افريقيا .. الفقر والفساد وجه واحد

ز10

           احد الرعاة يتحسر على قطيعه الذي نفق جوعا .. فقرالارض والناس .. غياب المطر .. غياب الدعم الحكومي للاقليم وقت الازمات .. القحط مع امتداد رقعة التصحر .. الضحية قطعان الماشية .. مصدر الرزق المعتاد لغالبية اهل اقليم ازواد شمال مالي .. في حين ترزح حكومة باماكو هذه الايام بلملمة فضائح الفساد والنهب لمسئولين كبار .. والمتهمة بأنها ارهقت خزينة البلاد المثقلة بالأزمات الاقتصادية .. والسياسية  .. هدرت ثروات البلد .. مزقت نسيجه الاجتماعي  .

      الفقر والفساد وجه واحد .. الفساد الذي هو العمود الفقري لأزمات الشعوب الافريقية عموما …. اضحى عادة افريقية ينال منها ساسة باماكو حصة وافرة .. ومنذ عام 2009 م .. حذرت منظمة الاغذية والزراعة الدولية (الفاو) عن المجازفة في حدوث كارثة .. القارة تباع بالمزاد العلني .. ورؤوس الاموال قد ابتلعت دفعة واحدة ملايين الهكتارات الافريقية .. كي يتم التنازل عنها لمدة عشرين او ثلاثين او تسعين عاما , وكأنها مستعمرات زراعية تباع مع من يقيم عليها من الناس الذين يعتمدون عليها في معيشتهم , من دون ان يكون لهم حق الاعتراض .. تماما كما كان عليه الحال زمن عبودية الاقطاع الزراعي والكنسي. وهو نمط استعماري يمتلك اليوم الوان ودولارات .. والأمر لم يعد هذه المرة متعلقا بالمواد الاولية , بل بالارض الغنية , الخصبة , التي تم العمل على فلاحتها منذ قرون بطريقة سطحية , بحيث يصار الى كشطها بالكاد ..  سيئول تمتلك مساحة تصل الى 2.5 مليون هكتار. الصين 2.1 مليون , العربية السعودية 1.6 مليون , الامارات 1.3 مليون.

     نماذج من اعتى الامبراطوريات الجديدة التي تعمل تحت اسم المشاريع الزراعية ..  الرؤساء من الخارج , ويستخدم المحليون فقط كقوة عاملة , بأجور زهيدة , ومروضين ; يبيع كل صاحب سمعة سيئة , النخب الفاسدة .. رؤساء متوجون بموجب استفتاءات شعبية تصل نسبة الموافقة فيها الى 99% , انهم اولئك الذين لم يشبع شرههم  اثراء حساباتهم في البنوك الاوروبية عن طريق النفط , النحاس , الذهب , والماس , فعمدوا الى بيع افريقيا بسكانها وتطلعاتها .. تسوق افريقيا يتم عبرعقود لا يتم الاعلان عنها , يشوبها الغموض مثل اسرار الدولة .. اجرة الهكتار في اثيوبيا ما بين 3 – 10 دولارات في العام .

    الحقيقة تقول انه مع بيع الارض يتم التخلي عن آمال الافارقة بالتغيير التي تولد متنكرة خلف قانون القدرة والطاقة الانتاجية لعبوديات جديدة .. بعد عدة سنوات سيكون عامة الناس الذين انهكتهم الحروب , بالتزامن مع القحط المتكرر بانتظام , شاهدين على شاحنات محملة بالقمح الجيد , وهي تمر امام حقولهم المجدبة والمحتدمة الجدب لكن لن يتمكنوا من الحصول على حبة واحدة , فهي مخصصة لسكان دول الاستثمار .. شركات تشتري دولا بأكملها من اجل تحويلها الى الزراعة الاحادية , المطاط , او الموز .. تشكل وتقيل حكومات , وتُعيّن وتعزل رؤساء .

     لزمن طويل ظل الفقر موضوعا مؤرقا للمنظمة الدولية ” الامم المتحدة ” ، كما هو مؤرق للشعوب التي ترزح تحت عباءتة . ورغم كل التحذيرات التي اطلقتها الامم المتحدة والهادفة الى محاربة الفقر بالعمل على تحقيق نمو اقتصادي كاف لمكافحة الظاهرة ، وبالذات في دول العالم البعيد عن التقنية ولغة الارقام .. إلا ان النتائج تتوالى عام بعد عام لتكشف اتساع الهوة بين دول العالم المتقدم والعالم النامي كما هي بين الاغنياء والفقراء على مستوى الشعوب والبلدان . وبارتفاع نسبة القابعين تحت خط الفقر .

     المعضل على ما يبدو اكثر تعقيدا ، فالطريق الى تحقيق الوفرة المنشودة يمر بتحسين مستوى اداء الاقتصاد على المستويين المحلي والدولي ، ولربما اعادة هيكلته بما يفئ بتحقيق توازن يقلص من تلك الهوة الشاسعة والفاصلة بين الفقراء والاغنياء . وهذه الرغبة قد تتطلب توازن ايضا في ادارة ثروات البلدان يستدعي مراعاة معاير شتى ، لعل ابرزها سيطرة الشعوب على مقدراتها بنفسها وتولي ادارتها لها بترشيد يستند لاجتهاد العقل الجماعي ، وهو ما يتطلب تمتع الشعوب بحق ممارسة السلطة والرقابة لحماية ثرواتها من هدر الايدي العابثة . وبمعنى ما فإن الفساد هو الخطر الحقيقي الاول الذي يهدد مصير الشعوب ومستقبلها ، وان التصدي له لن يتحقق ما لم تتحقق على المستوى السياسي حالة من التوازن في ممارسة السلطة تكون الشعوب هي من يملي مفاصلها ويؤسس دعائم اركانها .. ومتى ظل المطلب الاخير بعيد المنال . ستبقى اطروحات الامم المتحدة طي النسيان او حبيسة دهاليز ادراج المكاتب . وعند هذا الحد .. فلا جديد فيما قالت وما ستقول !!!

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *