مذكرات رحالة من فزان 1852 : ( 1 )

        اما وقد بلغت اواخر العمر .. وانقضى منتصف القرن السابع عشر .. ونحن اليوم في العام 1852 م .. ورأيت ما رأيت من اهوال العصر .. ومناكفات اصناف البشر .. وحان المستقر .. سأروي لكم ما جرت به المقادير .. بلا تبديل ولا تغيير .. وذلك انني لما بلغت سن الثالثة عشر ، تولى عمي وشقيق والدي امري ، فانتقلت الى ارض تبو برفقته ..  وأجزل معاملتي بصحبته .. في مقام ابنائه وعثرته .. اذ لم يكن لديه في ذلك الوقت احفاد .. بعد مراس الترحال وجوب البلاد ..  فأولى اهتمامه بتعليمي  .. وأدخلني محاضر الكتاب لحفظ القران وتلقيني .. ولما فرغت من حفظه بالتمام .. اقام لي عرس باذخ في حضرة جمع الانام .. ذبح فيه مائة شاة من غنم الصدار .. واستضاف الكثير من اهل النواحي بالجوار .. باركوا لي وله الاجازة والتكريم .. على ما افاض الرب من النعيم .. بحفظي للقرآن الكريم .. وما ان بلغت سن الثامنة عشر في ذلك الزمان .. ارسلني الى بلاد  ” كاشنه ” ، و” برنو ” محملا بالهدايا وود الامان .. الى حضرة ملك ملوك العرب والسودان .. السلطان ابن السلطان .. المرحوم محمد بيلو ( [1] ) الغني عن التعريف والبيان .. نسيبنا وزوج اختنا منذ سابق الازمان .. وقد اكرم نزلي عنده بترحاب ، وقبل الهدايا ببهجة الاصحاب .. واسكنني دار اختنا ابنة عمي بعد طول غياب .. ومرت الايام مر السحاب .. فإذا بأختنا تحفزني للزواج .. وتختار لي فتاة من ذوي الجاه الاصحاب .. الملكة الزهراء ابنة الملك الاعظم الحاج البشير .. فوافقتها حسن التدبير والتقدير .. وأقيم لنا عرسا ابهج الاسارير .. سبع ايام بلياليها كما في الاساطير .. ببلاد ” برنو ” ارض الولاة المشاهير .

    اما والرحيل قد حان .. وشدنا حنين العودة لمقام عمنا حيث كنا وكان  .. وفي يوم وداع الخلان .. رافق ركبنا حضرة السلطان .. محمد بيلو سيد البراري والقفار والوديان  .. صحبة اختنا وحجابه ووزرائه وذوي الشأن  .. وعشرون الفا من عساكر السودان .. واهدى لنا خمسون خادم من الاقنان .. وخمسون غلاما من الفتيان .. وخمسون ناقة وخمسون جملا وشيء من الذهب بريقه لمعان .. واهدى لنا نسيبنا خمسون غلاما وعون الطريق من طعام ضعفان .. وأهدت لنا اختنا قبة نعامة حشوها من تبر الذهب غالي الاثمان .. وركبت زوجتنا في هودج عربي مترادف الاوزان .. ومضينا والركب يزحف بافتتان .. وبعد ثلاثة عشر يوما من الترحال .. بلغنا مقصودنا في احسن حال .. واستقبلنا عمنا بفرح وشوق فاق الوصف والخيال .. وأرسل الى شقيقنا محمد بأرض فزان  .. وكنا في شوق للقائه والعمر فان .. وقد ثم بحضوره الانس .. وازدانت البهجة واكتمل العرس .. وامضى عندنا شهرين .. وكان لنا عز قرين .

