مذكرات رحالة من فزان 1852 : ( 2 )

اخذت تلك الدراهم ، وقالت لي : كثر الله خيرك .. قلت لها : اذا اشفاني الله .. وسترني .. سأكون محسنا معكم لحظة الرحيل .. اخذتني تلك المرأة الى زريبة لها .. خبأتني هناك .. وصارت تسخن السمن .. وتدلك الجروح ..  تعافيت .. تواردت الاخبار .. عمي المنتظر قدومه والتموين .. جاء بعدنا بيومين .. وقتله عساكر الاتراك .. ابي وعمي وعمي .. علقت رؤوسهم على جدار قلعة طرابلس .. وسط تهليل واعراس .. وارسلوها الى اسطنبول ..  وقتلوا الترك المريض وابن الاغا عصمان مصطفى ، اولئك الذين خدعونا .. قتلوا بيد ربيبهم الترك  ، واما المرأة التي فعلت بنا خير كثير ، ما ان هممت بالرحيل .. كتبت الى ابنها جوابا بخط يدي  .. عبرت فيه عن امتناني له .. بما قدم لي .. وختمته بختم العائلة .. قلت له .. احتفظ بها .. عسى ان تأتي بك الاقدار نحو ديارنا .. اهلا بك .. ولن ننسى لك جميل ما فعلت .. والحقت الجواب بعشرين بندقي اخرى .. وغادرت ليلا .

     لم يتركني بكرمه .. قدم لي شيء من البسيسة .. وشيء من البارود والرصاص .. قربة ماء ..  وقال لي : هل ترغب ان نشتري لك جمل ؟  ، قلت له : ليس بي حاجة لجمل ، اريد الهرب من رقابة الناس .. ابقيته وامه بالسلامة .. وسايرني مشيا حتى منتصف الليل .. وقبل طاوع الفجر .. عاد على عقبية .. وتابعت سفر ي ، طلع النهار ، ومع اشتداد وهج الصيف .. تحت شجرة قندول .. اخترت متكأ .. وغفوت .. عندما حان الليل  ، واصلت سيري ، ولا اعرف الى اين .. ارض خالية قفر .. اشجار البطوم والاتل ولا انيس اخر .

      هب المساء ، وخرج الوحش من مخبئه ، تترصد الغزالان  ، مشيت الليلة .. وعندما بزغ النهار ، تتبعت اثر وحش اوصلني الى غدير من  ماء المطر ، ملأت قربي ..وتابعت سيري حتى منتصف النهار .. صحراء خالية لا نبت ولا ضرع .. سوى عشب البلبال  ، والحميض ،  والبطوم قليل .. رأيت شجرة بطوم .. قصدتها ، وما ان اقتربت منها .. رجل نائم استظل بظلها .. ولديه فرس يافع .. قلت : السلام عليك يا ايها الرجل ، فقال لي : وعليك السلام ، اجلس ، جلست ،

        يرافقه كلبان سلوقية .. وبصيده اثنان من طيور برني ، وعشرة ارانب ، وسبعة طيور احباره ، واثنان جدي غزال  ..  الحباره والارانب ، يصطادها بالطيور ،..  الغزلان والبعض من الارانب .. تلاحقها الكلاب السلوقية .. امضينا القيلولة معا ، واستضافني بما جاد به عوينه  .. سألني من اين اتيت يا فتى ؟ قلت له :  من ارض طرابلس ، فقال الينا : اخبرنا بالصحيح وعليك الامان ، فإني لن اعيد سيرتك لاحد .. اخبرته بخافيات الامور .. قال لنا : عد معي الى نجع الشيخ لطيوش .. شيخ المغاربة .. سنكرمك غاية الكرم .. ونرسلك الى اخوتك بارض فزان .. قلت له : كثر الله خيرك ، واحسن اليك ، من قال شيء فكأنه فعله ، ولكن اذا كنت انت رجل صدق ووفاء ، فلا تروي قصتي بنجعكم بعد عودتك .. اما انا .. فسأمشي على وجهي .. اقطع فيافي الصحراء .. حتى يحكم الله لنا ، وهو خير الحاكمين .

