حرب تشاد .. رسالة مشفرة

     
   العاصمة التشادية ” انجامينا ” عام 1980 م .. جوار عربتي للاتصالات اللاسلكية .. كتيبة تبستي .. من هذه العربة اتواصل مع جميع المحاور وتمركزات القوات الليبية داخل حدود تشاد .. ام شعلوبه .. فادا .. ابشا .. وغيرها .. ولمسافة 1000 كم مربع .. مهمتي ابلاغ الاوامر والتعليمات الصادرة عن غرفة العمليات الى محاور القتال .
     في واحة ” توقي ” 80 كم شمال انجامينا .. مكث الجيش الليبي لا شهر عدة في حالة انتظار .. طرف الواحة مطار ترابي استخدم في تامين الدعم اللوجستي للقوات .. وعندما سيطرت قوات الرئيس كوكوني على مطار انجامينا .. انتقلنا الى هناك .. كانت القاعدة الفرنسية قرب المطار خالية تماما بعدما سحب الفرنسيين جنودهم .. فاقمنا حيث كانوا يقيمون .. واحلنا الهناجر الضخمة وعرين الطائرات الى مخازن للسلع الاستهلاكية .. الارز .. الدقيق .. الخ .. في القاعدة الفرنسية هالني حجم العبث الذي لحق بها .. فما ان انسحب الفرنسيين .. زحف الاهالي .. وتمت سرقة كل المقتنيات المتبقية .. ولم يستثنى بساط الارضيات اللاصق .
     كنا ننظر لحظة الصفر .. للانقضاض ما تبقى من فلول الرئيس حبري المتحصنة بمنطقة محدودة بالعاصمة المحاصرة من ثلاث محاور .. كان كل ما يملكه اعوان حبري .. عدد اصابع اليد من عربة فرنسية عتيقة ” كسكافي ” .. وقوة القناصة المتحصنة التي اربكت تقدم قواتنا .. ما دفعنا لانتظار دعم القوات بالكثافة النارية المدمرة لسلاح الدبابات .. استغرقت رحلة رتل الدبابات المحمول على ظهر ” اسكملات روسية عتيقة ” وقتا .. وقد خصصت طائرة مروحية لمتابعة الرتل وتامين وصوله .. وفي كل مرة ” اسكمل تعطل انقطعت الشنقه ” .. تبديل سير الحركة بين الحين والاخر .. تكرار الاعطال والتوقفات .. استغرقت الرحلة من الكفرة الى انجامينا مدة 26 يوما .. وفي المساء .. ما ان وصل الرتل .. عقدت غرفة العمليات اجتماعا .. وفي الصباح بدأ القصف .. كانت الدبابات تتوغل داخل المدينة بيسر .. يحتمي خلف كل دبابة عدد 24 فرد من جند المشاة .. بأسلحتهم الخفيفة والمتوسطة .. بل تخلفوا ولم يواكبوا الدبابات في تحركها وتقدمها السريع .. وفي شارع 40 واجهت قوات الصاعقة مقاومة ضارية .. ما استدعى دعم سلاح صواريخ الجراد .. وصدر الامر .. ” احداثي شارع 40 .. عدد 40 صاروخ .. ارمي ” .. كانت المعركة الفاصلة مع اخر جيوب مقاومة هبري .. الذي اختار في اللحظات الاخيرة .. الفرار الى الكاميرون عبر نهر شاري .. بعدما اعدم اسرى ليبيين سجناء عنده تشفيا .. فر هبري كابوس تشاد .. وفقدت القوات الليبية في معركة شارع 40 نخبة من اسود قوات الصاعقة .. وتبين ان سلاح الجراد الاعمى الى حد كبير .. التهم الكثير منهم اثناء الاشتباك القريب .
    اواه يا زمن .. لما كل هذا الالم .. كلما استدعت الذاكرة كل هذه التداعيات .. يحضرني رسم برقية مشفرة .. اعدت ابراقها الى طرابلس .. كان ذلك زمن عقد السبعينات .. وكنت بمدينة سبها .. فحوى البرقية مرسلة من المكلف بالتفاوض مع المتمرد هبري بشمال تشاد .. حول شريط اوزو .. يقول : ” انتهت المفاوضات معه الى طريق مسدود .. وهو في ايدينا ان اردنا القبض عليه .. ننتظر الاوامر ” .. لكن الاوامر طلبت عدم الاقدام على الخطوة .. وتأجيل التفاوض الى لقاءات لاحقة .