       فلما اراد الرجوع الى ارض فزان ، اهدينا له مائة وخمسون رأس من رقيق السودان ، وخمسة جمال هجن اعشاريات ، وناقة اعشارية لابينا ، وركبنا معه لنهارين متتاليين ، وابقانا بالسلامة ، ورجعنا ، فلما عدنا قريب تبو ، قتلنا شيء كثير من الوحش ، والعاج ، والكركدن ، ورجعنا الى عمنا ، فاقمنا ببلاد تبو عامين ، صار عمري واحد وعشرون عاما ، ارسل الينا ابينا ، وقال لنا في الجواب : ” الى حضرة اخينا عمر ، وبعد السؤال عنكم وعلى جملة الاهل ، ومن تعلق بكم خاصة ، بودنا ان ترسل الينا ابننا محمد .. لقد طالت وحشته .. اشتقنا اليه .. امه هي الاخرى لا تفتأ بالسؤال عنه .. قدم لي عمنا الجواب ، قرأته ، قال : هيئوا انفسكم للسفر .. جمل هجين ، يرافقه خمس وعشرون هجين ، على كل هجين اثنان من الرجال ، وركب معنا رجل خديم لنا من اهل تونس اسمه بابا علي كاسكين ، .. على مشارف فزان .. ارسلت هجان الى بلاد مرزق .. الى اشقائي هناك .. وما ان ترامى لهم خبرنا .. ركبوا في خمسمائة فارس من غلمانهم  ، وبنو عمومتهم .. والتقينا .. ونزل اخوتي عن المطايا .. وعانقوني .. ونزلت جميع القوم الذين معهم ، واستقبلونا راجلين .. ونزلنا نحن ومن معنا ، وتمازجت العناقات في مهرجان كعرس شعبي كبير .. لهدت الخيل .. واصطف اهل مرزق مهللين .. دقت الطبول .. ولعلعت المقرونه .. مرزق بناسها رجال ونساء .. والمرابطين ، كانوا في استقبالنا ، وضربت النوبة العثملي ،. عم الفرح .. غاية الفرح ..  وضرب الطبجي المدفع ..  ونزلنا بالقصبة المعلومة في بلاد مرزق .. فاقام لنا اخوتنا عرس لسبعة ايام .. واقمنا في  بلاد مرزق سبعة عشر يوما ، ثم ركبنا وركب معنا خمسون هجين ، وركب اخوتنا رفقة وداع .. ليوم كامل  ، ابقونا بالسلامة .. ورجعوا ، وفي اليوم السابع ، بلغنا  بلاد بني الوليد ، خاب املنا .. اقمنا بها ثلاثة ايام .. وجاء الخبر .. والدي بنواحي ارض الزعفران ، ركبنا وتوجهنا الى ابينا .. وبعد مسير يوم وليلة .. ، بلغناه .. تعانقنا بعد طول غياب .. طوال فترة اقامتى في تبو .. يومها وجدت عنده رجل فرنسي .. محب لابأبينا  .. قدم له اربعة مدافع .. صغيرة .

         فرح عمنا هو الاخر بقدومنا .. واخوتنا .. واولاد عمنا ، وكأني الميت الذي بعث من قبره .. عمت البهجة العائلة .. والاهل .. لكن جوابات ارسلها البلعزي .. يبدو انها ستغير المسار .. يطلب مقابلة ابينا عند غرب الزعفران .. وانه يعرض عليه التحالف معا .. ركبنا اليه في الموعد والمكان .. معنا مائتي فارس من ابناء عمومتنا ..

     المريض .. ونسيبه مصطفى ابن الاغا عصمان لدغم ، عرض عليه التحالف معا .. في مواجهة مصراته .. الذين اختاروا صف الترك .. لكن ما حدث لاحقا .. ينبئ انهم بيتوا لنا الخداع .. لقد اكرمناهم غاية الكرم .. والدي لم يكن متوجسا من التحالف معهم .. ركبنا نحن في مائتي فارس ، وركب المريض ونسيبه مصطفى ابن الاغا عصمان ، في ثلاثمائة فارس .. وعندما بلغنا المكان .. هالنا عدد العساكر .. وانتشارهم ..عند ذلك اتى ابن المريض الحاج عبدالهادي وقال لابينا ، ان اباه المريض ومصطفى الاغا ينون لك على الخديعة ، فلما سمعت منه هذا القول ، توجهت الى عمنا ، واخبرته ، فقال : الحاج عبدالهادي كاذب ، وما هو إلا خائف من القتل ، واستشار عمنا ، فقال ، اعرف الحاج عبدالهادي كاذب جبان ، إلا اذا ارتم تصديقه لتبرروا هرب تتوقون اليه  ، وعنده سنصبح ” مضحكة ” للناس .. ومسخرة عند اشرافها وأراذلها  .

         اقتربنا اكثر منهم .. شعرنا الخيانة تنهشنا .. كنا نظن ان المريض وقومه معنا .. لكنهم خذلونا .. الحاج عبدالله .. كان صادقا في كلامه .. لقد اخطأنا التقدير .. جعلونا في المركز .. وانهالوا علينا من كل جانب .. ناض البارود .. البلعزي امامنا .. والمريض من خلفنا .. واشتعل وطيس الحرب .. ليوم كامل .. دحرناهم .. لكنهم ظلوا محاصرين لنا .. قلت لعمي .. اذا لم نهرب الليلة فستتكالب علينا اقوام العسكر من مصراته وطرابلس .. وسنقتل .. .. والتفت نحوي .. وقال لي : ”  اعرفك .. اردت الهروب من اول يوم ، ربوك  الوصفان فصرت دليلا  .. كأنك لست ابن اخي ” ..  فقلت له : يا عمي .. الهروب ليس صنعتي ، ولا من صنيع احد من نسلنا ، ولكني خمنت ان الهروب افضل لنا ، نحن في خطر ، وانه افضل من الندامة بعد فوات الاوآن ، ولو ان عددنا يوازي عددهم .. او يقترب منه .. لكان ممكنا الصمود والمواجهة .. ضحية خيانة .

    قال عمي .. اذا تكاثروا علينا .. اتركوا الخيل والبسوا الارض ..  نصمد .. ونضرب بشدة .. غدا او بعد غد .. ننتظر دعم اخينا القادم الينا بالمؤن .. ولما زاد زحفهم نحونا .. لجأنا الى جبل طيني .. يقال له ” قارة البغلة ” .. وتخندقنا به .. والتفت بنا العساكر من كل جانب .. تمكنا من صدهم ووقفهم اليوم الاول ، والثاني ، والثالث ، بدأت زواملنا تموت من العطش .. اما انا وعمي وخلفنا احد غلماننا يحشو لنا البارود في المكحلة .. يعمر لنا السلاح ..  كان كل من عبر امامنا .. وتطاله بندقتنا .. قتلناه .. وكلما تكلم البارود .. ان كان من عندي .. او ان عمي صوب نحو هدف .. مات منهم رجل .. سقط من جواده .

     اليوم السابع ، تحاملوا علينا اكثر ، ماتت رجالنا وخيلنا ، اصابت عمي سيف رصاصة نهشت جانبه الايسر ، لكن رصاصة اخرى قصدت رأسه .. فاصابته .. رفع يده يتلمس اصابته .. وشعر انها النهاية .. قال لي :  تعال يا ابن اخي اصافحك عن قرب ، انا وانت سنفترق ..  هذا اليوم .. قلت له : تسلم عمي .. يا قرة عيني ..  اتيت اليه .. قبلني بحرارة .. ضمني الى صدره ، ، قبل جبيني ، وقال : اهرب يا ابن اخي ، فإني انا مت ، وسقط على الارض ، التفت الى الغلمان .. فوجدهم هربوا .. واقترب مني عسكري .. اراد ان يدخل لجة تحصني .. صوبت القربيله على صدره .. ضغطت الزناد .. قتلته .. سقط على الارض .. وتركت دوحتي وحصني .. خرجت  .. وخرج معي عبد اسمه زايد .. استحكمت حلقاتها .. وقبضوا على ابي .. واخوتي .. ومن اولاد عمي .. وما نجا من اعمامي .. غيث طفل صغير .. قتلوا والدي ، واسروا اخوتي .. وقتلوهم بالليل خنقا بالحبل .. ونجوت من قبضتهم في الرمق الاخير ، سرت هائما على وجهي .. ارض تاخذني واخرى تردني .. الى ان بلغت نجع لمغاربة ، كنت جريح في الكاحل ، عدوت مسافات بالليل  ، وما ان تناصف .. رايت ثمانون من خيالة البلعزي قادمون نحوي .. صار بيننا حرب شديد ، في تلك الليلة ، قتلنا منهم اربعة رجال ، وقتلوا الغلام الذي كان معي ، مات الغلام ، وصاروا قريبين مني ، اتى احدهم يمتطي فرس حمراء من جياد الخيل حتى وصلني ، وضربني بالقاربيله .. فسلمني الله منه .. التفت نحوه ، صوبت واصبته .. قتل ، كانت فرصة .. امتطيت الفرس وحملت على القوم  .. هربوا مني ..  ولاحقوني.. ظلوا على اثري حتى منتصف الليل ..  وعندما صرت بعيدا عنهم ..  تركت الفرس ، وصرت امشى بين اشجار القندول المنتشرة .. لحقني العطش ، نظرت شيء ما اعلى التبة ، صرت اليه فوجدته نادر من القمح ، اعلاها رجل نائم ، جلست بالجوار  ، فلم يستفيق .. ، فلكزته  ، استفاق مهلوعا عندا رأى سلاحي .. قال : ماذا تريد سيدي ؟ ، قلت له : اضناني العطش اعطنني ماء .. هرع الى بيت قريب من بيوت العرب الخفر .. احضر لي لبن غنم مخلوط بالماء ، شربت وانتشيت منه كثيرا .. وعندما هممت الرحيل .. تثاقلت ركبتاي .. فلم اقوى على النهوض .. واصابتني الحمة .. عدت مكاني .. احس الرجل بما انا فيه .. احضر مرقوم من الزريبة .. غطاني به .. تمددت ونمت .. حتى شق الفجر عين الصباح ..  زالت الحمة .. ولم يبخل علينا الرجل بالطعام .. لكني عندما عزمت على الرحيل .. لم اقوى على المشي .. جلست الى الارض وبكيت بكاءا شديدا .. قال لي ذلك الرجل ، ما يبكيك يا سيدي ؟ ، ولا بكى الله لي عين ، فقلت له : ابكي نفسي بنفسي ، ولا يبكي عليّ حبيب ، وهذا نهار البكاء عليّ ، فقال لي ، اني اراك يا سيدي ابن ملوك ، ولكن اخبرني بامرك وعليك الامان ؟ ، فإني ادبر عليك ، وامنحك ان قدرت ، فأخبرته بأمري وما جرى علينا ، فقال : سبحان المعز وسبحان المذل . فقلت له هذا كلام لا يسمن ولا يغني من شيء  ، هل لديك موضع اختبئ فيه حتى يندمل جرحي .. وسأمنحك المال .. قال لي صبرا.. استشير والدتي ، برهة زمن وقد عاد برفقة والدته .. قالت ، مرحبا بك يا ايها الرجل ابن الرجل المليح ، واني يا سيدي لما اخبرني ابني عنك ، خافني الحال ، ولكن اذا كنت ستعطينا شيء من الدراهم ، فإننا نخبئك عندنا حتى يندمل جرحك .. ونودعك الى حيث تبغي .. فقدمت لها عشرون بندقي من الذهب ، اعتدنا ان نبقي في جعبتنا دائما خمسمائة بندقي بحزامه .. لعازة الزمان .

قال الشاعر :

 ان الدراهم في المواطن كلها .. تكسي الرجال هيبة وجمالا

 وهي لسان لمن ارد فصاحة .. وهي السيوف لمن اراد قتالا .

فرحمة الله على صاحب هذا القول

[1]     ولد السلطان محمد بلو محمد بلّو بن عثمان بن فودي في عام 1879 بمنطقة سوكوتو بشمال نيجيريا وكان والده الطاهر الأول اخر سلاطين خلافة سوكوتو الإسلامية .. تولى امارة القسم الشرقي للدولة حتى بايعه عام (1817).. توفى بمايرنو في عام 1943 وله ضريح يزار فيها. خلفائه : السلطان محمد الطاهر بن محمد بلو من عام 1943 إلى 1969.. السلطان بلو بن محمد الطاهر من عام 1969 إلى 1972.. السلطان ابوبكر بن محمد الطاهر منذ عام 1972

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *