افريقيا .. الفقر والفساد وجه واحد

ز10

           احد الرعاة يتحسر على قطيعه الذي نفق جوعا .. فقرالارض والناس .. غياب المطر .. غياب الدعم الحكومي للاقليم وقت الازمات .. القحط مع امتداد رقعة التصحر .. الضحية قطعان الماشية .. مصدر الرزق المعتاد لغالبية اهل اقليم ازواد شمال مالي .. في حين ترزح حكومة باماكو هذه الايام بلملمة فضائح الفساد والنهب لمسئولين كبار .. والمتهمة بأنها ارهقت خزينة البلاد المثقلة بالأزمات الاقتصادية .. والسياسية  .. هدرت ثروات البلد .. مزقت نسيجه الاجتماعي  .

      الفقر والفساد وجه واحد .. الفساد الذي هو العمود الفقري لأزمات الشعوب الافريقية عموما …. اضحى عادة افريقية ينال منها ساسة باماكو حصة وافرة .. ومنذ عام 2009 م .. حذرت منظمة الاغذية والزراعة الدولية (الفاو) عن المجازفة في حدوث كارثة .. القارة تباع بالمزاد العلني .. ورؤوس الاموال قد ابتلعت دفعة واحدة ملايين الهكتارات الافريقية .. كي يتم التنازل عنها لمدة عشرين او ثلاثين او تسعين عاما , وكأنها مستعمرات زراعية تباع مع من يقيم عليها من الناس الذين يعتمدون عليها في معيشتهم , من دون ان يكون لهم حق الاعتراض .. تماما كما كان عليه الحال زمن عبودية الاقطاع الزراعي والكنسي. وهو نمط استعماري يمتلك اليوم الوان ودولارات .. والأمر لم يعد هذه المرة متعلقا بالمواد الاولية , بل بالارض الغنية , الخصبة , التي تم العمل على فلاحتها منذ قرون بطريقة سطحية , بحيث يصار الى كشطها بالكاد ..  سيئول تمتلك مساحة تصل الى 2.5 مليون هكتار. الصين 2.1 مليون , العربية السعودية 1.6 مليون , الامارات 1.3 مليون.

     نماذج من اعتى الامبراطوريات الجديدة التي تعمل تحت اسم المشاريع الزراعية ..  الرؤساء من الخارج , ويستخدم المحليون فقط كقوة عاملة , بأجور زهيدة , ومروضين ; يبيع كل صاحب سمعة سيئة , النخب الفاسدة .. رؤساء متوجون بموجب استفتاءات شعبية تصل نسبة الموافقة فيها الى 99% , انهم اولئك الذين لم يشبع شرههم  اثراء حساباتهم في البنوك الاوروبية عن طريق النفط , النحاس , الذهب , والماس , فعمدوا الى بيع افريقيا بسكانها وتطلعاتها .. تسوق افريقيا يتم عبرعقود لا يتم الاعلان عنها , يشوبها الغموض مثل اسرار الدولة .. اجرة الهكتار في اثيوبيا ما بين 3 – 10 دولارات في العام .

    الحقيقة تقول انه مع بيع الارض يتم التخلي عن آمال الافارقة بالتغيير التي تولد متنكرة خلف قانون القدرة والطاقة الانتاجية لعبوديات جديدة .. بعد عدة سنوات سيكون عامة الناس الذين انهكتهم الحروب , بالتزامن مع القحط المتكرر بانتظام , شاهدين على شاحنات محملة بالقمح الجيد , وهي تمر امام حقولهم المجدبة والمحتدمة الجدب لكن لن يتمكنوا من الحصول على حبة واحدة , فهي مخصصة لسكان دول الاستثمار .. شركات تشتري دولا بأكملها من اجل تحويلها الى الزراعة الاحادية , المطاط , او الموز .. تشكل وتقيل حكومات , وتُعيّن وتعزل رؤساء .

     لزمن طويل ظل الفقر موضوعا مؤرقا للمنظمة الدولية ” الامم المتحدة ” ، كما هو مؤرق للشعوب التي ترزح تحت عباءتة . ورغم كل التحذيرات التي اطلقتها الامم المتحدة والهادفة الى محاربة الفقر بالعمل على تحقيق نمو اقتصادي كاف لمكافحة الظاهرة ، وبالذات في دول العالم البعيد عن التقنية ولغة الارقام .. إلا ان النتائج تتوالى عام بعد عام لتكشف اتساع الهوة بين دول العالم المتقدم والعالم النامي كما هي بين الاغنياء والفقراء على مستوى الشعوب والبلدان . وبارتفاع نسبة القابعين تحت خط الفقر .

     المعضل على ما يبدو اكثر تعقيدا ، فالطريق الى تحقيق الوفرة المنشودة يمر بتحسين مستوى اداء الاقتصاد على المستويين المحلي والدولي ، ولربما اعادة هيكلته بما يفئ بتحقيق توازن يقلص من تلك الهوة الشاسعة والفاصلة بين الفقراء والاغنياء . وهذه الرغبة قد تتطلب توازن ايضا في ادارة ثروات البلدان يستدعي مراعاة معاير شتى ، لعل ابرزها سيطرة الشعوب على مقدراتها بنفسها وتولي ادارتها لها بترشيد يستند لاجتهاد العقل الجماعي ، وهو ما يتطلب تمتع الشعوب بحق ممارسة السلطة والرقابة لحماية ثرواتها من هدر الايدي العابثة . وبمعنى ما فإن الفساد هو الخطر الحقيقي الاول الذي يهدد مصير الشعوب ومستقبلها ، وان التصدي له لن يتحقق ما لم تتحقق على المستوى السياسي حالة من التوازن في ممارسة السلطة تكون الشعوب هي من يملي مفاصلها ويؤسس دعائم اركانها .. ومتى ظل المطلب الاخير بعيد المنال . ستبقى اطروحات الامم المتحدة طي النسيان او حبيسة دهاليز ادراج المكاتب . وعند هذا الحد .. فلا جديد فيما قالت وما ستقول !!!

 

الجامعة العربية .. دار العجزة والمسنين

images

      العراق ، سوريا ، ليبيا ، اليمن ، تشتعل معا وفي وقت واحد .. والبقية .. حال مصر .. نار تحت الرماد تنتظر الفوران .. إيران تتحدى الخليج للهيمنة على المنطقة ..  تجاوب ايراني امريكي .. انحسار الدور الامريكي بوصفه الضامن النهائي للاستقرار .. كل هذا يحدث في وقت واحد .. يمكن للمرء أن يفكر او يتوقع من الجامعة العربية مسعى لإثبات وجودها ولتأكيد ذاتها .. لكن بدلا من ذلك ، اضحى هذا الجسم الرميم يتدحرج نحو انجراف الى العمق اكثر من أي وقت مضى .. على ما يبدو، وببساطة لا تحمل فكرة التجديد ، سوى اقالة الأمين العام الثمانيني ، وتنصيب اخر سبعيني .. ولا جديد .

       دورها الافتراضي .. تقريب وجهات النظر بين الاشقاء وتوحيد صفوفهم واستيعاب خلافاتهم .. لم يحدث ان خرجت باجتماع توافقي دون انحياز لطرف ،  ودستورها التصويت بالإجماع .. وكان يمكن لها ان تحدو حذو بسمارك موحد ألمانيا ، أو ان تعتبر بتجارب اخرى كالوحدة الايطالية .. لكنها لم تكن يوما جامعة عربية ، بقدر ما كانت مكتب جانبي لقسم العلاقات بوزارة الخارجية المصرية .

      تأسست الجامعة عام 1945 بالقاهرة عندما كانت مصر منارة للعلم والمعرفة .. وفي هذه الأيام ، فإنه بالكاد تجمع الطاقات للتوافق حول اختيار رئيس جديد .. وفي وقت سابق من هذا العام ، أصرت مصر على ترشيح آخر وزير خارجية لديها .. متقاعد وعاطل عن العمل ، أحمد أبو الغيط ، وفي العادة تجاري الدول العربية الأخرى المطالب المصرية بالإبقاء على المقر والرئيس ، ادراكا منها بأن لا دور لهذه المؤسسة يزيد عن لقاءات وحفلات مجاملات .. مع ان قطر قدمت التماسا تطلب فيه تجديد دماء الجامعة وتقديم الشباب بدل الكهول المتقاعدين من بقايا عهد مبارك المتصلب .

     المشاحنات العربية العربية والتوترات فيما بين رؤساء الدول العروبية  .. ليس شيئا جديدا .. والفجوة بين الخطاب والواقع لازمت معارك الجامعة منذ البدايات الاولى .. اغتصاب فلسطين عام 1948م ، كان بفعل غياب التنسيق الذي هو دور الجامعة .. بل انها فشلت في كل المحاولات الساعية الى توحيد أعضاء الجامعة ضد اسرائيل .

     ولكن الآن يبدو ان شيئا فاسدا ليس فقط في المؤسسة ، ولكن في الفكرة التي بنيت اطنابها عليها .. وبمعنى ما ” الدور الذي انيط بها عفا عليه الزمن ” ، فكرة القومية العربية قد ماتت .. وفاحت منها مع مرور الزمن روائح العنصرية النتنة .. بعدما افقدت العرب اقوام ناصروا قضاياهم ، وجمعهم تاريخ وعيش مشترك .. وهم شركاء لهم في الاوطان .. كالامازيغ مثلا .

      اقتصاديا ، رغم كل الوعود والاجتماعات والقرارات بتحقيق منطقة للتجارة الحرة العربية ، إلا انه لم يتحقق شيء أبدا .. وحجم التجارة وتداول راس المال بين الدول العربية اليوم .. أقل من 10٪ .

       سياسيا ، إسرائيل ، العدو المغتصب اللدود .. صار شريكا في السلام ثم اضحى حليفا .. وصارت الدول العربية اكثر قبولا لإسرائيل ، والسعي للتطبيع من تحت الستار بالأمس ، بات جهارا نهارا وفي العلن ، وسقطت شعارات مقاطعة الكيان الصهيوني ، ليحل بدلا عنها التطبيع ، والسلام الابدي ، وأبناء العم سام .. مع محاصرة الجيوب التي لا تزال يرهقها التعنت ، بل وصار من اليسير للاسرائليين الدخول الى بعض الدول العربية ، ومن الصعب على الفلسطينيين .. والسفارات الاسرائيلية ومكاتب التبادل التجاري وافواج السواح .. حدث بلا حرج .. ولعل من بين الاوصاف الصائبة للمشهد المترهل ما قاله احد القادة في القمة الأخيرة للجامعة الغروبية .. ” أن اللغة العربية هي الشيء الوحيد الذي لا يزال القاسم المشترك بين العرب “.. واضمر التسابق على الارتماء في احضان اسرائيل طلبا لحماية العروش .

     بعد ستة عقود من التهريج وشعارات الوحدة وبرامج التعريب ، تعود المستعمرات الفرنسية السابقة في شمال أفريقيا لتتخلى عن الخطوة نهائيا .. اللغة العربية لم تطور نفسها كما العبرية ، ولغة تدريس العلوم والتقنية تجاوزت الكائن الحي الميت بقرون .. وأكثر من أي وقت مضى .. البعض يرمي بالأعباء على الحكام ، وآخر على دور الجامعة التي هي ليست سوى غرفة للقاء الحكام ذاتهم .. ويبدو أن المستعمرات البريطانية السابقة في الشرق الأوسط تفعل الشيء نفسه مع اللغة الإنجليزية .. فالشباب العربي في الخليج اليوم .. يؤثرون استخدام اللغة الإنجليزية أكثر من العربية .

       الجامعة العربية خسرت الرهان في حلبة المصارعة مع نهاية عصر الأبطال ، وتآكل الأيديولوجيات المتعددة ..القومية منها بالذات .. وفشلت في إيجاد آلية لإدارة التنافس .. نخرها السوس ، وأصابها الشلل بسبب الخلافات الطائفية والإقليمية ، وأصبحت اليوم مكتوفة الايدي تقف على مدرجات المتفرجين .. تتحسر على الدول العربية تحترق في صمت .. والقنابل تنهمر امطار تقصف المآذن وتطمر الاطفال والنساء تحت الانقاض .. بل ووقع اعضائها صكوك الغفران مسبقا لتبرير كل التدخلات الاجنبية .. ولعل افضل وصف يليق بالجامعة العربية اليوم .. دار العجزة والمسنين لإيواء الدبلوماسيين المصريين المتقاعدين والعاطلين عن العمل .

رسائل قادة العربان .. وما قد كان

 

 

( 1 )

        تصرف أول أمره في الوكالة لصبح أم هشام . والنظر في أموالها وضياعها ، … ، ولما انقض العدو على اثر ذلك وخيف الاضطراب ، ولم يكن عند الحاجب المصحفي عناء و لا دفاع ضمن لصبح أم هشام سكون الحال وزوال الخوف واستقرار الملك لابنها على أن ُيمد بالأموال . فدانت له أقطار الأندلس كلها وأمنت له ، ولم يضطرب عليه منها شيء أيام حياته بحسن سياسته وعظم هيبته ، … ، فما زال يبطش بأعدائه إلى أن صار الخليفة حينئذ – هشام بن الحكم – ليس له من الأمر غير الاسم .. لقد تمكن من الوقوف في وجه القشتاليين الذين اغتنموا فرصه موت الحكم المستنصر وقاموا بغارات متوالية على المناطق الخاضعة للدولة . ولعل هذا كان من أهم العوامل التي أدت إلى تثبيته .

      بعد أن اطمأن إلى استتباب الأمن والدعة في البلاد ، بدأ في تصعيد منصبه . فأمر بالدعاء له على المنابر ، ونقش اسمه على السكة ، وأصبحت الكتب والأوامر تصدر باسمه . ثم انشأ مدينة الزاهرة سنة 368 هـ على نهر قرطبة ، بعد أن حشد لها الصناع وجلب لها الآلات الجليلة ، وتوسع في مخططها ، وبالغ في رفع أسوارها وشحنها بأسلحته وأمواله ، وخصص ما حولها لوزرائه وقواده وحجابه ، فابتنوا بها كبار الدور والقصور . لقد أصبح سيد البلاد . رغم ذلك لم يدعو إلى نفسه بالخلافة ، خوفا من اشتعال الفتنة والثورة من الداخل ، لعدم انتمائه للبيت الأموي . وذات مرة فكر في أن يتسمى بالخلافة .. لكنه تراجع بعد المشاورة .. أراد ذلك وجمع للمشورة فيه قوما من خواصه فيهم ابن عياش وابن فطيس وأبي رحمه الله ، فأما ابن عياش وابن فطيس فصوبا ذلك له ، و أما أبي رحمه الله فقال لهم : إني أخاف من هذا تحريك ساكن . والأمور كلها بيدك . ومثلك لا ينافس في هذا المعني .

فمن هو ؟

.

 

( 2 )

        لقد امن الحَكم ولاية العهد لابنه الطفل هشام المؤيد ، الذي كان عمره احد عشر عاما عند وفاة الحكم . وكانت أمه صبح هي التي تشرف على أمره ، وتتمتع بالنفوذ المطلق منذ توليه الحكم . استطاع احد موظفي الدولة كسب عطف السيدة صبح ، فأسندت إليه بعض المناصب الهامة في القصر . وتمكن بفضل ذكائه أن يصل إلى منصب الحجابة ، وان يتولى تدبير الممالك ، بينما كان الخليفة الصوري هشام محجوبا في قصره . ليس له من الحكم سوي الرمز . أحاط نفسه بطبقة من رجال الأندلس النابهين فكان منهم الشعراء والأدباء والعلماء والفقهاء .

فمن هو ؟

( 3 )

       انا مفكر وأديب وفقيه .. ظاهرة فكرية ظهرت في القرن الرابع الهجري في الأندلس .. ولدت في بلد كان فردوس زمانه في البلاد الإسلامية .. اسمي الكامل جذوره عند أمية بن عبد شمس بن عبد مناف .. وكنيتي أبو محمد ..  

.. وجدي يزيد أول من دخل الأندلس من آبائي .. كتبت رسالة في ” فضائل أهل الأندلس ” .. اعتز بأفضل خصالي .. الوفاء وعزة النفس .. ولدت آخر يوم من شهر رمضان سنة أربع وثمانون وثلاثمائة .. ووافتني المنية بعد اثنين وسبعين سنة إلا شهرا .

      شغل والدي منصب الوزارة . يصفه ابن حيان :  الوزير المعقل في زمانه ، الراجح في ميزانه .

فمن هو ؟

 

 

( 4 )

     نشأت في قرطبة مسقط رأسي .. اصل أسرتي من بلدة “منت ليشم” .. انتقلت إلى قرطبة واستقرت بها ..  اثر هجمات النورمانديين والفِرنجة على ذلك الإقليم – في النصف الأول من القرن الثالث الهجري .. عهد الخليفة محمد بن عبد الرحمن الثاني (238-273 هـ) ، مما دعى اسرتي إلى البحث عن المكان الذي تأنس فيه الاستقرار والهدوء . ولم تجد أمامها في ذلك الوقت سوي قرطبة ، المعقل الأمين الذي بدا يتبوأ لريادة الغرب الإسلامي حضاريا .

فمن هو ؟

( 5 )

    هاجر ابائي من إقليمنا إلى قرطبة .. تمكنت أسرتي من التمتع بمكانة بارزة في الحياة السياسية منذ انتقالها إلى قرطبة .. والدي أول من انتقل إليها ، وهو الذي بني أمجادها الاسرة حيث تولي منصب الوزارة .. في عهد المستنصر الأموي الذي قضي نحبه في اليوم الثاني من صفر عام 366 هـ .

      لقد امن الحَكم ولاية العهد لابنه الطفل هشام المؤيد ، الذي كان عمره احد عشر عاما عند وفاة الحكم . وكانت أمه صبح هي التي تشرف على أمره ، وتتمتع بالنفوذ المطلق منذ توليه الحكم . استطاع ابن أبي عامر “المنصور” احد موظفي الدولة أن يكسب عطف السيدة صبح ، فأسندت إليه بعض المناصب الهامة في القصر . وتمكن بفضل ذكائه أن يصل إلى منصب الحجابة ، وان يتولى تدبير الممالك ، بينما كان الخليفة الصوري هشام محجوبا في قصره . ليس له من الحكم سوي الرمز . أحاط المنصور نفسه بطبقة من رجال الأندلس النابهين فكان منهم الشعراء والأدباء والعلماء والفقهاء . من بينهم كان والدي .. قال في حقه ابن حيان : ” الوزير المعقل في زمانه ، الراجح في ميزانه ، …، كان احد العلماء من وزراء المنصور محمد بن عبد الله بن أبي عامر ، ووزر لابنه المظفر من بعده .

فمن هو ؟

( 6 )

        ادرك مدي القوي التي كان يتمتع بها عامة الناس في الحكم وتحديد شخص الخليفة عندنا .. بُعد نظر الوزير وفهمه الدقيق لقوة الشعب .. هذا هو ما رآه فيه الخليفة على ما يبدو . فقد استوزره  قبل سائر أصحابه في سنة 381 هـ . وبلغ من ثقته به أن كان يستخلفه على المملكة في أوقات معينة .

فمن هو ؟

 

( 7 )

         في عام 370 هـ انتقل المنصور إلى قصره بالزاهرة مبتعدا عن مدينة قرطبة مقر الخليفة الأموي . انتقل بانتقاله وزيره والدي وأسرته من دورهم القديمة الواقعة في الجانب الغربي من قرطبة إلى قصرهم الجديد بمدينة المنصور ، بعد أن أصبحت المقر الفعلي لإدارة دفة البلاد .

    في ذلك الوسط المترف وبين الجواري اللائي كن على حظ كبير من الثقافة الأدبية والفنية . وما يحيط بالقصر من حدائق ومشارف جميلة تطل على مدينة قرطبة بالكامل .. كنت احظي بأفضل ثمرات الحضارة التي وصلت لها الأندلس حتى وقته .

فمن هو ؟

( 8 )

       لقد كانت فترة عهد الدولة العامرية (الأموية اسميا ) من أزهر عهود الأندلس – لا من الناحية السياسية فقط – بل من نواحي أخري عديدة خصوصا العلمية ، حتى أصبحت الأندلس عامة وقرطبة خاصة أكبر مثابة للآثار الأدبية العربية .لاشك أن العصر الأموي عموما يمثل عصر العرب الذهبي في الأندلس من حيث نهضة الأدب والعلوم والفنون وازدهار العمران . ففي هذا العهد بنيت المساجد والقصور والمدارس والمكتبات وأنشئت الحدائق والبساتين حتى أن قرطبة غدت تنافس بغداد في المشرق . قال الحجاري في وصف قرطبة : ” كانت قرطبة في الدولة المروانية قبة الإسلام ، ومجتمع أعلام الأنام ، بها أستقر سرير الخلافة المروانية ، وفيها تمخضت خلاصة القبائل المعدية واليمانية ، واليها كانت الرحلة في الرواية ، إذ كانت مركز الكرماء ، ومعدن العلماء ، وهي من الأندلس بمنزلة الرأس من الجسد .

      اخبرني تليد الفتي ، وكان على خزانة العلوم بقصر بني مروان بالأندلس ، أن عدد الفهارس التي كانت فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة ، في كل فهرسة خمسون ورقة ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين فقط.. وسط هذه الحياة الاجتماعية المترفة ، وهذا الوسط المتحضر ، نشأت في قصر والدي الوزير ضمن أفراد الطبقة الأرستقراطية التي كانت تسكن قصور الزاهرة .

فمن هو ؟

( 9 )

       في أواخر رمضان عام 392 هـ مرض المنصور مرضا شديدا أدى إلى وفاته . تولى بعده منصب الحجابة ابنه عبد الملك الملقب “بالمظفر”.

      بموت المنصور تنفس الناقمون عليه من الصقالبة والأسبان الصعداء ، وغمرتهم موجة الفرح ، فلقد دمر المنصور بلادهم واكتسح حصونهم ومعاقلهم وشرد جيوشهم وأذلهم وأزال سيادتهم . فظن بعضهم أن الفرصة سنحت للتحرر من نير الحكم القائم والعودة إلى نظام الخلافة . ولكن السلطات العامرية كانت ساهرة ، فقبض في الحال على عدد من المحرضين .. وأستتب الأمن لعبد الملك  ، الذي ورث الكثير من صفات أبيه واجتمع الناس على حبه لعدله ، وإنسانيته ، وحمايته للشرع ، وسهره على الرعية . ويذكر انه مما تقرب به إلى قلوب الناس انه اسقط سدس الجباية على جميع البلاد .ظلّ والدي في منصب الوزارة الذي تقلده من أيام المنصور ، واستمرت أسرتي على علاقتها الوطيدة مع البيت العامري ، ووجدتني بين مجالس المظفر الأدبية سنة 396 . استمع في صحبه والدي إلى المطارحات الشعرية والمحاورات الفكرية .. كان ابي يود ان يعد ابنه الإعداد السليم فكريا باعتبار أن هذا الإعداد هو السُلّم الحقيقي للتقدم السياسي .

فمن هو ؟

 

 

( 10 )

    حكم عبد الملك المظفر ستة أعوام وبضعة اشهر ، قضي معظمها في متابعة الغزو ،…، ولم يقع تبديل في طرق الحكم ، فكان الخليفة هشام كعهدة أيام المنصور محجوباً في قصر .

      توفي المظفر في ظروف غامضة ، وأعقبه أخوه عبد الرحمن المنصور الملقب ” بشنجوال ” وتولي الحجابة لهشام المؤيد ، وجلس غداة وفاة أخيه بقصر الزاهرة ، غير أنه لم يرث شيئا من صفات أبيه وأخيه ، فابتعد عن الدين وطعن فيه قولاً وفعلاً ، وهمّ بالانهماك في الشرب ومتابعة المحرمات ، واشتهر بالزندقة ، فكان نحسا علي نفسه وعلى أهل الأندلس قاطبة .. .بدأت طلائع الثورة وأمارات التغير من قبل العامة والخاصة في الظهور وبالذات ممن ينتمون إلى بني مروان . لم يهتم عبد الرحمن هذا بما يجري حوله وما يحاك ضده بل حدثته نفسه بأن يصبح ولي عهد للخليفة هشام المؤيد . وبالفعل تمكن من إقناع الخليفة بإصدار مرسوم يتولى بموجبه عبد الرحمن منصب ولاية العهد ، وتمّ تعميم المرسوم على كافة أرجاء الأندلس. ما أن شاع الخبر في قرطبة وما حولها ، حتى بدأت الأحقاد تتوقد وتطلع البعض للعمل الفعلي ، عندها انتهز أحد أحفاد عبد الرحمن الناصر – محمد بن عبد الرحمن ابن عبد الجبار – الفرصة ، وقاد ثورة استولي بها على قصر الخليفة ولقب نفسه بالمهدي وقتل عبد الرحمن المنصور في اليوم الثالث من رجب 399 هـ .بهذه الثورة بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الأندلس عامة وقرطبة خاصة – مرحلة الصراعات السياسية – بعد استقرار وهدوء استمر فترة غير قصيرة .

دالت الدولة العامرية المتخفية تحت الراية الأموية ، وسعدت قرطبة بالنصر الأموي .كانت العامة أكثر سعادة على حين تحفظت الطبقة الوسطي ولم تظهر مناصرتها للمهدي ، إذ أنها أحست بخطر هذه الثورة على مستقبلها منذ البداية . ذلك انه عندما دخل المهدي برجاله مدينة الزاهرة أمر بنقل الأشياء الثمينة فيها ، ولم يمانع في النهب والتدمير . وما أن ارتقي سدة الحكم لم تتبين فيه الفضائل المطلوبة في الحاكم ، بل كان قاسيا ، أحمقا غارقا في ملذاته .. اعتمد على قوته التي تتألف من أراذل العامة واسافلهم ، وعارض بهم أجناد الدولة . أهل الدربة والحنكة ، واستوزر رجالا من الطبقة الدنيا ، وعلى هذا النحو اعتبر العامة من أهل قرطبة تولية المهدي انتصارا لهم .

      خشي المهدي أن يصبح اسم هشام المؤيد راية تلتقي عندها كل الجماعات التي أساء إليها . فأشاع بين الناس موت هشام وكان قد زج به في السجن ، واظهر للناس جثة ادعي أنها هشام ودفن بشهادة العامة والخاصة .. تغير مجري الحياة في قرطبة – موطني وبدأت حياتي تتغير .. فعلي اثر ثورة المهدي لقيت المحنة الأولي حيث دمرت دورنا بمدينة الزاهرة ، وأقصي والدي من منصبه السياسي الذي وزر فيه للمنصور ولابنه المظفر بل ولعبد الرحمن ” شنجوال “.. الذي حكم لمدة لا تزيد عن ثلاثة اشهر .

فمن هو ؟

( 11 )

       انتقل أبي رحمه الله من دورنا المحدثة بالجانب الشرقي من قرطبة في ربض الزاهرة إلى دورنا القديمة في الجانب الغربي من قرطبة ببلاط مغيث في اليوم الثالث من قيام أمير المؤمنين محمد المهدي بالخلافة . وانتقلت أنا بانتقاله وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة .. اصطليت بنيران الفتنة التي أحدثها المهدي والتي لم تقف عند حد القضاء على دولة بني عامر ، بل عصفت بالنظام والأمن ومزقت وحدة الأمة ، ودفعت أبناء قرطبة إلى معترك مروع من الفتن . رغم هذا .. نالت اسرتي الأمان أثناء هجوم المهدي ورجاله على الزاهرة .. لبث قليلا حتى وجدتني انضم إلى جانب المهدي واظفر بتقديره ، وبلغت ثقته بي أن أرسلني مفاوضا عنه إلى سليمان بن هشام الناصر الذي حاصر قصر الخلافة مع بعض الجماعات الثائرة على أيام المهدي . وقد منحه ذلك شيئا من الهدوء والطمأنينة .. لكن أهالي قرطبة كان لهم موقفهم من المهدي بعد أن عرفوا نواياه الاستبدادية واعتبروا انه السبب في كل ما حل بقرطبة من فساد ودمار منذ قيامه على هشام المؤيد وقتله له . لذا فقد نفروا منه ، وشغبوا عليه ، وتمكنوا من قتله . كانت تلك كارثة أخري لأسرتي ، حيث ظهر هشام المؤيد حيا ، وبايعه أهالي قرطبة بالخلافة ، فدفعت اسرتي ثمن انقلابها في الولاء غالياً ، وذلك بالاعتقال والتعذيب .. وشغلنا بعد قيام أمير المؤمنين هشام المؤيد بالنكبات وباعتداء أرباب دولته ، وامتحّنا بالاعتقال والترقيب والاغرام الفادح والاستئثار وارزمت الفتنة وألقت باعها وعمت الناس وخصتنا .

       أطبقت سلسلة من النكبات . عانت قرطبة موطني من الحصار.. ، مما أدي إلى نقص مواردها وتفشي الأمراض فيها .. فكان من ضحاياها شقيقي أبو بكر .. توفي أخي رحمه الله في الطاعون الواقع بقرطبة في شهر ذي القعدة سنة احدي وأربعمائة وهو ابن اثنين وعشرين سنة .. ثم دهتني فاجعة موت أبي وهو يقاسى أصعب الظروف نتيجة الاضطهاد الداخلي والحصار الخارجي .. توفي أبي الوزير رحمه الله ونحن في هذه الأحوال بعد صلاة العصر يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة عام اثنين وأربعمائة ..  ثم كانت محنتي الكبرى عام 404 هـ وهو عام دخول الخليفة المستعين سليمان ابن الحكم وجنوده قرطبة .. كان شؤم الأندلس وشؤم قومه وهو الذي سلط جندا  ، فأخلو مدينة الزاهرة وجمهور قرطبة .، واخلوا ما حول قرطبة من القرى والمنازل والمدن وافنوا أهلها بالقتل والسبي .

فمن هو ؟

( 12 )

       ضاقت الحياة في قرطبة .. بعد قيام الفتنة واجتياح جنود البربر منازل أسرتي .. هاجرت إلى المرية ومكث بها ثلاث سنوات .. كانت المرية آن ذاك تابعة لنفوذ العامريين إذ كان يحكمها خيران العامري الصقلبي .. ضرب الدهر ضرباته واجلينا عن منازلنا وتغلب علينا الجند ، فخرجت عن قرطبة أول محرم سنة أربع وأربعمائة .. ألقت الفتنة جرأنها ووقع انتهاك الجند منازلنا في الجانب الغربي بقرطبة ونزولهم فيها ..  وتقلبت بي الأمور إلي الخروج من قرطبة وسكني مدينة المرية .

فمن هو ؟

( 13 )

         أي حياة هذه التي تفتحت عليها عيني بغثة ؟ نكبات تتوالى وانا دون سن العشرين ، غادرت مسقط رأسي بعد أن ذقت فيه طعم طفولة سعيدة بين القصور والجواري ومجالس أهل العلم والساسة . فارقت الأهل والأصدقاء ، ووجدت نفسي في مواجهة ظروف حياتية صعبة ، شردت أسرتي عن دورها وسلبت أموالها ، كذلك استفحال أمر النصارى وضعف أمر المسلمين واستعانتهم بعضهم على بعض بأعدائهم . كل ذلك بلا شك ترك جراحا عميقة في نفسي . وبدأت اشعر بوجوب العمل لبلادي وقومي وديني .. وأن عليا أن احمل العبء واخوض لجة السياسة بكل ما تستلزمه من ألوان النضال والتدبير.

فمن هو  ؟

 

 

( 14 )

    بدأت في المرية حياة جديدة .. شعرت بنوع من الاستقرار والهدوء مكنني من مواصلة تعليمي ..  لكن بالي لم يهدأ .. فرغم تحسري على ماض جميل ضاع إلا انني انست في نفسي القوة والقدرة على الاستمرار في الحياة .. متحسرا .. ولقد اخبرني بعض الواردين من قرطبة وقد استخبرته عنها ، انه رأي دورنا ببلاط مغيث في الجانب الغربي منها وقد أمحت رسومها ، وطمست أعلامها ، وخفيت معاهدها ، وغيرها البلى فصارت صحاري مجدبة بعد العمران وفيافي موحشة بعد الإنس ، وخرائب منقطعة بعد الحسن ، وشعاب مفزعة بعد الأمن ، ومأوي للذئاب ، ومعازف للغيلان ، وملاعب للجان ، ومكامن للوحوش بعد رجال كالليوث .. لم يطل الهدوء في المرية ، فقد قامت الاضطرابات من جديد بنشوب النزاع بين الأمويين في قرطبة ويمثلهم “المستعين”وبني حمود ( وهم علويين كان لهم سلطان بمدينة سبتة بالمغرب ) حيث انتهي أمر الخلافة لعلي بن حمود عام 407 هـ بعد تحالفه مع خيران صاحب المرية الذي كان يزعم الولاء للأمويين . لقد أصبحت محاطا بالشبه من قبل خيران باعتباره أموي الولاء .. ورث ذلك عن جدي .. وانقطعت دولة بني مروان وقتل سليمان الظافر أمير المؤمنين ، وظهرت دولة الطالبية وبويع علي بن حمود الحسني، المسمي بالناصر بالخلافة ، وتغلب علي قرطبة وتملكها واستمر في قتاله إياها بجيوش المتغلبين بأقطار الأندلس .. ما هي إلا فترة الاستقرار لبني حمود وحليفهم خيران في الحكم حتى امتدت يد خيران إليّ وزج بي في السجن ، وبذلك ذاقت من جديد المحنة ، وبعد اشهر أطلق سراحي ونفيت خارج المرية … وفي اثر ذلك نكبني خيران صاحب المرية ، إذ نقل إليه من لم يتق الله عز وجل من الباغين – وقد انتقم الله منهم – عني وعن محمد بن إسحاق صاحبي إنا نسعى في القيام بدعوة الدولة الأموية ، فاعتقلنا عند نفسه اشهر ثم أخرجنا على وجه التغريب فصرنا إلى حصن القصر.

فمن هو ؟

 

 

( 15 )

      بدأت بعد بعد ذلك مرحلة جديدة من حياتي ، إذ ما أن سمعت بظهور الخليفة المرتضي ( عبد الحمن بن محمد الأموي) .. في بلنسيه داعيا للحزب الأموي ، حتى سارعت إلى مناصرته .. ركبنا البحر قاصدين بلنسيه عند ظهور أمير المؤمنين المرتضي .. وقد فوجئت عندما وجدت أمامي في بلنسيه خيران الصقلبي إلى جانب الخليفة المرتضي يجند له الجند ويحشد له الأتباع .. سرت في الجيش الذي أعده المرتضي متجها إلى قرطبة .. غير انه أثناء مرور الجيش بغرناطة نشبت الحرب مع واليها الصنهاجي ..  أدت إلى هزيمة جيش المرتضي ووقوعي في الأسر . لقد اخفقت في تحقيق آمالي حتى بعد دخولي للتجربة الحربية فعليا .. لكن أطلق سراحي بعد فترة وجيزة .. في ذلك الوقت انتهي عهد على بن حمود في قرطبة وبدأ عهد أخوه القاسم . ترامت الأخبار بعدها بشيوع الطمأنينة والدعة في قرطبة ، فاتخذت طريقي إلي قرطبة عام 409 هـ ، دخلت قرطبة بعد أن انهارت أعز الصور الوجدانية التي كانت تشوقني إليها . فقد نعيت أثناء وجودي ” ببلنسيه ” في وفاة اعز أصدقاء صباي .. ” ابن الطبني ” .. دخلت أنا قرطبة في خلافة القاسم بن حمود فلم أقدم شيئا على قصد أبي عمر القاسم بن يحي التميمي اخو عبد الله رحمه الله . فسألته عن حاله وعزيته عن أخيه وما كان أولي بالتعزية عنه مني.

فمن هو ؟

 

 

( 16 )

     لم تطل خلافة بني حمود في قرطبة ، فقد ضعف أمر القاسم وتسلط عليه البربر حتى احتقروه . أراد أن يعزز موقفه فاختار جنده وحُرّاسه من السودان .. وبدأ التضارب بين الفئتين ، وتمكن البربر من إسقاط عرشه بعد التآمر عليه بمعاونة يحي وإدريس أبناء أخيه .. فترك قرطبة ، وتولي الخلافة بعده يحي المذكور . غير أن عهده كسالفه لم يكن عهد استقرار خصوصا بعد أن تخلي البربر عن مناصرته .

     سئم أهالي قرطبة تسلط الجند وتدهور أحوال الخلافة ، واجمعوا على رد الأمر لبني أمية . ومع تصدع بناء دولة الحموديين مقابل اشتداد قوة الحزب الأموي ، نجد انه في 414 هـ انتهي عهد الحموديين وآلت الخلافة للخليفة الأموي المستظهر( عبد الرحمن بن هشام الناصري). كان المستظهر رجل علم وأدب . فأراد أن يصبغ دولته بذلك الطابع . احد مظاهر ذلك اتخاذه وزرائه من رجال العلم والأدب ، وكنت من بين هؤلاء .

فمن هو ؟

( 17 )

     قال ابن حيان في حقنا ..  من أكمل فتيان الزمان فهماً ومعرفةً ، ونفاذاً في العلوم الرفيعة ، فقدمهم على سائر رجاله ، وأولاهم منتهي النفوذ والثقة .. غير أن الفساد الذي عم قرطبة وقف حائلا دون تحقيق المثل الرفيعة التي نادي بها المستظهر.. نتج عن ذلك إثارة المشايخ الذين حقدوا على المستظهر وشهروا به .. وما هي إلا فترة حتى وقعت الكارثة وقتل المستظهر سنة 414 هـ ، وتولي الخلافة بعده أموي آخر لقب نفسه بالمستكفي ( محمد بن عبد الرحمن الناصري) . وقد عرف المستكفي بالبطالة والجهالة والرذالة . بذلك خابت آمالي نحو التطلع إلى أمجاد الدولة الأموية الأولي .. كان المستكفي في غاية التخلف وله في ذلك أخبار يقبح ذكرها وكان متغلبا عليه طوال مدته ، لا ينفذ له أمر ، ولا عقب له .. عندما شعر المستكفي باهتزاز عرشه ، سلك مسلك العنف والإرهاب والسجن خاصة مع أولئك الذين كان لهم شأن في الحكومة السابقة . وقد نالني حظي من ذلك .. والقي بي في السجن ..

     كنت معتقلا في يد الملقب بالمسكتفي محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الناصر في مطبق وكنت لا أؤمن قتله لأنه كان سلطانا جائرا ظالما عاديا قليل الدين كثير الجهل غير مأمون ولا متثبت ، وكان ذنبنا عنده صحبتنا للمستظهر رضي الله عنه وكان العيارين قد انتزوا بهذا الخاسر على المستظهر فقتله واستولي على الأمر .

فمن هو ؟

 

 

( 18 )

      انقضت أيام الخليفة المستكفي سنة 416 هـ ، وانتابت قرطبة موجة من الفوضى والاضطرابات ، لاحاكم فيها ولا ضابط . تنبه بعض أعيان قرطبة إلى ضرورة وضع حد لإيقاف تلك الموجة .. فاتفقوا بعد مدة طويلة على تقديم أبي بكر هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر ، وهو اخو المرتضي ..  فبايعوه في شهر ربيع الأول سنة 418 هـ ، وتلقب بالمعتد بالله .. وكان آخر خلفاء بني أمية .. وفي عهد المعتد بالله تقلدت الوزارة .. غير أن هذا العهد كسالفه لم يمتد كثيرا .. إذ عمت الفوضى وخابت آمالي من جديد . فانصرفت عن السياسة .

انصرفي هذا جاء اختيارا . . لقد تيقنت من أن هذه الطريقة لن تؤدي بي إلى ما اطمح إليه – اعني رجوع الدولة الأموية الأولي –  ووجدتني اواسي نفسي على زوال دولة بني أمية ، مؤملا بعثها من جديد :

فلا تيأسي يا نفسُ علَّ زماننا

يعود بوجــهٍ مُقبلٍ غير مُدبر

كما صَرَفَ الرَّحمنُ مُلكَ أُميَّة

إليهم ولُوذي بالتَجَمُلِ والصَبّر

فمن هو

( 19 )

 

غادر قرطبة وحططت رحالي في الشاطبة احدي مدن إمارة بلنسية . غير انه لم يستقر بيّ المقام ..  ظللت متنقلا بين إمارات شرق الأندلس وجنوبه الغربي . في الشاطبة شغلني رد على رسالة صديق لي بالمرية ..  كتابك وردني من مدينة المرية إلى مسكني بحضرة شاطبة  ..  فأنت تعلم أن ذهني متقلب وبالي مضطرب بما نحن فيه من نيؤ الديار ، والجلاء عن الأوطان ، وتغير الزمان ، ونكبات السلطان ، وتغير الإخوان ، وفساد الأحوال ، وتبدل الأيام ، وذهاب الوفر ، والخروج عن الطارف والتالد ، واقتطاع مكاسب الآباء والأجداد ، والغربة في البلاد ، وذهاب المال والجاه ، والفكر في صيانة الأهل والولد ، واليأس عن الرجوع إلى موضع الأهل .

فمن هو ؟

 

 

 

( 20 )

     من  قرطبة .. حط بي الرحال في الشاطبة احدي مدن إمارة بلنسية .. لم استقر بها .. وظللت لزمن متنقلا بين إمارات شرق الأندلس وجنوبه الغربي .. في الشاطبة وردني كتاب من صديق لي بالمرية .. رددت اليه : ” كتابك وردني من مدينة المرية إلى مسكني بحضرة شاطبة. . فأنت تعلم أن ذهني متقلب وبالي مضطرب بما نحن فيه من نيؤ الديار ، والجلاء عن الأوطان ، وتغير الزمان ، ونكبات السلطان ، وتغير الإخوان ، وفساد الأحوال ، وتبدل الأيام ، وذهاب الوفر ، والخروج عن الطارف والتالد ، واقتطاع مكاسب الآباء والأجداد ، والغربة في البلاد ، وذهاب المال والجاه ، والفكر في صيانة الأهل والولد ، واليأس عن الرجوع إلى موضع الأهل .

     وفي ” جزيرة ميورقة ” .. وكنت على صداقة مع واليها احمد بن رشيق .. جرت مناظرة مع أبو الوليد الباجي ..  وفي” اشبيلية “.. اقمت فترة في ظل أميرها المعتضد بن عباد .. ولم يطل مقامي بها .. فكي نقمة الفقهاء .. وسخط السلطان ، لاحقتني .. فانتقلت إلى منقطع أصلي .. قرية  من بادية ” لبله ” جنوب غرب الاندلس .. وأقمت هناك بقية حياتي .. اطلّع واؤلف .. ابث تعاليم مذهبي بين الناس ..كانت لبله تابعة للمعتضد بن عباد الذي لم يجد شيئا ينال به مني .. فاحرق كتبي علانية في اشبيلية .. وصلني الخبر ..  انشد لسان الحال :

فان تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي

تضمنه القرطاس بل هو في صـــدر

ييسير معــي حيث استقلت ركائبي

وينزل إن انزل ويدفــــــن في قبري

دعوني من إحــــراق رقٍ وكاغد

وقولوا بعـــلم كي يري الناس من يدري

وإلاّ فعــــودوا في المكاتب بدأة

فكم دون ما تبغـــــــون لله من ستر

فمن هو ؟ 

( 21 )

     “شيخ الجبال ..  زعيم طائفة سرية تنعت بالحشاشين ..  في عام 1902 م . وقف رجلان على استحكامات قلعة ” عش النسر” المقامة على الصخور المنحدرة لجبال فارس في العصور الوسطى . وكانا : الممثل الشخصي للإمبراطور ورجلا مقنعا يزعم بأنه ظل الله على الأرض . قال شيخ الجبال وقائد الحشاشين : اترون هؤلاء الأتقياء الواقفين يحرسون هنالك عند قمة البرج ؟  أنظروا ..  وقام بإشارة من يديه ، فجأة رفع الرجل ذو الملابس البيضاء يديه محييا ، ورمى بنفسه ألفي قدم داخل السيل المزبد الذي يحيط بالقلعة .. لدى سبعون ألف رجل وإمرأة  في كل أسيا .. كل واحد منهم مستعد لتنفيذ أوامري .. هل يستطيع سيدك ” مالك شاه ” أن يقول نفس الشى وهو يطلب منى أن أخضع لسلطته ؟ هذه إجابتى أذهب .

        يستحق مثل هذا المشهد المتطرف جدا فيلما من أفلام الرعب . لكنه في الحقيقة حدث كواقعة تاريخية .. فكيف أستمد هذا قوته الخارقة ؟ اوجد منظمة صمدت حولي ألف سنة أخرى . فمن كان هذا ؟ عاش أربع وثلاثين سنة بعد إقامته لقلعة ” الموت ” . في مناسبتين فقط ترك حجرته . ومع هذا حكم امبراوطورية خفيه ، عظيمة ومفزعة ، لم تكن لرجل قبله او في زمانه . هناك قوانين وقواعد للعمل ولنشر الإيمان …القانون الأول : على المبشر أن يعرف خفايا النفس البشرية بطريقة يكون قادر بها على إختيار الأشخاص المناسبين لادخالهم في المنظمة ، ويمكن تلخيصه .. ” لاترمي بالحب على الصخور” .. القانون الثاني : يتعلق بإستخدام المداهنة وكسب ثقة عضو المستقبل .. القانون الثالث : بث الشك في العقول من خلال المعرفة الأرقى ..  القانون الرابع : قسم الطالب أن لا يخون أيا من الحقائق التي كشفت له أبدا .. كانت أيدى وعيون وأذآن الحشاشين في كل مكان ، وبمجرد أن يلتحق الشخص بالمنظمة ويكون كامل العضوية ، فإنه يمكن أن يرسل الى مكان بعيد الاف الاميال .. ويقيم هناك .. ويعيش فيه منتظرا اللحظة التي تأتيه فيها الأوامر .

        في عام 1332 عندما كان الملك فليب السادس ملك فرنسا يفكر في القيام بحملة صليبية جديدة .. وجد قس الماني يدعى بروكا ردوس أن من واجبه أن يضع رسالة يقدم فيها للملك النصح والإرشاد قبل أن يضطلع بهذا المشروع .. أفرد جزأ هاما من رسالته للحديث عن الأخطار الغريبة التي تنطوي عليها مثل تلك الحملة الى الشرق .. من هذه الأخطار الحشاشين أنهم يبيعون أنفسهم .. ولا يلقون إعتبارا للحياة البشرية او النجاة . وهم يغيرون مظهرهم .. يحاكون الحركات والثياب واللغات والعادات والتصرفات التي تأتيها الامم والأقوام المختلفة .. يتعرضون للموت بمجرد أن يكشفهم الناس .. لست أعرف سوى وسيلة واحدة لوقاية الملك وحمايته .. أن يكون الشخص المسموح له بالاقتراب من الملك معروفا تماما .. المعروف أن التضحية البشرية وطقوس القتل ليس لها مكان في الإسلام شريعة او تراثا او ممارسة ، ولكنها رغم ذلك قديمان وعميقا الجذور في المجتمعات البشرية ومن الممكن أن يظهرا في اماكن غير متوقعة تماما .. ففي كثير من الأزمنة والامكنة يوجد رجال طموحون يرغبون في الحصول على مساعدة العناصر العنيفة المتطرفة ، ربما كانوا لا يشاركونهم عقائدهم بل لا يحبونها بالمرة ، ولكنهم يرون في الإمكان استخدامهم .إنه وحلفاءه قد نجحوا في إعادة تشكيل وتوجيه الرغبات الغامضة والغضب غير الهادف لدي الساخطين في ايديولوجيا ليس لهما نظير من حيث التماسك والنظام والعنف الهادف . في أى منظمة أخرى من قبل او بعد .. ولم تلبت مثلهم ووسائلهم أن وجدت من المقلدين .. وقد أمدتهم التغيرات الكبرى في عصرنا الحديث بأسباب جديدة للغضب ، وأحلام جديدة تبحث عن التحقق ، وأدوات جديدة للهجوم.

بيان السلطان السلجوقى إحتفالا بالنصر على الحشاشين وزعيمهم بقلعة شاه ديزة 1107

       في قلعة شاه ديزه ..باض الزيف وأفرخ ..هناك كان إبن وطاش الذى طار منه صوابه في طريق الخطأ وضل ..  والذى قال لرجاله أن الصراط المستقيم طريق زائف ، وجعل مرشدا له كتابا مليئا بالأكاذيب ، وأباح سفك دماء المسلمين والاستيلاء على ممتلكاتهم .. أتبعوا أساليب الخيانة واوقعوا فرائسهم في حبالهم بالغدر والخديعة وقتلوهم بوسائل التعذيب المريعة والموت الفظيع ..  وما قاموا به من اغتيالات عديدة بدأت بنبلاء البلاط ونخبة العلماء وما سفكوه من دماء زكية لاتعد ولا تحصى .. وغير ذلك من الجرائم البشعة في حق الإسلام .. إن لم يكن قد فعلوا اكثر من ذلك .. فقد كان من واجبنا أن نحارب دفاعا عن الدين .. وأن نركب السهل والصعب في حربنا المقدسة ضدهم حتى حدود الصين .

رسالة الحشاشين الى صلاح الدين

      قرأنا خطابك وفهمنا نصة وفحواه ولاحظنا ما يحتوى عليه من تهديدات لنا بالكلمات والأفعال ، ووالله إنه لشئ يدعو الى الدهشة .. كثيرون قبلك قالوا مثل هذه الأشياء ودمرناهم دون ان يشفع لهم شفيع فهل تبطل الحق وتؤيد الباطل ؟ إذا كنت حقا قد أصدرت أوامرك بقطع راسي وتمزيق قلاعى في الجبال الصلدة ، فان هذه أمال وخيالات واهمة . اننا مضطهدون ولسنا طغاة ، محرومون ولسنا حارمين .. وأنت تعرف ظاهر احوالنا وقدر رجالنا وما يمكن ان يحققوه في لحظة واحدة ، وكيف يحبون الموت .. والمثل الشائع يقول إنك لا تستطيع ان تهدد بطة بالقائها في النهر . فخد كل ما في إستطاعتك اتخاذه من إحتياطات دون الكوارت والفواجع ، فإنى هازمك من داخل صفوفك ، ومنتقم منك في مكانك ، وستكون كمن يدمر نفسه بنفسه .. عندما تقرأ خطابنا هذا فارتقبنا وترحم على نفسك .. واقرا اول ” النحل” وآخر “صاد ” “

.( اول النحل : أتى امر الله فلا تستعجلوه . وآخر ص : ولتعلمن نبأه بعد حين ) .

        القرية الجبلية ألموت التي جمع فيها زعيم الحشاشين أتباعه وقسمها لهم نصفها للحياة .. ونصفها للجنة .. وخدرهم بالكلام .. ليتمكن من امتلاك مقودهم والدفع بهم إلى جنان يختارها من صنع خياله .. ومن قلعة الموت الحصينة كان يرسل أتباعه ومريديه لاغتيال الشخصيات السياسية من ملوك ووزراء وأمراء ممن لا يوافقونه على مذهبه الاسماعيلي المتطرف .. مثل الوزير نظام الملك .. والجدير بالذكر أن المتطرف كان صديقا وزميل دراسة لكل من الشاعر المعروف عمر الخيام والوزير المغتال نظام الملك .

    التصفيات السياسية النهائية .. جرائم تاريخية لم تقيد ضد الانسانية من الحشاشين الى طالبان في تاريخ العرب وغيرهم .. مذابح فردية وجماعية وتصفيات سياسية من أيام بروتوس والقيصر عند الرومان الى أيام أحمد شاه مسعود في الزمن الأفغاني .. أما العرب فعندهم من ايام ابي لؤلوة ومعاوية وفرقة الحشاشين وصولا الى آخر خنجر يسن في هذه اللحظات .. ما لا يحصى من تلك التصفيات التي نفذت بدم بارد .. ولم تقيد كجرائم ضد الانسانية  .

      حين يؤرخ للجرائم السياسية ,, الإنسان سيقف طويلاً في مسيرة تاريخه وحضارته عند قضية الانفجارات أو التفجيرات ، فالخصوم السياسيون مروا بالكثير من التصفيات .. وإنهاء رأي الآخر أو الإلغاء من الساحة .. أو من الحياة ، من خنجر في الخاصرة أو الظهر حين يكون الليل هو الضامن للهروب والاختباء أو يمكن أن تغيبه الطرقات غير المنارة ، بروتوس شكى من ذلك ، علي بن أبي طالب لاقى المصير نفسه .

         هناك ليل وخيانة وخنجر من الحقد أو التصفية السياسية .. مثل الذي حدث لعمر بن الخطاب حين دارت رحى صانع الخنجر المسموم والمثلوم .. قائلاً : إن هذه الرحى سيسمع بها العرب والعجم قاطبة .. وطارق بن زياد ذاك الذي لم يوقفه البحر، مات شحاذاً في شوارع دمشق ، وقائده موسى بن نصير ظل قابعاً في سجن على أطراف دمشق ، يئن من الرطوبة ، وروائح البول!

    فرقة الحشاشين خرجت عن كونها فكرة تنويرية تجادل بالتي هي أحسن .. وتستخدم الحجة والمنطق والفلسفة الجديدة .. إلى كونها فرقة انتحارية مارقة خارجة عن الملة ومجتهدة في التفسير ، حين تقرّ قتل الآخر ضمن مشروع تحشيشي فدائي قتلي ، بحيث يذهب الفاعل القاتل ولا يرجع إلا بعد تصفية خصمه السياسي والفكري أو تصفية نفسه •

    وفي أوروبا، في عصورها المظلمة كانت الكنيسة تحارب الخصوم وتنعتهم بالهرطقة وبالزندقة والكفر والخروج عن السلطة الدينية .. تحرق خصومها مع كتبهم أو تشنقهم حاملين صلبانهم المعرفية الجديدة.

    وفي عصرها الديكتاتوري كان الخصوم السياسيون أو العرقيون يوضعون في معسكرات التعذيب أو أفران الغاز أو النفي إلى مدن الثلج الدائمة ، فكانت سيبيريا هي محطتهم الأخيرة قبل القبر البارد أو المعتقلات البعيدة ، لكن هذه الشعوب تخلصت من الأنظمة الديكتاتورية بعدما دفعت ضريبة الحياة دماً!

    أما عند الشعوب العربية والأفريقية وأميركا اللاتينية .. السجون السياسية والتصفيات التي يقوم بها زوّار الفجر والجلاوزة وكلاب الحراسة ومخترعو مؤامرات قلب نظام الحكم ، كانت تصفيات بالسم الجديد .. الدفن حياً .. والشطر إلى نصفين .. والسحل والسجن الإنفرادي لربع قرن .. والمقابر الجماعية والكيماوي وغيرها•

    كانت هذه الجرائم ضد الإنسانية وضد الآدمية وضد التحضر والقيم النبيلة، كانت ضد الكثير من المدنيين وغير الخصوم والأبرياء .. وهي مسألة سيتوقف الإنسان المتحضر تجاهها كثيراً ، وسيتوقف التاريخ أيضاً ، لأنها قلبت مفاهيم كثيرة وحطّت من مصطلحات كثيرة وفرّخت أعوان .. وقوضت برجان.. وووو!!

فمن هو شيخ الجبال ؟

 

 

( 21 )

 

      يبدو انك غريب على القرآن ومن الافضل ان تكلف نفسك وتقرأه ولو مرة بدلا من طبع ملايين النسخ منه .. ولو فعلت ذلك ستعلم ان كلامك مصداق للآية : « يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ » .. انك تتصور الدفاع عن المظلوم تدخلا والدفاع عن الظالم حقا مشروعا لك .. ان الآصرة اللا مباركة بينكم وبين الكيان الصهيوني كارثة دينية .. حري على العالم الاسلامي ان يعلن بسببه الحداد العام .

      اعلموا انه ما دمتم والكيان الصهيوني تهاجمون البلدان الاسلامية بدعم من اميركا .. فإننا سنواصل دعمنا للمظلومين الذين يرزحون تحت نير عدوانكم ، وكونوا واثقين من الاية « وَسَيعلَم الّذينَ ظَلَموا أَي مَنقَلَبٍ ينقَلِبونَ » .

        ارن الكلام .. في ثنايا رسائل قادة بلاد الاسلام  .. اوائل القرن الواحد والعشرين بالتمام .. من براري وبحار الظلام  ..  وجوار منذ سالف العهد والاوان .. وتوالت الازمان ..   وذات يوم .. اشتعل الفتيل المشتعل ..  توهج جمر المرجل ..  وكان يا ما كان   .

 

فمن هما ؟

 

 

 

( 22 )

دعوة للمجتمع الدولي لقطع الروابط مع الرئيس

بيان صحفي

     ان ما جرى من تزوير للانتخابات الهلامية .. سرقة لصوت الشعب .. امام مرأى ومسمع الراي العام الدولي .. واكثر من ذلك .. تهنئة الرئيس بالفوز .. من رؤساء دول جوار افريقية  .. وفي علمها استهجان الرأي العام المحلي .. والتي هي أصبحت عادة افريقية .. وصيغة رابحة ..  تحت مظلة .. “الديمقراطية” الأفريقية .. لهو نوع من ابتلاع القذارة .

        حكم مدة 25 عاما ..  الفساد المالي التهم عيش الفقراء .. القتل الجماعي للشعب ..  النهب المخزي للموارد الوطنية ..  شحن الاموال  خارج البلاد .. من بين ابرز النتائج المنطقية للإساءة الفظيعة التي تعرض لهذا الشعب خلال ربع قرن مضى  .. السياسية منها والتجارية .. محاصرة الدكتاتور للشعب كرهائن غارقة في اوكار البؤس والفقر المدقع الجهنمية .

    في لعبة الرسوم المتحركة الانتخابية ..  تحت قيادة  المرشد الاعلى الذي لا يزال يجبر الرجال والأرقام  ..  وقد فاز المرشح الاوحد .. بالجولة الأولى .. هذا الافلاس ..  حزين حقا .

         إعلان نتائج 21 أبريل 2016  والفوز بالجولة الاولى .. كاذبة .. الفائز دون خجل ليس هو  .. وبأكثر من 61٪ من أول اليوم .. يا له من عار .. وما هذا الجشع ؟

       الشعب متعب .. تحكمه زمرة عرقية ..  هذه العصابة المافيا .. وهذا الحشد البري ..  يعيش حالة تأهب قصوى .. وعلى استعداد لحرق البلاد وإبادة السكان .. حال الشعور بانفراط عرى السلطة المطلقة القابض على جمرها  .. تويوتات مسلحة تنتخب .. الذي يستحق السلطة من بيده السلاح .. قالها بنفسه .

       حكمه .. ارتال النار والدم  .. تجوب بطحاء البلاد .. تلجم افواه الفقراء .. من الشمال إلى الجنوب .. ومن الشرق إلى الغرب . وشواظ لهب  يتطاير شررا .. يحرق  دول الجوار .

        المدرك لطبيعة السلطة القائمة .. يعرف لماذا الحل الوحيد للدراما ..  هو المقاومة .. والعنف الرجعي ..  يجب على الشعب أن يعارض العنف فورا .. ويرنو للارتقاء نحو افاق ارحب ..  لتحقيق تغيير جذري ..  برؤية ثورية .

    سوف لن ندخر  أي جهد لإيجاد السلام في البلاد  .. يحدونا الالتزام الحازم لتحرير البلد من براثن هذه المرتد الفاسد بكل الوسائل .. لتحقيق السلام الدائم .. والبدء في تنمية البلاد .. وأخيرا .. لإدراج البلاد وشعبها في قائمة مجتمعات الدول المتقدمة الحديثة.

    وبهذا المعنى فإننا نناشد بقوة المجتمع المدني والأحزاب السياسية والحركات السياسية والعسكرية ..  تحمل المسؤولية من جراء ما يحدث .. وتوحيد الصفوف .. والوقوف جسرا واحدا .. من أجل مغادرة شللية النظام الدكتاتوري سيئة السمعة المكروه من قبل شعبنا والشعوب الأفريقية المحبة للسلام والعدالة .. مغادرة البلاد في أسرع وقت ممكن .. ومنح الشعب فرصة وضع الأسس السليمة للديمقراطية وسيادة القانون .. وتضميد جراح ربع قرن .. هدر .. من عمر الوطن والأجيال .

     وبناء على ذلك ..  فإننا نطالب المجتمع الدولي قطع كل اتصال مع النظام الفاسد .. والمافيا المساندة له .. والتواصل مع  المعارضة فيما يخص الشأن العام ومستقبل البلاد  .. من خلال عناصرها الثلاثة .. الضمانة الوحيدة لإنقاذ البلد الجريح .. والعبور به نحو الافاق الرحبة للحرية والسلام والتقدم .. ولتبقى .. نسج صفحة مضيئة في تاريخ الصداقة و التعاون بين الشعوب .

تحيا بلادنا

 

النضال مستمر!

فمن هما ؟