       يومها .. الحر شديد .. قضينا ترويقة القيلولة مستظلين بالشجرة .. وفي المساء ، عزمنا على الرحيل .. قال لي :  صبر جميل .. اصبر قليلا .. اخرج نصف شاة غزال ، واثنان من طيور الحباره ، وارنب ، .. علف الكانون .. شواهم ، ووضعه لي بمخلاة عويني .. نعت لي المسارب جتى بلوغ ارض سيوة ..  .. ثم سلم علينا وقال : ابقى بالسلامة .. وربنا يجمعنا .. نحن واياك في ساعة الخير ، وغادر ، مشيت المساء والليل تعدى نصفه .. خلدت الى النوم .. طلع النهار .. تناولت طعامي ..  شيء من الزاد .. ثم استأنفت سيري .. صحراء جرداء  .. لا شجر ولا ماء ..  دخلت  ارض سبخة ، انهكني التعب .. اشتداد حرارة النهار .. جعلت من حرامي وبرنوسي مظلة .. وخمدت القيلولة .. حل المساء .. خف وهج الشمس .. تابعت سيري .. صحراء مفتوحة الافق  .. وقليل من شجر القزاح والبلبال .. والاثل والبطوم .. قصدت ظل شجرة ، يستظل بها قطيع من بقر الوحش .. وانا اعبر بين شجرة واخرى .. اثر اقدام .. ظبي غزال .. بقر وحش .. الفهد .. عناق الارض .. تتبعت اثر عناق الارض .. تبين لي انها قادمة من الغرب .. نحو الشرق ..  اهتديت بها حتى بلغت غدير من ماء المطر ، ارويت عطشي ، وتحت ظل شجرة اثل .. اسندت ظهرية وغفوت .. اقترب مني الحيوان من كل جانب .. وعندما اقترب اكثر .. تلمست المكحلة .. وصوبت .. وتكلم البارود .. واصبته .. جدي بقر بري .. وفر بقية القطيع .. ذبحته وسلخت نصفه العلوي .. شيء من  لحم الفخد .. وكبده .. وواصلت سيري حتى اقبل الليل .. تحت شجرة بطوم ..  جمعت الحطب الكثير .. وشويت اللحم وأكلت ملء شهوتي  .. بت الليلة ..  تعدى منتصف الليل .. القمر ضياء ساطع .. سمعت صوتا مرعبا يصرخ .. وكأنه فحل ماعز .. صرت اتجسس قدومه نحوي .. صار قريبا مني .. نظرت اليه .. ثعبان ضخم يتوجه نحوي .. أخذت القاربيله بيدي اليمين .. هيئت الزناد .. وركبت اعلى شجرة البطوم .. قفز نحوي وكاد ان يلحق بي على الغصن  .. ظل يزمجر ويحاول صعود الشجرة .. تمدد واولج رأسة بين غصنين .. وفتح فمه .. تكلم البارود .. اصبته في حلقه .. سقط وظل يتقلب لزمن .. ولم يمت .. نصف ساعة .. فلما تبين لي انه مات .. نزلت من تلك الشجرة .. نمت حتى طلع النهار ..  تفحصت ذلك الثعبان .. شبرته بيدي .. سبعة عشر شبرا .. وعرضه شبر وأربع اصابع .. تعجبت  .. ذنبه يكسوه شعر اشبه بشعر الحلوف .. وأكتافه .. وبين عينيه حجرة تلمع .. اشبه بعين هر .. سلختها وأخذتها .. تابعت سيري النهار .. وفي الليل نمت بصحراء جرداء .. وتابعت سيري .. وبانت اجمات اشجار الطلح  .. اخترت احداها عندما تناصف النهار .. واشتد القيظ .. قيلولة ..  في المساء سرت .. دخلت ارض البقر الوحش .. رغم كثرته .. كان كلما اقترب مني اكثر .. فز ونفر .. وكأنه توجس من سلاحي .. رد شاردا مني .. صرت امشي وبقر الوحش يرافقني المسير .. عن يميني .. وعن شمالي .. في المساء .. وقد قرب الليل ، اقترب مني فحل بقر ابيض .. وصار على نحو خمسة عشر خطوة .. وقف يتأملني طويلا ..  ينظر اليّ بنهم .. عدلت زناد المكحلة .. مديت عليه وفرغت .. تكلم البارود ..صوبت فاصبته .. سقط يتلوى  .. ذبحته .. حملت معي من لحمه زاد ، وعند اشجار طلح .. جردت منها الحطب .. اشعلت ناري .. شويت اللحم واشتهيت .. تعشيت .. وغبت في نوم عميق .. في الصباح .. اجدني اسير عبر صحراء خالية .. لا ماء لا شجر .. خلاف شيء قليل من اشجار الرثم .. واثر الافاعي تحتها .. توجست ..  وواصلت سيري .. وعند صدر القيلولة .. اسندت راسي عند ظل شجرة رتم .. في المساء .. سرت قليلا .. ووجدتني في ارض الترفاس .. واكثر ترفاسها ابيض كبير الحجم .. اشعلت النار ، .. اشوي الترفاس .. ومنه زاد الطريق .. عوين .. وتابعت سيري .. حلول الليل .. عند اشجار الاثل والبطوم الكثيرة .. نمت ليلتي .. ولما اصبح الصباح .. واضاء كوكبه ولاح ..  وزرقت الشمس على العوالي والبطاح ..  سرت يحفني الاثل والبطوم والطلح .. عثرت على اثر اقدام بقر وحش .. وكركدان .. وجدي ودان .. والفهد .. وشيء كثير .. نصف النهار وقعت على غدير من ماء المطر ..  شربت منه ..  اثر اقدام كل تلك الحيوانات ترد هنا .. ترد لترتوي .. ماء الغدير .. عند  ظل شجرة فرد كبيرة طرف الغدير ..  توسدت ظلها ..وفي المساء .. اقبلت اسراب الحيوان من كل جانب .. رصدت كركدان فحل قوي .. وله قرن ضخم ..  تكلم البارود .. غرزت الرصاصة في كتفه .. لتخرج من الكتف الاخرى ..  جرى شيء قليل وسقط على الارض ، ذبحته .. اخذت من لحمه ..   قصمت رأسه  بالسيف ، وخلعت قرنه .. قرن الكركدن .. علاج  للمسموم .. حك قرن الكركدن في آنية فيها الزيت .. وتسقي المريض ذلك الزيت  المحكوك بقرن الكركدن ،  يتعالج ويشفى من السموم  ..  واذا وجدت قرن لفعه ، تجعل من قرن الكركدن مثل الفنجان ، وقرن الافعى مثل العمود ، وتضع في قرن الكركدن زيت وتفرك بقرن الافعى ،  نافع للمسموم ..  قرن الافعى لا يوجد إلا لدى الناس الاكابر من ارض فزان ، .. وتبو وغات وبرنو وغدامس .. والبعض من اكابر اهل طرابلس .. كل من لسعته لفعه  او ثعبان او عقرب او طعموه سم ، حكوا له قرن لفعه وقرن الكركدن بالزيت .. يبرأ بإذن الله .

      بت ليلتي بالمكان  .. طلع الفجر .. تابعت سيري .. ووجدتني ثانية بارض الترفاس .. واعشاب الادرين مخضرة .. يوصى بها لتحفيز الخيل .. حملت معي من الترفاس ما امكنني .. وتابعت سيري .. وعند شجرة بطوم  فارعة  ، اشعلت ناري .. شويت الترفاس .. أكلت من لحم الكركدن شهوتي .. في المساء تابعت سيري .. وجدت افعى تبتلع ارنب بري .. قتلت الافعى ، .. ” افعى ام قرون ” ..  نزعت قرونها وحملتها معي  .. وتابعت سيري النهار كله  ، زادي الترفاس المشوي .. عند القيلولة .. استظليت بشجرة بطوم .. استرحت حتى المساء .. واعتدال الحرارة .. وتابعت سيري الى الليل .. بت على كتيب رمل .. بقربي قصر قديم .. بنيان الاولين .. طلع النهار توجهت اليه .. قصر عجيب .. حوله حزام من الحجارة .. عرضه نصف ميل .. بها سبعة مواجن ماء ..  مفرش الماجن مرصع بالياجور .. عرض ثلاثة اصابع .. وطوله ايضاء .. فسيفساء مذهلة ..  وثلاث تماثيل لفتيات .. وكل ثمتال راكز على حجر الحمل ..  وكتابات بخط الاولين ..  ولجت اليه .. ثمة داموس وسلالم اليه .. نزلت ، وجدت تمثال اخر من رخام .. على صورة طير .. كتابة على الحجرة قدم التمثال .. بمرق الذهب ..  تقدمت اكثر ..  تمثال لرجل لمحارب ركز رمحه المزخرف عن يساره متكأ له .. خال لي انه انسان يحرس المكان .. انتصب شعري .. ولحقتني رجفة .. عدت خطوات للوراء .. تأملته اكثر .. اقتربت منه .. فإذا به .. رجل من حجر .. كتب على صدره بقلم الاولين ..  قاعدته رخامية خضراء ..  لونها عجيب ،  قادني الدهليز الى باحة مفتوحة .. فسحة واسعة ..  اربع بيوت .. دونها حوض ماء .. اردت دخولها .. ولم اتمكن .. الماء منعني .. فجعلت حيلة .. لكنني ما ان اقتربت خرجت في وجهي افواج البعوض .. عدت خطواتي .. شيء عجيب .. كلما لسعتني ناموسة ادمت .. وما ان ابتعدت .. تركني وشأني .. وعاد لمستعمرته .. ظللت اتأمل بنيان الاولين .. حافة صهريج ماء معفر بالرمل .

      عناق ارض صارت قريبة مني ، منعتها علو فهد ، لكنها اقصر منه ، .. اطراف اذانها شعر طويل اشبه بشعر ذيل الجربوع  ..  صوبتها  ،  وقعت على جنبها الايسر .. وتمددت .. ذبحتها .. لم يرق لي لحمها .. تركتها وعدت الى القصر .. للفرجة والعبر .. تماثيل اخرى .. في الليل  .. بت بالقصر .

 طلع النهار ، الان عرفت .. يسمونه ”  قصر الحكيم ” .. قالت العرب .. كان رجل حكيم من الناس الاولين لديه ثلاثة بنات ، فلما استشعر الموت  جعل بناته حجارة .. بالحكمة .. وقالت : قصر البنات .. وقصر الطير .. به تمثال الطائر الضخم .. ذلك القصر في الصحراء .. البر ما بين اوجله وطرابلس .. قبلي اوجله .. وغربها .. واكثر ميلا  غربا ..  ، يبعد عن اوجله مسيرة خمسة ايام .. سير نشط ..  تابعت سيري حتى منتصف النهار .. هبت ريح عاصفة شديدة .. شنة الماء لم يبقى بها سوى رشفات .. وبدأ العطش ينهش كبدي .. فاستلقيت عند ظل شجرة اثل .. وفي المساء .. تابعت سيري .. لم اعد اعرف الى اين .. تائه على وجهي بصحارى ممتدة .. اسير ضرب عشواء .. حل الليل .. خلص الماء .. هذه اخر رشفة .. وقد رشفتها .. بت الليلة حيث انا .. طلع النهار .. تابعت سيري ..  تناصف النهار واذا بي .. اقطع فيافي صحراء جرداء .. لا طير ولا شجر .. ولا حجر .. سريره مقه ..  نظرت قوز رمل .. قصدته ..  وصلت اليه وضاق بي الحال .. العطش نال مني واشعر انها لحظات الوداع الاخير .. تلمست ثرى حفرت .. وجدت الندى .. حفرة اشبه بقبر ، وتمددت في رطوبة الثرى ..  ركزت المكحلة والسيف .. نزعت ملابسي وظللت وجهي  ..  دفنت نفسي في الثرى عريان  .. بردت حرارة  جسمي .. راق قلبي .. خف عطشي .. في المساء .. تابعت سيري .. حتى الفجر .. عندها توقفت .. قلت .. اخلد للراحة ثلاثة او اربع سعات ..اخذتني غفوة نوم عميق .. الساعة السابعه في ذلك اليوم .. من شهر ربيع ثاني .. استيقظت من نومي فوجدتني اشعر بعطش شديد .. واللهاف يلاحق لهاتي .. تابعت سيري ..نظرت قوز رمل .. قصدته ..  تطلعت من اعلاه ..يمينا .. شمالا .. شرق الجبل .. وقع نظري على نخلة .. بعد ثلاثة اميال .. قصدت النخلة .. اقتربت منها .. جنباتها نبات القصب والبرد والصمار .. فرحت فرحا شديدا .. قلت في نفسي : ”  ان شالله سيكون الماء ها هنا ” ..  وصلت .. النخلة على حافة عين ماء جارية .. نبع وسط الرمل .. مددت يدي لاتحسس الماء .. بارد كالثلج .. شربت منه شيء قليل .. خشيت ان انتكس .. عطشان ملهوف .. بعد ساعة زمان .. انتعشت حيويتي .. شيء من لحم .. عويني .. اكلت واسترحت عند جدع النخلة ..  حل المساء ..  ملأت قربتي ..  وتابعت سيري .. الليل نمت حيثما حللت ..  طلع النهار .. تابعت سيري حتى نصفه .. لمحت نخل كثير .. قصدته ..  اثر اقدام الابل .. عين ماء تتدفق بسخاء .. نخيل ثمره في عمر البسرة  .. بداية العينه .. ، وثمر قديم ، اسفل جدوع النخل .. ومدارجها .. اكلت  الثمر الجديد .. عزلت ليف وفتلت حبل .. وصنعت منه خريته .. فخ للابل التي ترد العين .. عند القيلولة .. انتحيت عند ظل النخلة ..  قطيع من الابل يقترب .. شربت وارتوت .. وصارت تلف حول العين .. وقعت بكره في فخ حبلي .. صارت تتخبط .. فقعدت تتخبط .. وفي الآن .. تكلم البارود .. اصبت جمل صغير ..  شرد القطيع .. نحرت الجمل ..  وخلصت البكرة من حبل الفخ .. وعقلتها به عقالين ..  وانا في تلك الحال .. رأيت زوبعة غبار قادمة نحوي .. جمل القطيع هائج يهاجمني .. قلت في نفسي .. ان لم اهرب .. هذا الجمل سيقضي اجلي حتما .. مكحلتي فارغة والوقت يمر .. قصدت جدع نخلة وددت تسلقه .. اقترب مني اكثر .. عدوت ..  وفي فوهة مفتوحة بالارض .. قليلة العمق .. قفزت بها .. اشبه ببئر ماء .. جاف .. لاحقني الجمل .. يرغي ويزبد .. يقحم رأسه جالة الحفرة ..  برك على ركبيه .. واقحم رأسه عله يصل اليّ .. نظرت حولي بالمغارة .. قلبت عيني واذا بثعبان ضخم .. من ذلك النوع الذي صادفنا تلك الليلة .. وطاردني اعلى الشجرة .. عينه اللامعة .. تتوهج كجمر اشتعل .. قلت في نفسي ..  الله اكبر .. ان بقيت مكاني يعضني الجمل .. وان ولجت الغار اكثر ..يلعقني الثعبان .. ظل التعبان هامدا .. والجمل يهدر .. وما توقف .. فما هي إلا برهة .. انقض الثعبان على فم الجمل .. وحقنه سمه ..  ثعبان بحجم الادمي .. بل اكبر من الادمي .. طوله ثلاث قامات .. غرز انيابه بخشم الجمل .. سقط الجمل في الحال .. صار ينظر اليّ.. وانا ابادله النظر .. لونه اكحل .. له سيالة بيضاء بين عينيه .. له شعر على اكتافه وفي ذنبه … اشبه بشعر ظهر الخنزير .. واطول قليلا .. شبر ونصف طول الذنب ..  الشعر على اكتافه اقل من شبر .. وعاد الثعبان الى مربضه .. غادرت الحفرة .. تحسست الجمل .. صار وبره يتطاير .. ولحمه لونه اسمر نيلي ..  قلت الحمد لله والشكر له الذي نجاني من الجمل ومن الثعبان .. ولولا فضل الله لقتلني الثعبان مثل ما قتل الجمل .

         سلخت ما تيسر من جلد الجمل .. واقتطعت شيء من اللحم .. اشعلت ناري .. شويت .. اكلت ..اردت امتطي الناقة التي وقعت بالفخ .. ابت ان تساعدني .. انفها بمخرز نار .. وجعلت فيه خرمة المخرز.. حبل لليف .. وامتطيتها ثانية .. فتبين لي انها تعدو اكثر مما يعدو المهري العشاري ..  قلت الحمد لله .. هذه الناقة ستنقلني الى حيث اريد .. لكنها عندما حل الليل .. واظلمت .. ابت المشي .. كلما دفعتها للمسير .. عادت خطوات للخلف .. اتعبني ذلك غاية التعب ..  نزلت من على ظهرها .. الحبل الذي برأسها ، عقلتها به عقلا جيدا .. وتابعت سيري .. في المساء توقفت .. جمعت الكثير من الحطب .. اشعلت ناري .. شويت وانتشيت ..  ارض قفر ليس بها سوى شجر البلبال ..  وشيء من عشب الحميض .. في الصباح .. تابعت سيري  .. عند القيلولة استظليت بشجرة اتل .. وفي المساء .. وبينما اطوف المكان ، عثرت على اثر لفارس عبر قبلي بايام محدودة .. فارس هنا في هذه الارض الجرداء ..  تتبعت اثره حتى الليل .. بت ليلتي .. وفي الصباح تابعت سيري ..  وجدت في اثره انه اصطاد طير نعام ..  وترك شيء من اللحم بعدما طمره بكومة من قش ورق الشجر  .. ازحت القش .. جلدين من ريش نعام لظليم اكحل .. ورقابها كنز الزهم ..  للكسور .. وتهتك الاوصال .. وتابعت سيري .. في المساء اثر اقدام الفارس تلتقي بطريق معهود .. تتبعت ذلك الطريق .. بلغت مجموعة ابار تحفها غابة نخيل .. من نخل الاولين .. ارويت عطشي .. وتابعت سيري .. ومرة اخرى غابة نخل .. رعاة اغنام .. سراح .. قلت السلام عليكم .. ردوا .. عليكم السلام .. قلت لهم .. هل عندكم شيء من حليب او معصوره  .. قالوا : نعم .. لدينا جبن .. ولكن .. انت ماذا ستعطينا .. قلت لهم انتظر القافلة .. وحال تصل اعطيكم متروده وزميته .. لكن المحقوق عند الله انشالله .. اذا وصلنا لبلاد .. لكم ما اشتهيتم  .. قالوا في أي بلد نجدك .. قلت لهم .. أليس ها هنا بلدتين .. قالو : بلى .. اوجله .. وقبلها جالو .. قلت لهم : في دار الشيخ سليمان .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *