : الامان لهذا الرجل .. ولك بركة صاحب هذه السبحة .. سيدي خليل .. فيقول لهم : اني عفوت عنه .. يقبل السلطان السبحة .. ويأتي كبير المرابطين ليحوم بها سبع مرات حول رأس السلطان .. ويدعو له بالنصر وكول العمر .. ويهدي لهم السلطان شيء من امور الدنيا .. او يرمي على كبيرهم برنوص ملف احمر او اخضر .. ويستضيفهم السلطان ثلاثة ايام .. ثم يعودوا الى بلادهم .. وثمة جبل يقال له ” كديت النصف ” .. نصف المسافة بين سيدي راشد ، وتغرت  .

    غادرنا سيدي خليل .. سبخة طينية ووحل في طريقنا الى ” ابرام ” ..  بلدة كبيرة ..بها الكثير من غابات النخيل .. غير ان اهلها شياطين الانس .. قبح ولا اصل لهم ..  اذا قدم غريب لأرضهم .. احتالوا كيف يقتلونه ويسلبونه المال .. وفي عرفهم عمل حلال .. واوصيك يا من تعبر وادي ريغ .. الحذر من اهل مغرت .. انهم سراق غدارين ، ولا امان عندهم للغريب ولا القريب .

      تابعت سيري نحو بلدة ” الهرهير ” .. وفي الطريق اليها ناحية الشرق .. ضريح سيدي سليمان .. بلدة تنتصب على جبل صغير  .. بها غرس النخيل .. واصل فسيلة دقلة نور من هرهير .. ومنها انتقلت لبقية البلدات .. ويقال ان اصل فرعون مصر منها .. قبل كل البلدان .. ويقال انه في اول الزمان كانت هناك امرأة اسمها ” نور ” .. درويشه .. تختار العزلة في موضع خارج البلدة .. اعتادت ان تحمل معها التمر طعامها .. ومع الايام والسنين .. نمت تلك النوى التي كانت ترميها .. وأنبتت فسيلة نخيل جيدة المذاق .. مختلفة عن سابقها .. هي ما سمي باسمها .. ومن تغرت نقلت الفسائل منها الى بلاد الزاب .. وارض وادي ريغ .. وارض الجريد .

وفي كل ليلة جمعة يشعل اهل الهرير القناديل .. ويحرقون بخور الجاوي .. ويخرج الساكنة نساء واطفال ورجال في كوكبة صوفية لزيارة سيدي عيسى بن نوح .. للتبرك ..  حفظا للنخلة .. وهو رجل مرابط تخافه جميع اهل وادي ريغ .. يهدون له اعز ما عندهم .. وحتى سلطانهم يخافه ويحرص على تقديم الهدايا له كل عام ..  يقيم في بيت تعلوه شجرة طرفي  .. يجلس امامه ويشعل النار ليل نهار .. شتاء وصيف .. وتجدهم يتحلقون حولها ويشربون التكروري .

       فصل الشتاء .. وهممت بالرحيل نحو ” غمره ” .. والسفر اليها عبر طريق المقارين محفوف بالمخاطر .. ومرهق .. فثمة سبخة واوحال موسم المطر  .. فيما السفر عبر نواحي الغرب ايسر حالا والأرض رملية .. وثمة على الطريق موضع يقال له ” ابو رخيص ” .. ارض خصبة يعظم بها القمح والشعير وجميع الخضر .. لكن اشجار الطرفي الكثيفة تفرض  على من يستصلح الارض عناء قطعها .

       من غمره الى بلدة ” ثالت ” تكثر بها اطلال مآثر الاولين .. قصورهم .. مساجدهم .. وكانت ذات يوم في اول الزمان .. مقر كرسي سلطان وادي ريغ .

المقارين الجديدة بلدة كبيرة يكثر بها غرس النخيل .. واكثره تداولا تمر ” الحلوة ” .. احمر مدور جاف .. حاذق الطعم .. ومنها الى بلدة المقارين القديمة .. اطلال ومآثر الاولي .. وما بقي منها سوى القليل المتهدم .. اهلها جميعهم سمر البشرة .. يزرعون الخضر .. وتنمو بأرضهم افضل من اراض غيرهم .. لذا هم معظمهم اثرياء من بيع الخضر في بلاد تغرت .

من المقارين تتوجه الى تغرت .. تترك بلدة ثالت ، وغمره ، على يمينك .. تصل موضع به نخل جديد .. حول عين يقال لها ” عين السبخة “.. ومنها الى بلدة قديمة يقال لها ” ارقيوي ” .. حدود عشرة مباني تسورها غابة نخيل قديمة .. ومنا الى زاوية سيدي العابد .. وهو سلطان من سلاطين اول الزمان تسمى المكان باسمه .. ويقال لها ايضا ” زاوية سيدي حموده ” .. فقد جاء بعده سلطان اخر يسمى احموده .. اقام بالزاوية .. وصارت له املاك اضعاف ما ملك سيدي العابد .. فحملت اسمه .. والان خلفه ابنه سيدي المنور .. رجل غني .. وله دين على كثير من اهل البلاد .. وجميعهم يخافه .. فهو الثري صاحب الاموال .. وهو المرابط صاحب الدعوى .. يأتمرون بأمره .. بشرته تميل للسمرة .. عريض الوجه والحواجب . له اخ من امه اسمه سيدي عبدالرحمان بن سيدي  بوعزيز  ..  من اولاد سيدي ابوعزيز .

       لم يبقى من ذرية سيدي العابد إلا رجل ضعيف الحال ، يقال له سيء السوق .. لا يملك شيء من متاع الدنيا .

    من زاوية سيد العابد تعبر الى بلدة صغيرة يقال لها ” سيدي بن جريو ” .. ومنها الى ” تبسه ” .. بلدة كبيرة ممتدة بها النخل الكثير .. يرونه بماء البحر القريب منهم .. عبر ساقية تخرج من شرق تغرت .. ومنها اناس اهل مشيخة يقال لهم اولاد رقية .. ومعظم اهلها سمر البشرة .

       مقابل تبسه قبتان يقال لها قباب ” رجال المليحة ” .. ضيرح لامراءة يقال لها لالاء  مليحة .. مزار تأتي اليه الناس من جميع بلدات  وادي ريغ .. ويقيمون اعراس المديح .. ويتولى سلطان تغرت توفير الطعام لزوار التبرك .

من سيدي بن جريو توجهنا نحو تبسه .. ومنها الى سيدي بن لسود .. ومنه الى سيدي بوعزيز .. تغرت .

   تغرت .. يحكمها رجل يدعى الشيخ عبدالرحمان بن عمر جلاب .. اصله في متقدم الزمان من اسر  سلاطين مراكش .. من بني مرين .. ولما ذهب ملك بني مرين .. وتشتتوا .. عمل تاجرا للغنم .. يجلبها الى وادي ريغ .. وتطاول الدهر وكسب الكثير من المال ..  وكان يبيع الناس بالدين .. حتى صار اهل المكان جميعهم مدينون له .. ولما طالبهم دينه وحقه .. لم يجدوا ما يقدموا له .. اتوا اليه وقالوا له .. انت فعلت معنا كل الخير .. الناس مدينون لك ولا لهم قدرة على سداد ما عليهم .. ملكتنا بدينك .. وارتأينا ان نبايعك ملكا علينا .

قال لهم : اقبل بيعتكم حال بايعني سيدي امحمد بن يحي .. واسمع منه بنفسي .. فهو سلطانكم اليوم .. فأتى اليه سيدي امحمد .. وقال له : تنازلت لك عن سلطنة تغرت .. انت سطانها وقد غلبتني فيما املك .. بدينك وجلبك .. وبويع عن طيب خاطر .. وخلف ذرية .. ومن سلالته الشيخ عبدالرحمان بن عمر بن جلاب .. والشيخ سلمان بن علي بن جلاب .. وكان علي قد تولى حكم تغرت  .. ولما توفي كان ابنه   الشيخ سلمان .. صغير سن .. وابن اخيه الشيخ عبدالرحمان بن عمير راشدا .. فتولى عبدالرحمان حكم مملكة تغرت .. وقتل خلق كثير من خدم عمه علي .. وصار يحكم تغرت .. وأمه هي من يعطي له المشورة .. وانزوى الشيخ سلمان .. بعيدا متحسرا .. وذات يوم خطط وارسل خدمه لاغتيال الشيخ عبدالرحمان بن عمر بن جلاب .. تسلق خديم الشيخ سلمان جدار بيت الشيخ عبدالرحمان ليلا .. ودخل عليه داره وهو نائم .. وأطلق عليه من غدريه يحملها سبع رصاصات  ..اصابت رقبته .. وذراعه .. وصدره ..  وتركه يتخبط في دمائه .. وهرب .. اتوا له بطبيب من لمامش .. ظل يعالج جروحه لزمن حتى شفي .

    هرب الخديم  .. ولجأ الى ضريح سيدي بن يحيا .. وكان اسمه عبدالله بن النخلت .. شوشان مولد .. وصار حبيس الضريح لا تناله ملاحقة .. لكن زوجته وهي في زيارته تحمل له الطعام .. دست بالطعام ” مبرد حديد ” .. وفي الليل .. برد الحديد الذي يكبل رجليه .. وهرب .

     في الصباح دخل الخفراء يتفقدوه .. فلم يجدوه بالضريح .. خرجوا يبحثون عن اثره اطراف سيدي يحيى .. فلم يجدوا له اثر .. ولا الى اي وجهة قصد .. لكن امرأة كانت قد قابلته بواكير الصباح وهو هاربا .. قالت لهم :  اذا كنتم تبحثون عن العبد سجين سيدي بن يحيا .. التقيت به بواكير الصباح وسط الغابة .. نواحي تماسين .. فلما سمعوا قولها .. ركبوا خيلهم ولاحقوا اثره .. وعند السبخة ما بين تماسين وتغرت .. رأوه راي العين .. اقتربوا منه .. هرب وغطس في  بحيرة مرجاجت القريبة .. قبلي تغرت .. فلما رأوه توغل وسط البحيرة .. ظن رجل منهم يدعى احمد بن عمير انه يفلت من ايديهم .. اعتلى ركاب خيله .. وأطلق عليه رصاصه .. ارداه قتيلا . سحبوا جثمانه الى اليابسة .. قطعوا رأسه .. حملوه معهم .. وتركوا جثثه مكانها .

      قدموا رأسه للشيخ عبدالرحمان بن جلاب .. قال لهم .. من قال لكم اقتلوه ؟ لما لم تنتظروا حتى يخرج اليكم ؟ كان يمكنكم ان تأتوا به حيا .. حينها كنا نعرف خبره ومن وراءه ..  قالوا له .. خشينا ان يفلت من بين ايدينا وقد ظفرنا به .. قال لهم : والله لو لم يكن معيب قتلكم مكانه .. لقتلتكم ؟

    اما نحن وقد بلغنا تغرت بعد كل هذه الخطوب التي تقاذفتها .. وجدنا الشيخ سلمان بن علي بن جلاب تحوط داره حراسة .. لا يخرج من داره إلا اذا خرج ابن عمه الشيخ عبدالرحمن بن عمر .. وهذا ما شهدنا .

       في تغرت التقيت رجل من اهل صفاقص .. حمود الويز .. جرى الود بيننا وتشاركنا في تجارة .. اشترينا سلعة بثمن عشرون دورو .. سلعة تغرت ووادي ريغ وقت الخريف التمر .. نستبدل سلعتنا .. قنطار الحنة ثمانون ريال تونسي .. قنطار ورد قمام  اربعون ريال تونسي .. النيله الرطل بثمن سبعة ريالات تونسية .. القرنفل الرطل ثلاثة ريالات  .. المستكة الرطل ثمانون ريال ..البارود اربعون ريال .. زرابيط وغبابيط لعب الاطفال ريال للميت .

          توجهنا الى تماسين .. وفتحنا حانوت هناك .. ازدهر حانوتنا وتجارتنا .. وصار لدينا التمر الكثير .. مما بادلنا من سلع .. وعبرت قافلة  من اهل الحرازلي واولاد ساسي والاد بن نايل .. اشتروا منا بسعر الجملة .. حمل جمل .. اربعة وعشرون ريال تونسي .. الحمل اربعة قناطير .. فبعنا لتلك القافلة بما قيمته مائة وست واربعون دورو .. واتت قافلة اولاد بن نايل .. ويقال لهم اود ” دام لخوي ” .. وهم اربع واربعون رجل .. اشتروا منا التمر .. وجلبوا معهم الى تماسين الغنم والصوف والسمن .. الكبش الاملح باثنى عشر  ريال تونسي ..  الصوف كا خمس جزات بثمن دورو اسباني .. السمن بالجلدة .. الجلدة بثمن ستون ريال .. اشتريت منهم جلدة بخمسون .. واشتروا البارود بثلاثمائة ريال للقنطار .. والرصاص مائة ريال .. البارود والرصاص يأتي من صفاقص وقابس .. يأتي عبر البحر .. اهل صفاقص يبيعونه اهل الطوية .. ينقلونه الى ارض الجريد .. ومن الجريد الى اهل سوف .. ومن ارض سوف الى وارقله .. ثم الى الاغواط .. الى ابوسعاده .. الى ان تصل تغرت .. الى سائر وطن الزاب .. الى وطن ازواوه .. وكل اولئك الذين يناهضون حكم الفرنسيين .. يصل اليهم البارود عبر هذه الدروب .

شيخ تماسين اسمه علي بن عبدالله .. وهو طفل صغير .. عمره لا يتجاوز الثمانية عشر عام .. يعدو في شوارع تماسين حافي القدمين .. بلا نعل .. وكل ما التقى بمرأة رفع اللحاف عن وجهها .. وقبلها .. وجميع اهل تماسين يخافونه .. يحلفون باسمه .. ” وراس سيدي الشيخ ” .

      في احتفالية عاشوراء عام 1366 هـ .. كنا ليلتها مع شريكنا في الحانوت .. اقبل علينا عدد من الرجال والصبية يتقدمهم شيخهم  .. يرتدون ليف النخيل .. يطبلون ويتغنون ويتوسلون .. ” نحن حجاج شواشين .. ومن يعطينا يربح ” .. تصدقنا عليهم ببعض ريالات .. وعبروا .. سألت شريكي : اليس هذا هو شيخ تماسين الذي يتقدمهم ؟ .. كيف لرجل يدعي انه شيخ البلاد  ويتسول الناس  ؟ ..  قال : نعم .. هذه عادة عندهم في هذه البلاد .. فتعجبت منهم ومن عاداتهم .

تغرت .. عشرة اميال مسافة عن تماسين .. تماسين غرب تغرت . اما بحيرة مرجاجت قبلي تغرت .. مسافة خمسة اميال .. تحفها اشجار الطرفى والقصب الاكحل والسمار .. بها الحوت .. وتجد طيور الاوز والدجاج الاكحل وقت الخريف والشتاء فيها ملاذ ..  وكنا نعتاد الذهاب اليها كل يومين او ثلاث للصيد .. نتموضع في مكان قريب من الماء .. نختبئ ونراقب قدوم الاوز والدجاج حتى يدنو منا .. نطلق الرصاص .. كنا نصطاد منها الكثير .. وفي الليل يصير الاوز ايسر صيدا .. تجده يجوب رمل الشاطئ .. بأعداد وفيرة .. ولما سمع بنا ابوبكر بن عباس .. وعن مهارتنا في الصيد .. وهو خليل ام الشيخ عبدالرحمان بن عمر بن جلاب .. ينام عندها .. ويصبح عندها .. وجميع اهل تغرت يعلمون بذلك ..   بمن فيهم ابنها السلطان .. ولا احد يجرؤ على قول .. ام الشيخ تصاحب رجل ” براني ” بلا فاتحة او صداق .. عرض علينا ابوبكر هذا ان يذهب معنا الى الصيد .. وكان فصل الشتاء وشدة البرد  .. وكل يوم يأتي الينا .. يقدم لنا بغل او فرس .. لنرافقه الى الصيد بالبحيرة .. كنا نصطاد الكثير من الاوز .. وما كان له حظ بالصيد .. لكننا ما ان نصل قرب تغرت عائدين .. يأخذ الصيد لنفسه .. يقول لنا .. انت لا دار ولا عيال .. ويذهب به الى ام الشيخ ليقول لها .. انظري كم انا صياد .. اخبرنا خديم ام الشيخ واسمه الطاهر .

   لما علمنا بأمره .. في اليوم التالي قدم الينا .. قلت له لا رغبة لي بالصيد .. ذهب لوحده ولم يصطاد طير واحد .. وفي اليوم التالي اعتذرت بأنني مريض .. وعند ذلك عرف اننا لا نرغب مرافقته .. وشاع الخبر ان عرفت ام الشيخ ان الصيد الذي يأتي به ليس من صيده .. وان محمد بن عبدالجليل رفيقه هو الصياد .. وعاتبته لكذبه .. وبلغ الامر الشيخ .

     الشيخ  عبدالرحمان بن جلاب .. رجل صغير السن .. عريض الوجه .. ضخم الجثة .. كبير الانف .. في ذمته اربع نساء .. اثنتان من تماسين .. واخرى بنت الشيخ علي عمه ..  واخرى من الدواود بيت ابو عكاز .. وهو زير نساء .. كلما سمع برجل من تغرت سيتزوج بامرأة جميلة .. ارسل اليها ..طلبها الى نفسه لينام معها قبل ان يدخل بها زوجها .. وفي كل خمسة عشر يوما ..  الى العشرون يوما .. ترسل ام السلطان الى نساء القرية للحضور .. وتختار من بينهن من تراها تروق لابنها .. واحدة .. اثنان .. ليقضي معها لياليه .

     الشيخ سلمان رجل احمر البشرة .. رقيق الوجه  والجسد .. اكحل العينين .. فارس خيال .. صنديد وقت الحرب .. في ذمته زوجتان .. زوّجه السلطان عبدالرحمان  شقيقتة .. كان ذلك عام 1367 هـ  .. اقاموا لهما عرس استمر سبعة ايام بلياليها .. جمع كل اهل وادي ريغ .. جاءوا بسلاحهم .. وشاركوا الفرح برقصاتهم امام القصبة .. بيت السلطان .. لمدة اربعة ايام .. وفي اليوم الخامس حملوا هودج العروس على اكتافهم .. اربعة منهم .. وساروا بها من البلدة الى زاوية سيدي العابد .. واحضروا الحنة .. وخضبوا ارجل العروس ويديها .. وخضب الشيخ سليمان يده بالحنة ..  دندنة طبلة الدربوكه .. والرقص وبهجة السمر .. فرح شيخ .. جال الفرسان .. اطلقوا البارد والجياد تعدو .. طال السمر وان اوآن الزفة .. دخلت العروس من باب  سيدي عبدالسلام .. ودخل العريس من باب الخضرة ..  واهتاج الحفل بدخول كوكبة العرس سور القصبة .. واطل الشيخ عبدالراحمان من شباك غرفته .. لكن عينه كانت على النساء الحضور اكثر .. وكلما اعجبته فتاة ارسل وراءها الى امه .. ترسلها له .. لا يستحي هذا الرجل في فعل العيب .. وبعلم امه .

في اليوم السادس للعرس .. حملوا العروس في هودجها على الاكتاف .. ثم على بغلة وذهبت لمزار سيدي امحمد بن يحي .. واستقبلتها النساء تقبل ايديها وتبارك لها .. ودخلت الباب وخبيرة الحنة .. اقفلوا الباب .. ومن ثم حضر العريس الشيخ سلمان .. وخضب هو الاخر انامل يده اليسرى بالحنة .. وتعالت الزغاريد لحظة خروجهم .. وعجت باحة السوق بالراقصين والراقصات .. ولديهم رجال يرقصون رقص النساء .. ويرتدون زي النساء .. يتغنون مثلهن ..يخضبون ايديهم بنقش الحنة .. يظفرون شعورهم جدائل .. يعفرونها بالطيب .. لا يخشى دخولهم لأي بيت .. ولا حرج عليهم في مقابلة النساء .. يسمونهم اعلاج .

     في الليل اتى اهل تماسين يزفون هودج شقيقة الشيخ علي .. شيخ تماسين .. ناخ جملها .. وترجلت .. وتكلم البارود .. وعلت زغاريد النساء .. واهتاج الرقص .. دخلت باب القصبة .. وفي الليل زف الى ابنة عمه اولا .. دخل بها .. واتم ليلته مع عروسته الاخرى شقيقة شيخ تماسين .. ودخل بها .

      في اليوم السابع .. نادي الشيخ عبدالرحمان على الشيخ سلمان .. ادخله معه دار الخزنة .. واهدى له بمناسبة الزيجة .. حفنات من محبوب الذهب .. وقال له : يا ابن عمي .. هذا ما خلف والدي .. وهذا ما خلف والدك .. وهذا ما خلف اجدادنا .. وما نكنزه إلا لك .. ولذريتك .. وذريتي .. ولا عندي مال دونك .. لا تترك الحاقدين ينسجوا بيننا الفتن .. انا بضعة منك .. وانت بضعة مني .

 

 

 

 

 

   

 

مذكرات رحالة من فزان 1852 ( 10 )

   

 

    غادرنا تبسه مع قافلة من اهلها .. تحمل الصوف الى قسنطينة .. كبير القافلة يقال له حميد بن الهامس ، عاشر اهل تبسه وملك بها .

    تبسه القديمة صارت خرابه .. ما تبقى منها سوى  كنيسة خارج البلدة .. باب البلدة حيث يقطن العرب ، من بناء الاولين .. لا يزال قائما .. اعلى قوس الباب حجر نحث عليه صورة امرأة .

     وسط البلدة .. قصر صغير من بناء الناس الاولين ..تزين جدرانه صور رؤوس البقر ، الكباش ، الحنش .. وجميع المخلوقات .. يقطنه يهودي يدعي انه مركانتي .. وهو زير نساء .. وله مع اكابر نساء تبسه صولات .. احتال على كثيرون ، من عامة الناس وقادتها .. سلب اموالهم .. ساعده في بلوع مطمحه اجادته للغة الفرنسيين .. يمارس الدجل والكذب على العرب .. يوهمهم انه يتحدث عن همومهم مع ارباب الدولة الفرنسية .

     شرق تبسه .. عين ماء تنبع من الجبل .. تسقي مزروعاتهم .. وغرسهم .. اشجار اللوز الكثيرة .. التين .. العنب .. الهندي .. الرمان .. حطايا النخل الكثير .. ومنها بالديار .. العسل الطبيعي الصافي .. سعر الرطل ثمانية سوردي .

     يزرعون القمح فيعظم في ارضهم .. قمح تبسه افضل اصناف القمح .. لا يماثله سوى قمح ” ميلت ” .. غني بالسميد .. .. الحنة ايضا تكثر عندهم وقت الخريف .

    يجلب التجار العرب الى تبسه .. الصوف الكثير .. الغنم .. السمن .. اواخر الصيف .. الصوف والدهان ارخص ثمنا من جميع البلدات التي مررنا بها .

          خمسة ايام والقافلة تذرع الفيافي نحو قسنطينة حتى بلغناها .. بلاد مليحة تتموضع اعلى تبة الجبل .. وجبال مناظرة تحفها من كل جانب .. بها وادي كبير خصب .. الجنائن المزدانة بأشجار التين والعنب والرمان والتفاح والأجاص ..  الجننار بقسنطينة .. عرف بنزاهة حكمه وعدله في تحري الحق والإنصاف .. اسمه سنطرنو ” .. جميع العرب تحبه .

      قصدنا مقهى ” باب اسطنبول ” .. يملكه رجل تركي كبير السن .. تحدثنا معه فيما جرى علينا .. قال : ان تنصت لنصيحتي ..  اذهب الى ” بيرعرب ” .. واشتكي امرك هناك .. ذهبت ..  فوجدت جموع كثيرة من الناس تنتظر .. جلست انتظر سؤال الحاجب : ” هل من مشتكي ؟ ” .. كان الناس كثيرو الثرثرة والحديث .. فجأة خرج شاويش بيده عصا .. وانهال على الجميع بالضرب .. نلت ثلاثة ضربات .. عند ذلك خرجت.. وعزمت على ترك قسنطينة .. قلت في نفسي .. هذه بلاد ظالمة .. وأهلها ظالمين ..  وتوجهت نحو ” باتنة ” .. وعند غروب شمس اليوم الثالث .. دخلنا باتنة .. اهلها مهتمون ببناء سور حماية جديد .. قصدنا مقهى لرجل من اهل تونس .. اقمنا به خمسة ايام .. وكل من سئلنا اجبناه .. نحن من اهل الغرب .

   ” باتنه ” .. بلدة قديمة .. يلفها بنيان الاولين وعيون الماء الدافق من كل جانب .. قريب منها ناحية القبلة بلدة ” تنزولت ” .. كانت يوما ما كبيرة المعالم .. ولا اكبر منها في جبال الاوراس .. وقيل انها كانت مقاما للكهنة التي تحكم ممالك الاوراس ..  كثير هي بصمات قلم الاولين على الاحجار .. غبرت تلك المدينة بأهلها بعدما غزاها العرب .. موقعها لا يمنحها الامن والحماية .. قمم الجبال حولها .. ولو انك وضعت مدفع هناك .. خربتها كلها .

         من تازولت رجعنا الى باتنه  .. صادفنا اناس من اهل فزان .. تعرفوا الينا .. وأعطوا لنا خمسة وثلاثون دور .. ومن باتنه الى ” ميلت ” ..  ومن ميلت الى ” اسطيف ” .

    ” ميلت ” .. بلدة قديمة .. وأطلال مآثر الناس الاولين .. سورها القديم لا يزال قائما .. وبها عين ماء وسط البلدة ..  بساتين زاهرة ومياه دافقة تروي الغرس ..  العنب .. الرمان .. الخوخ .. التفاح .. الاجاص .. التين .. واصناف الشجر العديدة ..  النساء عندهم تمتهن فتل الكسكسي .. كسكسي من السميد .. يأتي الناس من جميع وطن قسنطينة وعمالتها ليشتروا الكسكسي من اهل ميلت .. كسكسي السحور .. ولا يعلى على سحور ميلت ..  الصاع بعشرون دورو .. ومن ميلت توجهنا الى اسطيف .

    اسطيف بلدة مليحة .. لكنها في ذلك الوقت تشتعل بها الفتن بين القبائل .. قصدنا  مقهى لرجل من اهل قسنطينة اسمه الموركان .. صاحب ترجمان للجننار .. وكان الترجمان يهودي .. وفي كل يوم تأتي والدته الى المقهى تسأل القهوجي : هل اتى خبر على ابني وسيده الجننار .. وذات يوم .. قال لها ” الله اعلم .. لكن خبر وارد يقوا ان الجننار اصيب .. وبه جرح .. ولا حققنا من هذا الامر ” .

         غادرنا اسطيف برا .. تحفنا الجبال الشاهقة .. اشجار الصنوبر .. اشجار المستكه ..  وفي اليوم السادس بلغنا ” سور الغزال ” .. عند منتصف النهار .

      قصدنا مقهى لنمضي ليلتنا .. وفي الصباح اثناء تجولنا بالبلدة .. اذا برجل من اهل غريان يقال له ابو عيشة عرض لنا .. تعرف علينا .. كان قد عاش بيننا في تبو  .. وكان عمه كاتب لدى والدي .. ما ان تيقن منا .. عانقنا .. وفرح فرحا شديد .. وأكرمنا غاية الكرم .. توجهنا برفقته الى الجبل خارج البلدة .. حيث محجر الجير .. وله صناع يتولون المهمة .. وشريك من اهل البلدة يدعى عبدالحفيظ .. كان ميسور الحال ..  يمتلك ست معامل لنسج الحرير .. وله صناع كثر .

    اكرمونا غاية الكرم .. وعندما ابلغناهم رغبتنا في الرحيل نحو ديار الغرب عند عمتنا .. اعطوا لنا ستون دورو .. واستأجروا لنا الكروسة من سور الغزال الى ” لربع ” .

     حاكم سور غزال رجل من الفرنسيين ..  اسمه ابوبريط .. اخبرنا عنه ذلك الرجل الذي نزلنا عنده في سور غزال .. وعن سيرته وظلمه .. روى ما حدث مع رجل من اهل قابس .. عمل في استخراج الجير من المحاجر .. وصار ميسور الحال .. لكنه كان مغرما بإحدى بائعات الهوى بالدوار .. نزل السبايس .. صرف على نزواتها امواله .. سلبته ماله وكل ما جمع .. وفي احدى الليالي وكان على وعد منها .. وفي خلوتهما .. دخل عليهم رجل من السباييس هو الاخر واعدها .. سل سيفه وضرب ذلك القابسي .. قال له : لما تضربني ؟  فتمادى وضربه بالسيف ضربة اخرى .. اخرج القابسي بشطوله له .. وضرب السبايسي اصاب يده .. وهرب .. طاردوه في صباح اليوم التالي .. ولاحقه بوبريط بنفسه في البيت حيث يسكن القابسي .. فلم يجده .. ووجد صاحبه وشريكه .. كان ذلك الرجل مريض جدا .. انهكته الحمى ..  قال له : اين صاحبك ؟ فقال : لا علم لي به ، وأنا مريض .. فأخرج بوبريط بشطولة .. وقتل ذلك الرجل ظلما وعدوانا .. فاستعجبنا من ذلك الامر ، وقلنا : كيف يقال عن الفرنسيين انهم اناس تحكم بالحق .. اذا كان حكمهم مثل ما فعل بوبريط .. ومثل ما رأينا في بيرعرب .. فهذا ليس حكم عدل ..  وما هو إلا الباطل .. اذا كان كل حكمهم مثل هذا .

     بلغنا ” لربع ” في يوم السوق الاربعاء .. الحاكم يدعى بدر الدين .. يدعي امام العرب بأنه مرابط .. وابن زاوية .. وواجب خدمتهم له بلا مقابل .. وعند الفرنسيين يدعي حبهم والوفاء لهم .. ولم يكن إلا كاذب على الاثنين .. ولا هم له إلا ان يتكسب المال .

       بتنا ليلة الاربعاء .. ثم ركبنا الكروسة في اليوم التالي نحو الجزائر .. وجدنا الجزائر بلد رائع .. تحترم فيه قوانين الحاكم اكثر من غيره من البلاد .. سور غزال .. سطيف .. بير عرب .. وغيرها .

   الجزائر بلدة على ساحل البحر المتوسط .. اجمل من تونس .. حكمها عدل .. تلفها عيون الماء والوديان النضرة من كل جانب .. اهلها يمتازون بصفاء النية .. اقمنا بها سبعة ايام .. ومنها توجهنا الى ” ابوفريك ” .. ومن ابوفريك الى ” البليده ” .

    البليدة .. بلدة مليحة .. تحفها الجنائن وحقول الغرس من كل جانب ..  البرتقال .. التين .. الهندي .. بها حاكم عدل .. وأهلها طباعهم نزقة .. لا يطيقون وجود غريب بينهم .. سواء كان فرنسي او غيره .. مثلهم مثل اليهود .. لا يحبون إلا بعضهم البعض .. اقمنا بها وتجولنا بحواريها .. ثم غادرنا الى ” المديه ” .. عبرنا مشيا جبال وعرة .. حفر بها الفرنسيين انفاق لعبور الكروسة .. في اعلى الجبل ثمة برج .. اسفله منجم ذهب .. واناس تعمل به .. وقريب منه منجم الجفت .. كانت لنا فرجة من اعلى الجبل .

   المدية بلدة مليحة .. بها مآثر الاولين .. الجبال تتحلق بها من كل جانب .. قبلي البلدة وادي دافق .. حكمها عدل ..  وأكثر اهلها يسكنون خارجها .. وسط حقولهم ..  وليس بالبلدة سوى بني مزاب .

مذكرات رحالة من فزان 1852 – ( 9 )

 

     وصلنا سوسة .. فوجدناهم يشيدون لها باب من نواحي البحر .. وقد جلبوا من موضع بالقرب منه ، تمثال من مآثر الاولين ووضعوه في واجهة الباب .. اقمنا بسوسة يومين .. طرف المدينة ناحية الغرب .. مزار سيدي ابوجعفر .. يخرج اهل المدينة جميعهم في اليوم السابع للتبرك بزيارته .. نساء ورجال وأطفال .. ينشدون الذكر .. ويضربون الدف .. في عرس صوفي بهيج . وان كان كثير من الحاضرين للمزار .. لم يأتي إلا لمغازلة النساء .

    وسط المدينة مزار المرابط سيدي ابو راوي .. له كرامات يوقرها الناس .. فكل من ارتكب جرما ، كأن قتل ، او سرق .. والتجأ عند الضريح .. نجا من الملاحقة .. وهذا شيء مفسد لحكم السلطنة .. ومن عادات الجاهلية الاولى .. مثل الحج بمكة .. وشيء كثير عند المسلمين .. اذا خمن صاحب العقل .. سيجد مرده عوائد الجاهلية .. واما من لا عقل له ، فلا يشغل فكره شيء .

   اقمنا بسوسة يومين وركبنا الى القيروان ..  مررنا بمواضع كثيرة بها بنيان من مآثر الناس الاولين .. وفسقيات الماء .. بعد يومين من السفر .. بلغنا القيروان .. مدينة مليحة البنيان .. اسواقها رائجة .. وأثمان السلع رخيصة .. بها جامع شهير من بنيان الاولين .. شيء عجيب .. وبها قبر الصحابي حجام رسول الله ( ص ) ..  وقبور كثير من الناس الاولين .. ولهم جوامع خارج البلاد وداخلها ..  وبقربها قبر عالم من الاولين قرأ العلم على الامام مالك .. اسمه الامام سحنون ..  ووسط البلدة ضريح المرابط سيدي الوحيشي .. وله زاوية وجامع .. واجهة باب الخروج نحو طريق تونس .. في الليل ذهبنا هناك .. وكان الناس والبندير والشطح .. ومن يصفق بكفيه .. وهم يدعون بأنهم مرابطين ، فتعجبنا من ذلك الامر .

      في القيروان ترى هذا .. فثمة رجل فقد عقله ، اخرس اللسان ، ومنذ بواكير الصباح حتى اواخر الليل يجوب الشوارع والأسواق .. يصيح ويصفق .. ويقول الناس دعه لحال سبيله .. هذا رجل مرابط .. والله اعلم به وبهم .

       وكان رجل مرابط اسمه السيد عمر اعباده .. كان من اهل التقوى .. بنى مساجد ومدارس .. يخشاه احمد بي .. وكلما طلب منه طلبا لبى رغبته .. درأ لبطش بركته .

   جبانة الناس الاولين ظهر القيروان .. احجار المرمر تزين القبور .. وتمثال جدي غزال .. بعض العرب تقول .. جبانة للمسلمين .. وآخرون منهم يقولون ، بل لأهل الانجيل ..وأكثر الناس يقولون هي لعرب الجاهلية الاولى .. فالمسلمين لا يضعون التماثيل اعلى قبورهم .

       اردنا التوجه الى الجريد فلم نجد قافلة .. قلت له : سمعنا من ابينا بأن لديه رجل محب له من الفرنصيص .. كتب له ابينا جواب لإبلاغه الى كبير الدولة الفرنصاوية .. حته فيه على تامين حركة القوافل بيننا وبين ولاة الدولة الفرنساوية  وكي تبلغ قوافلنا مدينة قسنطينة بسلام .. فقال لي .. هل تعرف اسم الرجل ؟ ..  قلت له : الله اعلم اسمه سبطيل .. قال : هل تعرف الرجل ، قلت : لا معرفة لنا به .. لكنه زارنا عندما كنا مع عمنا عمر ببلاد تبو .. كان عمري ذلك الوقت اثنى عشر سنة .. ارسلنا ابينا لنقرأ القران في تبو ، بقينا عند عمنا حتى صار عمرنا ثمانية عشر سنة ..  فأرسلنا الى بر نو .. الى اختنا ، فزوجتنا اختنا بنت الوزير ببرنو ، الحاج بشير ، وكان رجل مليح ولا احسن منه خلقا ببلاد برنو .. ولا اغنى منه مالا ، ولا يقبل السلطان محمد  بيلوا كلام احد خلافه ، ورجعنا الى تبوا وأقمنا بها عامين .. حتى ارسل الينا ابينا جواب وإخوتنا يطلبون قدومنا اليهم .. جهزنا عدتنا للرحيل .. لكن عمي ابى .. وبعد مشقة .. قبل وودعنا .. قدمنا فزان .. لم نجد ابينا بالنجع .. ووجدنا اخينا امحمد والساعدي ، وأقمنا معهم ، ثم توجهنا الى بن وليد .. ومن بن وليد الى حيث  ابينا ، وعمنا ، وقريبنا الشيخ علي ، وأولاد عمنا ، وأخوتنا اولاد الخادم .

     ” سبطيل ”  لا معرفة لنا به .. رأيته يوم ان اهدى الى والدي هدية .. وما اخبرنا عنه إلا ابينا وعمنا سيف النصر وأخينا امحمد .. قالوا لي .. اذا قذفت بك الاقدار بر قسنطينة .. اسأل عنه .. له معرفة بأرباب الدولة ..  ومن قسنطينة القوافل المتجهة الى وادي سوف كثر ..  ومن وادي سوف تجد قوافل كثر متوجهة الى بلاد غات .. ومن غات الى بلاد تبو . فأخذنا بنصيحة ذلك الرجل .. ركبنا من القيروان وتوجهنا نواحي الغرب .. وسافرنا ذلك اليوم حتى اظلم الليل .. بتنا عند عرب .. لدى رجل من اهل الغرب .. فقيه يعلم القران للأولاد .. اكرمنا غاية الكرم ..  عبرنا المسافات ..  بلدان من مآثر الاولين .. تماثيل حجرية كتب عليها بقلم الاولين ..  حتى بلغنا موضع يقال له هنشير البي .. ولا رأيت اروع من خصب المكان .. عيون من مآثر الاولين تتدفق مياهها .. الزرع والفلاحة ..  وفي نواحي الغرب قصور الاولين وأصنام .

      بلغنا عند رجل يقال له القايد الغريب ، فبتنا عنده  .. اكرمنا غاية الكرم ، ثم توجهنا الى طريق حيدره ، فوصلنا حيدره وكان في يوم مطره غزير .. جبانة الناس الاولين .. وجامع .. وعند الجامع قابلنا رجل عربي مقيم به .. نجار .. ينجر اظافر محاريت الزرع .. ومسادي نسج المحارم والبرانيص للنساء ..  اختبأنا بالجامع لشدة المطر .. ولحق بنا رجلان عابري سبيل مثلنا .. وجدوا فيه ملاذا يقيهم المطر ..  جلسوا بجوارنا .. التفوا حول النار لتشح ملابسهم .. وينالوا الدفء .. ثم سألونا : الى اين متوجهين ؟ .. قلنا لهم : الى الكاف .. وسألناهم نحن ايضا .. من اين ؟ والى اين مقصدكم ؟ .. قالوا : اتينا من سوسة وفي طريقنا الى تبسه .. وبينما نحن وإياهم نتبادل اطراف الحديث .. اقبل رجل .. قرأ علينا السلام ودخل المسجد .. تناول المصحف وصار يتلوا القرآن .. ولم يكن يضبط حكم كثير من الايات .. فصوبت له كلما زل .. وقلت له لتقرأ القران ينبغي عليك ان تقرأ على التحقيق ..   نهض من مكانه ، واتى الينا .. قبل راسي .. وقال : يا سيدنا كنا نحفظه ، ولكن اشتغلنا بأمور الفلاحة وضاع علينا منه الشيء الكثير .. ولكن الحمد لله الذي جمعنا بك .. لأجل ان نقرا عليكم وتصوب لنا حيث خالفنا النص  .. وقال : تفضلوا ضيوفنا الليلة .. نتبرك بكم .. وسألني : هل انتم الاربعة قدمتم رفقة بعض .. قلت له نحن اثنين .. هؤلاء التقينا بهم هنا الساعة .. سرنا معه الى حيث داره ببلاد حيدرة نواحي الغرب ، بلدتان تحيط بهما الاسوار .. لا تزال على هيئتها الاولى إلا فيما ندر .. تهتمات وقليل حطام ..  داره وسط البلدة .. لما وصلنا .. ربط بغلتنا .. وأدخلنا الى داره ..  اشعل لنا النار .. كنا لها في حاجة ملحة .. كي تنشف ملابسنا وننال شيء من الدفء .. قدم ابيه وإخوته .. رحبوا بنا .. ابيه رجل مسن ، وإخوته اثنان .. وقدم لنا الطعام .. الكثير من عسل النحل .. فهم يربونه ..  جلس ابيه بجواري .. وتحدث حديث اهل العقل والحنكة والتجربة .. عمره مئة واثنى عشر سنة .. ولا يزال يتمتع بقواه الجسدية والعقلية .. بل وأكثر سلامة من شاب في عمر الثلاثون .. قال لنا : يا سيدي نحن بلغنا المائة واثنى عشرة سنة .. ولنا اربعون سنة صائمون .. ولا نأكل الطعام إلا بالليل .. وكثر مأكولنا عسل النحل .. ولا نخلط مأكول الطعام .. وفي الليل .. احضر شاة من الغنم .. ذبحها ابنه .. ثم قال الابن لأباه .. يا ابتي ان في الجامع رجلان من  ناس اهل الغرب .. قال له : اذهب اليهم وأتي بهم ضيوفنا .. اما تعلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اكرموا الضيف والغريب .. فذهب ابنه واتوا برفقته .. وتناولنا عشاءنا سويا .. وجلس ذلك الرجل المسن يحدثنا تجارب اهل العقل والكياسة .. ويلملم العيدان اطراف الكانون كي تشتعل .. وحضر ابنه الاصغر ..  كان عمره خمسة عشر سنة .. عاد  بالبقر من المرعى ..  مئة وستون من البقر .. مائتين من الغنم ..  وأكثر من الغنم الماعز ..  اما الضان سوى الشيء القليل .. ادخل البقر والغنم زرائب الشجر ..  وقال لنا والدهم .. ابقوا بخير وعافية ..  الان جاء وقت الخفارة .. الصيد الوحش كثير في بلادنا .. يترصد قطعاننا .. نبقى الليل نعس .. وأوعز لابنه الاكبر ليأتي لنا بمزيد من الحطب ..  احضره لنا في الحال .. وذهب معية والده للخفارة ..وقال لابنه الأصغر اشعل النار للضيوف واخدمهم .. ونم معهم ..  ظل ذلك الطفل يشعل النار .. والصيد يزأر .. يتحين فرصة خطف بقرة او شاة .. النار المشتعلة طوال الليل تخيفه .. فيبتعد .

          نمت ورفيقي .. فيما ظل الطفل والغرباء سامرون .. يحدثونه خراريف اخر الليل .. وما ان استرخى وغالبه النعاس  .. ارادوا اغتصابه .. احس بهم الطفل .. صرخ بفزع .. استيقظنا .. وأراد اولئك الاثنان الهروب .. فمنعناهم .. حتى قدم والد الطفل واخيه ..قال الطفل : هؤلاء ا شياطين الانس .. غدر وخيانة .. ارادوا النيل من شرفي .. فلما سمع ابيه ما قال .. اقترب منهم وقال لهم :   كيف يا قليلين الاصل نطعمكم طعامنا ونؤويكم منامنا .. ألا تستحون فيما هممتم فعله ؟  هل هذا جزاء المعروف الذي قدمنا لكم ..  تفل عليهم وذهب لعمله .. فأتوا اولاده .. واخرجوا الاثنان من البيت .. ربطوا ايديهم وأرجلهم بالحبال .. واحضروا الكثير من العصى .. وهموا بضربهم .. طوال الليل .. وهم يصرخون .. وكان الجو ماطر .. وعندما اقترب الصبح .. قدم الوالد وقال لهم .. كفوا عنهم .. وسألهم : اخبروني بحقيقة امركم ؟ ومن اين انتم ؟ .. نطلق سراحكم .. وان لم تخبروني .. فلن اترككم .. وسأقتلكم .. قالوا له : نحن عسكر من عسكر سوسة .. هاربنا من معسكرنا ..  في الصباح .. ركب ابنه على فرسه .. اخذهم الى للكاهية ابن ” شيطان القايلة ” بمنطقة الكاف .. اما نحن .. اقمنا عندهم .. وعاد الطفل من الكاف .. وقرأ علينا القرأن حتى اتمه .. صوبنا له ما اسعفنا فهمنا .. وفي ذات الايام اتى الينا رجل وقال :  يا سيدي .. ان رجل من الروم .. يجول بين التماثيل .. وبيده كتاب يقرأه منه ..  ثم يطلق البارود من مكحلته اعلى رؤوس التماثيل زهوا .. تعجب اولئك العرب لفعلته .. قالوا هذه التماثيل ارباب الاولين ومعبوداتهم .. قلنا لهم : لا هي ارباب .. ولا هي معبودات .. اذا مات لهم عزيز .. يصنعون من الرخام او المرمر تمثال على هيئته .. يذكرهم به .. وبسيرته .. وكأنه لا يزال يعيش بينهم .. فلم يقبلوا ذلك القوم قولي .. وذهبوا لتلك التماثيل وهشموها .. فتعجبنا من امرهم .. وقلنا العيب ليس من العرب ..  بل الرومي الذي اطلق البارود .. غاب العقل .. والناس اهل العقل لا يفعلوا مثل هذا الفعل .

          حيدرة بلاد مليحة رائعة .. يحفها نواحي القبلة عين ماء .. واجهة الباب .. طرف سور البلدة ..  يقال لها عين الكرمة ..  ومنها يتدفق وادى سيال في كل الاوقات ..  بجانب الوادي ، تماثيل على هيئة ابراج من مآثر الاولين .. وفي نواحي القبلة والغرب الكثير من بنيان الاولين ومآثرهم .

     عندما كنا بها .. كان العرب ينبشون قبور الاولين بالجبال ..  يسرقون كنوز الموتى .. منهم من يجد بعض الخواتم من الذهب .. وأكثرهم لا يجد شيئا .. قلنا لهم : هذا حرام .. كيف تجيزوا لأنفسكم حفر القبور ؟  قالوا : هذه ليست قبور مسلمين ..  قلنا لهم : الناس الاولين كانوا احسن من اهل الاسلام حالا .. ليس لهم نبيء .. فلا حرج عليهم ..  وهم احسن حالا من المسلمين  الذين لا يلتزمون قول نبيهم .. او غير مستمثلين لما نهاهم عنه ..  الجاهلي احسن حالا منهم .

      منهم قال : اصبت الحق  ..  ومنهم قال : هذا ليس مسلم ، ولو كان مسلما لما قال ما قال .. وانتصب لهم الطفل الذي نحن ضيوفا عنده ..  قال لهم :  هذا رجل شريف حافظ لكتاب الله .. من العيب ان تقولوا عنه ” رومي ” ..  فأتوا الينا .. وقبلوا رأسنا .. وقالوا : نطلب منك السماح .. قلت لهم :  اسامحكم ، ولكن ما قلت لكم إلا الحق .. الناس الذين تحفرون قبورهم ليسوا مسلمين ولا نصارى ، هم من ناس الاولين ..  لهم نبئ مثل نبيكم .. يعبدون الله احسن منكم .. لم يفعلوا لكم شرا ولا لنبيكم .. فلما تنبشون قبورهم ..  قالوا : صدقت .. كنا نجهل هذا القول ،، ولكن الان وقد علمناه منك ، لن نعد لحفر قبورهم  .. فقلت : لهم على هواكم .. اما نحن .. ما قلنا لكم إلا الحق ، وكل من عنده العقل .. يقول قولنا ..  وإذا تعودوا وتخمنوا اكثر .. تجدوا قولنا الصواب .. وغادرنا نحو ” تبسه ” .. وعند دير اولاد ابو يحي ، خرجوا علينا ستون رجل من لمامش .. كانوا في ذلك الوقت يناهضون الفرنسيين ..  اخذوا جميع ما عندنا .. لم يتركوا لنا عدا قمصاننا التي نرتدي ..  فقصدنا القائد الحسناوي .. اعطى لنا برنوص رث قديم .. وما بيده شيء .

         في تبسه قايد يقال له علي لاز .. رجل كبير السن عمره خمسين سنة .. له ثلاثة اولاد .. يمتهن اخذ اموال الناس بالسطو والحيلة  .. تربطه مودة بالفرنسيين .. لكنها مطاوعة لأجل الكسب المادي ..  وجميع القادة الذين نصبهم الفرنسيين يمتهنون اخذ اموال الناس ظلما .. يظهرون الولاء ، ويكذبون على ولات الدولة ، وحالما يغنموا اموال كثيرة .. ينقلبوا ضد الفرنسيين كما فعل الحسناوي ..  وقابلنا قائد يدعى علي بن محمد .. كان والي تبسه  ثم عزلوه .. وولوا بعده علي لاز .

    اخبرنا رجل من اهل تبسة .. ان القائد علي بن محمد  كان فقير الحال .. وكان لديه دار جوار سور قصبة تبسة .. وذات يوم وهو يحفر لغرس شجرة لوز .. عثر على كنز .. اموال من زمن الاوليين .. فصار من اثرياء تبسة .. ملك بها الديار .. والجنان .. وكسب من الغنم والبقر والإبل ما لم يكن لأحد من اهل تبسة ..  جميع اهل تبسة يحبونه .. فهو رجل كريم ..  اما علي لاز ، رجل الحيلة والمكر والخديعة .. يتعيش على نهب اموال الاثرياء .

      ذات يوم  ونحن جالسين .. اتى الينا رجل وقال لنا : اذا باستطاعتك ان تعمل معي في خدمة الجبس طرف البلدة .. تعال معي .. وان وكيل البيليك كلفه ببناء حمام تبسة .. قلت له : كم الاجرة ؟ .. قال لنا : الويبي بنصف ريال تونسي .. قلت له : اعطني فرصة للتدبر بعدما ارى نوع العمل .. وفي صباح اليوم التالي خرجنا معه صحبة رفيقي العنابي القيرواني ..  اطلعنا على الخدمة .. قلت في نفسي .. ان اعمل وإن بأجر زهيد .. وعمل شاق .. افضل من التسول في بلاد الغربة .. باشرنا عملنا .. نحفر الارض .. نستخرج الجبس .. وكان كل يوم يذهب الى صاحبه وكيل البيليك .. يستلم منه الاجرة .. ولا يخبرنا .. وفي ذات الايام .. يهرب وترك تبسة .. بحث عنه ما يكفي ولم اعثر عليه .. ذهبت الى الوكيل ، واخبرته بأن عمال الجبس هربوا ..  قال لي : لدي استحقاق عليهم بقيمة ثمانون ريال تونسي .. وأنت من سوف يسدد عنهم .. فاستأجرت معي رجل من اهل الغرب .. ريال تونسي للنهار .. وباشرنا العمل .. نحفر الجبس ونجمعه حتى بات لدينا الكثير ..  سخر الوكيل ذلك الجبس في بناء مخبز طرف الجامع الكبير بتبسة .. كان يحضر لنا الحطب كي نحرق الجبس .. وكل ما اشترى منا .. يحتفظ بنصف القيمة لسداد الدين القديم ..  حتى خلص دينه ..  تحاسبنا معه وبقى لنا عنده سبعون ريال تونسي .. اعطى لنا منهم اربعين .. وبقى ثلاثون .

 

مذكرات رحالة من فزان 1852 – ( 8 )

 

      اقمنا في ينبع البحر عشرة ايام ثم ركبنا البحر وتوجهنا الى القصير .. فرقاطة محمد علي باشا ..  وصلنا جبل حسان .. اقمنا بها اربعة ايام .. قدم لنا اهلها الماء العذب .. والخبز الوفير .. والحوت .. ولا ارخص سعرا من الحوت في جبل حسان .. ثم تابعنا سيرنا .. وفي الليل عبرت سحابة ركامية سوداء .. قادمة من الغرب .. وكان رايس الفرقاطة رجل اسكندراني .. فأخرج المنظار وتأملها  .. ثم صرخ على البحرية .. انزلوا الاشرعة .. فهرعوا جميعا .. ولم يبقى شراع منتصب .. وما هي إلا برهة ، فكان ما توقعه حذر الريس  .. هبت عاصفة كادت ان تحطم الفرقاطة .. استمرت لليلة ويوم .. وكنا نرى النهايات الحزينة تتحلق بنا .

         الليلة الثانية ..  رجل تركي اسمه قرمان .. اقترب من حافة الفرقاطة يبول ..  وقع في البحر .. حاول الريس انقاذه .. ولم تجدي محاولاته .. الرياح الشديدة حالت دون ذلك .

    عصر اليوم التالي .. بانت لناظرنا معالم ” القصير ” .. وصلناها ساعة الغروب .. كان ينقصنا الماء .. فأقمنا ليلتنا في البحر .. وفي الصباح وقد اضاء كوكبه ولاح ، وبزغ الشمس على رؤوس الاشهاد العوالي .. والبطاح الخوالي .. نزلنا الى القصر .. بلدة من حواضن البؤس  .. لا ماء .. ولا زرع .. ولا شجر .. كل ما تحويه .. يأتي اليها من خارجها .. وداهمني المرض بالقصير .. فوقعت طريح الفراش  سبعون يوما .. كان برفقتنا رجل من اهل الغرب .. يقال له الحاج ادريس .. يتولى خدمتنا ..  وكان يدعي انه مرابط .. وفي الليل تراه راكعا ساجدا مستغفرا .. حتى قلنا عسى ان ينفعنا ببركته .. ووثقت به .. وذات يوم بعدما شفيت .. خرجنا عند مقهى شاطئ البحر .. وطاب المقام .. قلت له : سأتأخر هنا .. خذ مفتاح الصندوق خزنتي .. واجلب لنا من السوق حاجة غذاءنا .. أخذ المفتاح .. دخل الدار .. فتح الصندوق .. اخذ كيس نقود به ثلاثمائة دور اسبنيوني ..  قفل الصندوق .. وهرب .

     منتصف النهار توجهنا الى الدار ، نتأمل ان يكون غذاءنا ينتظرنا وحان موعده .. استقبلتنا الجارية .. ولا غذاء .. وقالت : انتظرت ترسلوا  لي اللحم وما اطهي لكم .. لكنكم لم ترسلوا .. بقيت انتظر .. قلت لها : اوصيت الحاج علي ادريس بذلك .. قالت لم اره ..  هنا خطر ببالي الصندوق .. سألتها :  هل ترك عندك مفتاح الصندوق ؟ قالت لم اره ..  قلت سبحان الله .. لعله وقع في شجار مع احد الفلاحين في السوق .. ضربه وسجن .. اعرف انه رجل عصبي المزاج .. توجهت الى سجن القصير .. لم اجد له اثر هناك .. تعجبت .. ولم يخطر ببالي بعد امر الدراهم ..  انتظرنا حتى قرب الليل .. لم يأتي الحاج ادريس ..  في الصباح سألت عن اهل البلدة .. لا احد عرف مكانه .. او قابله ..  عدت للدار .. تفحصت الصندوق .. لم اجد كيس الدراهم .. استأجرت رجل وهجين يتتبع اثره في النواحي المجاورة ..   نواحي طريق اقن .. فلم يجد له اثر .. عند ذلك .. صبرنا لحكم الله .

       خرجنا من القصير نحو اقن .. براح ممتد .. ارض جبلية حجرية .. حواضن البؤس .. لا زرع .. ولا ضرع .. لا شجر .. ولا نهر .. مسير خمسة ايام .. وفي اليوم الخامس بلغنا اقن .. بلدة صغيرة .. زرعها كثير .. وأكثر ما يقرف فيها .. صلافة نسائها .. فما ان يروا رجل غريب عن المكان .. حشروه ببيوتهم قسرا .. واغتصبوه .. وان كان رجل يستحي ويخاف ربه .. يعطي لهن النقود .. فيطلقن سراحه طاهرا .. وفيهن نساء مليحة الطله .

      التقيت رجل شريف من اهل طرابلس يقال له الحاج محمود بن عثمان .. كبير السن .. ركبنا سويا البحر حتى وصلنا بلاد جرجت .. بلدة مليحة ..  على مقربة منها مآثر الاولين وقصورهم .. القمح عندهم رخيص الثمن .. وجميع المأكول .. دقيق القمح ثمانية قروش للقنطار .. البشماط اثنى عشرة للقنطار ..  الكسكسى الجاف عشرة قروش للقنطار ..  أقمنا بها اربعة ايام .

      توجهنا منها حتى وصلنا الى اسيوط .. بلاد مليحة .. لا رأيت احسن منها .. الوالي حسين ابن محمد علي باشا .. بها جامع كبير .. وكثر هم حفظة القران ..  وفي اسواقها متسولون بالقران .. نساء ورجال .. وفي حوانيت التجار .. الكتان الازرق .. والمزخرف  .. الذي ينقل الى نواحي فزان وبني غازي .. وكثيرا ما تجدهم منهمكين في اعداد ” الدواية ” .. لنفث التبغ .

      رحلنا وفي اثناء سيرنا .. مرض رفيقنا الطرابلسي .. ومرض ابنه .. ووصيفه ، فلما وصلنا الى بن فلوط ، نزلنا واستأجرنا بيت  .. اقمنا بها خمسة عشر يوما ، ..  بلاد مليحة .. ينسجون الكتان والقماش .. يزرعون القمح الشيء الكثير .. وجميع الحبوب .. بها فقهاء وأعداد كبيرة من حفظة القرآن ..  ولما تعافى الرجل وابنه وغلامه .. رحلنا .. عبر البحر ..  وصلنا بلاد ” المنيه ”  .. وتابعنا سيرنا منها الى بلد صغير تليها .. فنكس المرض بالطرابلسي ..  فمات على المركب ..  في البحر .. ترك اثنى عشر ومائة دور اسبنيون ..  ومن المسك والعنبر والقماري والزبد الشيء الكثير .. اشتراه من من مكة ليبيعه في ارض طرابلس .

      توفي الطرابلسي عرض البحر ولا وقت لدفنه حتى تتوقف المركب .. قال ابنه .. لنرميه في البحر .. فلم اقبل منه قوله .. وحال توقفنا .. حملنا الجثمان خارج المركب الى شاطئ البحر .. سلبه ابنه كل ما يرتدي .. وتركه عريانا .. وأخذت ملاية كنت قد اشتريتها من اسيوط .. سترت بها جثمان الرجل .. وقلت لابنه : نستأجر له ونحمله معنا .. قال : لن احمله .. ولن ادفع لأجل ذلك .. فاستأجرنا الى اقرب بلاد .. مسافة ساعتين .. يقال لها الزاوية .. غرب بحر النيل .. اشترينا الكفن على حسابنا .. ودفنا الجثمان .. ولم يأبى ابنه حتى حضور لحظة دفن ابيه .. ثم عدنا وركبنا البحر نحو مصر .

     في اليوم الثاني بلغنا مصر .. واستأجرنا قرب الفحمين مع رجل من اهل طرابلس يقال له الحاج سالم بن سالم .. اقمنا بمصر اربعة عشر شهرا ..  وفي كل يوم كنا نتردد الى الجامع الازهر .. نحضر الدروس ..  وقفنا بمزاراتها .. سيدي عبدالله ابن ابي جمرة ..  الامام الشافعي ..  الحسن والحسين .. الست زينب ..            

 

       مصر بلاد مليحة .. اهلها لهم في جميع الصنائع ..  يحكمها الملك المرحوم صاحب الفخر والثناء الذي اخذ بعقله وسياسته ملك مصر والسودان وزاد مكة ..  ولو لم يزرع الانجليز المكيدة بينه وبين السلطان محمود  ، لكان اخذ ملك وبلدان .. من بر الترك ، وزاد ملك طرابلس .

     ربطت والدي صحبة مع محمد علي باشا رحمه الله .. قال له ذات يوم : نحن نطرد الترك من طرابلس ، ونوليك ملك فزان وطرابلس ..  ونجر مياه النيل حتى ارض طرابلس .. ويصبح  جميع بر العرب بأيدينا .. لكن ما ان علم الانجليز بذلك .. زرعوا فخاخهم .. اشعلوا نار الفتنة  بين السلطان محمود وبين محمد علي باشا .. وخرج ابراهيم باشا من الشام .. ترك خلفه كتائب جنود ومحال .. وكان سبب خراب الارض .. هم الانجليز .. ولولاهم ما خرج بونابرت من مصر ، ولولاهم ما اشتعلت فتنة بين محمد علي باشا والسلطان ..  ولولاهم ما حدثت الفتن في بر طرابلس بين يوسف باشا واولاد ابنه محمد بي الدباح ..  ولكن اوصيك يا قارئ كتابنا فلا تأمن من الانجليز ، انهم يشتهوا خلق الفتن في جميع البلدان .. واجزم ان سبب خراب ملك المسلمين والروم هم الانجليز .

      ارادنا العودة الى سيوه .. ومنها الى ارض تبو .. حيث اخينا امحمد ، وأعمامنا   الساعدي وعمر ..  جاءنا الخبر .. بقى من منهم سوى عمي عمر ، وامحمد ، والساعدي ، والشيخ غيث صغير ، واحمد .. فأشار الينا ابن محمد بي الدباح ابن يوسف باشا .. وكان بمصر ..  اذهب الى الاسكندرية .. وانسب عرقك الى اهل الغرب .. واركب البحر .. وتوجه الى اسطنبول .. واسعى لعرض حال لدى السلطان .. لعله يعيدك الى بلادك .. راق لي رأيه .. توجهت الى الاسكندرية .. استأجرنا دار للسكنى ..  مرضت خديمتي الحبشية التي اتيت بها معي من مكة .. اصابها الجدري .. فماتت .

       ركبت البحر .. وتوجهت الى اسطنبول  .. اقمنا في البحر ست عشر يوما ..  ودخلنا الى شان قلعة ، وبلغنا اسطنبول .. استأجرنا دار للسكنى بـ ” اسكي بزار ” ..  خان به بيت ..  وكان معنا شيء من العنبر ،  ومن الاحجار اليماني ، وشيء من زيت القرنفل ، وشيء من عود القماري ، فأتى الينا رجل اسمه قاسم الجربي ، وشريك له يقال له سليمان الجربي .. اشتروا ما عندنا من سلعة  .. وكل من سألنا احدهم من أي بلاد ؟ .. نقول :  من اهل الغرب ..  ثم جمعتنا صحبة مع رجل شامي من عكا يقال له الشيخ محمد العكاوي ، يجيد الكتابة بقلم الترك .. فكتبنا عرض حال الى السلطان عبدالحميد .. وأرسلتها الى ديوانه .. ذكرت فيها من حيث قدمنا .. وفي الليل داهم ارباب دولته دار اقامتي .. وأجدني وقد ركبت البحر الى بلاد طربزان .. وبها سجن كبير يحتجز به عدد كبير من اهل طرابلس .ومشايخهم  .. الشيخ غومه المحمودي كان من بينهم .. لقد صدق نوايا الانجليز .. ولو انه لم ينصت لكلام فدريك ابن القنصل الانجليزي ، لما وقع خلف القضبان .. وبينهم الشيخ سلطان من ترهونة .. والشيخ القمودي من غريان واولاده ..  وكثير من اهل طرابلس .

      بقيت خلف قضبان سجن طربزان ثمانية اشهر .. بعدها وفقت رفقة رجل من اكابر الارناؤط .. استأجرنا مع رجل قبطان من الافريق بستة ألاف قرش نحن الاثنين .. لبسنا لباس الافريق .. ابحر بنا الرايس .. وعند بلدة  ” تحطن علمي ” .. حمل المركب بالشعير والواح الخشب .. وتوجهنا الى جزيرة مالطا .. مكثنا في البحر اثنى عشر يوما .. ثم دخلنا  مالطا  .. وثم حجزنا في ” كرنتينة ” بمالطا اثنى وعشرين يوما ، حتى سمح لنا بدخول البلاد .. اقمنا بمالطة ستة ايام .. لم يعرفنا احد ونحن نرتدي لباس الافريق .. سوى رجل محب لنا ، اوصيناه ألا يفشي سر وجودنا هنا .. وركبنا من مالطا الى جربه ..  اقمنا بها عند رجل محب لوالدنا اسمه الحاج محمد بن سليمان من اكابر تجار اهل جربة .. استضافنا في داره ..  وأقمنا عنده اثنى عشر يوما .. نتسقط اخبار احبابنا في طرابلس .. وكتبت ” ابريات ” .. عن رغبتي في الرجوع الى الاسكندرية .. رفض وكيل اهل طرابلس منحي التصريح .. وتوجهت الى صفاقص بحرا .. قصدت  الحاج علي الشريف ..  قلت له : نحن اناس من اهل الغرب .. ولنا عشرة مع اهل درنة .. قدمنا من بلاد اسطنبول تجار الى جربه .. وأردنا الركوب الى الاسكندرية .. لكن الوكيل رفض .. نريد همتك .. وان تكتب لنا تصريح ..  قال : لا دخل لي بهذه الدعوة .. توجه بها الى تونس .

       ركبنا البحر نحو تونس .. مررنا ببلدة ” سوسة ” .. بلاد رائعة .. غرس الزيتون مد البصر ..  الكرم .. الرمان ..  يحكمها  ” خزندار ” احمد بي .. وهو رجل ظالم معتدي وفاسد  ..  من سوسة توجهنا الى تونس برا ..  بلغنا تيسية ..  سبخة الجريبه .. ثم عبرنا ببئر قديم من عمل الناس الاولين .. جوار البئر قصر لرجل جربي ..  وكل من اتى عابر سبيل ليلا يجد ما يقتات .. الطعام والشراب ..  ومنه توجهنا الى تونس .. عبرنا ” بئر البيت ” .. وجدنا قصر من مآثر الاولين .. يقال له قصر الزيت ..  كبير فخم .. في مقابله حمامات .. وقريب منه تماثيل حجرية كتب عليها بقلم الناس الاولين .. بلغنا غابة لأشجار الدروي  .. ورأينا صيادين كثر يترصدون الخنزير ..  تابعنا سيرنا ..  بلغنا بلاد ” تركي ” .ثم ” حمام الانف ” .

        في حمام الانف الماء يتدفق زلال من باطن الارض .. وقريب منه جبل .. تقول العرب انه لما هرب عبدالله ابن ابي جعفر ببنت الملك من تونس .. ولاحقه جند ملك الروم يريدون قتله ،  حمل بنت الملك سفح الجبل .. وضرب بسيفه الجبل فاحدث فلق .. خرج منه وواصل هربه ببنت الروم الى القيروان .

      بلغنا تونس .. استأجرنا بيت في وكالة العطارين .. ويقال لها وكالة الحنة .. زبائنها هم في العادة من الناس التجار .. اقمنا بتونس .. وتجولنا بحواريها الرائعة .. وكان كلما سألنا احدهم ( من اين ) .. نقول من اهل الغرب .. ولا علم بنا سوى  الشيخ الميلود ..  جبالي كان وكيل الشيخ غومة  .. اسروه الترك وقادوه الى اسطنبول ، كما اقتادوا الشيخ غومة الى سجن طربزان .. اطلق سراحه .. ركب البحر الى مالطا .. ومنها الى جربة .. ومنها الى جبل يفرن .. وعاد للقتال .. وقتل قائد بالجبل .. قتلت محلته  كثير من اهل الجبل .. لكنه بعدما ضاقت عليه .. فر الى تونس .

       حال سماعه خبر وصولنا ..  اتى الينا ..  وسألني .. من اي بلاد انت ؟ ..  قلت له من اهل الغرب ..  قال : نحن نبحث على رجل عاقل يعمل كاتب عندنا ، ولما سمعنا بك .. وذكروا لنا انك صاحب عقل وحنكة بالسياسة .. رغبنا ان تكون بيننا .. قلت له : امهلني اربعة ايام للرد .. واخترت استشير رجل محب لنا .. قال لي : ان كنت تستمع نصحي اليك .. وتأخذ به .. ابتعد عن هذا الرجل ” بن عياد ” .. شيطان يتلبس صورة انسان .. ديدنه ما ان يسمع بقدوم رجل ذو فهم ومعرفة .. اتى اليه يستلطفه الدخول في عصبته .. ثم ينقلب عليه .. يسلبه ما عنده .. ويرميه بالسجن .. لقد فعلها كثيرا مع اناس من اهل جربه وغيرهم ..  بل هو سبب خلاء وطن تونس ..  لا له معرفة بصنعة .. ولا  سياسة ومنعة .. قليل الدين ..  يرتع في هيلامانه .. وما ان رأى او سمع بطفل جميل لعائلة ما .. ارسل اليه .. وسلبه من ابيه .. وراوده غصبا ..  وجعله مملوك عنده .. لا يجامع إلا الذكور .

   حدث ونحن في تونس .. انه سمع عن وسامة ابناء قاضي الجبل .. وهم اربعة اطفال .. فأرسل للقاضي يطلب ارسال الولدان الاكبر اليه .. لجعلهم مماليك عنده .. ارسل اليه القاضي موافقته وتشرفه بحظ خدمته .. قال له : لا اولادي .. ولا مالي .. ولا انا .. يعزون عليك .. وبعد ثمانية ايام .. اتيك بأبنائي الاربعة .. خذهم لما اشتهيته .. فرح بذلك الجواب .. وظل ينتظر .. اما القاضي .. حمل ماله وأولاده والتجأ الى دار القنصل الانجليزي .. ورحلنا عن تونس .. ولا زال وأبنائه حبيس دار القنصل .

       جميع الرعية تكرهه .. لكنه البي الحاكم بأمره .. ولو ان اجنبي اراد احتلال تونس .. فلن تصرخ في وجهه طلقة بارود واحدة .. بل وأكثر الناس اختاروا مغادرة تونس هربا من سطوته .. كان بن عياد وبالا على تونس واهلها .. وسبب خراب ملك تونس ..  سارق كذاب .. يشتهي الاستيلاء على ما بيد الناس .. يستمتع بإذلالهم وظلمهم .

   اشتكى اكابر تونس للسيد حسين .. قالوا له كيف يكون بن عياد حاكما علينا وهو رجل اصله من جربة .. وليس من كبار مشائخها .. علم بذلك بن عياد .. قال لهم انا اصلي رجل من اكابر عرب المحاميد بارض طرابلس .. وأرسل بن عياد الى الشيخ غومه اولاد محمود .. قال له :  اريد منك ان تكتب لنا شجرة انساب .. تذكر فيها ان اصل بن عياد من اكابر المحاميد .. ولك مني عشرون الف ريال ..  فكتب له الشيخ غومه شجرة تأتي على ذكره .. وارسلها اليه .. ليبعد عنه تهمة الجربي المجهول .. واما الحقيقته .. بن عياد لا ينتمي لقبيل اولاد محمود ..  وما هو إلا جربي  ابن جربي ..  وما كبر وعلا شأنه إلا في وطن تونس .. وكانت الحيلة والخديعة سلاحه للارتقاء .. اغتصب اولاد الناس ظلما .. ولو عاش محمود صاحب طابع تونس .. ما بقى من جنس بن عياد احد ..  ولكن جعل له بن عياد حتى قتله البي ، وهذا ما علمنا من امرهم .

     عندما جاء الينا الشيخ ميلود .. وكيل بن عياد على رحبة الغنم بتونس .. قال لنا سيدي يريدك ..  ووعدته ” غدا انشاء الله نتوجه اليه ” .. وقصدت في الحال الرجل المحب لنا الذي نصحني بالابتعاد عنه .. بت ليلتي .. وفي الصباح قصدت المركانطي .. استأجرت بغل بأربعمائة وسبعون تونسي ، امتطيته وتوجهت الى سوسة .

 

مذكرات رحالة من فزان 1852 – ( 7 )

  

 

       يوم الثاني عشر من شهر رجب .. تأتي القوافل من مكة والطائف .. ومن جميع بر الحجاز .. يرحل اهل المدينة .. لا يبقى إلا القليل .. تقيم المراحيل ثلاثة ايام عند قبر سيدنا حمزة .. ويوم اثنى عشر .. يوم اغتيل .. وان كان في سائر الايام مزاره مكتظ بالمتبركين .

     ليلة الخميس .. جبل احد .. ممتد تكسوه حجارة حمراء  ..  اعلى الجبل  قبة سيدنا هارون .. وفسقية من عمل الناس الاولين .. اذا هطل المطر .. امتلأت .. قرب المكان .. اصنام حجرية وتماثيل .. كتب عليها بقلم الاولين .. ظهر الجبل غربا .. عين البركة .. واصل التسمية .. انها عين قديمة .. طمرها التراب .. فاراد اهل البركة في سنة ستين ومئتين والف .. حفر العين وتجديدها .. سقاية النخل والابل .. وكان امامها بناء قديم .. فلما دخلوه ..  عثروا على جثامين لسبعة عشر رجل ..  وسيوف بأيديهم .. وأجسادهم لم تتحلل ..  وكأنهم نائمون .. ابلغوا شريف باشا امير يثرب .. حضر وتفقد بنفسه .. وقال : ردوا عليهم التراب .. هؤلاء اناس ماتوا مجاهدين .. ردوا عليهم التراب .. وتوقفوا عن حفر العين .. موضع العين القديمة .. قريب من موضع الجديدة .

        اشجار النخيل تحف المدينة .. حزام اخضر  .. ظهرها مسجد القبلتين .. منبر نحو بيت المقدس .. ومنبر اخر نحو مكة  .. غرب المدينة جبل حجري ضخم .. اعلاه مغارة .. وبيوت امام كل منها حجر كتب عليه بقلم الاولين ..  قبلي المدينة مسجد قبا ..  اول مسجد بناه المسلمين .

      عندما خرج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مهاجرا من مكة الى المدينة .. عبر وادي قبا .. وأول من قابله هناك .. فتاتان من بنات النجار .. يعملان بالحقل .. وفي ايديهن طار .. ودف .. يغنون ترحيبا بقدومه  :

يا مرحبا يا مرحبا .. بهلال هل في وادي قبا .

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ما دعا لله داع

أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع

جئت شرفت المدينة

مرحباً يا خير داع

      مكتوب في الاثر النبوي عند اهل المدينة .. من زارني ولم يزر بنات النجار .. لم تقبل منه زيارة .. بنات النجار استضافوا النبي .. واول من هللوا لقدومه .. ونزل عندهم يستريح من عناء السفر والمهجر .. وبالموضع بني جامع قبا ، كتب اعلى الباب ..  ( هذا اول مسجد اسس على التقوى  ) .. بئر ماء غرب المسجد .. يقال لها ” بير الخاتم ” .. فيها سقط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم .

          ” الجيشية ” .. جنائن تتحلق حول المسجد متنوعة القطاف .. النخيل .. العنب .. الرمان .. التين .. الغلال بأصنافها .. وأبار تروي الزرع بالدلو والجمال .. جنائن مسجد قبا لا تضاهيها جنائن اخرى بالمدينة .. بها ستة ابار .. وجملين على كل بئر للسقاية ..  بلغت قيمة منتوجها السنوي هذا العام .. اربعين الف قرش .

       ثمر ” الشلبي ” .. شهير عندهم .. الصاع .. بسعر ستون قرشا .. وسبعون .. وللثمر عندهم انواع حسب الفسيلة .. تمر الحلية .. الوحشي .. الغزاب .. الطابون .. العلجية .

        العين الزرقه .. يقال ان ماءها ينبع من ارض بغداد .. كما العين التي بمكة .. وسميت هكذا لشحط المسافة التي يقطعها الماء من ارض العراق الى ارض الحجاز .. ففي الاثر عندهم  .. العين الزرقاء لقبت به امرأة شهيرة بحدة النظر ..  كان لون صبي عينها ازرق .. وكانت تترقب القوافل القادمة وترصدها قبل الناس بوقت طويل .

     غرب المدينة  .. اقرب لناحية القبلة .. حطايا النخل يقال لها ارض الاجابة ..   كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ..  ان اراد ان يدعو ربه بالحاح .. واثقا بالاجابة .. ينزوي متوحدا بذلك المكان .. الدعاء مستجاب به .. هكذا سمعنا من اهل المدينة .. والله اعلم .

      اواخر الربيع واوئل الصيف .. تأتي قوافل العرب محملة بالسلع .. السمن بالاوقية .. في كل رطل ست عشر اوقية .. رطلين ونصف بسعر ستون قرش .. فيما الدور الفرنسي .. سنة ستون .. يعادل اربعة وعشرون قرش .

       تجلب القوافل من بر نجد الغنم ..  جميعها لونها كحلي .. ووجوهها بيض .. ومن غير قرون .. ولها إلية مكتنزة الدهن ..  وهي اوفر حجما من غنم برنو .

      عند بئر نجد  حيث الماء .. ملتقى القوافل .. عرب اهل نجد .. يربون الماشية ..  الغنم .. الابل كثير .. ولا افضل من مهاري نجد في الارض برمتها ..  لكن ما يتميز عندهم هي الخيل .. خيل نجد شهيرة ..  صبرها وجلدها وهي تعدو ..  خيل اصايل ..  وهي اقصر ظهرا من خيل بر الغرب .. واجود منها  .

     عرب نجد يرتدون ملابس اشبه بملابس اهل مكة والمدينة .. يمتشقون سلاح الفتيل .. والأكابر منهم والأغنياء تتصدر احزمتهم ” جنبية ” .. موشحه بالذهب او الفضة  .. وجنبية من نحاس لرقيق الحال .. ومن ادرع الغنم يصنعون .. اسباس .. ينظفون مجرى وسط العظم .. يعلقونه رقابهم بسلسلة فضة .. يلازمهم اشبه بالمسبحة .. يدخنون به التبغ .. وعندهم هذا شيء جليل .. ويدخنون الغليون .. وهم اناس كرام .. وهذا ما شهدنا من امرهم .

          توجهنا الى مكة ثانية .. وعدنا للمدينة .. والى الصفرة والجديدة مع رجل من اهل الصفرة والجديدة اسمه درغام .. نزلنا داره ..وتنزهنا بحقله ..  اشجار الارنج .. التين .. الموز .. النخيل .. الحنة .. ومن الصفرة والجديدة توجهنا الى بدر وحنين .. ومن بدر وحنين توجهنا الى ينبع النخل ..  تزدهي بالنخل وماء العيون ..  ومنها خرج مولاي ادريس الاكبر .. دفين الغرب ..  ومن ذريته مولاي سليمان .. ومولاي عبدالرحمان .. كان اليزيد بن معاوية قد انتصر على خصمه سيدنا الحسين رضي الله عنه .. وقتله بارض الكرب والبلاء  .. ثم توجه الى المدينة وغلبها وقتل الكثير من نسل الاشراف .. وضاق الخناق علي مولاي ادريس  .. هاجر غربا .

        في بلاد المغرب وجد الترحاب .. وتزوج ابنة سلطان البربر ..  زمن سلطنة بني مرين .. ثم مات السلطان .. فبايعوا مولاي اديس سلطانهم .. ومن نسله اشراف المغرب .. وابنه ادريس الاصغر .

        من ينبع النخيل توجهنا الى ينبع البحر ..  بلاد مطلة على ساحل البحر .. لا غرس ولا زرع .. وفي ناحية الغرب صروح لمآثر الاولين .. قصورهم وبصمات اقلامهم على الجدران والحجر .. مرسى بحري .. يأتي اليه القمح والرز وجميع الحبوب من مصر .. تكثر به حشرة الذباب الطائرة .. لا تترك لك فرصة لتناول طعام .. نزلنا في دار رجل من اشراف ينبع اسمه السيد عبدالعالي .. وفي الليل اطلعنا على كتاب يؤرخ لغزوات الصحابة للجاهلية .. نقلنا منه غزوة وادي السيسبان .. غرب الجبل ..  عشب الطرفة الناضجة .. وقصب رعي الماشية .. الاغنام  .. البقر .. وادي خصب تكتنز عنده الطير والأنعام .. وهي هكذا :

       قال ابن عباس رضي الله عنه ، صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. واسند ظهره لحائط محرابه وهو يحدثنا ونحدثه ، ويخاطبنا ونخاطبه ، فلا يعلو كلامنا على كلامه ، ولا خطابنا على خطابه ، فإذا بأعرابي قد اقبل علينا من البرية يمتطي ناقة اضناها السير بالليل والنهار .. نزل من على ظهرها ، ربطها بفضل زمامها في صحن باب المسجد .. وقال السلام عليكم يا معشر النبوة ومعدن الرسالة ، افيكم محمد بن عبدالله المختار من خير خلق الله ، فقال له رجل من الانصار: اما تنظر الى صاحب الوجه الاقمر ، والجبين الازهر ، فذلك سيد البشر ، فعرف بذلك الاعرابي .. نهض وتخطى الصفوف حتى اتى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : الصلاة والسلام عليك يا رسول الله ، فإني رجل من اهل مكة ، كانت لي رجال وأبطال ، فقام الدهر عليّ فأبكاني في رجالي وأبطالي .. رحلت الى ارض اليمن امدح الرجال والأبطال لعلهم يعطوني شيء استعين به على زماني ، فلما عبرت عند ارض اليمن .. نالني العطش .. صادفني سارح اغنام .. قلت له : انهكني العطش .. هل لي عندك شربة ماء ؟ .. قال :  كأنك يا فتى من غير اهل ارضنا ، جاهل بنا .. كيف تطلب الماء في ارضنا ؟  .

    قلت له : انا من ارض مكة ، وكان لي مال ورجال ، فقام الدهر عليّ فأبكاني في مالي ورجالي ، واتيت امدح مشائخ العرب لعلهم يعطوني شيء استعان به على زماني .

     رفعت بصري .. رأيت قصرا عالي القرار .. فسيح الباحات .. سألت السارح .. ما اسم ذاك القصر ؟ ..  قال لي : القصر اسمه قصر الارقم .. وسيدته ومالكته  تدعى حسن بنت منعم ..  اما المضارب والخيام لملك من ملوك العرب الجاهلية اسمه العفريط ..  عنده سبعين محلة .. في كل محلة سبعون الف فارس ..  عاهد نفسه على ان يتزوج صاحبة هذا القصر .. وان يقدم لها كل ما اشتهت وطلبت ..  من مال ورجال ..  فقالت له لا اريد منك مال ولا رجال ..  اريد منك ان تأتيني براس محمد ، وابن عمه علي ابن ابي طالب .. عندها سأتزوجك .. فلما سمع قولها .. جمع جنوده ومحاله .. وها هو قادم اليك ..  فلما علمت بذلك .. اتيت اليك وأخبرتك صلى الله عليك وسلم .. فما اتم الاعرابي من كلامه إلا وأبواب السماء قد فتحت .. نزل جبريل ..  وقال : السلام عليك يا محمد ، العلي الاعلى يقرئك السلام .. ويخصك بالتحية والإكرام ، ويقول لك .. صدق الاعرابي فيما اخبرك ..هؤلاء يكيدون لك وقد جمعوا اربعمائة الف فارس .. فإن سبقوك الى وادي السيسبان غلبوك وانتصروا عليك ، وان سبقتهم غلبتهم وانتصرت عليهم . فقال اين بلال ؟ فأجابه بالتلبية ، فقال له اذن في الناس للجمع ، فركب بلال صحن المسجد وقال : يا معشر خلق الله ورسوله ، اركبوا الى الجهاد ، فبادروا للنبي صلى الله عليه وسلم ، فاجتمعت القبائل على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال لهم : هل بقى في المدينة احد ، ، فقالو له ما بقي في المدينة إلا طفل صغير لا عقل له ، او شيخ كبير لا جهد له ..  فقال لهم : القوم عبادون الاشجار .. اتوا بأربعمائة الف فارس .. ولا كفتهم هذه الكثرة حتى اتوا بكبارهم وصغارهم ولا خلفوا ورائهم دنار ولا نافخ نار .. كيف نذهب لحربهم ونترك حريمنا خلفنا ..  فقال اين بلال ، فأجابه بالتلبية ، قال له اذن للناس من له حريم فليأتي به الى بيت رسول الله ، فأذن بلال : يا معشر خلق الله ، من له حريم فليأتي به الى بيت رسول الله ، ولا يبقى بالمدينة سوى فاطمة الزهراء والحسن والحسين رضي الله عنهم .

    رحل النبي وجد السير اليوم الاول والثاني والثالث الى ثمانية ايام ..  صلى صلاة الصبح .. وقال : من يذهب يستكشف لنا وادي السيسبان .. وله قصر في الجنة .. فنهض رجل اسمه الداهية الكبرى والمصيبة العظمى ، عمر ابن اميه الضمري رضي الله عنه . فقال له : نحن يا رسول الله ، فجد السير حتى دخل وادي السيسبان ، فوجد به قصر يحده السهل والوعر .. بداخله تخت .. اعلاه قبة من الذهب ، واعلى القبة صليب من الذهب ، وتسعون كرسي من الذهب يجلس عليها تسعون وزيرا ، وكرسي بالوسط مرصع باحجار الزمرد الاخضر يعتليه رجل  كبير السن .. يستحلفون اصنام يعبدونها على قتل محمد وابن عمه على بن ابي طالب ..  عاد عمر ابن اميه على عقبيه .. وفي اليوم الثاني من وصل المدينة  وقت اقامة صلاة العصر ، صلى وراء النبي .. التفت الرسول للمصلين .. فوجده بينهم  ..  قال يا عمر ابن امية اخبرني بحقيقة الامر ، فاخبره بما رأى .. بكى النبي .. وبكت كافة المسلمين لبكائه .. فقال اعلموا يا معشر المسلمين ، ان هذه الغزوة يشيب منها الوليد ، ويلين لشدتها الحديد ، فبكت المسلمين .. فأتى اليهم رجل اسمه خالد ابن الوليد وقال له .. ضع في امرتي عشرون الف فارس .. نثخن بهم ..ونغلبهم .. ببركتك .. قال رسول الله اين بلال ؟ . فأجابه بالتلبية  .. قال له .. اذن للناس بالرحيل .. قال بلال : يا معشر المسلمين ، ويا خير خلف الله ، ارحلوا بارك الله فيكم ، وأحسن اليكم … رحلوا .. وفي اليوم الثالث دخلوا ارض الوادي .. حطت الرحال للاستراحة .. صباح يوم اثنى عشر .

     رأى النبي جيش المشركين فعرفهم ، وراء العفريط جيش المسلمين فعرفهم ، وكان عند العفريط وزير اسمه الحلام ..( رأى في المنام انه يسلم على يد رسول الله ) .. قال : له ما هذه القوم يا وزير ؟  فقال له : انك تريد ان تقاتل محمد وعلي ، ها هم سبقوك الى وادي السيسبان .. رد العفريط : هذه شرذمة قليلة  .. مثل سراح الابل عندنا ، فقال له لا تستخف بالشرذمة القليلة .. ففيهم خالد ابن الوليد ، والمقداد ابن الاسود ، والزبير ابن العوام ، وعبدالله ابن مالك ، وفيها الرجال الابطال .. قال له : اذا تريد .. اذهب معهم ،  عندي غلامين ، لو امرت واحد منهم .. لأتاني برؤوس الذي طلبت مني حسنة بنت منعم .

     رتب وزرائه يمينا وشمالا ، وقال النبي : اتوني بصف الرايات ؟ فأتوه بها ، فأخذ راية حمراء وسلمها سيدنا عمر بن الخطاب .. كتب عليها نصر من الله وفتح قريب .. وراية خضراء عقدها على سن رمح طويل ، وسلمها لسيدنا عثمان ابن عفان .. كتب عليها وما النصر إلا من عند الله .. اعطى الراية بعد الراية حتى كملت الرايات .. دخل الخيمة صحبة سيدنا ابي بكر

     قال ابن عباس تقاتلون الله فوق ، وتجردون السيوف ، ولا ترى واحد إلا صريع او جريح .. ونار الحرب شعلت السنتها ، وعلا في السماء دخانها ، اليوم الاول ، والثاني ، والثالث ، والنبي وسيدنا ابوبكر يدعون نصر المسلمين على عدوهم ، فلما كان اليوم الثالث خرج النبي يتفقد المسلمين وما بقى من جيشه سبعة الف من ثلاثة عشر الف ، مات منهم ست الاف ..  ومات من الجاهلية العدد الكثير .. قال سيدنا ابوبكر : مات من المسلمين النصف وبقي النصف ولم تنزل آية الجهاد بعد ، فما ان تم كلامه ، إلا وابواب السماء قد فتحت .. وجبرائيل قد نزل بالوحي يرشد .. قال : السلام عليك يا محمد  ، العلي  الاعلى يقرئك السلام ، ويخصك بالتحية والإكرام ، ويقول لك بشر المسلمين ، قال فبما ابشرهم ؟  قال بشرهم بأن الله اشترى من المؤمنين اموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة ، وان لا يولوهم الادبار ..  فخرج النبي وقال : اسمعوا يا معشر المؤمنين الاية التي نزلت من الله في حقكم .. قرأها عليهم سيدنا ابي بكر ، فلما علم بذلك المسلمين اسندوا رؤوسهم على صفح سروجهم .. يتقدمهم خالد ابن الوليد ، وحملوا على المشركين ..  اليوم الاول والثاني ، وفي اليوم الثالث .. تفقد النبي جيش المسلمين ، فما بقي منهم سوى المسلمين سبعمائة فارس ، وسمع سيدنا عثمان ابن عفان يغيث ويستغيث ويقول : يا سيداه .. ويا ديناه محمداه .. وقد اصابته طعنة على سرته فوقع من على جواده الى الامام .. فلما اتى اليه النبي ، فإذا بفتاتان من  المهاجرين والأنصار قد خرجوا وعروا رؤوسهم وهم وراء النبي يقولون .. يا مهتك حريمنا ، ويا ميسر اولادنا ، فبكى النبي . وبكت جميع المسلمين ، ثم دخل خيمته ، يدعو مفرج الكروب .. قال اللهم سيدي ومولاي .. اسئلك بالذي بيني وبينك ليلة الاسراء ، إلا ان تغلبني وتنصرني وتأتيني بإبن عمي على ابن ابي طالب ، وكان علي بمكة .. في زيارة عمته عاتقه ..  قالت عاتقه : فصاح علي صيحة عظيمة وقال لبيك :  لبيك اللهم لبيك .. انا بين يديك ، ونهض قطيب الحاجبين  .. بين عينيه كأنه قطيب ياقوت .. واحمرت عيناه .. وهاج هوجة عظيمة ..  فقلت له مالك يا ابن اخي صرخت هكذا صرخة .. قال : يا عمتي ، رأيت ابن عمي واصحابه في شدة عظيمة ، وهو يغيث ويستغيث إليّ ، فقلت له يا ابن اخي ، اذا اردت ان تلحق به .. اختار السير ليلا . ففي مكة لا احد إلا وله دين او حق عليك ، لقد قتلت منهم خلق كثير ، وان ظفروا بك .. قتلوك .. فقال لها : لا  .. وعزت ربي .. سأرحل نهارا .. قالت عاتقه .. بقى على حاله حتى بزوغ  الشمس .. ركب الجبل .. وقال : يا اهل مكة .. من عرفني فقد عرفني ، ومن لا يعرفني فإني اعرفه بنفسي ، اني علي ابن ابي طالب ، فمن له حق علي ، او دين ،  فليرفع رأسه ويأخذه مني .. فقالت عاتقة .. فوالله ما لاحق الامام علي أي منهم ، حتى وصل وادي اليمون .. توضأ وصلى ركعتين ،  وقال : اللهم سيدي ومولاي اسئلك بالذي بيني وبينك وبين نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ، ان تطوي لي كل بعيد قريب ، وتهون علي كل شدة وضيق ، فما كان بزوغ شمس اليوم الثاني .. دخل المدينة يثرب .. وجدها خالية من الناس .. قصد داره .. فوجد السيدة  فاطمة الزهراء ، والحسن ، والحسين رضي الله عنهم .. فقال : يا فاطمة من اوعز لأبيك القيام بهذه الغزوة ؟ .. قالت له :  جبرائيل ..  فقال لها كم بيننا وبين وادي السيسبان ؟ . قالت : احدى عشر يوما ، وقد لا نصل اليه إلا وقتلوا أبي  ..  ومن معه من المسلمين  .. قال لها : هل ترك ابيك شيء من رواحله ، قالت : ناقة الغضب .. قال لها : حضريها .. حضرتها ، ركبت السيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين ، وجدوا السير ، اليوم الاول والثاني ، وفي اليوم والثالث وقد وجدت السيدة فاطمة الزهراء نفسها وزوجها واطفالها يجوبون صحراء مقفرة ، وطال السفر .. بكت ..  التفت اليها الامام علي وقال :  يا فاطمة .. بكائك  زادني بكاء .. وقد بكت ملائكة السماوات والارض لبكائك .. قالت له : كيف لا نبكي وبيننا وبين وادي السيسبان احد عشر يوما ..  منهم ثلاثة ايام وبقي لنا ثمانية ايام .. قال لها : يا فاطمة .. دعائك مقبول ، ويا حسن ويا حسين دعاؤكم مقبول ، ادعوا الله بجاه جدكما ان يطوي لنا كل بعيد قريب ، ويهون علينا كل شدة وضيق ، قالت فاطمة .. فرأت الناقة مسرعة حتى تكاد  تطير بين السماء والأرض ، فما كان وقت صلاة الظهر إلا دخلوا الوادي ، فقال للحسن والحسين : اقصدوا انتم وأمكم خيمة جدكما ، فقال يا ابانا نجاهد معك ، قال لهم .. لا زلتم صغار .. بارك الله فيكم ، وخرج الامام  للحرب .. قصد الميدان .. وكان العفريط يراقب .. ووزيره الحلام .. قال له :  يا وزير .. اني ارى طفل صغير لا نبات له ، يرتدي درع كامل .. من يا ترى يكون ؟ . قال له : هذا علي ابن ابي طالب ، فقال له : هذا المطلوب الذي طلبت مني حسنة بنت منعم ..  قال له نعم .. فقال لغلام من غلمانه اذهب اليه وقل له : اين كنت يا فتى ونار الحرب اشعلت نيرانها وغشي السماء دخانها ؟ .. ركب الفتى الفيل .. اقترب منه وقال ، دون ان يفشي السلام ..  يقول اليك سيدي اين كنت يا فتى ونار الحرب قد اشعلت نيرانها وعلا في السماء دخانها .. قال له  كنت في مكة ، فقال له : متى خرجت من مكة ، فقال له : نحو اربعة ايام ، فقال له : متى حضرت ، قال له : الساعة .. ثم شهر سيفه .. وبضربة واحدة جدع اذن الفيل .. ولطم بها وجه الغلام .. فعاد مذعورا  .. وشرد الفيل ينزف دما .. ولما بلغ سيده اخبره بما كان .. قال له .. ماذا قلت له ، وكيف كان رده .. قال له : قلت له اين كنت يا فتى ؟ ونار الحرب قد اشعلت نيرانها وعلا في السماء دخانها ؟ .  فقال لي : كنت بمكة .. ومتى خرجت من مكة ؟ . قال منذ نحو اربعة ايام ، ومتى حضرت الى هنا ؟ .  قال لي الساعة الان .. ثم اشهر سيفه وحف اذن الفيل .. خلعها ولطمني بها .. قال له : ارجع اليه وقل له : عد من حيث الطريق الذي قادتك الى هنا .. ولسوف يأتيك سيدي .. وسيقتلك شر قتلة .. او بأخذك اسير عنده ..  فرفض الغلام .. فأرسل اليه غيره ليبلغه ما قال سيده .. فلما سمع الامام علي من الغلام ذلك القول .. شهر سيفه .. وضرب رقبة الغلام .. سقط ومات .. عجل الله بروحه الى النار وبئس القرار ..  فلما رأى العفريط غلامه .. قال لوزرائه اطلبوا المبارزة معه .. قالوا : لا احد جدير بمبارزته سواك .. وانت لذلك اهل .. قال نعم : انا لها .. انا انازله .. سأتيكم برأسه .. وان غلبني .. اطلبوا النجاة لأنفسكم ..  جيشهم ردع .. وهذا الرجل ردع اخر .. صنديد وفارس عنيد ..  قال ابن عباس رضي الله عنه : تقابل الاثنان .. كأنهم جبلين شامخين .. او صيدين جسورين .. وحملو على بعضهم .. ومضى اليوم الاول والثاني والثالث .. والنبي وجميع الصحابة يدعون له بالنصر على عدوه ، وفي اول ساعات النهار الثالث ..  سمعوا صيحة الامام علي ..  بسم الله .. الله اكبر .. فتحا ونصرا .. ابشر يا من كفر بالويل والمحق ، وضربه بسيفه ذوي الفلقتين .. فحز رأسه .. فلما رأى الوزير الحلام قتل سيده .. اتى طائعا عند قدم الامام علي .. أراد الامام علي ان يقتله ، فقال له : امدد يمينك .. اني اقول لا اله إلا الله محمد رسول الله . فقال له : لا يتم  اسلامك حتى تجاهد معي ..  فجاهد معه .. وبدأت سيوف المسلمين تحز رقاب المشركين .. اليوم الاول والثاني وفي الثالث .. تحقق النصر للمسلمين .. وتفرق شمل المشركين .. أطمأن المسلمين بالظفر .. دفنوا اخوانهم .. لملموا الغنائم .. تقاسموها ..  ورجعوا الى يثرب .. مؤيدين مسرورين .. والحمد لله رب العالمين . وقد تمت غزوة وادي السيسبان وما نظرنا في الكتب كتبناه ، وما يعلم بالغيب إلا علام الغيوب والسلام ، وكل انسان ميزه الله بالعقل يخمن هذا القول وغيره ، والعارف لا يعرف ، والسلام على القارئ والمستمع من لسان محمد بن عبدالجليل بتاريخ سنة 136 هـ.

مذكرات رحالة من فزان 1852 – ( 6 )

    

     

   بدر وحنين بلدة صغير ..  عين ماء شرق البلدة ..  بين الشرق والقبلة .. حافة العين شجرة سدر كبيرة  ..  ناحية القبلة مآثر الاولين .. تلال وحجارة اصنام .. شهد ذلك المكان نزال الحرب بين المسلمين بقيادة الرسول ..  سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه .. ومات خلق كثير من الصحابة ومن الجاهلية .. وفي الليل رأى كل صحابي منهم انه ينام في بيته .. يجامع زوجته .. فلما اصبح النهار .. حاصرهم جيش الجاهلية ..  فلم يقوى ايا منهم على بلوغ الماء .. والتطهر من الجنابة .. فأمطر الله عليهم مطرا .. ابتلت اجسادهم وملابسهم .. واغتسلوا .. وكان الحرب على اشدها ..  سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يمتطي بغلة بيضاء ذلك النهار  .. وحال حمى وطيس المعركة .. وتقهقر جيش المسلمين .. تحص الرسول بالغار سفح الجبل .. قرب بدر وحنين ..  زرنا ذلك المآثر حيث وقيعة الحرب ..  كتابات على صفح الاحجار  .. منها بقلم الاولين .. واخرى بقلم العرب .

      اقمنا ببدر وحنين يوم واحد ، وفي الغد بعد نصف النهار اقبل علينا الركب الشامي ، فرحلنا ..  وتركنا الركب الشامي مقيم بالمكان ..  توجهنا نحو رابغ .. ومن رابغ الى خليص ..  ومن خليص الى وادي فاطم .. نزلنا قرب المرابط سيدي محمود .. ومن وادي فاطم توجهنا الى مكة ..  دخلنا من باب السلام .. ادينا الطواف بالكعبة .. زرنا مقام ابراهيم الخليل عليه السلام .. مقام ابنه اسماعيل الصابر للوعد الذي نزلت في حقه وحق ابيه الايات ..  يا ابراهيم لقد صدقت ، انا كذلك نجزئ المحسنين ..  وشربنا من ماء زمزم ..  وزرنا مآثر الناس الاولين ..  قبر خديجة الكبرى زوجة النبي وعريسته ، وام فاطمة الزهراء .. صعدنا جبل قبيس ، واستأجرنا بيت قرب المصلى  ..  وعندما حان موسم الحج .. توجهنا الى جبل عرفات .. جبل صغير ينبع وسطه عين ماء ، يقال ان مياهها تأتي من بغداد  .. وان امراة من بغداد يقال لها زبيد هي من مول تشييد تلك العين .. ومن بغداد اوصلتها مكة ..  لا تزال تحمل اسمها .. عين زبيد ..  والله اعلم .

      جبل عرفات يقع ببطحاء مقفرة .. اشجار الطلح تكسي المكان ..  اعلاه ينتصب حجر مستطيل  من رخام ..  طولها اربعة عشر دراع .. مكتوب عليها بقلم الاولين ..  كثير هم الذين يعرفوا اقلام الاولين .. قلم الرومان وغيرهم من الامم ..  ولا احد منهم فك شفرة الحرف على الحجر .

     سمي جبل عرفات .. نسبة الى اللقاء البشري الاول على الارض .. لقاء ام البشر حواء .. واب البشر ادم ..  كانوا قد خرجوا من الجنة .. وتاهوا في بطاح الارض وغربتها .. وكان لقائهم عند الجبل .. تعارفوا .

     وقت الحج يصعد الامام عرفات ويخطب والناس وقوفا .. حشود على سفج الجبل ..  يوم تسعة ذي الحجة .. ومع كل تلبية ودعاء .. يومئ للناس بمحرمة في يده .. تتدفق السنة الناس بالدعاء والتلبية .. لبيك اللهم لبيك .. لبيك لا شريك لك لبيك .. ان الحمد .. والنعمة .. والملك لك .

        غروب شمس يوم التاسع من دي الحجة .. يرحل الحجيج عن عرفات .. ويتوجهون الى منطقة ” منى ” ..  يذبحوا الماشية قربانا وفداء لما فاتهم .. وقصروا عن ادائه من طقوس الحج ..  تأتي الاغنام والإبل من نواحي الطائف ، والجبال نواحي مكة .. ويزدهر سوقها .

         يأتي العرب بالكثير من السلع .. الزبيب واللوز المبشور ..  سعر رطل لوز مبشور نصف قرش .. والقرش اربعين فضة .. والدور الفرنسي اربعة وعشرون قرش .. والدور الاسباني سبعة وعشرين ونصف .. وثمانية وعشرين ..  وفي اوقات اقل من هذا السعر .. الغنم   .. الكبش المليح خمسون قرش ..  الماعزة .. المعزة المليحة ثلاثون قرش .. الجمل يتباع في مكة ومنى .. المليح بخمسة عشر دور .. والبقر المليح بثمانية دور وعشرة .

         في ” منى ” ..  بنيان في الموضع الذي اراد سيدنا ابراهيم عليه السلام .. الافتداء بولده اسماعيل عليه السلام .. لقد رأى في المنام انه يذبحه .. قص عليه الرؤيا .. قبل الوالد طاعة لابيه وتصديقا للرؤيا .. وكاد ان يذبحه .. وفداه الله بكبش عظيم .. الحجيج يذبحون كرامة للنبي ابراهيم عليه السلام .

        في موسم الحج .. مكاسب وربح وفير لاهل مكة .. ولو لم يكن الحج بمكة .. لما سكنها احد .. كثيرون يذهبون للحج غرضهم التجارة .. ولقاء الناس من كل ارض .    

    يجلب اليها التجار السلع من كل مكان .. الشام والهند .. الجوخ .. القرمسون .. فضل الحرير .. الفضة .. الذهب .. المسك .. العنبر .. اللوبان .. الجاوي .. العود القماري .

    عدنا الى مكة .. انهينا مناسك الحج .. توجهنا الى المدينة مع الركب المصري ..  وأثناء سيرنا وعبورنا الصحراء بين جبال الصفرة والجديدة .. اعترض طريقنا عرب .. ارادوا أخذ متاعنا .. وهددونا .. بأننا لن نعبر دونما ندفع لهم ..  لم يتركونا .. حتى دفعنا الجزية والخراج .. ولو لم يأتي  عبدالله ابن الشريف ابن عون .. شريف مكة .. لكان قتلوا الحجيج .. قطاع طرق .. ومن هب ودب قد تقع في فخاخهم في اية لحظة .. وصارت دعوة على اهل الغرب في ذلك العام .

  في المدينة .. لقينا صاحبنا ..  حسنات .. من بلاد بدر وحنين .. الذي نبهني لتلك العشبة النادرة .. علاج بياض العيون .. والتي لا تخرج إلا موضع فيه رمل .. لا عروق لها .. اغصان .. حمراء وخضراء وصفراء وبيضاء اشبه بالجذور .. ..  اشبه بأشجار الشيح والكليل والزعتر .. يسمونها في ارض طرابلس عروق الترفاس .. وتوجد في جميع مواطن الصحراء والجبال الرطبة التراب

     انا ايضا كان لي تجربة .. وكم رجل عالجتهم بتلك العشبة .. لرفع غشاوة بياض العين .. تصفية العين من الاحمرار الدائم .. تهدئة الم وجع العين .. لا شك في هذا .

       في طرقنا الى المدينة .. مررنا بقبور الشهداء ..  صحابة اول الزمان .. يوم ان غلبت الجاهلية .. وكسرت شوكة المسلمين .. رحلنا ونزلنا ابيارعلي .. قرب مدينة يثرب .. المدينة حيث قبر الرسول صلى الله عليه وسلم .

   ” يثرب ” .. نسبة لسلطان من الناس الاولين اسمه يثربا .. ابيار علي .. قربها بناء من بنيان الاولين .. يقال عندما هاجر الصحابة من مكة الى المدينة .. لاحقهم العطش .. قال سيدنا علي رضي الله عنه .. احفروا في هذا المكان .. وسيخرج الماء ..  حفروا فخرج الماء .. فحملت اسمه .. ابيار علي .

    اقتربنا من المدينة يثرب بالليل ..  بقينا ثلاثة ساعات في موضع يقال له المدرج .. قبلي المدينة .. ومنه وصلنا جامع يقال له قبة سيدنا احمد الخضر .. ثم دخلنا المدينة .. نزلنا بالربض .. قرب جامع الغمامة .. في الصباح تجولنا بباب المصرية .. حيث السوق والسلع المكدسة  ..  الجوخ .. الحرير .. الكتان .. الرز .. القهوة .. السكر .. لألئ الجوهر .. ومنه الى باب السلام .. بين الغرب والقبلة .. احد ابواب الحرم والجامع النبوي .. زرنا مقام سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام .. خرجنا من باب الرحمة .. الى باب المصرية .. وأخذنا متاعنا .. واستأجرنا قرب باب الرحمة .. مع رجل عالم اسمه الشيخ يوسف السمان .. اقمنا بالمدينة حتى رحلت القوافل  كلها .. رحلنا .. زرنا مقبرة البقيع .. حيث قبور الخلفاء والصحابة ..  سيدنا عثمان ابن عفان .. الخليفة .

       عهد سيدنا عثمان .. ارسل ابن  سيدنا ابوبكر الصديق الى مصر .. على راس جيش كثير العدد ..  لكن رجل خارجي من ال وهب .. ارسل جواب الى قائد الجيش .. بلسان الخليفة سيدنا عثمان .. اعطى رجل جمل هجين .. وقال له : اذهب حتى تكون بموضع اقرب الى الجيش .. ارسل اليه .. بلغه ..  فقال أتوني به انظروا ما عنده .. ابريات مكتوبين على لسان سيدنا عثمان .. موجهة الى والي مصر .. عندما يصل اليكم ابن سيدنا ابوبكر .. اقتله .. قرأ الجوابات .. امتعض وعاد راجعا الى المدينة ..  جرد سيفه ودخل على سيدنا عثمان في داره .. لقد ظلمه .. ذهب ضحية دسيسة الجوابات .. التي كتبها ذلك الخارجي .. جد بني امزاب .. اسمه عبدالرحمن .. مات سيدنا عثمان مظلوما .. رحمة الله عليه .. وعلى من مات مظلوم .

      من البقيع توجهنا لمزار سيدنا حمزة عم الرسول .. قرب جبل احد .. قتله رجل من الجاهلية اسمه الوحش  .. قتله وخلع كبده .. لتأكل منها امرأة الوحش انتقاما .. كان سيدنا حمزة .. رجل شهم .. قوي الشكيمة .. قتل الكثير من الجاهلية ..  اصابه الوحشي برمح .. تبة جبل صغير قرب جبل احد .. يسمى جبل الرماد .. ودفن هناك .. كان يوم غزوة احد عسيرا على المسلمين .. كسرت سن سيدنا محمد وهو يقاتل .. وضاق الامر بالمسلمين .. وتشتت جمعهم .. انسحبوا ..  ومات خلق كثير من المسلمين ، ومن الجاهلية.

طلوق الجاوي باهي

   

     استعرت منه الطاقية .. لأجل البركة .. تستور .. احد اعضاء ” المجموعة المباركة ” .. الشيخ عبدالسلام لمرابط .. رفيق النشأة والصبى .. .. مدرسة الزيغن الابتدائية .. الاعدادية سبها ..  قزان ..مضت سنوات .. زرته ذات مرة في قاعدة معيتيقة .. ورفيقنا الاخر منصور الزروق .. يرتدي كاب القوات الجوية .. يؤدي واجبه بهمة .. ثم استقال … عاد الى سبها وتجدد اللقاء .. سفريات الزيغن سبها .. والجندليرا السماوية .. ثم البيجو خيمة .. ويوم ان انقطع الفرامل .. عند منعطف مدخل سبها .. السرعة 130 .. طارت بنا 25 متر في الهواء .. وخبطت بالارض .. وانسابت سفح التل .. كنت معه في الكابينه .. وكان في الصندوق الخلفي زواغنه على طريقنا .. قلبي كان معهم .. خشيت ان لا نجد منهم احد .. توقفت السيارة لوحدها رويدا رويدا .. هرعنا نطمئن عليهم .. كانوا جميعا بخير .. الكثير مما يقال .. وكم ضحكنا .. سكنا سويا شقة حي الثانوية .. الدور الثالث .. اللي يسبق يدير حبات مكرونه .. في العادة .. الليل يجي حدانا .. علي المهدي .. الاستاذ حنيش رحمه الله .. ابراهيم التيني رحمه الله جارنا .. بشير الجبر جارنا .. هدرازي .. وعشوة .. ذات يوم وكان لتوه قد عاد من زليتن .. اجتمعنا الخميس بالزيغن .. وتوجهنا كالعادة لحطية حسيان عطية .. ظل الاثل .. وسافي الرمل اسفل الغرد .. نتنعم عذوبة المكان .. هدرازي .. قال لنا : اريد ان احدثكم بامر جاد .. اقترح ان نؤسس مجموعة .. وان نطلق عليها اسم ” المجموعة المباركة ” .. اذكر .. احمد عبدالسلام .. بشير السايح .. زيدان امحمد .. متعهم الله بالخير جميعا .. ورحم الاموات .. ومنذ ذلك اليوم .. صرت عضوا .. وطلوق الجاوي .. يستهويني .. طلوقه باهي .. بعد العصر ..الصورة من تصوير عضو المجموعة المباركة .. زيدان امحمد .

مذكرات رحالة من فزان 1852 – ( 5 )

    

   الجبالي ابو نعجه اصله من الجبل الاخضر نواحي بني غازي .. كان رجل فقير ولا يملك سوى نعجة واحدة  ..  هاجر من ارض بنغازي .. الى ارض مصر .. وتبدلت احواله .. وصار شيخ ميسور الحال .

      وقعت كائنة الغزي بعضهم ببعض .. تناحروا .. واتى الملك المرحوم بونابرت .. حكم ملك مصر .. ركب الجبالي ابو نعجه عند مولى مصر .. وكان رجل صنديد في المحن وأوقات الفتن .. كان يصدق بالصحبة الى محمد على .. فلما خرج السلطان .. بعد اربعة سنين تولى محمد على باشا حكم مصر .. فأختار الجبالي ابو نعجه شيخ العرب عنده ..  وأكرمه غاية الكرم .. وصار الجبالي رجل كبير الشأن .. عالي المقام ..  وكسب من الدنيا الشيء الكثير .. والمال الوفير .. الان مات .. ابنه الحاج حسين حل شيخا مكانه .

     الجوازي اصلهم من بني هلال .. خرجوا من نواحي بر نجد .. دخلوا بر مصر .. ومن بر مصر الى ازنات .. ازنات من بر تونس .. ازنات الهلالي .. وطردوا من كل مكان ..  الان رهط منهم نواحي وادي سوف .. يسموهم اطرود  .. وأما اولاد زازي من الهلالي .. رجعوا نواحي بر المشرق .. وسكنوا ارض ريف نواحي البهنس .. قرب وادي سوف .. واما كبار الجوازي الان .. هم عائلة امطيريد .. ولم  يبقى من عائلة امطيريد سوى ثلاثة رجال ..  عبدالنبي وعبدالله وعمر ..  وهذا ما كان من امرهم .

        اردنا التوجه نحو بر مصر ، اهدى الينا الشيخ ابونعجه .. مئة وخمسين خيرية .. وعود من جياد الخيل .. واهدأ لنا ابنه احميد خمسون خيرية .. وأرسلنا الى كرداسه قرب الجيزة .. رحلنا ظهرا ..  تحفنا جبال الصوان والجير .. تسعة ايام حتى وصلنا الى ارض الجيزة ..  اتينا الجيزة .. بنيان الناس الاولين ..  ثلاثة ديار ، اهرامات .. احدهما صغير .. واثنان اكثر ضخامة منه .. بنيت باحجار صلدة ضخمة .. ونقوش الاولين .. قيل .. جبانة الناس الاولين .. نواحي شرق الجيزة ..  وفي ذلك الموضع مدينة يسموها بلسان الناس الاولين منفس .. جبانتهم غطاها الرمل .. لا يظهر منها الا بعض المطارح .. وقد راينا كتاب في مصر ونظرنا فيه .. قال ذلك الكتاب .. انه كان اول الزمان .. يفيض النهر .. ويصل لينال من بنيان معبد سلطان الناس الاولين .. ووصل فيض الماء نواحي ارض الفيوم .

       اما البحر الذي بأرض الفيوم .. حفره سلطان من سلاطين الاولين ..كان قبلها .. عندما يفيض النيل .. يخرب الارض والزرع والضرع .

      كان ذلك السلطان صاحب عقل وسياسة .. خفف فيضان النهر الجارف .. لأجل ان لا يتضرر احد من الرعية .. او تتلف مزروعاته وجهده  .. ولا يجرف الماء معبد السلطان .. وفي هذا المكان .. انتصر المرحوم نابليون بونابرت .. وقهر الغزاة .. واخذ مصر وترأس فيها ..  وقد اخبرنا رجل مدارس بالجامع الازهر .. انسان طيب صدوق .. مرابط  .. اسمه السيد محمد السمان .. عن دعوة المرحوم نابليون .. قال لنا : اتى بونابرت واخذ الاسكندرية ..  ثم زحف بجنوده ومحاله برا حتى وصل ارض الجيزة .. قرب الاهرامات ..  والتقى جيش الغزاة .. وهزمه ..  بعد حرب شديدة المراس .. غلبهم واخذ ملكهم ..  فلما غلب مصر  .. جعل مقربيه من اهل المدارس .. والزوي .. والمرابطين .. قال لهم اني اسلمت .. فأحبوه .. وأحبوا قوله ..  اقام صحبة مع شريف مكة .. وصحبة مع سلطان الحج .. وصحبة مع سلطان الهند .. ومحبة مع سلطان اسطنبول .. قال لنا : لو لم تحدث الدعوة في بر فرنسا .. وأخرجت الدسائس المرحوم  نابليون بونابرت من مصر .. خلف بديلا عنه جننار .. لكن الجننار الذي خلفه كان غافلا .. قليل فهم .. وكان سببا في خروج فرنسا من مصر .. ولو دام حكم المرحوم بونابرت مدة كافية في مصر .. لكان اخذ جميع بر العرب والعجم .. ولكان سببا في تحابب العرب والعجم .. وحلول الود بينهم .. لقد قالها لهم .. اني اسلمت .. كان رجلا شهما .. كريم وصاحب عقل ودراية بفنون السياسة  ..  وهذا ما علمنا من امره رحمه الله عليه .

     بلغنا ” كرداسة ” .. بلاد رائعة الملامح ..  هواءها طيب .. ثمر نخلها صنفه شهي لذيذ  .. افضل من ثمر بر مصر .. لا يعلى على ثمر كرداسة سوى ثمر سيوه والواحات .. وأيضا افضل من ثمر جميع بلدان حواف  النيل .

          قليل كسبهم للأغنام .. يزرعون الحمص ، والدلاع ، والقمح ، والدرة ، والفول .. تحيط بها ناحية الغرب .. والقبلة .. جبال حجرية .. وغرود رمل .. وقريب منها بنيان الناس الاولين ومقابرهم .. وقرب منها غلب بونابرت الغزو .    

 

     وصلنا الي كرداسة .. اقمنا وارتاحت جمالنا ، ثم ركبنا النهر وقطعناه الى ضفة بولاق .. ومن بولاق وجدنا انفسنا في عمق مصر .. استأجرنا بيت في وكالة قرب العجمين .. واستأجرنا  لزواملنا قرب باب المتولي .. ثم ارسلنا زواملنا الى  مولد السيد البدوي مع رجل محب لنا من اهل طرابلس .. فقد نالت مني الحمة .. وصرت مريض مرضا شديدا .. اقمت في مصر مدة .. الى ان حان  وقت الحج ..  وقد ضاق خاطري من شدة المرض والغربة .. وفجيعة فراق ابينا واخوتنا يلاحقني وجعها .. استأجرت جمل بسعر اربعمائة واربعين قرش .. حملت على ظهره قنطارين من الطعام .. مونتنا وعوين رحيلنا .. ومن مصر الى الحصوت .. اقمنا هناك ثلاثة ايام .. ثم ارتحلنا وتوجهنا نحو عجرود .. عجرود ماؤها مر المذاق .. اشبه بالحنظل .. لكن عربها قدموا لنا من ماء الغدير .. شربنا وارتوينا وتابعنا سيرنا ..  لكن الحمى زاد وجعها .. وأظن ان للماء ضلع ..  ولم تتركني تلك الحمة طوال سفري حتى مكة المكرمة .. وصلنا موضع يقال له ” مغار شعيب ” .. غابة من اشجار الطرفي .. بالليل .. اشتدت بي الحمة .. بتنا هناك .

     في جعبتي اثنان بندقية غدارة .. موشاة بالذهب .. اهداهم يوسف باشا مولى طرابلس لابينا .. احتازوا معنا يوم خروجنا من ” قارة البغلة ” ..  يوم مات ابي .. وعمي .. واخوتي .. سعر البندقية حوالى خمسمائة دور .. كنت اعلقها على الجدار امام عيني  ..  طوال فترة سكوني للحمة .. وفي تلك الليلة وقد اشتد بي المرض .. وكدت اغيب عن وعي ..  الرجل الذي استأجرنا منه واسمه الحاج عرفات .. تسلل الى حجرتي .. وسرقها ..  فلما استيقظت .. تفقدتها ولم اجدها .. صرخت  على الحاج عرفه وسألته .. قال لي .. سيكون خير .. وحشا لله لم اراها .. في الصباح .. قصدت كبير الركب المصري طرف محمد علي باشا .. اشتكيت له الواقعة .. فأرسل يطلب الحاج عرفه .. سأله عنها .. قال : حاشا فضل الله لم اراها .. لكني رأيت رجل من الفلاحين بالليل يتمشى قرب جمل هذا المغربي .. فقال له تعرف الرجل ؟  قال : اعرفه .. قال له : اذهب اليه واحضر معه .. ذهب اليه .. وعادا سويا .. سأله كبير الركب .. قال خير الله .. لم اسرق غداري هذا الرجل .. فما اتيت سيدي لأقصد الحج واسرق .. هذا شيء نكر .. باطل .. لكن كبير الركب ظل شاكا في قوله .. وارد ان يضربه بالعصى .. فلما رأيت ذلك الرجل يتوسل .. رق خاطري .. قلت له .. اترك الرجل وشأنه ..قد يكون ليس هو السارق .. ويلحقنا منه ظلم وذنب .. فان كان بها نصيب .. يأتي الله بها .. وان غاب النصيب .. فهي فداء لي .. وفداء لاهلي ..  ترك الرجل .  

       رجعنا واقمنا بمغار شعيب ذلك النهار ..  وفي الليل رحلنا .. جلب لنا العرب الغنم والسمن والعسل .. وأهل المكان مجرمين وقطاع طرق .. ” حرايمية ”  يلحقون بركب الحجيج العابرة .. وكل من تخلف منهم سرقوه .. اناس نحاف البنية ..وجوههم شاحبة .. يظفرون شعورهم كما النساء .. ويرطبونها بدهان السمن .. يرتدون شاشية صغيرة من القطن على رؤوسهم .. ومحرمة اشبه بالعبروق زينة نساء اهل بنغازي .. ينسدل على اكتافهن .. فيضيف لجمالهن جمال .. ولرقتهن انوثة .. ميسوري الحال منهم يجعلونها من الحرير .. والمعدمين يجعلونها من القطن .. تاتي من مصر والشام ومن بر الهند وبر اليمن ..  ملامح نسائهم ليست بالجميلات .. يسكنون اعالي الجبال ..  وفي مواطن العيون وتدفق الماء .. يزرعون القمح ، الدخن ،  اشجار الموح ، اشجار الارنج .

          سكان الجبال يفضلون قمحهم على القمح القادم من بر مصر .. في العادة لا يخلوا من حشرة القميل كما يقولون .

      ماشيتهم من الماعز صغير الحجم .. هيئته اشبه بالغزال .. سألت احدهم عن سر ذلك .. قال لي : عندما تسرح الماعز بالمراعي ..  تأتي اليها ذكور الغزلان .. فتأتي صغارها على صورة الغزال .. اما الغنم فهي قليلة الكسب عندهم .. كما الابل .. حال كل براري الصحراء بين مصر ومكة .

      تكثر اشجار الطلح بأشواكها الحادة في صحرائهم ..يجمعون بذور زهرها .. يهرسونها .. ويدبغون بها الجلود .. جلود البقر .. التي يعز عليهم دبغها .. وكذلك  بذر الخروب .. ومن جذور شجر الجداري يدبغون القرب المصنوعة من جلد الماعز .

         سلاحهم اكثره يشتعل بالفتيل .. يرتدون بأحزمتهم سكاكين على سمت الغنيمي .. يقال لها ” جنبية ” .. عرضها اربعة اصابع .. رأسها مدبب رقيق .. طولها ثلاثة اشبار .. وفي ايديهم يمتشقون الرمح .. ولطباعهم الشرسة .. تحذر قوافل الحجيج عند المرور بارضهم .. وجوه ضامرة ..  سيقان نحيفة ..  يجيدون العدو على صخور الجبال .

    حدثنا رجل منهم اسمه حسنان .. قال : غرب بدر وحنين جبل عالي من الرمل الخشن .. تنبت به حشيشه نادرة .. وذات يوم اتى الينا رجل من اهل الهند .. وأقام بيننا .. وصارت له صحبة مع اهل بدر وحنين .. ذهبت وإياه الى الجبل .. كان يقطف من تلك العشبه ويجمعه ..  سألته : قال لي .. فيها علاج العيون .. ترفع غشاوة العين اذا نزل بها البياض .. اسحقها ناعما .. ورش قليل من المسحوق بالعين المصابة .. تشفى .. اخذت انا الاخر من تلك العشبه .. وعملت بقوله .. وكانت ثمة امرأة تعاني بياض العين .. سحقت العشبة .. ورششت قليل منها على عينها .. فشفيت .. وصح ما قال الطبيب الهندي .. ومنذ ذلك الحين .. صرت امتهن علاج بياض العيون .. يأتي اليّ الناس من مطارح بعيدة .. يأخذونني الى حيث اهليهم وذويهم .. اعالجهم .

     قلت له : اريد ان تدلني عليها .. نعتها لي .. عرفتها ..  وعزمت في طريق عودتي من مكة .. سأقطف منها احمله معي .

مذكرات رحالة من فزان 1852 .. ( 4 )

   

 

   واحة سيوه .. قريتان .. الطوب الطيني مادة البناء .. ديار عالية وغرف .. سيدي سليمان ضريح مرابط يتبركون بزيارته .. يضعون الصدقات من الثمر امام الضريح لعابري السبيل .. يأكل ملء شهوته .. تحيط بالواحة سبخة ملحية ناحية الغرب ..  وجبل به بنيان ونقوش الاولين .. وألطف انواع التمر عندهم ” السعيدي ” .. ويذهب معظم الانتاج الى الاسكندرية .. اشجار الرمان كثير العدد .. كما السفرجل والخوخ والمشمش .. في شهر مايو  .. وفي وقت الخريف .. تزور الواحة حمة غامضة .. تدفع التجار والغرباء الى الابتعاد عنها تلك الفترة .. ومن اصيب بها .. قلما يسلم من الموت ، ومن يصاب بها لا يقول انني شفيت منها ما لم تمضي اربعون يوما على شفائه .

 

     نسائها سمر اللون .. بهية الطلة .. جميلات .. لباسهن اشبه بلباس نساء غدامس .. ارض سيوة مقفرة .. اناس وأشجار نخيل .. . لا زرع ولا حرث ولا ماشية ..  يعتمدون على ما يأتي اليهم من بنغازي .. الغنم .. السمن .. الصوف .. يشتهون لحم الجمال ، فيجد التجار فرصتهم في استبداله بالتمر لديهم .

 

      غادرت سيوه نحو الشرق ..تحفني جبال الصوان والجير .. وارض يغطيها حجر الشب والنطرون .. وسط المسافة الى الواحات .. تمثال ضخم من الحجر الاسود .. يقال له ” تمثال العبد ” ..  قيل انه في اول الزمان كان عبدا عاصيا .. قاطع طريق ..  لكنه تعرض يوما ما لرجل مرابط .. دعا عليه فصار حجرا .. لكن هذا القول الذي يرونه لي .. كلام من لا عقل له .. بل ذهب بهم المعتقد الى رجمه بالحجارة كلما عبر مسافر بجواره .. حتى كادت الحصى تغطيه .

 

   استغرقت رحلتنا من سيوة الى الواحات سبعة ايام .. مررنا بثلاثة معاطن للماء ، لكن ماءها ملح اجاج .. الصحراء بينهما يقال لها :  مفرش جماح  ” .. جرداء مع قليل من شجر البلبال والاثل .

 

    ارض الواحات اكثر خصبا .. الماء مد الادرع عن وجه الارض .. غابات من النخيل الكثيفة .. الخضر والزرع .. العدس .. الارز .. الزيتون ..  قصدنا دار الشيخ يونس .. فرح بنا غاية الفرح .. واكرمنا غاية الكرم .. اقمت عنده سبعة ايام .. ورافقنا سفرنا يوم ودعناه حتى ارض الجوازي .. البهنس قرب وادي سوف ..  لقد اكرمنا اهل البهنس غاية الكرم .. ولكنني مرضت لشهرين متتاليين .. وانتظرت حتى شفيت .. وتابعت سيري نحو مصر .. وقد اهدى لنا مشائخ الجوازي .. عمر عبدالنبي .. وعبدالله بن المصري .. عشرة احمال وعود جواد جيد .. وفيما كنت مقيم عندهم .. كنا نذهب يوميا الى السبخة لنصطاد طير البرني .. والطيور عندهم اجناس اربع ..  الصقر والكوهية والبحاري والقرناص .

 

      ذكر طائر البرني يصطاد به .. وما يميزه انه لا يدمي بالفريسة .. يكتفي بالقبض عليها ..  وأفضل الطيور الصقر .. ثم الكوهية .. ثم البحار .. ثم القرناص .. ذكر الصقر يسمونه الزغزغي ..  وذكر الكوهية يسمونه زغزغي الكواهي .. وذكر البحاري يسموه الشاهين ..  وذكر القرناص يسمونه الطرشون .. وفي اسلوب صيدهم يستخدمون حمامة طعم للطائر الحر الجارح .. يضعون على ظهرها شبك من خيط .. ومنه حلقات صغيرة تقفل عند شدها .. وهي التي تتخبل فيها مخالبه لحظة انقضاضه على الفريسة .. وما ان يستشعر انه في مآزق .. وانه مكبل .. يتوقف عن محاولة الفرار ..  : ” الطير الحر اذا حصل ما يتخبل ”  ..  يأتي الصياد ويخلصه من الشبك .. ويخيط اجفانه .. وفي ارجله يضع ” السمق ” .. خيط من الجلد .. يترك سبعة ايام مغمض العينين .. وفي الليل يشعل الصياد النار قريب منه .. لا يترك له فرصة للنوم ,,  حتى تدل غطرسته .. ويتخلص من ابهته ..  حينها تفتح عينيه .. ويصنعوا قناع حول رأسه .. يسمى ” الكنبيل ” .. ويتجول به حيث الناس مكتظة والأسواق .. وعند العصر يطعمه لحم قلب شاة .. وعندما يستأنس اليه .. يربط حبل طويل برجله ويتركه بعيدا .. ثم ينادي عليه .. يأتي ويحط على يده .. ثم يربط قلب شاة بطائر الحبارى او حيوان الارنب .. ويتركه لينقض عليه .. ثم يأتي ويفك الفريسة ويعطيه شيء من لحم القلب .. ويذبح الفريسة تحت قدميه .. ليحتسي من دمها .. بعد ذلك يخرج به الى الصحراء للصيد .

 

       سعر الصقر الجيد جملين او راسين من رقيق السودان  .. سعر الكوهية اقل من الصقر  ..سعر الباحري حاشي من الابل او نعجتين الى ثلاثة ، وأما اذا كانت مدربة جيدا على الصيد فقد تصل قيمتها العشرة انعام .

 

     الكوهية لونها واحد .. اسود يميل الى الحمرة  .. وراس ابيض توشيه خطوط كحلية ..  ، اما الباحرية لونها بين الابيض والكحلي .. اشبه بازهار نبات الفول .

 

     افضل الطيور عندهم .. ابيض الرجلين قصير الاصابع ، غليظ الصدر ، طويل الذنب ، طويل الرقبة .

 

    القرناص يميل لونه للأبيض العام الاول ثم الى الكحلي .. وفي العام الثاني .. ترمي ريشها ويصير صدرها احمر .. كل صباح يجوبون الغابة والصحراء .. بحثا عن صيد .. الحبار .. الارانب والحجل .. الكروات .. ومنه نزهة على ظهر الخيل ..  وسلاح جيد ..  وفي الصحراء تجد سراح المواشي يتحدثون السنة مختلفة .. وحل وترحال يعقبه حل وترحال ..  اما وقد طال السفر .. اشعر بضيق الخاطر وعذابات الغربة وفراق الاهل والوطن ..  اسئلك يا رب يا مالك الملك يا واحد احد ..  ان ترد غربتي من بلاء الناس الى وكري وأخوتي .. وان ارى اخوتي وأهلي قبل الممات .

 

           اهدوا لنا مشايخ الجوازي هدية ، ورافقونا حتى بلغت شيخ العرب عند محمد علي باشا .. جبالي ابو نعجت ..  فلما وصلنا اليه  استضافنا في بيته .. وكانت في ذمته زوجتان .. الكبيرة اسمها الحاجة امنا .. والأخرى اسمها امنه بنت الشيخ عبدالنبي امطريد شيخ الجوازي سابقا .

 

        خلف الشيخ عبدالنبي ثلاثة ابناء .. امنا ، ورقبه .. وابن اسمه احميد قتله ابن يوسف باشا مولى طرابلس محمد بي الدباح .

 

         تزوجت رقبه ابن اخت يوسف باشا مولى طرابلس .. اسمه سليمان بي .. بي بني غازي .. انجب سليمان بي ثلاثة ابناء وثلاثة بنات ..  ولدين من امة ..  وولد وبنتين من زوجة اخرى .

 

      سبب زواج ابن اخت يوسف باشا من بنت شيخ الجوازي .. كان شيخ الزوازي قد حاصر بني غازي ومات كثير من الناس   .. لحقهم الجوع حتى اكلوا الدواب .. فارسل يوسف باشا ابن اخته ليقتله ويحكم ملك بني غازي .. وصل الى بني غازي عبر البحر .. واختار السياسة والحيلة لاعتلاء عرش بنغازي بديلا عن الحرب .. نزل ضيفا في دار الشيخ امطريد.. قال له : اتيت الى دارك وبين اهلك .. وما اتيت إلا لنيل امنيتي بالقرب منك .. واتشرف بطلب يد ابنتكم رقبة .. انت رجل فحل .. واريد لابني ان يكون فحلا .. وما اتيت لبنغازي لغير هذا الغرض .. قبل الشيخ .. وقرأ الحضور الفاتحة .. وتزوجها .. بعد ذلك .. رحل الشيخ امطيريد .. وتخلى عن حصار بنغازي .. وعادت اوصال الحياة بالمدينة بعد ايام شداد .. ، فلما علم  بي بني غازي بذلك .. اوعز الى يوسف باشا بأن ابن اخته سليمان بي .. اختار القرب من غريمك .. وتزوج ابنته ..  وحال تأكده من الخبر .. ارسل محله من البر واخرى من البحر بقيادة ابنه محمد بي الدباح .. علم اهل بني غازي والجوازي ان البي الذي عادت البلاد على يديه الى الهدوء والسكينة .. يريد يوسف باشا استبداله ..  فر سليمان بي من بني غازي الى بر مصر .. واهدى له مولى مصر قصر.

 

           سليمان بي ابن الكاهية امه اخت يوسف باشا ، والكاهية اصله فرنسي كان مملوك لدى علي باشا .. والد يوسف باشا ، وكان يحبه كثيرا ، فعينه كاهية لما يتمتع به من عقل وسياسة وكياسة .. وزوجه ابنته ، وأنجبت له : سليمان بي .. وحسين بي .. وبنتان .

 

     اكرمنا الجبالي ابو نعجت غاية الكرم ..  مكث بينهم عشرون يوما .. لديه ثلاثة ابناء ..  احميد .. ومحمد من الجازوية بنت شيخ الجوازي .. ومن زوجته الاولى .. الحاج احسين .

 

         كنت اخرج صحبة ابنائه من الجازوية .. الى الصحراء لنصطاد .. تصحبنا كلابنا السلوقية .. كنا نصطاد من الغزلان اعداد وفيرة ..  اولاد الجازوية الى الصحراء  .. نواحي قصور الرهبان .. احميد لديه حصان حر من بر نجد .. يطارد الغزال حتى يتوقف ويبول دم .. عندهم ثلاثة من خيل بر نجد ..  فرس وحصانان ..  يسمونهم باسم عرشهم ..  العود  ملك احميد اسمه السعيدان .. العود ملك الحاج حسين اسمه عبيان .. اما الفرس اسمها عبيانه ..  ومن عاداتهم في ترويض خيل بر نجد .. انها تأكل اللحم وتشرب المرق كل ثمانية ايام . .. وكانوا كل ثمانية ايام يذبحون شاة .. خصيصا للخيل .

 

        اما رحلات صيد النعام ..  نمتطي خيولنا ، رفقة كل خيال .. اربعة جمال تحمل قرب الماء .. و خديم .. نجوب خلاء الصحارى .. حتى نقع على اثر اقدام طير نعام .. نتتبعه .. حتى نصل مكان عشه .. فيما كان بالعش بيض .. نتخفى وننتظر عودته .. ياتي ظليم او ربدا يرعى البيض .. نصطاده .. ونحمل البيض معنا .

 

           نصطاد النعام بالخيل ايضا .. فترة القيلولة الشهيلي .. يختار النعام الركون الى ظل ظليل .. ليهدأ ويستريح .. تحت  اشجار البطوم او الطلح او الاثل .. نقترب منه رويدا رويدا .. ونلاحقه بلطف بداية المطاردة .. لكنه ما ان يستشعر ملاحقتنا له واهتمامنا به .. يعدو مسرعا ليبتعد عنا .. نلاحقه على مكث .. كي لا تتعب الجياد .. الى ان يلحق النعام التعب .. فريسة العدو ..  حر الشمس .. نقترب منه .. وبضربة مطرق على رأسه .. يقع طريحا .. نذبحه في الحال .. ونلاحق الاخريات .

 

       اكرمنا الجبالي ابو نعجة غاية الكرم .. منزله في الفيوم يعج بالفلاحين  .. وله قصر قرب المنزل .. شيده على طراز بنيان المدن .. وخمسة عشش .. بيوت شعر .. ممتلئة بمختلف انواع الحبوب ..  القمح .. الشعير .. الفول .. العدس .. الحلبه .. السمسم .. الرز .. والقطن ايضا .. وقد اخبرنا ابنه احميد .. قال : كل عام نجني من فلاحتنا وحرثنا الفين ومئة وخمس وعشرون  اردب من القمح .. ومثلهم او اكثر منهم من الشعير .. وخمسمائة اردب من الفول .. ومثلهم من الحمص .. وثلاثمائة اردب من الحلبه .. وأربعمائة اردب من العدس .

 

       في مصر وقت الخريف .. عادة ما يفيض نهر النيل .. يغمر الاراضي الزراعية .. والأراضي البور .. وتراهم عقب الفيضان .. يزرعون الفول والحلبة بالمواضع التي جفت لتوها ولا تزال تحتفظ بالندى .. وقد تنمو وتكبر .. وتترك مرعى للحيوان ..  الحلبة للغنم .. والفول للإبل ..  قليلة الزروع الورقية عندهم .. ولعلف الخيل يزرعون البرسيم .. فيما يقدمون لها ايضا .. الحلبة والدرة الصفراء ..

 

      يزرعون القطن والتكروري يصنعون منه القماش والحبال .. حبال المراكب البحرية والبرية .. يزرعون الكتان والدرة البيضاء والدرة الحمراء والدرة الشامية والحبحب ( الدلاع ) والبطيخ .

 

     لتربية الحمام يشيدون ابراج بالطين .. وسطها مجوف .. وتنتصب على ظهرها اعواد .. تغري الحمام بالوقوف عليها .. وثقب عديدة تسمح للحمام بالولوج للداخل بيسر .. ومن ثم اختيار عشه الجاهز داخل البرج ..  مستظلا امنا .. وللبرج باب في الاسفل .. يتفقده كل خمسة ايام او عشرة ايام .. يقبض على الفراخ التي على وشك ان تطير ..  يذبحها ويبيعها مذبوحة ..  وله منه كسب اخر ..  زبل الحمام اغلى سعرا من الارز .. يطلبه كثيرا الفلاحين ممن يزرعون الدلاع.

 

    في احدى رحلات صيدنا رفقة احميد ابن الجبالي ابو نعجه .. نجوب الصحارى .. وجدنا قصر من اثر الاولين .. غرب ارض الفيوم .. به اربعة تماثيل كتب على حرف قدم كل منها بقلم الاولين .. وعلى جدران القصر .. بتنا ليلتنا بالقرب منه . وكان عندنا خدم نصبوا المناديف بالليل .. في الصباح .. تسعة شياه غزال بعدد تلك المناديف .. قطيع عابر وقع في حقل فخاخ .. خلصناها من المناديف وذبحناها ..  وخرجنا نجوب المناطق القريبة منا .. نترك الصيد مهمة الكلب السلوقي ..  وكلما تاق جدي غزال .. اطلقنا الاسلاق تلاحقه .. فتأتي به .. ومن جملة ذلك .. كان عنده كلبة سلوقية جيدة .. اصلها شهير .. اهداها  لابونعجة رجل من سيوه .. وهو تارقي من اهل فزان .. ومولد في ارض فزان .. وصلته من هناك  .

 

    في ذلك اليوم صادفنا جليبه من اربعة شياه ..  اطلقنا العنان للسلوقية .. لاحقت الجليبة .. خطفت الاولى بنهشة في المفرش .. مزقته .. وتركتها .. ولحقت بالثانية .. والثالثة .. والرابعة .. وصارت جثث تتخبط في مكانها .. قتلتهم جملة .. عادت الينا تزهو وترحب .. وتهز ديلها تدللا ..  الخديم يعرف ما يجب ان يفعل .. يقدم لها شيء من الطعام تكريما لها .. شيء من الطحين معجون بالدهان والعسل .. الطمينة ..  دقيق قمح محمص كما القهوة .. يخلط بالدهان والعسل او الثمر ..  اكلت الكلبة .. وشبعت .. ثم قفزت امام سيدها على الجواد .. وصارت تهلل وتتدلل له ..  وفي احدى المرات صادفنا شاة غزال .. فلم يختارها لصيده .. بل اطلق المهمة لكلبة سلوقية من كلابه.. ارادت المشاركة وان تكون هي من يظفر بالطريدة وإرضاء سيدها .. لكنه كان يمنعها في كل مرة .. وعندما احكمت السلوقية الاخرى قبضتها على الطريدة .. ورأت ما حدث .. كادت تتمزق غيضا .

 

     وذات مرة صادف سيرنا بقر الوحش الابيض والأحمر ..  اعداد وفيرة تعدو ..  الابيض اقلها عدوا .. تلاحقه الكلاب السلوقية .. وتظفر به .. لكنها تحتاجنا للقضاء عليه .. طلقة واحدة من البندقية توقف حركته .. فالبقر الابيض عنيد يجيد العراك .. يهاجم البشر ايضا .. وفيما وجد انسان بالصحراء دون سلاح ناري .. يهاجمه .. وبنطحة قرن واحدة يقضي اجله .. وليس له إلا ان يلبس الارض .. قرون البقر المرفوعة للأعلى .. لا تمكنه من نطح الفريسة .. لكنه يستمتع بإذلالها ..  يبول عليه .. يدوسه بحوافره لمرات .. ويتركه ويمضي .. ايضا فيما ان كان لدى الرجل الفريسة سكين يمكنه النجاة منه  .

 

     البقر الاحمر لا يرحل عن موطنه ومكان ولادته .. ينافح بضراوة دفاعا عن ابنائه .. لا تهرب ولا تتقهقر ابدا .. حتى تموت او يقتل الرجل المعتدي على المكان .

 

           الودان نوع من الغزلان اكبر حجما .. قرونه طويلة متفرعة كجدع شجرة .. قصير عريض يتواجد بالصحراء الجبلية .. صيده بالخيل ..  وهو متوفر بكثرة في مواطن قرب بني الوليد ونواحي ارض طرابلس ، وصحرائها .. ونواحي ارض ترهونه .

 

          اما العاج فموطنه صحراء غدامس والبراري المحيطة بها ..  اشبه بكبش خروف ..  له الية صغيرة مكتنزة الشحم ..  لا يقوى على العدو السريع .. ولا عدو المسافات الطويلة ..  دائما يقطن منعزلا بالارض الخالية .. عظامه افضل من عظام ناب الفيل .. ولحمه لذيذ يفوق في طعمه لحوم الحيوانات كلها .

 

      اما الكركدن اشبه بعنز السودان .. إلا انه عريض عنها .. مواطنه صحراء غدامس ..  ودان .. فزان .. صحراء سيوه .. قرونه يصنع منها مقابض السيوف .. وهي ايضا فنجان خلطة علاج سموم الافاعي والثعابين .. قليل من الزيت مع تحريك المخلوط بقرن افعى .. يشربه الملدوغ .. فيشفى .. باذن الله

 

     قرن الكركدن وقرن الافعى تمتلكها فقط الاسر ميسورة الحال  .. الاكابر من اهل غدامس .. اهل فزان .. اهل سوكنه .. اهل هون .. لغلاء ثمنها . 

 

    الضب .. الفهد .. النمر .. عناق الارض .. النعام .. بقر الوحش الابيض والاحمر .. الفنك ..  الحبار .. الارانب .. الحجل .. الكروان .. العقاب .. الحديه .. النسر .. .. جميعها كائنات تجوب هذه الصحراء التي اجوب .. النمر مواطنه نادرة وقليلة .. يعتاش على صيد بقر الوحش .. موطنه حيث شجرالبطوم كثيف .

 

         اما البلارج موطنه بر تمبكتو .. وفي الربيع يهاجر من غابات تمبكتو الى  الى ارض تونس وقسنطينة ..  يقيم اعشاشه في اعالي المباني وحيث يقطن الناس .. يخبئها بعناية .. اول الصيف تكبر فراخه وتصبح قادرة على الطيران والاعتماد على نفسها ..  يعود الكرة مهاجرا الى ارض تنمبكتو .. يعتاش على اكل فراخ الثعابين .. والعقارب .

 

      كنا كلما رجعنا الى منزل الجبالي رفقة ابنائه بعد رحلة صيد .. اصبنا فيها الكثير والكثير من الفرائس .. التف حولنا الصغار والكبار .. واحتفى الاطفال بوجبة شوي شهية .. وشبعوا .

مذكرات رحالة من فزان 1852 .. ( 3 )

   

 

    دخلت الواحة .. صادفت امرأة عجوز .. سألتها .. اين دار الشيخ سليمان ؟ ، قالت لي : هي هناك .. عند التبة ..  استقبلني غلام اسود البشرة .. قلت سلام عليك ، قال :عليكم السلام ورحمة الله سيدي ..  قلت له اين سيدك ، قال : في الحقل ، قلت له اذهب اليه ، وقل له ان رجل حبيب الى نفسك .. وصل من بنغازي .. وينتظرك امام باب البيت .. ذهب الغلام .. اخبره .. عاد مسرعا .. لكنه عندما رأني وتعرف الى شخصي .. ذهب عقله .. وكاد يتميز غيظا ..  ولم يستطع ان يخفي ذلك .. ففي سلامه هافت بارد .. استضافني في داره .. وقدم لنا الطعام .. ووجدنا عنده الخبر سبقنا اليه .. اخبرنا عن قتل مصطفى ابن الاغا ، وقتل المريض ،  اخوتنا ، بكيت بكاءا شديدا .. ذلك النهار .. وفي المساء .. خرجنا سويا للغابة .. التمر الجيد .. الرمان .. الخوخ .. اكلت شهوتي  .

    السفرجلوا .. بنيان اوجلي بالطوب ، له ابيار مثل ابيار بر سوف وفزان ، لكن ماءهم قريب .. قامتين ..  الشيخ سليمان تربطنا به علاقة صحبة قديمة .. كان تاجرا .. يتاجر معنا .. نعطيه ما يطلب من سلع .. رقيق السودان .. تبر الذهب .. يسافر الى مصر .. وياتي الينا بالسلع التي طلبنا .. الركاب المهرية المطلية بالذهب .. كتان الملف .. الكتان نسوي .. السلاح  .. البارود .. كل السلع الرائجة بسوق مصر .. غاب طويلا .. وفي اخر سفرة .. بقى لنا عنده .. لي لا غيري ..  ثمن  خمسين راس من رقيق السودان ..  وخمسمائة  مثقال من الذهب التبر الجيد .. مستحقة السداد ..  عندما قصدته تأملت ان يسدد لي ولو الشيء القليل  .. استعين به على زماني .. اقمت عنده مدة ايام انتظر .. لكنه بدلا من ان يقضي ديني عنده .. اوعز الى حكمدار بنغازي .. ابلغه بوجودي عنده .. وانه لا يريد ان يشارك في القبض .. ما قد تحسب عليه .. ائتمن بك عابر سبيل .. وقد يتسرب خبره غدا .. ويعرف دويه في بر السودان .. انني وراء الخديعة .. سيعاتبونني .. وقد ادفع الثمن  .

، نخشى على انفسنا  ، لكنكم بالامكان ان ترسلوا جند من طرفكم لملاحقته .. والقبض عليه .. يرتفع الحرج عنا .. ولا كأننا على علم بما جرى ..  زوجة الشيخ سليمان التي تعرفه جيدا .. فطنت للمكيدة .. ارسلت مع امها واخبرتني .. ثم اقترب مني خديم من خدمه .. واخبرني .. ادركت ان لا امان في كنف الشيخ ..  خرجت بالليل وتابعت سيري نحو القبلة .. ارض لا شجر ولا حجر .. كساء من الحصى .. عشرون ميلا .. بلغت حطايا نخل .. بت ليلتي .. في الصباح تجولت بالغابة .. كوخ من جريد النخل .. واصوات ساكنة .. افشيت السلام باعلى صوتي .. خرج شاب  في عمر الخامسة عشر .. اجابني .. اقترب .. مرحبا بك .. دخلنا الكوخ .. امرأة مسنه فرحت بقدومي غاية الفرح ..  قالت الحمد لله الذي اتى الينا ضيف من غير ارضنا ، ونحن منذ نحو خمسة اشهر نقطن المكان .. طرف هذا الحقل الصغير .. لم نرى ضيف .. نهضت وامسكت بدجاجة .. ذبحتها .. وقدمت لنا فطور رم عظمنا ..  ثم صرنا نتجول سويا وابنها داخل الحقل .. قدم لي التمر .. شهي وطري في موسمه  .. وقضينا القيلولة تحت ظلال النخيل .. تبادلنا اطراف الحديث .. عرفت عنه انه ابن سلاطين .. وانه من كان حاكما لعرش سيوة .. لكن مضايقات حكم محمد علي لهم .. اضطرتهم للهجرة الى جالو ..الان صاروا اناس بؤساء.. لا يملكون سوى خمسمائة نخله .. اقمت عندهم نحو خمسة عشر يوما ،  وذات يوم  ، عزم على السفر الى اوجلة ..  راه الشيخ سليمان شيخ اوجله .. قبض عليه .. وقال له .. سمعت بأنك تؤويه عندك .. انكر .. ابقاه في السجن . بلغ الخبر عمته شقيقة ابيه .. هرعت واخبرت امه .. وانه سجن .. قبض عليه ليلا رجال الشيخ سليمان .. لما وشي عنه من استضافة شخص مطلوب .. وسيبحثون عنه عندكم .. وان وجد .. سيساق مع ابنك الى بنغازي .. اخبرتني تلك المرأة بما يحاك ضدي .. انهم قد يأتون الى هنا ليلا .. او في أي وقت .. ابني سجن لاجلك .. اذا لم يجدوك هنا .. سيقولون خبر كاذب ويطلقوا سراحه ..  اهرب وانجو بجلدك .. قلت لها : نعم ..  خبزت ارغفة قدمتها لي .. ورافقتني المسير حتى اطراف الغابة ..  قالت لي .. اتجه شرقا .. تصل سيوة .. عرب جالو ليس لديهم زرع ولا شجر .. سوى النخيل .. وبعض اشجار التين والرمان .. يزرعوا البصل كثيرا ، وسط هلال رملي .. ومن التمر جدغ  لين احمر يميل الى الكحلي .. تمريق ابيض يابس مكركب .

      واما ناس اوجله .. اكثرهم بيض البشرة .. عيون تدمع .. والعمش تأبط الاهداب ..  رجال قصار القامة .. هزال البنية .. لا حول لهم ولا قوة ..  الانثى عندهم كائن قوي .. في النخل والخيل والحمير والمعز ، وجميع الذكور عندهم ضعفاء ..   وجميع الانات قويات..  سالنا على ذلك الامر رجل اسمه امستان ابن غلاب التارقي ، اصله من التوارق وجاء جده عابرا للحج  ، ولما عاد .. عاش هنا وتزوج من جالو .. يدعي بانه طبيب .. وله كتب بالقلم التارقي .. لا يعرف قراءتها  الا حفيده .. لمستان ، وهو  طبيب جيد ..  و معرفة في الطب .. شيء عجيب  .. يعالج مرضاه باعشاب الصحراء ..  يذهب الى ارض صحارى فزان لجلبها ..  يتناقلونه بينهم .. للمداواة .. في بنغازي .. وعموم برقة .. من كل مكان ..  ومن العمليات الجراحية التي اشتهر بها .. خياطة تمزق البطن والامعاء .. بواسطة النمل الفارسي .. يقبض على النملة من محزمها .. يقربها الى مزق الشرك .. يقبض النمل بعدوانية على الجسد الذي لامسه .. يقطع راس النملة .. تبقى كلاليبه مقفلة .. وهكذا واحدة وراء الاخرى .. الى ان يندمل الجرح ..  ثم يرش شيء من دقيق الخياط ..  عشبة الخياط .. نبتة صحروية تنمو بالارض الحجرية .. اشبه بعشبة الشيح .. اوراقها تميل الى البياض .. يسحقها سحقا ناعما .. ويداوي الجرح .. تلتئم اطراف الجرح .. يجف .

   سألناه قال لنا :  جميع الاناث في اوجله قوية البنية ..  بسبب الماء الذي يشربون ..  مائهم سراي الانثى .. يعظم عظمها .. وما يحدث مع الرجال عكس ذلك .. ضعف البنية والخمول  .. حتى احجام الرجل تقل .

         اعراسهم ..  زكره من جلد الماعز تتدلى منها قصبتين ..  نهاياتها قبة قرن بقر صغير .. تصاحبها الدبكه .. طبل خشب وجلد ابل .. اشبه با لدربوكه الشهيرة في تونس وطرابلس .. دندن الطبل .. التفت النسوة راقصات .. تكلم البارود .. وليلة دخلة العرسان .. اهل الفتاة يجهزون الطعام .. ويلتف بهم احبائهم .. يأكلون ويفكهون الى ما بعد صلاة العشاء .. الثالثة منتصف الليل تأتي العروس برفقة اهلها وقريباتها .. ورجل ..تدخل بيت زوجها بالزغاريد والغناء  .. معها عشرة ازواد من الجلد مصبوغين بالصبغة او بقرش الرمان ، ومخدة من شعر الجمال او اثنين مصبوغ بالاحمر او الازرق .. منقوشه .

     تعلق الملبوسات بباحة البيت فرجة للنساء .. ينتهي الحفل .. ولا يبقى سوى قريب العروس امام البيت حيث هي .. فاذا بان للرجل انها فتاة بكر .. يخرج اليهم يرش القمح .. يتكلم البارود .. وتعلو الزغاريد .. وان وجد خلاف ذلك ..  يتحدث مع اهلها في اليوم التالي .. تعاد لبيت اهلها .. ويعاد له ما تكلف .. فإذا كان اهلها من ذوي الرفعة والشأن .. يطعموها السم .. كي تموت ويخلصوا من عارها .

     في صحراء جرداء .. لا ضرع ولا ماء .. لا شجر ولا مطر .. حصى وجبال جيرية .. الشب الاحمر حيثما يممت .. الحصى الاحمر والاخضر .. ومنها اشبه بحب الرمان ابيض وله لمعان ..  تابعت سيري .. وعند طلوع النهار .. نمت ساعتين .. وتابعت سيري حتى الليل ..  تناصف الليل والسحاب طمس النجوم .. فلم اعد قادر على الاهتداء بها .. توقفت .. طلع النهار تابعت سيري .. صحراء خالية لا طير ولا شجر .. حصى وسراب يحسبه الضمأن ماء .. في الليل شربت اخر شفة ماء بالقربة ..  واكلت ما بقي لنا من الخبز .. وصرت بلا زاد .. تابعت سيري ليلتها واول النهار ..  عند القيلولة قصدت كتيب رملي .. انتصبت اعلاه .. لمحت نخل كثير .. قصده .. وقلت الحمد لله وصلنا .. عسى ان نجد هنا اناس .. كانت غابة اشبه بالمهجورة .. الغزلان ترتع .. وحوش الصحراء وجدتها ملاذ .. التمر القديم .. وتمر الموسم الطريء .. شربت الماء الزلال .. استرخت عظامي .. لقد هدني الترحال .. تمددت .. فنمت .

        طلع النهار ، تجولت وسط غابة النخيل ..  لا اثر لاقدام ادمي قط .. خلاف .. اثر اقدام غزال .. بقر وحش ..  الكركدن .. لمحت بالقرب مني قطيع غزلان يستأنس بقيلولة .. اقتربت منه اكثر بحدر .. صوبت واصبت جدي منها ..  ذبحته .. جلبت الحطب من شجر البلبال .. اشعلت ناري ..شويت كبده .. واكلت تمر .. ترويقة.. ثم حفرت حفرة بالارض .. وضعت بها اللحم فيها .. غمرته بالحطب .. واشعلت النار .. وظل الجمر يتوهج حتى منتصف الليل ..  بت ليلتي حامدا شاكر .. وفي الصباح تابعت سيري .. يحفني النخيل .. وعند نخلة ليست بعالية الهامة .. ثمرها اخضر اللون شهي الطعم .. وعين ماء اسفلها .. ماء عذب فرات .. قصفت عدد من اغصان جريد النخل .. واقمت لنفسي متكأ .. ومجلس .. اخرجت اللحم ” بو رديم ” من حفرة الطمر .. وجدته طري وشهي .. طاب بما يكفي .. اكلت شهوتي .. قلت في نفسي .. الماء .. الصيد اليسير .. المأوى والظل .. لما لا ابقى هنا ؟ .. قد  يأتي احد الصيادين .. استرشد به .. لاعرف الى اين اسير .. وذات يوم وكنت اجوب الغابة .. ابحث عن جدي غزال .. بصرت كتيب رمل مرتفع قليلا .. حوله بعض الاشجار .. قصدته .. ارتكزت اعلاه .. فإذا به بحر ممتد .. من الغرب الى الشرق ..طوله حوالي عشرة اميال .. وعرضه من قبلي اربعة اميال .. عناق النخل ووالماء والرمل ..  احد اطرافه سبخة  .. كثيرا ما وقع حيوان في وحلها .. والناس ايضا ..  بلعت اناس .. قلب السبخة جبل احمر يقال عنه  العرب قارة الذهب ، وشرق ذلك البحر ..  قصور الناس الاولين وبنيانهم .. مدينة .. قصور بيضا تلمع كانها جديدة ، اردت الدخول والفرجة .. من الشرق والقبلي يحيط بها حوض ماء .. وشرقيها الماء والصمار والسبخة .. فلا احد يجرؤ على الدخول ..  السبخه خمسة وعشرين ميل من الغرب الى الشرق .. عرض تسعة اميال .. من القبله الى الجوف ، اقمت ذلك المكان اثنين واربعين يوما .. اصطاد الغزال وبقر الوحش .. جففت منه الكثير .

الليلة الثالثة والاربعين .. مستلقى على السدة .. بصرت دخان نار قريب .. حملت سيفي بيدي .. وقصدت النار .. اقتربت منها .. وجدت اربعة رجال .. وروائح الخبز .. قلت : سلام عليكم .. ردوا السلام .. وقالوا : ” هلب ” .. تقدم ..  يعجنون الدقيق .. يكبرون النار على حجارة حتى احمر لونها .. قطع العجين يرققها .. ويضعها فوقها .. سألوني .. من اين اتيت ؟ .. قلت : من ارض بنغازي .. قالوا : هذا الطريق لا يقود الى بنغازي .. هل معك احد ؟ .. قلت : نحن قافلة في اربعين رجل .. قالوا لديكم سلاح ؟  .. قلت : كلنا بالسلاح … قدموا لي شيء من ذلك الخبز ..  كنت جائعا .. ومضت ايام اقتات بالقليل .

    وبينما نحن نتبادل اطراف الحديث .. عشرين رجل اقبلوا علينا .. قالوا السلام عليكم .. قلنا لهم عليكم السلام .. قالوا لهم من اين هذا الرجل الغريب الذي معكم ؟  قالوا لهم من بني غازي .. ترجل احدهم واقترب مني .. يسألني : من اين اتيت يا رجل ، ومن اين انت ؟ .. قلت : من بني غازي .. قال : هل معك احد .. قلت نحن قافلة من اربعين فارس .. لكل مكحلة .. قال : كم رجل ؟ .. قلت له خمسة وخمسين .. الخمسة عشر الباقون بلا سلاح .. قال : لكنة لسانك لا تقول انك من بنغازي ؟ قلت : بل من بني غازي حقا ..  قال : من اي عرش ؟ .. قلت له : من عرش الكورغلي .. قال :  من تعرف من كوارغليت بني غازي ..  قلت له محمد الكاهيا ابن رمضان لدغم .. لامين بن اشتيوي .. عمر الكاهيا ..  بن زبلح ، ثم قدم نحونا رجل مسرعا .. كان ذلك الرجل عبدالله بن امطيريد الجازوي .. وكان لنا به سبق صحبة ومعرفة .. تعرف الينا .. غمرني وعانقني بحرارة .. سلم وكرر .. وبكى بكاءا غزير الدمع  .. قال لي : اخبرنا يا سيدنا ما فعل الله بكم ؟  لقد سمعنا بخبركم ، ما حقيقة ما جرى ؟ .. اخبرته .. بكى بكاءا شديدا وقال لاصحابه هذا فلان بن فلان  .. قدموا الينا .. حل الترحاب .. والعناق .. مرحبا بكم يا ابن الناس الاكابر .. قال لهم ..  غدا ان شاء الله .. ارحلوا انتم .. اما انا سابقى مع هذا الرجل حتى اوصله باهله .. بت بينهم ليلتها .. حل الصباح .. اضاء كوكبه ولاح .. بزغت الشمس على قمم الجبال والبطاح .. هم توجهوا نواحي بني غازي ..  ونحن وعبدالله بن امطريد مشينا ست ايام حتى وصلنا سيوة .. عند وصولنا .. استضافنا الشيخ يوسف في داره واكرمنا غاية الكرم .. واقمنا عنده ست عشر يوما ..  ولما عزمنا الرحيل نحو مصر .. اهدى الينا عود من جياد الخيل .. وكسوة .. وجمل يحمل عويننا.. ومئة خيرية في يدي .. صرف الخيرية  تسعة قروش مصرية .. وارسل معنا جواب الى شيخ الواحات .. قال له فيه : الى حضرة من غفر الله لنا وله بالسعادة والغفران ونجاه من شر ما يكون وما كان ، محبنا العزيز علينا الشيخ يونس شيخ الواح ، اما بعد ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وليكون في شريف علمك خير وسبب الكتب اليكم على رجل حامل الجواب … اكرم نزله .. وامن طريقه الى يث اراد .. ودمت بخير والسلام . الختم من عند محبكم الشيخ يوسف شيخ سيوه لطف الله به امين بتاريخ في شعبان 1258 .