مذكرات رحالة من فزان 1852 : ( 2 )

اخذت تلك الدراهم ، وقالت لي : كثر الله خيرك .. قلت لها : اذا اشفاني الله .. وسترني .. سأكون محسنا معكم لحظة الرحيل .. اخذتني تلك المرأة الى زريبة لها .. خبأتني هناك .. وصارت تسخن السمن .. وتدلك الجروح ..  تعافيت .. تواردت الاخبار .. عمي المنتظر قدومه والتموين .. جاء بعدنا بيومين .. وقتله عساكر الاتراك .. ابي وعمي وعمي .. علقت رؤوسهم على جدار قلعة طرابلس .. وسط تهليل واعراس .. وارسلوها الى اسطنبول ..  وقتلوا الترك المريض وابن الاغا عصمان مصطفى ، اولئك الذين خدعونا .. قتلوا بيد ربيبهم الترك  ، واما المرأة التي فعلت بنا خير كثير ، ما ان هممت بالرحيل .. كتبت الى ابنها جوابا بخط يدي  .. عبرت فيه عن امتناني له .. بما قدم لي .. وختمته بختم العائلة .. قلت له .. احتفظ بها .. عسى ان تأتي بك الاقدار نحو ديارنا .. اهلا بك .. ولن ننسى لك جميل ما فعلت .. والحقت الجواب بعشرين بندقي اخرى .. وغادرت ليلا .

     لم يتركني بكرمه .. قدم لي شيء من البسيسة .. وشيء من البارود والرصاص .. قربة ماء ..  وقال لي : هل ترغب ان نشتري لك جمل ؟  ، قلت له : ليس بي حاجة لجمل ، اريد الهرب من رقابة الناس .. ابقيته وامه بالسلامة .. وسايرني مشيا حتى منتصف الليل .. وقبل طاوع الفجر .. عاد على عقبية .. وتابعت سفر ي ، طلع النهار ، ومع اشتداد وهج الصيف .. تحت شجرة قندول .. اخترت متكأ .. وغفوت .. عندما حان الليل  ، واصلت سيري ، ولا اعرف الى اين .. ارض خالية قفر .. اشجار البطوم والاتل ولا انيس اخر .

      هب المساء ، وخرج الوحش من مخبئه ، تترصد الغزالان  ، مشيت الليلة .. وعندما بزغ النهار ، تتبعت اثر وحش اوصلني الى غدير من  ماء المطر ، ملأت قربي ..وتابعت سيري حتى منتصف النهار .. صحراء خالية لا نبت ولا ضرع .. سوى عشب البلبال  ، والحميض ،  والبطوم قليل .. رأيت شجرة بطوم .. قصدتها ، وما ان اقتربت منها .. رجل نائم استظل بظلها .. ولديه فرس يافع .. قلت : السلام عليك يا ايها الرجل ، فقال لي : وعليك السلام ، اجلس ، جلست ،

        يرافقه كلبان سلوقية .. وبصيده اثنان من طيور برني ، وعشرة ارانب ، وسبعة طيور احباره ، واثنان جدي غزال  ..  الحباره والارانب ، يصطادها بالطيور ،..  الغزلان والبعض من الارانب .. تلاحقها الكلاب السلوقية .. امضينا القيلولة معا ، واستضافني بما جاد به عوينه  .. سألني من اين اتيت يا فتى ؟ قلت له :  من ارض طرابلس ، فقال الينا : اخبرنا بالصحيح وعليك الامان ، فإني لن اعيد سيرتك لاحد .. اخبرته بخافيات الامور .. قال لنا : عد معي الى نجع الشيخ لطيوش .. شيخ المغاربة .. سنكرمك غاية الكرم .. ونرسلك الى اخوتك بارض فزان .. قلت له : كثر الله خيرك ، واحسن اليك ، من قال شيء فكأنه فعله ، ولكن اذا كنت انت رجل صدق ووفاء ، فلا تروي قصتي بنجعكم بعد عودتك .. اما انا .. فسأمشي على وجهي .. اقطع فيافي الصحراء .. حتى يحكم الله لنا ، وهو خير الحاكمين .

       يومها .. الحر شديد .. قضينا ترويقة القيلولة مستظلين بالشجرة .. وفي المساء ، عزمنا على الرحيل .. قال لي :  صبر جميل .. اصبر قليلا .. اخرج نصف شاة غزال ، واثنان من طيور الحباره ، وارنب ، .. علف الكانون .. شواهم ، ووضعه لي بمخلاة عويني .. نعت لي المسارب جتى بلوغ ارض سيوة ..  .. ثم سلم علينا وقال : ابقى بالسلامة .. وربنا يجمعنا .. نحن واياك في ساعة الخير ، وغادر ، مشيت المساء والليل تعدى نصفه .. خلدت الى النوم .. طلع النهار .. تناولت طعامي ..  شيء من الزاد .. ثم استأنفت سيري .. صحراء جرداء  .. لا شجر ولا ماء ..  دخلت  ارض سبخة ، انهكني التعب .. اشتداد حرارة النهار .. جعلت من حرامي وبرنوسي مظلة .. وخمدت القيلولة .. حل المساء .. خف وهج الشمس .. تابعت سيري .. صحراء مفتوحة الافق  .. وقليل من شجر القزاح والبلبال .. والاثل والبطوم .. قصدت ظل شجرة ، يستظل بها قطيع من بقر الوحش .. وانا اعبر بين شجرة واخرى .. اثر اقدام .. ظبي غزال .. بقر وحش .. الفهد .. عناق الارض .. تتبعت اثر عناق الارض .. تبين لي انها قادمة من الغرب .. نحو الشرق ..  اهتديت بها حتى بلغت غدير من ماء المطر ، ارويت عطشي ، وتحت ظل شجرة اثل .. اسندت ظهرية وغفوت .. اقترب مني الحيوان من كل جانب .. وعندما اقترب اكثر .. تلمست المكحلة .. وصوبت .. وتكلم البارود .. واصبته .. جدي بقر بري .. وفر بقية القطيع .. ذبحته وسلخت نصفه العلوي .. شيء من  لحم الفخد .. وكبده .. وواصلت سيري حتى اقبل الليل .. تحت شجرة بطوم ..  جمعت الحطب الكثير .. وشويت اللحم وأكلت ملء شهوتي  .. بت الليلة ..  تعدى منتصف الليل .. القمر ضياء ساطع .. سمعت صوتا مرعبا يصرخ .. وكأنه فحل ماعز .. صرت اتجسس قدومه نحوي .. صار قريبا مني .. نظرت اليه .. ثعبان ضخم يتوجه نحوي .. أخذت القاربيله بيدي اليمين .. هيئت الزناد .. وركبت اعلى شجرة البطوم .. قفز نحوي وكاد ان يلحق بي على الغصن  .. ظل يزمجر ويحاول صعود الشجرة .. تمدد واولج رأسة بين غصنين .. وفتح فمه .. تكلم البارود .. اصبته في حلقه .. سقط وظل يتقلب لزمن .. ولم يمت .. نصف ساعة .. فلما تبين لي انه مات .. نزلت من تلك الشجرة .. نمت حتى طلع النهار ..  تفحصت ذلك الثعبان .. شبرته بيدي .. سبعة عشر شبرا .. وعرضه شبر وأربع اصابع .. تعجبت  .. ذنبه يكسوه شعر اشبه بشعر الحلوف .. وأكتافه .. وبين عينيه حجرة تلمع .. اشبه بعين هر .. سلختها وأخذتها .. تابعت سيري النهار .. وفي الليل نمت بصحراء جرداء .. وتابعت سيري .. وبانت اجمات اشجار الطلح  .. اخترت احداها عندما تناصف النهار .. واشتد القيظ .. قيلولة ..  في المساء سرت .. دخلت ارض البقر الوحش .. رغم كثرته .. كان كلما اقترب مني اكثر .. فز ونفر .. وكأنه توجس من سلاحي .. رد شاردا مني .. صرت امشي وبقر الوحش يرافقني المسير .. عن يميني .. وعن شمالي .. في المساء .. وقد قرب الليل ، اقترب مني فحل بقر ابيض .. وصار على نحو خمسة عشر خطوة .. وقف يتأملني طويلا ..  ينظر اليّ بنهم .. عدلت زناد المكحلة .. مديت عليه وفرغت .. تكلم البارود ..صوبت فاصبته .. سقط يتلوى  .. ذبحته .. حملت معي من لحمه زاد ، وعند اشجار طلح .. جردت منها الحطب .. اشعلت ناري .. شويت اللحم واشتهيت .. تعشيت .. وغبت في نوم عميق .. في الصباح .. اجدني اسير عبر صحراء خالية .. لا ماء لا شجر .. خلاف شيء قليل من اشجار الرثم .. واثر الافاعي تحتها .. توجست ..  وواصلت سيري .. وعند صدر القيلولة .. اسندت راسي عند ظل شجرة رتم .. في المساء .. سرت قليلا .. ووجدتني في ارض الترفاس .. واكثر ترفاسها ابيض كبير الحجم .. اشعلت النار ، .. اشوي الترفاس .. ومنه زاد الطريق .. عوين .. وتابعت سيري .. حلول الليل .. عند اشجار الاثل والبطوم الكثيرة .. نمت ليلتي .. ولما اصبح الصباح .. واضاء كوكبه ولاح ..  وزرقت الشمس على العوالي والبطاح ..  سرت يحفني الاثل والبطوم والطلح .. عثرت على اثر اقدام بقر وحش .. وكركدان .. وجدي ودان .. والفهد .. وشيء كثير .. نصف النهار وقعت على غدير من ماء المطر ..  شربت منه ..  اثر اقدام كل تلك الحيوانات ترد هنا .. ترد لترتوي .. ماء الغدير .. عند  ظل شجرة فرد كبيرة طرف الغدير ..  توسدت ظلها ..وفي المساء .. اقبلت اسراب الحيوان من كل جانب .. رصدت كركدان فحل قوي .. وله قرن ضخم ..  تكلم البارود .. غرزت الرصاصة في كتفه .. لتخرج من الكتف الاخرى ..  جرى شيء قليل وسقط على الارض ، ذبحته .. اخذت من لحمه ..   قصمت رأسه  بالسيف ، وخلعت قرنه .. قرن الكركدن .. علاج  للمسموم .. حك قرن الكركدن في آنية فيها الزيت .. وتسقي المريض ذلك الزيت  المحكوك بقرن الكركدن ،  يتعالج ويشفى من السموم  ..  واذا وجدت قرن لفعه ، تجعل من قرن الكركدن مثل الفنجان ، وقرن الافعى مثل العمود ، وتضع في قرن الكركدن زيت وتفرك بقرن الافعى ،  نافع للمسموم ..  قرن الافعى لا يوجد إلا لدى الناس الاكابر من ارض فزان ، .. وتبو وغات وبرنو وغدامس .. والبعض من اكابر اهل طرابلس .. كل من لسعته لفعه  او ثعبان او عقرب او طعموه سم ، حكوا له قرن لفعه وقرن الكركدن بالزيت .. يبرأ بإذن الله .

      بت ليلتي بالمكان  .. طلع الفجر .. تابعت سيري .. ووجدتني ثانية بارض الترفاس .. واعشاب الادرين مخضرة .. يوصى بها لتحفيز الخيل .. حملت معي من الترفاس ما امكنني .. وتابعت سيري .. وعند شجرة بطوم  فارعة  ، اشعلت ناري .. شويت الترفاس .. أكلت من لحم الكركدن شهوتي .. في المساء تابعت سيري .. وجدت افعى تبتلع ارنب بري .. قتلت الافعى ، .. ” افعى ام قرون ” ..  نزعت قرونها وحملتها معي  .. وتابعت سيري النهار كله  ، زادي الترفاس المشوي .. عند القيلولة .. استظليت بشجرة بطوم .. استرحت حتى المساء .. واعتدال الحرارة .. وتابعت سيري الى الليل .. بت على كتيب رمل .. بقربي قصر قديم .. بنيان الاولين .. طلع النهار توجهت اليه .. قصر عجيب .. حوله حزام من الحجارة .. عرضه نصف ميل .. بها سبعة مواجن ماء ..  مفرش الماجن مرصع بالياجور .. عرض ثلاثة اصابع .. وطوله ايضاء .. فسيفساء مذهلة ..  وثلاث تماثيل لفتيات .. وكل ثمتال راكز على حجر الحمل ..  وكتابات بخط الاولين ..  ولجت اليه .. ثمة داموس وسلالم اليه .. نزلت ، وجدت تمثال اخر من رخام .. على صورة طير .. كتابة على الحجرة قدم التمثال .. بمرق الذهب ..  تقدمت اكثر ..  تمثال لرجل لمحارب ركز رمحه المزخرف عن يساره متكأ له .. خال لي انه انسان يحرس المكان .. انتصب شعري .. ولحقتني رجفة .. عدت خطوات للوراء .. تأملته اكثر .. اقتربت منه .. فإذا به .. رجل من حجر .. كتب على صدره بقلم الاولين ..  قاعدته رخامية خضراء ..  لونها عجيب ،  قادني الدهليز الى باحة مفتوحة .. فسحة واسعة ..  اربع بيوت .. دونها حوض ماء .. اردت دخولها .. ولم اتمكن .. الماء منعني .. فجعلت حيلة .. لكنني ما ان اقتربت خرجت في وجهي افواج البعوض .. عدت خطواتي .. شيء عجيب .. كلما لسعتني ناموسة ادمت .. وما ان ابتعدت .. تركني وشأني .. وعاد لمستعمرته .. ظللت اتأمل بنيان الاولين .. حافة صهريج ماء معفر بالرمل .

      عناق ارض صارت قريبة مني ، منعتها علو فهد ، لكنها اقصر منه ، .. اطراف اذانها شعر طويل اشبه بشعر ذيل الجربوع  ..  صوبتها  ،  وقعت على جنبها الايسر .. وتمددت .. ذبحتها .. لم يرق لي لحمها .. تركتها وعدت الى القصر .. للفرجة والعبر .. تماثيل اخرى .. في الليل  .. بت بالقصر .

 طلع النهار ، الان عرفت .. يسمونه ”  قصر الحكيم ” .. قالت العرب .. كان رجل حكيم من الناس الاولين لديه ثلاثة بنات ، فلما استشعر الموت  جعل بناته حجارة .. بالحكمة .. وقالت : قصر البنات .. وقصر الطير .. به تمثال الطائر الضخم .. ذلك القصر في الصحراء .. البر ما بين اوجله وطرابلس .. قبلي اوجله .. وغربها .. واكثر ميلا  غربا ..  ، يبعد عن اوجله مسيرة خمسة ايام .. سير نشط ..  تابعت سيري حتى منتصف النهار .. هبت ريح عاصفة شديدة .. شنة الماء لم يبقى بها سوى رشفات .. وبدأ العطش ينهش كبدي .. فاستلقيت عند ظل شجرة اثل .. وفي المساء .. تابعت سيري .. لم اعد اعرف الى اين .. تائه على وجهي بصحارى ممتدة .. اسير ضرب عشواء .. حل الليل .. خلص الماء .. هذه اخر رشفة .. وقد رشفتها .. بت الليلة حيث انا .. طلع النهار .. تابعت سيري ..  تناصف النهار واذا بي .. اقطع فيافي صحراء جرداء .. لا طير ولا شجر .. ولا حجر .. سريره مقه ..  نظرت قوز رمل .. قصدته ..  وصلت اليه وضاق بي الحال .. العطش نال مني واشعر انها لحظات الوداع الاخير .. تلمست ثرى حفرت .. وجدت الندى .. حفرة اشبه بقبر ، وتمددت في رطوبة الثرى ..  ركزت المكحلة والسيف .. نزعت ملابسي وظللت وجهي  ..  دفنت نفسي في الثرى عريان  .. بردت حرارة  جسمي .. راق قلبي .. خف عطشي .. في المساء .. تابعت سيري .. حتى الفجر .. عندها توقفت .. قلت .. اخلد للراحة ثلاثة او اربع سعات ..اخذتني غفوة نوم عميق .. الساعة السابعه في ذلك اليوم .. من شهر ربيع ثاني .. استيقظت من نومي فوجدتني اشعر بعطش شديد .. واللهاف يلاحق لهاتي .. تابعت سيري ..نظرت قوز رمل .. قصدته ..  تطلعت من اعلاه ..يمينا .. شمالا .. شرق الجبل .. وقع نظري على نخلة .. بعد ثلاثة اميال .. قصدت النخلة .. اقتربت منها .. جنباتها نبات القصب والبرد والصمار .. فرحت فرحا شديدا .. قلت في نفسي : ”  ان شالله سيكون الماء ها هنا ” ..  وصلت .. النخلة على حافة عين ماء جارية .. نبع وسط الرمل .. مددت يدي لاتحسس الماء .. بارد كالثلج .. شربت منه شيء قليل .. خشيت ان انتكس .. عطشان ملهوف .. بعد ساعة زمان .. انتعشت حيويتي .. شيء من لحم .. عويني .. اكلت واسترحت عند جدع النخلة ..  حل المساء ..  ملأت قربتي ..  وتابعت سيري .. الليل نمت حيثما حللت ..  طلع النهار .. تابعت سيري حتى نصفه .. لمحت نخل كثير .. قصدته ..  اثر اقدام الابل .. عين ماء تتدفق بسخاء .. نخيل ثمره في عمر البسرة  .. بداية العينه .. ، وثمر قديم ، اسفل جدوع النخل .. ومدارجها .. اكلت  الثمر الجديد .. عزلت ليف وفتلت حبل .. وصنعت منه خريته .. فخ للابل التي ترد العين .. عند القيلولة .. انتحيت عند ظل النخلة ..  قطيع من الابل يقترب .. شربت وارتوت .. وصارت تلف حول العين .. وقعت بكره في فخ حبلي .. صارت تتخبط .. فقعدت تتخبط .. وفي الآن .. تكلم البارود .. اصبت جمل صغير ..  شرد القطيع .. نحرت الجمل ..  وخلصت البكرة من حبل الفخ .. وعقلتها به عقالين ..  وانا في تلك الحال .. رأيت زوبعة غبار قادمة نحوي .. جمل القطيع هائج يهاجمني .. قلت في نفسي .. ان لم اهرب .. هذا الجمل سيقضي اجلي حتما .. مكحلتي فارغة والوقت يمر .. قصدت جدع نخلة وددت تسلقه .. اقترب مني اكثر .. عدوت ..  وفي فوهة مفتوحة بالارض .. قليلة العمق .. قفزت بها .. اشبه ببئر ماء .. جاف .. لاحقني الجمل .. يرغي ويزبد .. يقحم رأسه جالة الحفرة ..  برك على ركبيه .. واقحم رأسه عله يصل اليّ .. نظرت حولي بالمغارة .. قلبت عيني واذا بثعبان ضخم .. من ذلك النوع الذي صادفنا تلك الليلة .. وطاردني اعلى الشجرة .. عينه اللامعة .. تتوهج كجمر اشتعل .. قلت في نفسي ..  الله اكبر .. ان بقيت مكاني يعضني الجمل .. وان ولجت الغار اكثر ..يلعقني الثعبان .. ظل التعبان هامدا .. والجمل يهدر .. وما توقف .. فما هي إلا برهة .. انقض الثعبان على فم الجمل .. وحقنه سمه ..  ثعبان بحجم الادمي .. بل اكبر من الادمي .. طوله ثلاث قامات .. غرز انيابه بخشم الجمل .. سقط الجمل في الحال .. صار ينظر اليّ.. وانا ابادله النظر .. لونه اكحل .. له سيالة بيضاء بين عينيه .. له شعر على اكتافه وفي ذنبه … اشبه بشعر ظهر الخنزير .. واطول قليلا .. شبر ونصف طول الذنب ..  الشعر على اكتافه اقل من شبر .. وعاد الثعبان الى مربضه .. غادرت الحفرة .. تحسست الجمل .. صار وبره يتطاير .. ولحمه لونه اسمر نيلي ..  قلت الحمد لله والشكر له الذي نجاني من الجمل ومن الثعبان .. ولولا فضل الله لقتلني الثعبان مثل ما قتل الجمل .

         سلخت ما تيسر من جلد الجمل .. واقتطعت شيء من اللحم .. اشعلت ناري .. شويت .. اكلت ..اردت امتطي الناقة التي وقعت بالفخ .. ابت ان تساعدني .. انفها بمخرز نار .. وجعلت فيه خرمة المخرز.. حبل لليف .. وامتطيتها ثانية .. فتبين لي انها تعدو اكثر مما يعدو المهري العشاري ..  قلت الحمد لله .. هذه الناقة ستنقلني الى حيث اريد .. لكنها عندما حل الليل .. واظلمت .. ابت المشي .. كلما دفعتها للمسير .. عادت خطوات للخلف .. اتعبني ذلك غاية التعب ..  نزلت من على ظهرها .. الحبل الذي برأسها ، عقلتها به عقلا جيدا .. وتابعت سيري .. في المساء توقفت .. جمعت الكثير من الحطب .. اشعلت ناري .. شويت وانتشيت ..  ارض قفر ليس بها سوى شجر البلبال ..  وشيء من عشب الحميض .. في الصباح .. تابعت سيري  .. عند القيلولة استظليت بشجرة اتل .. وفي المساء .. وبينما اطوف المكان ، عثرت على اثر لفارس عبر قبلي بايام محدودة .. فارس هنا في هذه الارض الجرداء ..  تتبعت اثره حتى الليل .. بت ليلتي .. وفي الصباح تابعت سيري ..  وجدت في اثره انه اصطاد طير نعام ..  وترك شيء من اللحم بعدما طمره بكومة من قش ورق الشجر  .. ازحت القش .. جلدين من ريش نعام لظليم اكحل .. ورقابها كنز الزهم ..  للكسور .. وتهتك الاوصال .. وتابعت سيري .. في المساء اثر اقدام الفارس تلتقي بطريق معهود .. تتبعت ذلك الطريق .. بلغت مجموعة ابار تحفها غابة نخيل .. من نخل الاولين .. ارويت عطشي .. وتابعت سيري .. ومرة اخرى غابة نخل .. رعاة اغنام .. سراح .. قلت السلام عليكم .. ردوا .. عليكم السلام .. قلت لهم .. هل عندكم شيء من حليب او معصوره  .. قالوا : نعم .. لدينا جبن .. ولكن .. انت ماذا ستعطينا .. قلت لهم انتظر القافلة .. وحال تصل اعطيكم متروده وزميته .. لكن المحقوق عند الله انشالله .. اذا وصلنا لبلاد .. لكم ما اشتهيتم  .. قالوا في أي بلد نجدك .. قلت لهم .. أليس ها هنا بلدتين .. قالو : بلى .. اوجله .. وقبلها جالو .. قلت لهم : في دار الشيخ سليمان .

اريد ان اطير

اريد ان اطير

احلق في سماوات العلى واصبح كالامير

كصقر  جارح  جائع

وفق الافق حمامات روائع

وارنب بري ضائع

 واعود منقضا عليك

 واخطفك .. وارحل اليك

لم تنم

لم تنم .. ولم ينام

 وتعانقا حتى الثمالة بالتمام

وتضاحكا وكانما طيرين فوق الغصن ينتشيا هيام

وكأنما الدنيا لهم ..  بحر محيط من غرام

سبح معا بالنهر ثم ترنما

 كفراش زهر .. والربيع تكلما

***

عيون شاخصة

 

    عيون شاخصة .. الاسلحة مجحفلة .. تدرع الشوارع

 المدينة ليست بخير .. ضحية احتراب …. الان

    فوهات البنادق تدور .. تترصد العبور والصدور .

اقطاب الترحل تتدافع .. وتشهر المدافع

انها الحرب يا هند .. كلانا الخاسر .. ونحشد لها الجند

تجاوزوا الوقائع ..  صفح واعتراف بالفضائع

عودوا كما كنتم ابرار .. اصهار .. اصدقاء اخيار .. وعمار يا دار

  دفعا للخطيئة .. اهتفوا :

اوقفوا الحرب  .. نريد العبور

الحرب الاهلية اعظم الشرور

واشفى عندما تأتي

غاليتي قالت تسألني

اتغازلني

 ما عدت اريد اخبئه

 حقا ما قلت يا قدري

 اني غازلتك فانفجري

اهملتني .. واسأت ظني

 كيف الطريق اليك .. كيف الذهاب اليك

 اشكو اليك .. ارثي اليك

قلبي الذي .. اسرته

 سرقته عينيك

رفقا بقلب  قاده الوجد اليك

 لا تبتعد

 البين يقتلني .. البعد يحرمني

واشفى عندما تاتي 

وتغمرني يديك

يا اجمل خلق الكون

يا اجمل خلق الكون

يا روعة البسمة والمقال

  والانس والدلال

     ماذا اقول لها .. ماذا اجيب ؟

    لو انني قلت لها ..  انت التي في قصائدي الوليمة

 وعلى صفحات اوراقي اليتيمة

انت التي في كل حين

 تخطرين

 تمانعين

 تتمايلين .. تترنمين

 وانا الذي لا يجروء ليفصح بالحقيقة  

انت التي في كل شعر قيل  .. كنت عنيدة

 وكنت حرف القصيدة

 ماذا اقول لها ؟

اسقيتك الحنين

ارويتك من شهدي عسلي كل حين

 قبلتك .. عانقتك .. ولكم تعانقنا ولا ندري

 وكم من قبلة صدفة

وهمسة انعشت همسة

 تلاقينا .. تعانقنا .. وطاب الوقت

 وابتلت مآقينا

ضحكت

ضحكت وبان ثغرها الفتان
وشعرت لو اني كما ما كان
وودت ان الوقت قد حان
حل الربيع بطلعه .. وتراصفت الجنان
عنب وثمر وخوخ ورمان
نرجس وياسمين .. فل ورياحين
بحار وانهار .. برابي وازهار
 
***
 
 لماذا لا تغازلني .
. لماذا لا تعاتبني 
. ولي في غزلها ستون بيت
وقافية بنظم العقد صفت ما ارتويت
 
لكم اهوى اغازلها
واغدو طير دوحتها امازحها
وتبكيني وابكيها .. تواسيني اواسيها
تغنيلي اغنيها .. تحضنني اشاكيها
 

كتيبة محاربين

 

 

 

    محاولات المرأة سلب حقوق الرجل التاريخية بذريعة حقوق الانسان .. اعتقد اننا بحاجة الى قوانين اكثر صرامة تقيد من حركة انفلات المرأة واعتلاء صوتها على الرجل ..باستثمار الاعلام واظهار دور الضحية .. كان للمرأة في الماضي يومان تخرج فيهما من بيت ابيها .. الاولى الي بيت زوجها .. والثانية الى القبر .. يجب ان نقتدي بسير الاولين وسبل تعايشهم .

***

    رقدوا الليل .. تصبح على خير .. لا اظن انا احدهما قالها للاخر .. اللي وصل لفراش تكلكف في بطانيته ورقد .. صبح الصبح .. يا وليه .. صبح .. نوضي ديرلنا طاسة شاي .. بنمشي للسواني .. مرة تنوض .. ومرة تقوله .. ماك غالب في طاسة شاي اديرها لروحك .. وتكمل نومها .. لكن يومها .. ما ردت عليه .. صاحب لوداع خذا وداعه .. رحمها الله .. قالوا الجماعة ..” انظر وين دايرها ولاقيها ” .. واخر ” ضربة جزاء حرة ” .. رقيلوا في العارضة .

****

    جاي من طرابلس ومعاه الولية .. ارتطم بسرب ابل عابر .. التفافة ما بعد القريات .. ماتت .. ونجا .. والتفوا حوله صحبة المواسين المهنئين .. اتم حديثه .. والقصة وما حدث يوم فاضت روح المرحومة .. همس احدهم للاخر  .. لا اله الا الله .. مررت انا وهي مرات ومرات من حنية القريات .. لم يصادفنا حتى جمل واحد .. محظوظ .

****

 

   مطول روحن .. في احدى المرات دمغتها بهاتفي النقال .. كان بيدي حينها  .. ادمى راسها .. ونقلت الى المستشفى .. عشرة غرز في الراس .. بعد اسبوع شفيت وعادت .. واخرى طاسه الشاي ساخنه .. .. كانت بيدي حينها  ..  كجيتها على زومتها ..  صار وجهها خبز التنور .. بلقش مقرقع .. نقلت الى مستشفى الحروق والتجميل .. بقيت عام .. وعادت .. كما انها ليست هي .. وفي احدى المرات وكنا نحتفل بعيد الذبح .. رقتلي السكر .. بيدي حينها سكين .. غرزته في قلبها .. نقلت الى المستشفى .. اجريت لها عملية جراحية استمرت 12 ساعة  .. وحتى في هذه الاخيرة ..  لم تمت .

   روحن طويله .. تلقى عزوز شايبها مات .. وقليل وين تلقى شايب عزوزه ماتت ..

 

****

 

          كما السجادة .. كلما اديت صلاتك .. انفضها من الغبار جيدا .. بيدك .. بعصا .. حسب غبرة المكان .. واين صليت .

 

****

 

       النخل البعلي .. ذكر بين عشرة نخلات .. الابل لكل ثلاثون ناقة .. والغنم لكل اربعون .. امم امثالنا .. واذا عندك ثلاثين ناقة .. كم من نفض سجاد .. ينتظر .

 

****

 

        صادف على طريق سفره جمجمة تدحرجها الرياح ، براح براري صحراوية شاسعة ، قرأ المكتوب على الجبين ” ولد في فاس .. ومات في مكناس .. وما طري وما يطرأ على ها الرأس ” .. تعجب ، وسأل نفسه .. ما عسى ما ينتظر هذه الجمجمة اكثر من دحرجة الرياح وسط قفار مجدبة ، فكر ان يسأل شيخ النجع  يوم وصوله ، حمل الجمجمة معه ، وضعها داخل المخلاة ، وواصل سيره

    ما ان وصل واطمأن على زوجته وابنائه وبقية الاهل .. قصد عشة الشيخ .. يسأله امرا جلب الحيرة في نفسه .. احتار الشيخ هو الاخر ، وطلب تفحص الجمجمة بنفسه .. هرع الرجل لإحضار الجمجمة ، ادخل يده بالمخلاة ، لم يجدها .. سأل الزوجة ، نظرت اليه باستياء .. كانت قد اعقبته ورأت ما يحوي المخلاة ، ساورها الظن بنية سحره لها ، رمت الجمجمة بتنور الخبز .. احترقت الجمجمة ، وصارت رماد .. هكذا عاد الرجل للشيخ الذي ينتظره .. ليقول له .. لقد تحققت مما كان ينتظر الجمجمة .. الحرق بالنار .

 

****

 

      تداعى الامل في الزواج بها .. وطالت سنوات الخطبة .. قال :

غزي القلية واقعدي في بيت امك .. عامك حرف ما لقيت بيش انضمك

****

وقال اخر

يام ضناي بديتي جدة .. وجهك صدى .. شبحك لين ايجيب الفده 

****

 

    عالم يتلصص على بعضه البعض .. لمحك عند نسابتك .. يتمم بالمثابة الام .. خلو الناس في حالها .. ذيب النسنس خير من ذيب الرقاد .

****

    احبت فيه كل شيء فيه .. روحة المرحة .. قلبه الحنون .. طيفه العابر كنسمة ربيعية .. خزرة لواحظه الوادعة الواثقة .. جنونه بها .. وجنونها به .. احبته .. واحببت كل شيء فيه .. واحبها حتى الثمالة ..  تزوجا .. وتحقق المراد والامل ..  صديقي هو الاخر عرسه كان يوم عرسنا .. ترافقنا سويا .. اربعتنا الى بلد اجنبي .. نقضي شهر العسل .. كنا نتحدث مع بعضنا اكثر مما نتحدث معهن .. في احدى المرات  .. مقهى فندقي رائع .. نحتسي قهوتنا سويا .. عبرت فتاتان .. فاتنتان  .. قفزت اعيننا سويا نحوهما .. تتبع دقيق .. نسينا من حولنا .. والتوت رقابنا سويا .. مالت مع ميلان اقدامهن .. واجسامهن .. حتى المشهد الاخير قبل ان تتوارى .. التفت كلانا للاخر مشدوها .. متحسرا  .. قال لي : ” له .. له .. يا حامد .. ما درنا في زماننا ” .. امضينا امسيتنا .. وكان كل شيء طبيعي .

   عدنا لحجرتنا الفندقية .. وما ان اقفل الباب .. زمت شفتيها .. رقبتك التوت حتى كدت تقع من الكرسي .. وماذا قصد عندما قال ” ما درنا في زماننا ” ؟ .. واعجبك قوله .. وابتسمت .

– لا ادري .. ربما قصد .. لكنني لا اوافقه .. ابتسمت بنوع من المجاملة .

– وماذا عن التفافة رقبتك كل هذه الالتفاتة ؟.. ابرر .. رأيته مشدوها لأمر ما .. سايرته النظر .. كنت اظن انه ينظر للقطار .. ومضت ليلتنا نكد .. لم انم مطلقا .. في الصباح الباكر .. كنت اول رواد المقهى الفندقي .. وجدته هو الاخر سبقني .. قلت له : ماذا فعلت بي ؟ .. كانت تنصت الينا . .. قال لي .. لا تشكيلي ابكيلك .. خرجت قبل قليل وتركتها .. لم انم ليلتي .. ماذا .. وكيف .. ونحن لا زلنا في شهر العسل .. فما عسانا غدا .. ليلة نكد .. كذبت بما يكفي ولم يسعفني .. اي عسل هذا ؟

– لا تنسى .. نحن السبب .. وزودناها حبتين .

 

****

 

        اهداني كتاب يخبئه جرده .. كنت ابحث عنه .. كتاب قديم .. حقق ونشر في العشرينات من القرن الماضي .. ومنع من التداول .. واعيد نشره مؤخرا .. عنوانه : ” عودة الشيخ الى صباه ” .. يشترط ان تتزوج فتاة في العشرين عندما تبلغ السبعين .. رحيق الصبايا ينعش القلوب .. اكسير الحياة .

        كلام حلو .. ليه لا .. تزوج ثاني وثالث .. لأجل الخلود .. والعمر شباب .. ومآرب اخرى .. كيف انت وثلاثة نسوة عمي سعد .. في خيار الخير .. و ” المرأ اللي تجيب ولد .. ردت راس مالها ” .. كتيبة محاربين .

 مذكرات رحالة من فزان 1852 : ( 1 )

        اما وقد بلغت اواخر العمر .. وانقضى منتصف القرن السابع عشر .. ونحن اليوم في العام 1852 م .. ورأيت ما رأيت من اهوال العصر .. ومناكفات اصناف البشر .. وحان المستقر .. سأروي لكم ما جرت به المقادير .. بلا تبديل ولا تغيير .. وذلك انني لما بلغت سن الثالثة عشر ، تولى عمي وشقيق والدي امري ، فانتقلت الى ارض تبو برفقته ..  وأجزل معاملتي بصحبته .. في مقام ابنائه وعثرته .. اذ لم يكن لديه في ذلك الوقت احفاد .. بعد مراس الترحال وجوب البلاد ..  فأولى اهتمامه بتعليمي  .. وأدخلني محاضر الكتاب لحفظ القران وتلقيني .. ولما فرغت من حفظه بالتمام .. اقام لي عرس باذخ في حضرة جمع الانام .. ذبح فيه مائة شاة من غنم الصدار .. واستضاف الكثير من اهل النواحي بالجوار .. باركوا لي وله الاجازة والتكريم .. على ما افاض الرب من النعيم .. بحفظي للقرآن الكريم .. وما ان بلغت سن الثامنة عشر في ذلك الزمان .. ارسلني الى بلاد  ” كاشنه ” ، و” برنو ” محملا بالهدايا وود الامان .. الى حضرة ملك ملوك العرب والسودان .. السلطان ابن السلطان .. المرحوم محمد بيلو ( [1] ) الغني عن التعريف والبيان .. نسيبنا وزوج اختنا منذ سابق الازمان .. وقد اكرم نزلي عنده بترحاب ، وقبل الهدايا ببهجة الاصحاب .. واسكنني دار اختنا ابنة عمي بعد طول غياب .. ومرت الايام مر السحاب .. فإذا بأختنا تحفزني للزواج .. وتختار لي فتاة من ذوي الجاه الاصحاب .. الملكة الزهراء ابنة الملك الاعظم الحاج البشير .. فوافقتها حسن التدبير والتقدير .. وأقيم لنا عرسا ابهج الاسارير .. سبع ايام بلياليها كما في الاساطير .. ببلاد ” برنو ” ارض الولاة المشاهير .

    اما والرحيل قد حان .. وشدنا حنين العودة لمقام عمنا حيث كنا وكان  .. وفي يوم وداع الخلان .. رافق ركبنا حضرة السلطان .. محمد بيلو سيد البراري والقفار والوديان  .. صحبة اختنا وحجابه ووزرائه وذوي الشأن  .. وعشرون الفا من عساكر السودان .. واهدى لنا خمسون خادم من الاقنان .. وخمسون غلاما من الفتيان .. وخمسون ناقة وخمسون جملا وشيء من الذهب بريقه لمعان .. واهدى لنا نسيبنا خمسون غلاما وعون الطريق من طعام ضعفان .. وأهدت لنا اختنا قبة نعامة حشوها من تبر الذهب غالي الاثمان .. وركبت زوجتنا في هودج عربي مترادف الاوزان .. ومضينا والركب يزحف بافتتان .. وبعد ثلاثة عشر يوما من الترحال .. بلغنا مقصودنا في احسن حال .. واستقبلنا عمنا بفرح وشوق فاق الوصف والخيال .. وأرسل الى شقيقنا محمد بأرض فزان  .. وكنا في شوق للقائه والعمر فان .. وقد ثم بحضوره الانس .. وازدانت البهجة واكتمل العرس .. وامضى عندنا شهرين .. وكان لنا عز قرين .

       فلما اراد الرجوع الى ارض فزان ، اهدينا له مائة وخمسون رأس من رقيق السودان ، وخمسة جمال هجن اعشاريات ، وناقة اعشارية لابينا ، وركبنا معه لنهارين متتاليين ، وابقانا بالسلامة ، ورجعنا ، فلما عدنا قريب تبو ، قتلنا شيء كثير من الوحش ، والعاج ، والكركدن ، ورجعنا الى عمنا ، فاقمنا ببلاد تبو عامين ، صار عمري واحد وعشرون عاما ، ارسل الينا ابينا ، وقال لنا في الجواب : ” الى حضرة اخينا عمر ، وبعد السؤال عنكم وعلى جملة الاهل ، ومن تعلق بكم خاصة ، بودنا ان ترسل الينا ابننا محمد .. لقد طالت وحشته .. اشتقنا اليه .. امه هي الاخرى لا تفتأ بالسؤال عنه .. قدم لي عمنا الجواب ، قرأته ، قال : هيئوا انفسكم للسفر .. جمل هجين ، يرافقه خمس وعشرون هجين ، على كل هجين اثنان من الرجال ، وركب معنا رجل خديم لنا من اهل تونس اسمه بابا علي كاسكين ، .. على مشارف فزان .. ارسلت هجان الى بلاد مرزق .. الى اشقائي هناك .. وما ان ترامى لهم خبرنا .. ركبوا في خمسمائة فارس من غلمانهم  ، وبنو عمومتهم .. والتقينا .. ونزل اخوتي عن المطايا .. وعانقوني .. ونزلت جميع القوم الذين معهم ، واستقبلونا راجلين .. ونزلنا نحن ومن معنا ، وتمازجت العناقات في مهرجان كعرس شعبي كبير .. لهدت الخيل .. واصطف اهل مرزق مهللين .. دقت الطبول .. ولعلعت المقرونه .. مرزق بناسها رجال ونساء .. والمرابطين ، كانوا في استقبالنا ، وضربت النوبة العثملي ،. عم الفرح .. غاية الفرح ..  وضرب الطبجي المدفع ..  ونزلنا بالقصبة المعلومة في بلاد مرزق .. فاقام لنا اخوتنا عرس لسبعة ايام .. واقمنا في  بلاد مرزق سبعة عشر يوما ، ثم ركبنا وركب معنا خمسون هجين ، وركب اخوتنا رفقة وداع .. ليوم كامل  ، ابقونا بالسلامة .. ورجعوا ، وفي اليوم السابع ، بلغنا  بلاد بني الوليد ، خاب املنا .. اقمنا بها ثلاثة ايام .. وجاء الخبر .. والدي بنواحي ارض الزعفران ، ركبنا وتوجهنا الى ابينا .. وبعد مسير يوم وليلة .. ، بلغناه .. تعانقنا بعد طول غياب .. طوال فترة اقامتى في تبو .. يومها وجدت عنده رجل فرنسي .. محب لابأبينا  .. قدم له اربعة مدافع .. صغيرة .

         فرح عمنا هو الاخر بقدومنا .. واخوتنا .. واولاد عمنا ، وكأني الميت الذي بعث من قبره .. عمت البهجة العائلة .. والاهل .. لكن جوابات ارسلها البلعزي .. يبدو انها ستغير المسار .. يطلب مقابلة ابينا عند غرب الزعفران .. وانه يعرض عليه التحالف معا .. ركبنا اليه في الموعد والمكان .. معنا مائتي فارس من ابناء عمومتنا ..

     المريض .. ونسيبه مصطفى ابن الاغا عصمان لدغم ، عرض عليه التحالف معا .. في مواجهة مصراته .. الذين اختاروا صف الترك .. لكن ما حدث لاحقا .. ينبئ انهم بيتوا لنا الخداع .. لقد اكرمناهم غاية الكرم .. والدي لم يكن متوجسا من التحالف معهم .. ركبنا نحن في مائتي فارس ، وركب المريض ونسيبه مصطفى ابن الاغا عصمان ، في ثلاثمائة فارس .. وعندما بلغنا المكان .. هالنا عدد العساكر .. وانتشارهم ..عند ذلك اتى ابن المريض الحاج عبدالهادي وقال لابينا ، ان اباه المريض ومصطفى الاغا ينون لك على الخديعة ، فلما سمعت منه هذا القول ، توجهت الى عمنا ، واخبرته ، فقال : الحاج عبدالهادي كاذب ، وما هو إلا خائف من القتل ، واستشار عمنا ، فقال ، اعرف الحاج عبدالهادي كاذب جبان ، إلا اذا ارتم تصديقه لتبرروا هرب تتوقون اليه  ، وعنده سنصبح ” مضحكة ” للناس .. ومسخرة عند اشرافها وأراذلها  .

         اقتربنا اكثر منهم .. شعرنا الخيانة تنهشنا .. كنا نظن ان المريض وقومه معنا .. لكنهم خذلونا .. الحاج عبدالله .. كان صادقا في كلامه .. لقد اخطأنا التقدير .. جعلونا في المركز .. وانهالوا علينا من كل جانب .. ناض البارود .. البلعزي امامنا .. والمريض من خلفنا .. واشتعل وطيس الحرب .. ليوم كامل .. دحرناهم .. لكنهم ظلوا محاصرين لنا .. قلت لعمي .. اذا لم نهرب الليلة فستتكالب علينا اقوام العسكر من مصراته وطرابلس .. وسنقتل .. .. والتفت نحوي .. وقال لي : ”  اعرفك .. اردت الهروب من اول يوم ، ربوك  الوصفان فصرت دليلا  .. كأنك لست ابن اخي ” ..  فقلت له : يا عمي .. الهروب ليس صنعتي ، ولا من صنيع احد من نسلنا ، ولكني خمنت ان الهروب افضل لنا ، نحن في خطر ، وانه افضل من الندامة بعد فوات الاوآن ، ولو ان عددنا يوازي عددهم .. او يقترب منه .. لكان ممكنا الصمود والمواجهة .. ضحية خيانة .

    قال عمي .. اذا تكاثروا علينا .. اتركوا الخيل والبسوا الارض ..  نصمد .. ونضرب بشدة .. غدا او بعد غد .. ننتظر دعم اخينا القادم الينا بالمؤن .. ولما زاد زحفهم نحونا .. لجأنا الى جبل طيني .. يقال له ” قارة البغلة ” .. وتخندقنا به .. والتفت بنا العساكر من كل جانب .. تمكنا من صدهم ووقفهم اليوم الاول ، والثاني ، والثالث ، بدأت زواملنا تموت من العطش .. اما انا وعمي وخلفنا احد غلماننا يحشو لنا البارود في المكحلة .. يعمر لنا السلاح ..  كان كل من عبر امامنا .. وتطاله بندقتنا .. قتلناه .. وكلما تكلم البارود .. ان كان من عندي .. او ان عمي صوب نحو هدف .. مات منهم رجل .. سقط من جواده .

     اليوم السابع ، تحاملوا علينا اكثر ، ماتت رجالنا وخيلنا ، اصابت عمي سيف رصاصة نهشت جانبه الايسر ، لكن رصاصة اخرى قصدت رأسه .. فاصابته .. رفع يده يتلمس اصابته .. وشعر انها النهاية .. قال لي :  تعال يا ابن اخي اصافحك عن قرب ، انا وانت سنفترق ..  هذا اليوم .. قلت له : تسلم عمي .. يا قرة عيني ..  اتيت اليه .. قبلني بحرارة .. ضمني الى صدره ، ، قبل جبيني ، وقال : اهرب يا ابن اخي ، فإني انا مت ، وسقط على الارض ، التفت الى الغلمان .. فوجدهم هربوا .. واقترب مني عسكري .. اراد ان يدخل لجة تحصني .. صوبت القربيله على صدره .. ضغطت الزناد .. قتلته .. سقط على الارض .. وتركت دوحتي وحصني .. خرجت  .. وخرج معي عبد اسمه زايد .. استحكمت حلقاتها .. وقبضوا على ابي .. واخوتي .. ومن اولاد عمي .. وما نجا من اعمامي .. غيث طفل صغير .. قتلوا والدي ، واسروا اخوتي .. وقتلوهم بالليل خنقا بالحبل .. ونجوت من قبضتهم في الرمق الاخير ، سرت هائما على وجهي .. ارض تاخذني واخرى تردني .. الى ان بلغت نجع لمغاربة ، كنت جريح في الكاحل ، عدوت مسافات بالليل  ، وما ان تناصف .. رايت ثمانون من خيالة البلعزي قادمون نحوي .. صار بيننا حرب شديد ، في تلك الليلة ، قتلنا منهم اربعة رجال ، وقتلوا الغلام الذي كان معي ، مات الغلام ، وصاروا قريبين مني ، اتى احدهم يمتطي فرس حمراء من جياد الخيل حتى وصلني ، وضربني بالقاربيله .. فسلمني الله منه .. التفت نحوه ، صوبت واصبته .. قتل ، كانت فرصة .. امتطيت الفرس وحملت على القوم  .. هربوا مني ..  ولاحقوني.. ظلوا على اثري حتى منتصف الليل ..  وعندما صرت بعيدا عنهم ..  تركت الفرس ، وصرت امشى بين اشجار القندول المنتشرة .. لحقني العطش ، نظرت شيء ما اعلى التبة ، صرت اليه فوجدته نادر من القمح ، اعلاها رجل نائم ، جلست بالجوار  ، فلم يستفيق .. ، فلكزته  ، استفاق مهلوعا عندا رأى سلاحي .. قال : ماذا تريد سيدي ؟ ، قلت له : اضناني العطش اعطنني ماء .. هرع الى بيت قريب من بيوت العرب الخفر .. احضر لي لبن غنم مخلوط بالماء ، شربت وانتشيت منه كثيرا .. وعندما هممت الرحيل .. تثاقلت ركبتاي .. فلم اقوى على النهوض .. واصابتني الحمة .. عدت مكاني .. احس الرجل بما انا فيه .. احضر مرقوم من الزريبة .. غطاني به .. تمددت ونمت .. حتى شق الفجر عين الصباح ..  زالت الحمة .. ولم يبخل علينا الرجل بالطعام .. لكني عندما عزمت على الرحيل .. لم اقوى على المشي .. جلست الى الارض وبكيت بكاءا شديدا .. قال لي ذلك الرجل ، ما يبكيك يا سيدي ؟ ، ولا بكى الله لي عين ، فقلت له : ابكي نفسي بنفسي ، ولا يبكي عليّ حبيب ، وهذا نهار البكاء عليّ ، فقال لي ، اني اراك يا سيدي ابن ملوك ، ولكن اخبرني بامرك وعليك الامان ؟ ، فإني ادبر عليك ، وامنحك ان قدرت ، فأخبرته بأمري وما جرى علينا ، فقال : سبحان المعز وسبحان المذل . فقلت له هذا كلام لا يسمن ولا يغني من شيء  ، هل لديك موضع اختبئ فيه حتى يندمل جرحي .. وسأمنحك المال .. قال لي صبرا.. استشير والدتي ، برهة زمن وقد عاد برفقة والدته .. قالت ، مرحبا بك يا ايها الرجل ابن الرجل المليح ، واني يا سيدي لما اخبرني ابني عنك ، خافني الحال ، ولكن اذا كنت ستعطينا شيء من الدراهم ، فإننا نخبئك عندنا حتى يندمل جرحك .. ونودعك الى حيث تبغي .. فقدمت لها عشرون بندقي من الذهب ، اعتدنا ان نبقي في جعبتنا دائما خمسمائة بندقي بحزامه .. لعازة الزمان .

قال الشاعر :

 ان الدراهم في المواطن كلها .. تكسي الرجال هيبة وجمالا

 وهي لسان لمن ارد فصاحة .. وهي السيوف لمن اراد قتالا .

فرحمة الله على صاحب هذا القول

[1]     ولد السلطان محمد بلو محمد بلّو بن عثمان بن فودي في عام 1879 بمنطقة سوكوتو بشمال نيجيريا وكان والده الطاهر الأول اخر سلاطين خلافة سوكوتو الإسلامية .. تولى امارة القسم الشرقي للدولة حتى بايعه عام (1817).. توفى بمايرنو في عام 1943 وله ضريح يزار فيها. خلفائه : السلطان محمد الطاهر بن محمد بلو من عام 1943 إلى 1969.. السلطان بلو بن محمد الطاهر من عام 1969 إلى 1972.. السلطان ابوبكر بن محمد الطاهر منذ عام 1972

 

ريح .. ادعي

      انقولها ريح تقلع .. وغبيري يعثعث .. وشمس تصهد .. لا سحابه ولا غابة .. وتقولي تو تمطر .. غير ادعي .. يا رب تمطر .. وتصبح صحراء فزان .. غابة متشابكة الافنان .. فواكه وجنان .. خوخ ورمان .. عنب وتمر تتمايل الاغصان .. ونهر جاري .. وفراشة سابحة .. وعصفور يغرد .. وشاة تتغي .. وبقرة تخور .. وكلب ينبح .. وديك يصيح .. نسمات ربيعية .. خصب ونماء ..ورياض فيحاء .. امين

تخريد .. ولا شيء توقف

       شاحنات .. جمع خردة .. كنس .. امام تدني اسعار الدينار وفرق العملة .. اي شيء يمكنك تصديره او تهريبه .. وان يصل خارج البلاد .. لو بعته بسنتات .. تستعيد اتعابك .. الدولار .. قفز .. هكذا نعمل .. فيما نتجه بالخردة شمالا .. السلع المعمرة .. السيارات .. الغذاء .. تتجه جنوبا .. مليون سيارة ليبية بيعت في اسواق دول الجوار .. تشاد .. النيجر .. السودان .. العام 2016 م .. ولا شيء توقف .

           شاحنات خردة تتجه شمالا .. تمنهنت .

الحلم .. المر

 

 

         غادرنا جبال السودة .. سريرة القاف .. من معطن بير وشكة .. ننزلوا على عين الشب .. ومنها تروق الغنم .. الى عين ام العبيد ..وصلت لبلاد .. 20 كم الزيغن .. وين تمشي معطن .. الحطيه .. بير انقيزو .. بير عبدالرحمان .. بير محضية  .. من سرت .. الى الزيغن ..  وما بقي من القطيع .. وارق الفيافي .. 600 كم .. شهر .. هش شاه من هانا .. واطي تشرب الغنم .

    من نجع لنجع .. ماشين مغرب .. نزلوا على نجع .. خير يا اجواد .. ضيوفكم عرب من فزان .. قال لهم : اما انت صاحب الجلابية والمسبحة .. اقبل منك .. اصدق انك مرابط .. لكن صاحبك .. لا .. ولنا ثار معهم .. والآن اتى موعده .. هرعوا يستجدون اخيه .. اجابهم .. قتل والده .. الذي هو والدي .. لا حيلة لدي اليه .. طلبوا اليه ان يؤجلهم .. بقية النهار .. من هانا الى الغداء .. انتم حداي ما يقربكم .. حان وقت الغداء .. صهلت الخيل وسط الخيام .. اين قاتل ابيه .. قلت لهم .. ها هو .. اختبأ في بيت الراعي  .. وقبل قليل كان سيقتلني .. اخذوه .. ربطوا بذيل الحصان .. وفروا به .. اما نحن .. فغادرنا على الفور .. بعد ثلاثة ايام من السير .. والتوقف .. امرأة وابنتها .. امه واخته .. لحقنا بكم .. نعرف انه ظلمكم .. نريد صفحكم .. رأفة به .. اذا عنا .. سامحناه .. لكن الزناد ان وقع وقع .. وعسى يأخذه الله بلطفه .. امين .

         مررنا على نجع .. عندي جبيره سمحة .. شب فيها عابر .. تبيعها .. لا ماي للبيع .. ونهضت العرب .. وكل حد في شور .. لحقنا العطش .. تخلفت .. رويدا رويدا .. توقفوا لاجلي .. وعندما بلغت حال القعود .. الرجل يكاد يموت الان .. او بعد حين  .. لا وقت للانتظار .. رحلوا وتركوني .. طريح الارض .. فاقد الوعي .. مضى الليل .. نسمة الصبح انعشتني  .. القيت نظرة .. ارض قاحلة .. زحفت .. نبتة عشبه منعزلة .. اسندت رأسي لظلها … غبت مرة اخرى .. وأجدني وسط عشه  .. واناس تنعشني .. سحلب القصب .. قطرات محدودة من الماء .. كنت في كل مرة .. اتمنى لو ترك الامر لي .. اشرب الماء حتى الثمالة .. وفي اليوم الثالث اصبحت احسن حالا .. قال لي .. جاء عابر سبيل يرتدي الجبيرة التي ساومك بها الرجل العابر .. سألته :  كيف حصلت عليها ؟ .. قال لي .. من رجل يلفظ انفاسه الاخيرة .. مسيرة ثلاثة ايام .. قلت لهم هيا بنا .. حملناك على بهيمة .. واتينا بك الى هنا .. وها انت تتعافى .. والحمد لله .

         فاقة .. وشر انكري .. الحل .. الهجرة طلبا للاستدانة  .. مروا على نجع .. حان الرحيل .. طلبوا من سيده الفاتحة .. وان يفتح الله لهم الابواب لبلوغ .. مأربهم .. فقال في اول جملة .. ” الله يفككم من الدين ودعاء الوالدين ” .. اوقفه .. لحظة يا شيخ .. احنا ماشيين ندينوا .. عدلها الدعوة .

      اللي ينكسر دراعه .. ساقه .. خير من يجبر العظم معاه .. يتحسس الكسر .. يرد العظم لمكانه .. طين طفل .. دعامتين .. ورباط .. بتكوي طباعه .. بتكوي محاور .. المنقل والع .. والمحاور جاهزة .. والطباعه جاهزة .. صغير .. وكبيرة .. جمر حامي .. ولدعة نار .. تشفي من نيران .. بتحجم ..  المغاته واتية .. شخت واشعل .. الحجامة باهية .. تجدد الدم .. تسحب الدم الخامر .. وعقاب الليل .. يفرش حصير .. قدام بيته .. طرف البر .. ويسند ظهره .. وليلة ظلمة .. ونجوم اتباقص .. لا تسمع فيها لاغية .. يحط كراع على كراع .. ويبدأ يهاجي .. يأخذ غايته .. تقاصر العمر .. وحط الرحال .. عودة .. وحسرة .. عمر انقضى .. حفريات في الذاكرة .. اللحظات السعيدة .. والألم الوضيع .  

     مرض في تونس .. كبير سن .. لهت حياة المهجر .. روحوا بيه .. وصل .. شهر من تونس الى طرابلس .. وشهر لفزان ..  وصل تاعب .. المرض خلاه جلده على عظم .. سابع يوم توفى .. بعد سنين غربه .. والحلم المر .. كتبله ربي سبع ايام .. راء فيهن عويلته .. ودعهم .. ورحل . . الحمد لله .

 

   البارح منام الليل جاب حلامه .. تفسيرها صاعب يبي علامه .. يبي بصاره .. بلاوي فطاحل يعرفوا بالاشارة .. نعرض عليهم حلم فيه مرارة .. بعد ما شربته كسروا اللقامه .. يبي عرافه .. هايل كافه .. اساوى علي وزاد زاد ظلامه .. ولا حد قال النور يا جلامه .. اللي يعرف التفسير قتله حالم .. بعد ما سمعني قال .. روح سالم .. تعوذ من الشيطان غير جثامه .

        غالبني العطش .. صيف الصحراء .. ووقعت طريحا .. مرت الايام .. تائه .. وبلغ بي اليأس محله .. تلك الليلة .. غائب عن كل العوالم .. رأيت كما يرى الناس في المنام .. سيدي امحمد كيف ما راته عيني وقت ودعته .. مد لي عمرة شراب .. اطمئن قلبي .. قلت .. سأعيش ثانية .. وليست هذه لحظة النهاية .. وتمت منقذ في الطريق اليّ .. عابر سبيل ..اسعفوني .. أعطوني ماء وحساء .. لم يتركوني .. وما ان اعدت وعيي .. رحلوا .

لماذا يطلقون علينا النار ؟

  

    الحاج روح من الهاروج  .. حل الصيف .. قيظ الصحراء لا يرحم .. في الشتاء تكتفي بمطرة .. اما الان فكم نحتاج من الماء .. طبخ وشرب وغسل .. ومعاك الراعي ينتظر .. ليس العطش يهددنا فقط .. بل الجوع ايضا .. ليلتها كنا قد عزمنا على الرحيل .. عودة للقرية .. الزيغن .. انقضت شهور ربيع الهاروج .. ما عاد البقاء هنا مجدي .. انتهى موسم الرحلة الى الشمال .. بقي من الزاد ثلاثة اكياس مكرونه .. استيفني .. هذا ما بقى ..نحتاج اسبوع زمن .. قلت له .. ساغيب عنك 6 ايام .. كل كيس مكرونة .. منه غداء وعشاء .. الوجبة 250 جرام .. كاف الى ان اعود .. خلاف ذلك .. ستجوع .

      الحاصل .. الليلة اصبحنا بلا عشاء .. المكرونه يألله تسد الراعي .. واحنا خاشين طريق .. عندي فردات خبزة يابسة .. قرن .. كم .. درهوبة رشاده .. فشفشتهن .. ودرت طبيخة جارية .. فشفش خبزه ميدوم .. تعشينا عشوة ما في الحساب .. واطمنا على الراعي .

 

      في الصباح .. رحلنا .. تركنا الهاروج وراءنا .. وصلنا واحة الفقها .. الطريق معبد الى الزيغن .. في العادة نختصر الطريق ..  خش البر  .. بدل اللفة الطويلة .. 80 كم .. تكون في الزيغن .. اعمد مغرب الشمس .. والصبح ظلك قدامك .. تبع ظلك .. توصل

       روحنا للزيغن .. ويا ودي ما هناك قعاد .. ولمينا روحنا .. ورحلنا .. الراعي يراجي .. معاي رفيقي .. براح البر .. قرب الفقها .. عبرت ولا ادري انني نجوت من فخ مرعب .. رفيقي الذي يتاخر عني بمسافة زمن .. اعترضته عصابة مسلحة .. اطلقوا النار .. كدمه احدهم باخمص البندقية على راسه  .. بعدما سلبوه .. حدث في 10 ابريل 2017 م .. يؤلمني المصير الذي انتهى اليه رفيقي .. هو الان بتونس للعلاج .. كان يمكنهم ان يسلبوا ما عنده فقط .. لماذا اطلقوا النار .. لماذا يضربوننا ؟ .. على الراس .. لماذا يطلقون علينا النار ؟ .. نحن رعاة اغنام عزل .

 

الحاج عبدالله .. رفيقي الذي تعرض للحادث .. يرتدي الكامجو الوردي 

الراعي

 

قدامى الرياضيين .. مهرجان للتسامح .. سبها

 

      مدينة سبها .. فزان .. مساء امس .. برعاية جمعية قدامى الرياضيين .. مهرجان للتسامح .. رفيق النشأة والصبى .. ابن زيغنا .. الكابتن احمد بشير .. دفاع ايمن نادي الاهلي .. صدارة احتدام التنافس بين فريقي النهضة .. حي الجديد .. والاهلي .. حي القرضة .. 

     عرض فروسية .. مهرجان خطابي .. فضل التسامح .. ثم مباراة كرة قدم .. فريق قدامى الرياضيين .. وروحنا .

بات غادي

   

 

     عينه على بنت خالته .. يومها تاخر في بيت خالته سهر ليل .. قالتله خالته ما فيك ما روح .. المطر خيط من السماء .. بات معانا .. وهي ليله وفراقها صبح .. من الفرحة .. انطلق جري لبيتهم .. لا همه في المطر خيط .. لا اخر الليل .. جاب بيجامة نومه  وجاء .. خالته فاطنه ..  صار تقدر تروح لبيتكم .. روح .

   خطرها .. الواحد غايته ديمه داير حسابه .. بجامتك معاك.. تشرب طاسة شاهي وتاكل المقروض .. تاخذك الهدرزة عندهم .. تنسى مقعدك .. يخش عليك الليل .. وبلاد الامن ما تنشدني  .. ليلة وفراقها صبح .. بات غادي .. وما صبح لين فتح .

                             – كلام حلو
                                     –  الكلام بس حلو .. وإلا قصدك حتى انا ؟ 
                                    – هههههه انت رائع

ما تخلي الغنم عطشانه

   

    الغنم كان تبيها تهدأ في الحظيرة .. كثر العلفة .. والخرطان .. ويبقى ديمه القرمد مليان .. كلت وزيدت .. شبعانه مربعه .. هادية .. كان القرمد فاضي .. الغنم جيعانه .. اللي مهبية .. واللي ادور وكاثر صياحها .. وديمه طعمها ضد الامراض السارية والمعدية .. واذا خديت شاه جديدة وحطيتها معاها .. تأكد .. مرات مريضة تعدي القطيع كله ..  جدري .. دودة الراس .. ديدان معوية .. وحتى علف الشاه تكون عارفة .. انشد البايع .. يقولك .. متعود علفه وخرطان .. وإلا علف تقشف .. خبزة يابسه وميه .. وزيادة تو الكوشه غليت .. 4 فرادي بدينار .. قبل لاقينها العشرة بخمسين قرش ..  خوذلك مثل .. الجدي هذا شريناه تو ..  مبشوم .. فرزته بروحه .. جاي جيعان .. ما يعرف العلفة .. وما تعود القرمد مليان والخير كاثر حداه .. جاء لقي غنداق .. واهق .. حط راسه في العلفه .. ما رفعه .. العلفة شاعته .. زكمتت بطنه .. ما لا حل .. إلا الموس والذبح .. وإلا .. غرله في فمه ..شربه اميه .. وجريه .. تسرح بطنه .. كان طلعت منه حتى ريح .. طار سوه .. جدي كيف هذا .. عطيه العلفة وبلها بالمية قبل .. لين يتعود .. حتى كان الميه ما باهية للغنم واجد .. الغاية تشرب عدل .. شربت واجد .. اللي تاكله تخرطه اسهال .. شربت شويه .. لحقها العطش .. جلتها فلاقط .. جلطت .. كان مش كله حبة جله بروحها ..الغنم عطشانه .

      ووقت ولادتها .. كون قريب .. ينزل غداها متعرض .. اسحبه منها .. ساندها .. غير هكي .. تموت هي واياه .

 

       الفحل .. بعد عامين ثلاثة .. ديمه غيره .. معاد يقدر .. عجز .. ومنه تغير سلالة .. القطيع ينتعش من جديد .

هون بلاد لسلام

   

 

   من الزيغن .. عاش عمر في هون .. اخر العمر .. وجاب عويلته معاه .. وقال .. وكري وكري .. وين حطك بوك .. يلقاك جدك .. هفت نسوم حنين هون ..  بيوت وناس وعشرة عمر انقضى .. احبهم .. على جادة الطريق .. ينتظر اول سيارة مبحره .. اسأله .. الى اين عمي الوحيشي ؟ .. الى هون انشالله  ..تصل بالسلامة .. يودعني بابتسامة .. في احيان .. باقتضاب .. ” ماشي لبلاد لسلام ”  .. ادرك ان احد منا ازعجه .. اسبوع .. اسبوعين .. ويعود .. وكأنه الذي لم يرحل بالأمس مغاضبا .. لهون حنين .. وللزيغن حنين .. وهون بلاد لسلام .. 300 كم .. الجفرة … عنده .. حذفت رشاده  .. رحل .. غاب .. وليه وحشة .

 

 

فكر في الزواج باخرى

فكر في الزواج باخرى .. هرع الاهل .. غمرهم حنين لزوجته الاولى .. اعتادوها .. طيبة نصوحة .. اثخنوه نصحا .. ينافح عن وجهة نظره .. وعندما سئم جدالهم .. وبات صعب التلاق .. جلس بعد ان كان متكئا وقال لهم : جميعكم تعارضونني .. ولكن .. كم يقطن كوكب الارض من بشر ؟ قالوا : سبعة مليار ونيف .

            قال لهم ..  لو انكم واياهم .. طفتم الشوارع .. هاتفين .. لا تتزوج يا لئيم .. ساتزوجها . واهم من هذا وذاك  .. اريدها .. فأقنعهم .

             المرأة طلقه .. والنخلة حرقة .. تروم .. وتستمر الحياة .

                                     

السلام عليكم .. 14 مذكرة للحكومة ..

السلام عليكم  ..

14 مذكرة للحكومة ..  

        العام 2010 م 518 الف طن .. العام 2015 م 17 الف طن .. انتاج القمح في فزان   ؟ .. انتاجنا اكوام مكدسة .. للعام الثاني .. التلف ..  سؤ التخزين .. بلدنا يستورد الدقيق ؟ .

          تدليل الصعاب  .. نبيع بأسعار زهيدة .. لا احد يصغي لنا بعناية ..  سئمنا اعباء السفر لمدينة البيضاء ..  14 مذكرة للحكومة .. استيعاب الانتاج المحلي  .. ديون المنتجين سنوات 2015 ، 2016 .

           مقابلة مسؤول  .. وزير ..  مدير .. وطول الانتظار الذي لا يأتي .. ( البيضاء .. طرابلس ) .. ادراج   ورياح .. انتاج .. مهدد بالتلف .. التخزين .. الوقت يمر .. تكبدنا عناء السفر والنقل عبر التفافة طريق ” زله ” .. داعش كانت قد بسطت يدها ..على سرت والمنطقة الوسطى .. نبيع انتاجنا للمصدرين .. مطاحن مختصة بالقمح الليبي  هناك .

         راجعني .. رد عليّ بعد .. الاسبوعين القادمين  .. انشالله ما يكون إلا خير .. وتمشي ثاني .. ومن حظك .. مسافر .. وراجي .. وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالاستجابة ، والله يرث الارض ومن عليها ، واذا تبدلت الاحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من اصله وتحول العالم بأسره ، وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته  

عثمان عبدالسلام الطاهر

رئيس جمعية منتجي حبوب فزان

 

رحلة من طرابلس الى البوانيس

     من طرابلس نحو فزان .. هذا الصباح .. هاجس توفر البنزين يلازمنا .. عند محطة ” ابوالغرب ” .. انتظار لفترة وجيزة .. سألنا احد القادمين من الجنوب .. وافاد بأن الوقود بعد هذه النقطة يتعذر .. وجميع المحطات مقفلة حتى سبها وفزان .. امامنا مسافة 500 كم لبلوغ مقصدنا البوانيس .. تمكنا من تعبئة 30 لتر احتياط .. وواصلنا سيرنا .

الابل العابرة للطريق .. هنا وهناك طوال المسافة من القريات الى الشويرف ..  

تمركز امنى قبل الشويرف

     الغيلانية .. القلعة اعلى الجبل .. وفي الاسفل محطة وقود خاوية .. وقاطرات شحن البضائع المتجهة جنوبا ..  توقفنا لاضافة وقود مما ادخرنا بمنطقة ابو الغرب .. الاستاذ نجيب زلومه قائد الرحلة .. يسانده الاستاذ ابوالقاسم  سعيد .. عميد بلدية البوانيس .

     توقف سائق الشاحنة مشدوها .. ليقدم لنا اعتذاره ..  وبالطبع قبلنا اعتذاره .. لقد سقطت بالة العلف من اعلى الشاحنة امامنا لحظة تجاورنا ، اصطدمنا بها .. وكادت ان تؤدي الى انحراف سيارتنا عن جادة الطريق .. مهارة الاستاذ نجيب في القيادة .. والفرامل في الوقت المناسب .. وتعامله مع الموقف خفف الاضرار .. توقفنا لنتفحص الحدث .. كسر الاطار الامامي ، وتهشم الفنار الاصغر .. اضرار بسيطة .

      تزود بالوقود مرة اخرى .. هذه المرة بما تبقى لنا من مدخر .. امامنا 100 كم للوصول الى النقطة القادمة .. واحة قيرة .. بوابة وادي الشاطئ .. وعلى يسارنا راعني مشهد عواصف التخريد التي اجتاحت المكان .. عشرات الاعمدة للضغط العالي .. تتوسد الارض .. وتشتكي فراق الاسلاك النحاسية .. ضحية الاتجار بمعدن النحاس .. سلعة بورصة التهريب المفضلة .

     وصلنا واحة قيره .. باعة الوقود الافارقة على قارعة الطريق .. لتر البنزين 2 دينار .. وحاج للتزود لاستكمال المرحلة الاخيرة من الرحلة .

     مفترق الطريق .. واحة براك يمينا .. المتجه نحو سبها يسارا .. محطة تزدحم بباعة الوقود .. امامنا 70 كم الى سبها .. 120 كم الى واحة سمنو  المركز الاداري لبلدية البوانيس .. ثم 24 كم الاخيرة الى الزيغن .. عبر التفافة الطريق الشرقي بسبب تهتم الطريق الغربي الرابط بين الواحتين بمسافة 10 كم .

   

    طريق زلاف .. يبدو انها احدى نقاط اختيار سيارات تهريب الوقود الجنوح عبر براح الصحراء تفاديا للمرور على بوابات عن قرب .. لكن احداها غرق في سافي الرمال .

     نعم .. ها هي البوابة على مقربة من المكان .. هنا مجموعة بن نايل حيث تبعد قاعدة تمنهنت مسافة 10 كم يسار الطريق .. ونشاهد عن بعد مجموعة عسكريين وعدد محدود من السيارات المدججة بالرشاشات تقبع وسط الرمال على يسارنا 

     عبرنا بوابة قويرة المال .. نحو وادي البوانيس .. مررنا بواحة تمنهنت .. وهنا عند نقطة ” المريطة ” في طريقنا نحو واحة سمنو .. المريطبة التي شهدت اشتباكات الاسبوع المنصرم .. وذهب ضحيتها 4 من شباب سمنو .. الان لم تعد هنا بوابات .

مشروع سمنو الزراعي

     الى سمنو يسار مسافة 2 كم .. ثم الى الزيغن 10 كم .. وبسبب تهتم الطريق الضرورة تفرض التوجه الى الزيغن عبر الطريق  في الواجهة حتى مدخل الزيغن الشرقي بعد مسافة 14 كم .. ومنه يسارا الى الزيغن 9 كم .

استراحة سمنو