يوميات مهرب من ” اغاديز ” النيجر

    

    أغاديز النيجر ، هذه البؤرة الاستيطانية وسط صحراء يغطيها التراب قضيت عشرون عاما وأنا اخدش لقمة العيش من وراء قيادة شاحنة صغيرة بيك اب تويوتا .. نقل المهاجرين الذين يأملون في الوصول إلى شواطئ أوروبا ، بات اليوم الاكثر ربحية من أي نشاط اخر .. كل اسبوع ، احشو جوفها بعدد 30 فردا من الأفارقة .. من السنغال وغامبيا ونيجيريا وغيرها ، وخلال مدة أربعة أيام عبر الكثبان الرملية وحقول الحمم البركانية الصخرية اجدني قد بلغت بهم نقطة الوصول .. او التأهب الثاني لمواصلة الرحلة .. فزان ليبيا ، ففي احلامهم امل لا ينطفئ ، وشغف بأن تحين لحظة اخرى ، يوم ان يصعدوا مغامرين على متن مركب لعبور البحر الأبيض المتوسط نحو الشواطئ الباردة والبلاد الغنية .

     رحلة الألف ميل غادرة في غالب الاحيان ، بقدر ما هي مربحة ، القتل ، السرقة والسطو ، من بين ابرز معاطب الطريق ، كما الموت تيها بالصحراء ، لكنني وبعد كل هذا المخاض العسير ، ومنذ خمس سنوات مضت ، تمكنت من ادخار المال الكافي لشراء منزل من خمس غرف .. ولأجل ارساء قواعد مستجدة للحلم بتوسعة تجارتي ، استثمره ايضا كوكالة لإيجار المركبات الجديدة .. ومنه مأوى خشبي لاستضافة المهاجر الى حين دق لحظة الرحيل .

     السفر نحو ليبيا ما عاد مغريا ، بل ولا مربحا كما كان .. وصار تهريب الفقراء ممن يحلمون بالتسلل الى الدول الغنية عبر الجزائر .. رواده اكثر .

      من هنا تهاجر الاموال الضئيلة .. تستنزف قوت يوم الفقراء .. اموال مهاجرة .. الزمن يمر ثقيلا ، يذكرني بمرحلة القرون الوسطى اوج ازدهار تجارة عرفها المكان ، حملتها اسراب قوافل الملح والبشر الرقيق ، المتجهة نحو أسواق البحر الأبيض المتوسط .

      الآن هذه البوابة إلى الصحراء تزدهر مرة أخرى ، وهذه المرة تعود اغاذيز كمركز حيوي يحتضن أكبر موجة من المهاجرين منذ الحرب العالمية الثانية .

       صناع السياسة الأوروبيين يأملون تضييق الخناق على طرق التهريب .. لكن جاذبية المغامرة تستهوي الكثيرون هنا .. رغم كل الصعوبات والمعوقات .

       المهاجرون العابرون لبلادنا يشترون الاشياء ، وتستهلك بضائعنا ، وينشطون اقتصادنا .. والناس هنا يستفيدون من وراء رواج التجارة معهم .. كيف يمكننا أن نوقف ذلك ؟

      من المتوقع أن يمر عبر أغاديز التي لا يزيد عدد سكانها عن 140000 نسمة ، ما يضاهي عددها ويتجاوزه من المهاجرين .. حوالى 150 الف مهاجر .. بزيادة قدرها أربعة أضعاف منذ اندلاع الانتفاضة في ليبيا عام 2011 .

       آلاف المهاجرين غير الشرعيين من شرق وغرب أفريقيا يعبرون صحراء ليبيا ، نحو نقاط انطلاق المراكب المتجهة لأوروبا . وفي عام 2014 .. غادر حوالي 170600 مهاجر عبر الموانئ الليبية .. وعبر اثنين من اكثر المسالك اعتيادا .. فزان .. الكفرة .

       مالي .. السودان .. النيجر .. السنغال .. إريتريا .. نيجيريا .. ساحل العاج .. أثيوبيا .. الصومال .. الدول الاكثر تصديرا للمهاجرين .. وحجم العائدات من المتجهين نحو ليبيا وحدها تجاوز 100 مليون $ هذا العام ، والمسئولين هنا يقدرون ذلك . بل وان بعضهم انخرط في عمليات الاتجار هذه .. وتبدو فرصة الترحال وبلوغ اوروبا الآن وبعد انتهاء حكم القذافي .. اكثر نجاعة .. هذا ساعد على رفع معيشة السكان هنا في بلد يعيش معظم سكانه على أقل من 2 $ .. لقد اعتادوا قبل عقد من الزمان ، نقل امتعتهم على ظهور الماشية ، كالجمال والحمير ، وبين منازل بنيت من لبن الطوب ، تستضئ بنور فتيل شمعة .

       الآن ، الشوارع مكتظة بالدراجات النارية وسيارات البيك أب تيوتا التي يقودها ليبيين ، وفيلل جديدة بنيت من الاسمنت ، وتوجت بالعديد من صفائح الألواح الشمسية وأطباق التقاط الأقمار الصناعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *