اهات جنوبية – 1

DSCF3251

   

    مع إطلالة كل صباح كنت ارقب حضوره في الموعد .. أراه مهتم بفحص مركبته المسلحة ( اربعطاش ونص ) .  يرتدي بزة عسكرية تعبق بفائح التحرر .. موشحه بأنواط وشارات ليبيا الحرة .. ما ان أجد نفسي على مقربة من مسكنه الذي اشتراه حديثا بحي بن عاشور .. يخفق قلبي بلا سابق اندار .. اتطلع إلى التحديق في طلته عن قرب .. ولا يتوانى هو الأخر مبادلتي النظرات .. بريق عينيه الحاد .. ابتسامته الصامتة الكتومة .. قصره المشيد .. تبعث نشوى انتعش بها إلى حين عودتي من المدرسة .. وهناك في عين المكان أجده في الموعد .. هذه المرة وهو يهم بأمور أخرى .. أحيانا بالنداء على عامل الصيانة .. وأخرى بإعطاء تعليمات للغفير والسائق المكلف بالشؤون الشخصية وتسوق مستلزمات القصر على ما يبدو .. وطابع افتعال أسباب وجوده في الموعد تكاد تكون ظاهرة .. بل وأصبحت على ثقة بأنه ينتظرني الان .. كلما حان موعد الذهاب إلى المدرسة مرورا بالحي حيث يقطن حديث العهد .. وموعد العودة .

      صباح الخير … أجد نفسي مضطرة للإجابة وان بهمس محتشم .. ومع الأيام تبعتها بسمات انتهت الى تبادل متوازي ومتوازن .. للكلمات والنظرات والبسمات والهمسات وأحيانا الإيماءات .. لا بل أكثر من ذلك .. تبادلنا أرقام الهواتف .. وصار التواصل بشذى الكلمة أنيس الليل .. حتى بت انتظر الموعد بلهفة وترقب    .

      اشعر انه يحبني إلى درجة الجنون .. تغنى بجمالي وروعة مفاتني .. نظم المواويل وأشعار الزجل .. ولا يمكنني ان اخفي عنه ما أنا عليه .. أفكر فيه .. انتظر طلته .. موعد اللقاء .. وكان لا يخلف موعد النظر والانتظار  .

     ثمة أشياء وأشياء .. اشعر انها تجذبني إليه .. وأكمل حديثه عن بطولات التحرير إزاحة ما تبقى من هواجس .. حدثني عن بطولاته بالجبل ، و99 معركة خاضها ، وعن ليلة تحرير طرابلس .. وكيف هم بالانقضاض على اركان العهد السابق في أوكارهم .. وكم العملات الصعبة بالملايين التي عثر عليها مخزنة بأقبية دورهم .. وكم السيارات الفارهة .. ولم يخفي عني احتفاظه ببعض منها .. كالفيراري الذهبية التي يستخدمها عادة في طلته المسائية كلما اختار المرور أمام منزلنا بحي الظهرة .. زهوا بالانتصار وبليبيا الحرة الجديدة .. ولربما بي .. أنا حبيبته التي لا تخلف الميعاد .. تنتظر لحظة مروره وتراقب من على شرفة شقة العائلة .

     حدثني عن أشياء وأشياء من تلك التي لا يتناولها الإعلام والفضائيات الليبية .. وتأسف كثيرا على أولائك الذين باعوا الوطن وهربوا أركان الطغيان ليقبضوا الملايين .. وعن من سرقوا المؤسسات العامة .. ومن لا زالوا يعبثون ويستفزون سلطات الحكومة .. يتقافزون على المناصب ويقتسمون الهبات والصلاحيات .. وعن دول عربية وأجنبية تدك انفها في كل صغيرة وكبيرة .. وعن تشاؤمه لما ألت إليه الأمور من فوضى وما قد تؤول إليه أحوال ليبيا .. والمصير المجهول .. انه يعرف الكثير مما تحمله الخفايا .

    كان كلما تحدث أضاف إلى حبي له رصيدا أخر .. وعاطفة جياشة تنبض بداخلي ولا تستثني شيء من الحواس والمشاعر .. انه ليس فقط ذلك المحارب العنيد .. ولا الفارس الذي يقدم لفتاته مهرها النفيس ( تحرير ليبيا ) .. انه أكثر من ذلك بكثير .. فهو المكافح الذي قاسى ضنك العيش والعوز والفقر .. هناك حيث ولد وترعرع بـ ( قرارة الحمادة الحمراء ) .. حيث موسم جمع الترفاس موعد الاقتيات لعام مقبل .. وفي سنوات انحباس المطر يصعب حسب تفسيره احتساب السنة في عداد عمر انقضى  .

      يهاتفني في الموعد .. تطول السهرة .. والليل والوجد وكلمات الحب  .. ولتشمل أحاديثنا كل شيء .. بما في ذلك الطبخ واشتهاءه لـ ( بازين بالترفاس وراها طاسة شاهي خضرة تقص المسمار ) ووعدي بتعلم فنونها .. أسوة بـ ( البيتي فور ، والسفنز ) ووعده بمحاولة استساغة طعمها وتذوقها ولربما التعود عليها .. وفي كثير من الأحيان لا يكترث حتى وهو يستأنس ويتسامر وجمع الرفقة والأصدقاء بالبيداء .. وبضواحي العاصمة ومفاوزها .. ليترك سماعة الهاتف مفتوحة .. تنقل لي طرب اللقاء وسمر المحررين .. وأحيانا يشتد به الوجد فيمتطي مركبته ( الاربعطاش ونصف ) .. ويهمس لي قبلها .. الآن وقد جن الليل .. لابد من تحية تخصك .. 50 طلقة في الهواء تعبيرا عن حب نما وترعرع في أجواء الحرية والتحرر .. أجواء ليبيا الحرة  .

     كم يحبني .. وكم أصبحت أنا أحبه أكثر من أي وقت مضى .. وقريبا يجمعنا القصر .. وسأمشى ألهوينا كما يمشي الوجى الوحل .. من حي شعبيات الظهر إلى حي بن عاشور .. حيث قصر حبيبي الذي اشتراه حديثا .. بعد التحرير .. والى ذلك الحين .. انتظر لحظة الغياب عن العالم .. وكل العوالم .. لحظة العناق والارتماء بأحضان حبيب العمر .. في ليلة العمر .. ليلة الزفاف .. عندها يصبح الحلم حقيقة .. وعندها سأردد ما حفظته عنه من أشعار .. ( وتعانقن ارقابنا وايدينا .. كما اتعانقن طيرين بين اغصاني .. شربنا رحيق الحب لين روينا .. وغبنا من العالم لعالم ثاني  ).

 . .

( 2 )

       قلت .. حدثني عن أشياء وأشياء من تلك التي لا يتناولها الإعلام والفضائيات الليبية .. وبلغة العارف بالكثير من الخفايا يكتفي بالإيماء عن البوح الصريح .. ذات مرة سألته عن تصريح الدكتور محمود جبريل الذي اتهم فيه أيدي أجنبية وراء قتل القذافي .. فأجاب : شيء من هذا القبيل .. وأسهب في ذكر الغاز مماثلة .. تهريب شخصيات تعد شفرة الصندوق الأسود للقذافي .. عبدالله السنوسي .. بشير صالح .. وغيرهم من كنزة الأموال وأصحاب النفوذ والعلاقات الممتدة .. وإن في أحيان أخرى لا تغذي إجاباته فضولي .. أو لعله اختار التنكر للحقيقة حفاظا على امن البلاد .. إذ  لا يمكن ان تكون سبب زيارة وزير الدفاع الفرنسي لليبيا حبه للترفاس .. لدرجة النهم والشبق ..  وطالما أحبه .. يبقى ما يقوله الصدق .. بل عين اليقين  .

         لا يهم .. ففي العادة .. التعريج على السياسة  يحوز على قدر قليل من زمن الأحاديث بيننا .. وأنا أيضا لا أفضل إحراجه بالأسئلة .. خطر ببالي ذات مرة ..  سؤاله عن مبرر مكافآت الثوار .. وهل القصد تحويلهم الى مرتزقة بالمال ؟ .. بالطبع .. ترددت .. ولا داعي لهكذا أسئلة .. أحاديث الحب والغرام .. والوله والهيام .. أنجع في تقريب المسافات .. وجبر القلوب الكسيرات .. والتفاؤل بما هو آت .. وتضميد جراح وأهات .. وشهيق وزفير تسكنه عبرات وعبرات .. اختنق بها الفؤاد لعقود وسنوات .. عجاف قاسيات .. ذهبت بلا رجعة .. ولا أسف على ما فات  .

      حبيبي من نوع خاص .. فريد الطبع والطباع .. أحيانا يفضل ان أراه وهو يرتدي البذلة وربطة العنق .. وأحيان أخرى .. زبون وعباءة ( خبخابي ) .. وفي معظم الأحيان البزة العسكرية المرقطة المهيبة .. فلسفته في الحياة .. اختيار اللباس يخضع لطبيعة المشوار .. وكما لكل مقام مقال .. للباس مهمة وغرض دال .. وتمظهر حسب الحال .. البزة العسكرية كلما استدعى الأمر المرور على الكتائب الثورية .. واوآن الوناسة والسهرية .. وربطة العنق  للصباحية .. ومراجعة الدوائر الحكومية .. والعباءة والزبون .. للفترة المسائية  .. مع الفيراري والعطور الفرنسية .. وجولات شوارع العاصمة الرئيسية ..  اما حيث اقطن أنا حبيبته الوفية .. فللمرور اليومي خصوصية .

       لا اخفي عليكم .. لقد همس لي أخيرا انه يود ان يرشح نفسه لعضوية المؤتمر الوطني .. يرى ذلك واجبا أكثر منه رغبة في بلوغ المناصب .. هناك فراغ سياسي ومحاولات اركان العهد المنصرم ملء الفراغ .. ولما لا ؟ أنا أيضا شجعته على ذلك .. وكما يقولون : ( وراء كل عظيم امرأة ) .. كذلك أريد له ان يكون عظيما كما هو الآن وأكثر .. يكفي انه خاض أكثر من 99 معركة بالجبل اختتمها بتحرير طرابلس .. الوجاهة والانتماء الثوري تطغى على كل ما يعتقد الآخرون انها نقيصة تلحقه .. بما في ذلك الكفأة والمعرفة .. ولا ضير .. يكفي انه يجيد القراءة والكتابة فوق كل ذلك الثراء والبطولات .. ويحضى بشعبية واسعة بين زمرة الرفقة والأصدقاء .. فلما لا ؟

      اظن ان الليل تمطى بصلبه وناء بكلكله .. فالى لقاء اخر .. واحاديث  الحب  .. واهات جنوبية .. زمن الترفاس  .. قصة ثائر عظيم من الجبل .. جاب المهاد والوهاد .. والفيافي والقفار .. وكان على موعد مع القدر .. هناك بالعاصمة  .. حيث حي الظهرة وبن عاشور .. وقصة حب نما وترعرع في أجواء ليبيا الحرة .. فأينع وأزهر وأثمر .. عظيم من وراءه عظيمة .

( 3 )

      بالأمس اتصل بي متأخر عن موعده وعلى غير عادته .. توقعت انه حن الى رحلات التقاط الترفاس بالحمادة .. لقد خاب ظني .. كثرت مشاغله حسب قوله .. تبادلنا اطراف الحديث طوال الليل .. عبر عن استياءه من استمرار علاقتنا على هذه الرتابة التي لا تزيد عن تواصل بالكلمة المسموعة عبر الهاتف .. ونظرة عابرة عن بعد .. وانه يرغب في اللقاء والتحاور وجه لوجه .. عش الزوجية لا يبنى من وراء الأستار .. أقنعني بالفكرة .. تواعدنا .. وعلى طريقي الى المدرسة .. كان في انتظاري .. امتطينا الفيراري سويا لوحدنا .. رهبة المغامرة .. والحديث عن قرب .. وأجواء الخلوة .. ألهبت مشاعري .. وبشيء من وخز الضمير .. ساورتني الأسئلة والظنون .. أي سحر هذا الذي يمتلكه ؟ وكيف تولدت كل هذه الجرأة لدي ؟!!.

     هناك على ضفاف ( شط الهنشير ) .. توقفنا نتأمل أمواج البحر المتلاطم .. للمكان سحره .. ضفاف المتوسط  .. وكغيرنا آخرون من أسرى الوجد .. لم نترجل خارج السيارة .. حل الصمت وخرست الألسن عن الكلام .. وبين الحين والحين .. يرمقني بنظرة وبسمة حائرة متوقدة   .. أبادله برمية خجولة مثلها .. ابحث عن فكرة .. عن كلمة تسعفني فلا أجد .. السياسة .. الترفاس .. الثورة .. الحب .. شلت الذاكرة .. وصعب الوصف والسؤال .. وللخروج من حالة الارتباك .. تصنعت البحث عن ( سي دي ) لأغنية تروق لي وتتناغم مع الموقف .. ووجد هو الأخر في الأمر فرصة لتحريك المشهد . فهم بعرض كل ما تحويه خزانة السيارة والمسجل الستيريو .. لم يقصد ملامسة يدي عنوة .. وظلت المسافة بيننا تحتفظ بالزوايا الحرجة .. رغم محدودية حيز المكان .. وفي بعض الأحيان غالبت الأنامل الحواجز .. وأشعلت فتيل الوجد .. بتصادم غير مقصود ، او لعله عناق مع سبق الإصرار والترصد ، سهوا . ( هذه اغنية رائعة النغم والكلمة .. خذي السي دي .. جربي الاستماع إليها ).. تلامس .. تصادم ..  دبت قشعريرة بالجسد كدت أخفيها .. وظل وهجها يلفح لواعجي .. ويبعث الدف بالمحيط .. اما عندما قدم لي طقم الذهب هدية اللقاء الأول .. تحجرت الحناجر .. وتشابكت الأنامل  .. وتجمد الدم في العروق .. وظللنا برهة وقد توقف الزمن .. ولابد لهكذا لحظات ان تجبر بالهمس وعذب الكلام .. وبجرأة .. نطق اللسان بجواهر لحن الغزل والهيام  .. ( حبي ..لا يغلى عليك .. مقامك ارفع مما تحوي الدنيا كنوز) .. ( شكرا حبي ) .. نطقتها بصوت خافت خجول .. كتم صدى وقعها بين جوانحي  .

       بقاء اكثر من ساعتين لم يكن وقتا كافيا وقد تحولت السعات إلى ثواني .. لقد سرقنا الوقت .. وآن اوآن العودة مرغمين .. ولا اعتقد انه سيكون اللقاء الأول والأخير .. إذ أننا لم نتحدث عن أي شيء يتعلق بالمستقبل الآتي ..  لعل اللقاء القادم .. يسعفنا .. إلى ذلك الحين .. انتظر بلهفة .

( 4 )

        ثقيل هذا اليوم .. ملل .. كلل .. تشاؤم .. سأم .. لا ادري ربما قلق تكتنفه هواجس وتساؤلات حول مشوار الأمس .. لكنه كان رائعا حقا في حينه ..  وها أنا أتطلع من وراء النوافذ والشبابيك .. أقف بما يكفي بالشرفة وبما لا يثير فضول الجيران .. ارقب مروره المعتاد بين الحين والأخر .. بموعد وبلا موعد  .

      احرجني فضول مدرسة الرياضيات بالمدرسة صباحا .. لاحظت حالة الشرود الذهني تنتابني على غير العادة .. تساءلت : ما بك اليوم يا فتاة ؟ .. على غير عادتك .. همهمت بكلمات لأظهر براءتي .. بدلت جهدا ضائعا لئلا تدرك زميلاتي ان طيفه يطاردني منذ لقاء الأمس .. وان كان ما بي خارج نطاق السيطرة .. وسوم الملامح .. ترسم صورة الوله والوجد ولا تخفى حتى عن أولئك اللائي لم يخضن التجربة بعد .. لكن ما عساي ان افعل ؟ . 

       حال عودتي من المدرسة تولدت لدي الرغبة في الاتصال به .. ترددت وعدلت عن الفكرة بعد لآي .. لا أريده يشعر بمطاردتي له .. طال انتظاره .. قلبت دفاتري فلم افلح في إضافة فكرة جديدة .. حتى المسلسل التركي المدبلج  الذي أتابعه يوميا .. لم يغذي لهفي ولا اختصر وقت الانتظار .. عين على التلفزيون وأخرى على الهاتف .. لا بل ا ضاف إلى شجوني شجون .. الفكر .. الخيال .. لقد اغتصب كل شيء ..  ما هذا .. لما هو قاسيا إلى هذا الحد ؟ ألا يدرك أنني  أتلهف لسماع صوته !! .. حاولت ان أغفو قليلا .. النوم هو الأخر عصي معاند .. أريد ان اخلد للنعاس . ليهدأ بالي .. ولعل أحلامي تطارد طيفه .. احلام جميل بثينه    :                 وإني لاستغشي وما بي نعسة .. لعل خيال منك يلقى خياليا .

       الساعة التاسعة وثلاث دقائق وعشرون ثانية مساء .. رن جرس الهاتف .. هرعت إلى غرفتي .. أواه .. أواه .. أخير اتصلت .. رغبت أن أعاتبه .. وعدلت عن ذلك .. أريد ان أضفي على موقفي شيء من التمظهر بالثبات .. ( والرزن ).

     قال لي فيما قال .. ان المهام المتتالية أرهقته .. في الصباح الباكر اشرف على تجهيز كتيبتين .. احداهما متجهة الى زوارة – رقدالين .. والاخرى الى سبها .. وفي المساء شارك الاجتماع المنعقد بين الحكومة والثوار لمناقشة ملفات عالقة .. ( ملف الجرحى والنهب والسرقات وإمكانية المسألة وتغيير فوري للجان الاشراف ) ( ملف الجيش الوطني وإمكانية دمج الثوار بوزارتي الدفاع والداخلية وتجميع السلاح ) ( ملف إخلاء الثوار لمقار مؤسسات حكومية كمطار طرابلس .. ومطار معيثيقة .. الدوحة في همس بعضهم ) ( ملف استيلاء جماعات على المنابر عنوة وبالقوة وفق تصريحات وزير الاوقاف ) ( ملف الأموال من عملات نقدية وسبائك الذهب التي سحبها عبدالله السنوسي من مصرف ليبيا المركزي قبل سقوط طرابلس وكم غنم منها الذين سهلوا له الهروب  ، وتصريحات الدكتور قويدر الاخيرة في الخصوص ) ( اتهامات الدكتور البعجة والدكتور جبريل للمجلس الانتقالي والحكومة بالقصور والتقصير والاهمال المتعمد ) ( ارتال حماية الشخصيات وتكاليف الاقامة بفنادق الخمر نجوم ) ( وتمترس اركان العهد المنصرم بمفاصل الدولة ).. الخ .

    ولئلا يسهب في الحديث عن ما ثم التوصل إليه .. قاطعته بلطف .. ( كنت أتوقع انك معزوم عند حد آخر على بازين بالترفاس هههههه ) .. منها إيماءة لما قد يكون على علاقة مع أخرى .. لعلها ابنة العم من هناك ( قرارة الحمادة الحمراء ) .. ومنها أنني انتظر لحظة التواصل لاشتهى سماع كلمات الحب والوله .. لا العسكر والسياسة  .

       أمي تطلبني لمساعدتها باعمال المنزل .. نادت أكثر من مرة .. أهملتها .. ليس هذا وقته ..  ويا لخيبتي .. لم يطل بنا المقام .. ها هو الأخر يشكو التعب .. ويغالبه النعاس .. ليعتذر .. ولا مناص .. إلى اللقاء ( حبيبتي ) غدا .. حقا .. ثقيل هذا اليوم  .

( 5 )

     تتحطم اللغة على أسوار الحب .. تتقلص مفرداتها فلا تعد أوعية مناسبة لصياغة المعاني اللطيفة ووصف المشاعر المرهفة .. عجز اللغة يرهق فرص التعبير ..  التمثيل .. الاستعارة .. كل الاساليب البلاغية تبدو ركيكة  وقلما تلامس  شطحات الوجد .. بؤس اللغة يتمظهر بوضوح وهي تطارد الاحرف والجمل لبناء موشحات الغرام  .

         تعذر قنص الأحرف والجمل  .. لم أجد ما اكتب على ظهر الصورة التي سأهديها له في الموعد .. وعند اللقاء صباح الغد .. لكنني كتبت : ” الإنسان لا يضمن الزمن .. فإن غاب عنك جسدي .. وانقطع وصلي .. وصعب وصفي .. اذكرني برسمي ” .. اخترت أيضا قنينة رائحة تعبق بشذى الياسمين .. اشتريتها خصيصا له .. مع سلسلة عقيق تتدلى على صدري .. تحمل الحرف الأول من اسمه واسمي  .

      فكرت في ان يكون موعد اللقاء مساءا .. وكدت ارتب الأمر مع إحدى صديقاتي الحميمات ، لأتعلل لامي بمهمة زيارتها .. ترددت وعدلت ..  الخطوة تحمل الكثير من التسرع .. لا زلنا في بداية الطريق .. وجسر العلاقة غض .. كما أنني لا أثق بصديقتي للحد الذي يمنعها سرقته مني .. وان كنت أثق فيها في مجمل الأحوال .. وبالطبع لا بد لي من الإفصاح لها بالحقيقة لتتدبر معي وتتستر أوان غيابي .. هي الأخرى رائعة الجمال .. وصية أمي تقول : ” يا مؤمن الرجال .. يا مؤمن الميه في الغربال ” .

        أصبحت أحفظ عن ظهر قلب كل الجمل والعبارات التي نثرها على مسامعي .. صداها يتردد بأذني ووقعها يطرق وجداني .. أتمثلها .. أعيدها .. استهدي بها .. أتأملها مرارا وتكرارا .. لا استثني شيئا منها ، بما في ذلك أخبار الطهو .. وبازين بالترفاس التي يشتهيها .. حتى أنني كلما ولجت دائرة الانترنت لم يغب عني سؤال ( المستشار قوقل ) عن كنهها .. وما الترفاس ؟ .. مواسمه .. انواعه : الأحمر ، الأبيض .. فوائده .. سبل جنيه .. فطر التراب .. وأفضل الطرق لطهوه .. قرأت كل ما كتب عن الترفاس .. حتى انني فكرت بكتابة رواية  ” أحاديث الحب زمن الترفاس ” ..   لا شك ان لكل ما قاله حيز ووقع خاص .. وللأوقات ومواعيدها .. وبين ذلك الكل المترامي .. والوجد المتنامي  .. وما جاد به لسانه الدليق .. يبقى لصدى كلمة ( حبيبتي ) .. ارن كارن المهر .. يزلزل الأركان .. يصعق الاذان  .. يدغدغ الوجدان  .

       اعشق حبيبي حد الثمالة ..  ولم يعدو ابن الملوح ( مجنون ليلي ) الصواب عندما قال :

 لحى الله اقواما يقولون إننا .. وجدنا طوال الدهر للحب شافيا ..

    نعم .. ليس ثمة  شفاء للحب .. الهجر زنزانة .. واد .. انتحار .. من لم يدخل التجربة  فليحتفظ بوصفاته العلاجية .. لا شيء يمكنه ان يقف ليعترض طريق الأحبة  .. سيلقفه سيل جارف لا يعرف المستحيل .. هكذا أنا .. فليحذر الجميع .

       أحيانا أقول متى تنتهي مرحلة الثورة لنلج مرحلة الدولة .. الثورة سرقت حبيبي مني .. وقته وجهده .. اما آن له ان يكرم ويتفرغ لمحبوبته .. الثورة أصبحت ضرة لي .. لا بل اشعر أنني أنا الضرة .. أحب الثورة .. ثم أحبني .. لا لا .. اكره الثورة .. اشعر بحالة من التجردن .. هل الحب يقود الى التجردن ؟ لا ادري .. غدا سأفصح للحبيب عن كل هواجسي .. وسأصارحه .. ( أريدك ملكا لي وحدي ) .. والى ان يحين موعد اللقاء .. يتبختر الزمن .. تتباطأ حركته .. اغنية لسيف النصر تواسي ”  كان الطريق جاباتك .. وجيت شور ديارهم .. سلملي على عيون الغلا .. انشدلي على عيون الغلا .. عيون الغلا .. واخبارهم ” .. وها أنا انتظر واتململ على جمر الوجد .

( 6 )

      نجمت وفكرت كثيرا .. لكني لم اقرأ أبدا .. فنجان يشبه فنجانك .. قالت جارتنا قارئة الفنجان وهي تحدق وتتأمل فنجان قهوتي .. ثم تسألت بدهشة : من هذا الغريب الذي يطوف حولك ؟ تجاهلت !! .. أي غريب ؟ .. لا ادري !! . صمتت برهة .. ابتسمت ونظرت اليّ بريبة .. احذري .. الطريق طويل .. وثمة ما يرهق المسير .. قاطعتها .. لا يشغلني احد ولا أؤمن بالتنجيم .. لا أريدها ان تعبر الى ردهات أسراري وسبر اغواري .. ولا ارغب في سماع من يدعي التنبؤ بالمستقبل . مخبوله هذه المرأة ، تدعي علم الغيب .. لا اكثرت ، تساورني شكوك في كل قول يخالف توقعاتي .. أصدقه في كل حرف وكلمة نطق بها .. احبه ويحبني .. افكر في عرض الموضوع على أمي قريبا ، وفي لقاء الأمس وعدني هو الأخر بمفاتحة والده . وقد تكون والدته ضيفة عزيزة علينا في الأيام او الأسابيع القادمة . لا ادري .. اشعر بتفاؤل يداعب جوانحي .. اكاد اطير .. افكر فيه .. طيفه يلاحقني .. يطاردني حيث أنا .. في يقظتي ومنامي .. لقاء الأمس ، وعوده ، مشاكساته ، ماثلة بخيالاتي .. كان جريئا وعلى غير عادته ، امسك بيدي عنوة ، احرجني حتى كدت اسحبها وما استطعت . ظللنا هكذا طوال اللقاء ، البسمة تغمر شفاهنا ، نتقاذف النظرات الهامسة اشبه بتعاطي القبلات ، ولا انسى كيف حدجني برمية شفاه وهو يودعني . وكأنه يقول لي لا تتأخري عن موعدنا القادم . وها انا انتظر .

( 7 )

كاتبه عليه إزالة ..

ملفك لقسم الهدم درت إحالة…

نبي نقولك…كاتبه عليه إزالة

      رسالة قصيرة من هاتفي النقال أرسلتها الى ابن عمي ( فضيل ) .. وليحدث ما يحدث … الليلة زراتنا زوجة عمي ووالدة فضيل .. تعللت بطول الوحشة ورغبتها في مسامرة أمي .. شيء من التظاهر بواجب الوصل وشيء من ( قصقصة الأحوال ) .. وفوق هذا وذاك أعربت لأمي عن رغبتها في اختياري زوجة لابنها فضيل .. اعرف زوجة عمي ودسائسها القديمة التي كادت ان تقطع الوصل بين اسرتينا .. فلم اترك لها الفرصة لتغتنم الخلوة بأمي او ان تلتهم أذنها .. تظاهرت القيام بواجب ضيافتها .. مرة اقدم لهن الشاي .. واخرى الكعك والمرطبات .. واخرى عطرتها بالبخور البلدي .. واخرى .. وهكذا لم اغب عن مجلسهن .. أتلصص لمعرفة كنه الزيارة وأغراضها .. ندرت أذني لمتابعة همسها ولمزها الى ان قالت : ( ولد عمها اولى بها .. وكما يقولون .. ينزلها من الباصور ) .. كان لوقع كلماتها لفح العواصف وصدى الرعود .. سرى وهج زمهرير بكياني .. تسمرت بمكاني .. تمالكت نفسي قدر ما استطيع .. اعارني الجدار سنده وكأنه ادرك حجم وقع المفاجأة الصعقة .. وعند اقرب مرتبة اسلمت جسدي وارتميت .. وقد فاضت عيناي بانهار الدموع ولبس الكون تاج الأسى والحزن .. أتسأل .. ما الذي يحدث حولي ؟ .. لما انا بالذات ؟ .. كيف له ان يتجرأ على فعلته ؟ .. لست بضاعة .. انا إنسانه امتلك مشاعر وأحاسيس .. أحب واكره .. من قال له أنني أحبه او إنني ارغب مشاركته عش الزوجية ؟ .. أليس من المنطق ان يسألني انا صاحبة الشأن اولا ؟ .. عادات .. تقاليد بالية .. لا اعترف .. ولن اقبل .. سأرفض مهما استدرجوا والدي .. انا سأتزوج من احب .. ومن هو يبادلني ذات الشعور . كدت ان اواجهها في الحين .. وان اعلنها صراحة امامها .. انني احب إنسان اخر وقد تواعدنا المودة وشراكة المستقبل والحياة .. لولا خوفي من تندر أمي واستهجانها لسلوكي .. لكنني لن أنام الليلة .. وسأنتهز الفرصة لأضع أمي امام الأمر الواقع . سأفضي لها غدا صباحا بكل ما يخالجني او لعله الليلة .. سأرمي بين يديها بصورة حبيبي الذي أخفيته عنها .. وقصة حبنا .. حبيبي الذي احب .. والذي لا اقبل لغيره بديل .. ولن يظمئ ولهي سواه .. والى ذاك الحين .. الليلة او الغد .. ها انا انتظر بفارغ الصبر .. لم اجد ما يواسيني ويضمد صبري سوى رسالة إليه .. الى فضيل على هاتفه النقال :

       ( كاتبه عليه إزالة .. ملفك لقسم الهدم درت إحالة… نبي نقولك … كاتبه عليه إزالة  )

( 8 )

      يومان مضت لم تعرف عيناي النوم .. سهر سهاد .. استجدي نزيف القلم ان يرسم كلمة .. استنطق اللغة ان تستجيرني عبارة .. أبى الكلم وتلعثم اللسان .. لقد حدثت الطامة الكبرى ، تفجرت الارض غيضا ، واطبقت السماء برعود قاصفة مزمجرة .. ضاق الصدر والمكان .. ما ان شاع الخبر .. وسري بين الأهل والجيران كسريان النار في الهشيم .. ملعونه .. فاجرة .. من تكون .. قليلة تربية .. يجب معاقبتها .. كيف لها ان تتجرأ بكل صلف ووقاحة وترفض ابن عمها من لحمها ودمها .. واكثر من هذا تستبدله بأخر خطف عقلها ولبها .. الى أين تسير .. يا للعار .. ماذا سيقال عنا .. قال ابن عمي الاكبر شقيق فضيل وهو يتجمهر مع أبناء عمومتي امام منزلنا ، واصوات البارود وقرقعة ( الاربعطاش ونص ) تملأ المكان والزمان بوابل التهديد والوعيد .. من يتجرأ على خطبتها او التلفظ باسمها سيكون مصيره الموت كعقاب أولي .. عليه ان يدرك المصير الذي ينتظره .. ( هي بنات الناس سايبه )  .

        منزلنا تحول لثكنه عسكرية .. حراسات ونفير .. في الداخل أبي الذي يجلس منكفئا على نفسه يداعب لحيته ويعبث بوقارة .. يغالبه التخمين صمتا وهو يبتلع آهات زافرة بالحسرة .. لا يريد ان يرى أمي بالمكان .. نهرها معاتبا إهمالها .. صرخ في وجهها : ( أين كنت .. بنتك فلتت من بين ايديك ) .. يا للهول .. ما الذي يجري .. انتظروني  .

( 9 )

         يا رب هل يرضيك هذا الجفاء .. والماء ينساب أمامي زلال .

     أي جرم هذا الذي أذنبت .. سحب جهاز الهاتف الجوال مني  .. اللابتوب .. قيدت حركتي .. وكمن حشر في زنزانة ضاقت جدرانها .. ونفذ هواءها .. اضع يدي على صحن خدي متهاوية في ركن حجرتي .. تتوارد مشاهد تلفحها عبره  .. ادرك حقيقة واحدة فقط .. ان المحيط  يغلي من حولي .. يؤنبني .. يسخر مني .. وان جميعهم ضدي .. هل سيسمحوا لي بمتابعة دراستي بعد هذا الانقطاع والمنع .. هل سيثقون  بي ثانية ، هل سيسمح لصديقاتي بزيارتي  .. او ان اتواصل معهن .. حصار .. حصار .. وقلوب قاسية لا تعرف الرحمة ترمق وتراقب بحنق شديد .. ماذا لو لم أكن فاتنة الجمال .. هل سيتمسك  ابن عمي فضيل بحقه المزعوم في إرغامي .. هل سيستنفر فرسان القبيلة لرتق شرفهما المهدور يوم ان تعلق قلب ابنة القبيلة الفاتنة بغير أبناءها  ؟ .. يا للهول .. ويا للمفارقة .. ان تكوني جميلة .. فارعة الطول .. بهية الطلة .. ثاقبة النظر .. زاهية الوجنات .. ممتلئة القوام .. نافرة النهد والارداف .. وادعة البسمات .. ان تكوني رائعة الجمال .. فذاك شر مستطير .. تنتظره ازمة لهيبها زمهرير ..  احداثها اشبه بالخلاف على تقاسم وليمة او غنيمة .. ليس لك ان تكوني عضوا في زفة المهرجان .. عبدة مأمورة .. ولعلك سبيه .. تباع وتشترى .. تمنح لمن يدعى الأحق بها .. لما كل هذا الارق والنزق .. أين أنت يا فضيل الذي تدعي قربى الدم .. من ولد ادم .. أتدري ما تفعل ؟ ، كم من كوابيس وآلام  زرعتها واقبرت بها قلوب كسيرة متلهفة للقاء .. يا مفرّق الوجد .. وزارع الألم والشقاق .. عد إلى رشدك واترك تراتيل النفاق  .

        أواه .. أواه .. أين أنت يا حبيبي يا رفيق العمر ؟ .. ومنية الخاطر .. كيف أنت ..  انقطع الوصل وتاهت الأخبار .. ماذا لو اغتالوك اكثر ؟ .. ماذا قالوا لك ؟ .. كيف أوصلوا تهديدهم إليك ؟ .. هل لا زلت تحب من أولجت حياتك  كل هذا العناء ؟ .. والتعب والشقاء ؟ .. أين أنت مني ؟ .. هل قررت التخلي عني في أوج محنتي ؟ اسألك .. اسأل نفسي التي لا تؤانسني بغير التشاؤم والمصير المحتوم ..  كيف لي ان أسمعك صوتي ورأيي .. ؟ كيف لي ان اقول لك وأعيد .. ( احبك ) ولا زلت على العهد .. وسأبقى أتسمر بجمر الوجد في وجه رياحهم العاتية .. سأنتظرك .. سأنتظرك .. سأرفض سبيي .. وسأراهن على الايام ان تأتي بأمل قد كان .. وتضمّد حسرة الوجدان  . سأنتظرك طالما انا لا زلت على قيد الحياة .. مهما طال الزمان  .

( 10 )

      اركض فوق قارعة طريق موحله  .. اشعر وكابوسا مرعبا جاثم على صدري  .. جالسة في الوحل وسط زقاق مقفر .. احس بوطأة السماء فوق راسي ابرقت وارعدت ودوى صوت الصاعقة .. والارض تكاد تفغر فاها لتلتهمني .. خيم الظلام واختلطت صرخات الألم بصيحات الذعر  .. لم اتمالك عن اطلاق صرخات الفزع .. عينيي الهبتها الدموع .. ارتعد واسعل بكل ما في قلبي من قوة .. هنا جن جنون الناس . الى متى يضلون سادرين في الغي .. والى متى تبقى العيون والقلوب مغلقة .. جاءوا في صلف كسيل عرم كاسحا في طريقه كل شيء ..إنهم يودون قتلي .. فرسان القبيلة .. كنت اصرخ بأكثر مما يفعل الاخرون .. ابحث عن ملاذ اختبئ منهم .. أخي الاكبر يشد من ازري ويتوعدهم .. ان من يقترب عتبة المنزل سوف يلقى مصيره .. اخيرا تشتت الجمع وهم يزمجرون .. ويتوعدونني .. خفت اصوات الدوي الذي كنت اسمعه في الشارع .. أمي تغمغم وهي تنظر الى السماء : ( لا حول ولا قوة إلا بالله )  .

      الحيرة تقتلني والرعب يملأ جوانحي .. انا الطريدة وجحافل الصيادين تلحق بي .. وما عساي ان افعل غدا .. اليوم أخي الاكبر اوقفهم عند عتبة الباب . الآن هدأت العاصفة .. أخي يقترح علينا ان نهجر المنزل لفترة من الزمن والى حين عودته .. انه لا يأنس لهم .. ظرف طارئ حدث يفرض عليه الذهاب الى غدامس وحدودنا الغربية .. يقول ان مجاملات  بعض قادة الجزائر لم تثني اخرين عن الحنين الى زمن القذافي .. وانه كقائد ميداني لإحدى كتائب الثوار يعتقد ان تحرشات مدعومة من قبل اسرة القذافي هناك وحاشيتها المحتمين بالجزائر قد تحدث .. قال فيما قال .. بالأمس  فقط صرح الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي أحمد أويحي في خطاب بقاعة حرشة حسان بالعاصمة في إطار الحملة الإنتخابية ( أن الشعب الجزائري يجب أن يكون يقظا، فبعد تدمير العراق وتقسيم السودان وتكسير ليبيا وإدخال مصر في الفوضى جاء الدور الآن على مالي )  .            

    أخي لا يثق في هؤلاء القابعين على سدة هرم السلطة في الجزائر الشقيقة .. اضاف : إننا لا نعرف الجزائر إلا من خلال هذه الوجوه العتيقة التي لا تفارق المشهد رغم الازمات التي تمر بها الجزائر والتي ستأتي عليهم أسوة بغيرهم ، وهو ما يخشونه في بلد النفط والغاز والمعادن .. لا ضير .. ما عساه ان يقول غير ذلك .. انه يخشى الطوفان .. اما الفوضى فهي الطف برا من الاستبداد وحكم العسكر .. ويبدو ان الشعب الجزائري العريق قارب ان يقول كلمته ويجأر في وجه البنادق المصوبه إليه لعقود .. ليبيا ليست فوضى لكنه تفاعل في اجواء الحرية .. ومثل هذه التصريحات تنم عن تصدير لازمات قد تكون ضحيتها وكبش الفداء بلدان الجوار .. لابد له من البقاء هناك لرصد ما يدور على حدودنا الغربية والجنوبية المحادية لبلد الازمات .

       لا ضير ولا خيار اخر .. غدا ستحزم العائلة أمتعتها .. وسأرافق أمي وأبي الى حيث لا يعرف فرسان الليل مكاننا .. ما كل هذه الكوارث التي جلبت لأسرتي لمجرد انني احببت !!! اما الى أين ستمضي بنا الامور فذاك ما تكشفه الايام القادمة .

( 11 )

      ليبيا اليوم اكثر رونقا وبهاء ، اشجار الشارع تتنفس الحرية بعمق وسخاء ، ورائحة الاستبداد الذي ازكم الأنوف ذهبت الى غير رجعة على الأقل هذا ما نزعم .. لكن أسرتي التي اختارت طريق المنفى والبحث عن ملاذ آمن تبدو لي وكأنها استكانت للضيم الى الأبد .. ذاكرتي لا تتسع وبياني عاجز عن الجموح .. وااسفاه .. زخارف حكاياته تسرح بي الى حيث لا احد .. الى فضاءات الوجد والخيال .. اردد كلماته .. لحن نبراته .. مهاد ووهاد .. فراق وبعاد .. وكورقة خريف اصفر لونها ويبست فلم تقوى على التشبث بشجرتها الأم .. الملم مقتنياتي وأسرج حقائبي .. الرحيل .. وانهار الدموع .. وهواجس الوداع .. وداعا يا ارض الحب والحبيب . لقد صحت اشد مخاوفي نكرا ..غابت اخبارك .. فيا ترى اين أنت ؟ وكيف أنت ؟ هل تسمع نجواي ؟

      لقد ترامت الاخبار بافضع النذر .. الثوار يستنفرون قواهم ويتوجهون الى الجنوب .. احداث دامية في الكفرة وسبها .. لا استبعد انه توجه الى هناك .. لقد كان دائما يردد على مسامعي قولته الشهيرة : ” في اوقات الشدة يظهر السمو او تنكشف الضعة ”  .

     ( شينك نقه .. فيه انتمنى وما اقدرت انطقه .. متباعد عزيز اليوم ) .. ها قد آنت لحظة الرحيل .. ما اقسى تذكر افراح الماضي .. تواعدنا.. لقاءنا .. زهونا .. كنت اقول لنفسي وأنا افكر بارتباك أنى لي ان ابقى هنا وليحدث ما يحدث .. الرحيل يعني فقدان الأمل في تتبع اخباره .. ليس في طاقتي احتمال ذلك  .

الله الله يا ماضي مضى .. .. زهينا ايام ومعانا الحبيب

وكنا اثنين في مركب غـــلا .. جاته ريح خلاته خريب

      ها هو جارنا الحاج مخلوف متوجه نحو والدي ليودعنا رافعا يديه بحركة لا ارادية الى عمامته . اصلحها وسرح بصره للأعلى ليعلو صوته على الهمهمة المتصاعدة بينهما .. لحيته تنتفض غضبا وسخرية .. اتنصت إليهم بتورية وأنا أهم بوضع أمتعتنا بسيارة والدي .. يتجاذبان الحديث حول الوطن والثورة وما آلت إليه الامور .. منذ زمن بعيد ونحن نعاني التهميش والقهر والجور والجوع ومصادرة الحريات والحقوق على يد القذافي وجلاديه وممارساتهم الهمجية والتعسفية الدكتاتورية والقمعية المقيتة .. قال الحاج مخلوف واضاف : خاض أبناءنا نضالات دؤوبة من أجل الانعتاق والحرية والاستقلال ، واستعادة الكرامة المسلوبة والمستباحة ، وقدموا في سبيل ذلك الغالي والنفيس على مذبح الحرية والانعتاق والتقدم والديمقراطية ، وأنجزوا حزمة من المكاسب والانتصارات . لكن ما نلاحظ اليوم أننا منينا بالانتكاسات والعثرات والإخفاقات خلال مسيرة ما بعد التحرير الطويلة والشاقة . وبات بناء المستقبل الافضل اشبه بحلم قصي . وكذا الدولة العصرية المتحضرة المدنية الديمقراطية ، دولة العدل والمساواة بين الجميع من أبناء الوطن . تحترم أرادتهم وخياراتهم من خلال المؤسسات والقانون  .

         كل يغني على ليلاه .. الحاج مخلوف يتألم لحال وطن يسكنه ، وأنا اتألم لحال وجد يرهقني .. ولئن عبر عن تأوهات تؤلمه فذاك افضل حالا مني وأنا اطوي ما في سريرتي كمدا واساطير وتقاليد بالية تجبرني على الصمت ، وتلحق العار بالثورة في داخلي  .

       ادعياء الثورة يرفضون الانتفاض والثورة .. الثورة على زمن الأسى الماضوي .. زمن الحرملك .. لا اخفي انني بالأمس سررت بصدور قانون يجرم من يرفعون عقائرهم بالكلام على المجلس الانتقالي واعضاءه .. نكاية بهم .. رغم ان القانون يعود بنا الى نقطة الصفر وحيث كنا .. ويسفه كل ذلك العنف الثوري لاقتناص الحرية .. الحرية التي كنت اتمنى ان انعم بها انا ايضا كامرأة .. رحماك نزار .. يا شاعر المرأة .. ليتهم يسمعون .. ليتهم يدركون  :

لماذا لا يكون الحبُّ في بلدي

طبيعياً ..

كأيةِ زهرةٍ بيضاء ..

طالعة من الصخر..

طبيعياً ..

كلُقْيا الثغرِ بالثغرِ ..

ومنساباً

كما شَعْري على ظَهْري …

لماذا لا يحبُّ الناسُ .. في لينٍ وفي يُسْرِ ؟

كما الأسماكُ في البحرِ ..

كما الأقمارُ في أفلاكها تجري..

لماذا لا يكون الحبُّ في بلدي ؟

ضرورياً ..

كديوانٍ من الشعرِ ….

لماذا لا يكون الحبُّ في بلدي ؟

ضرورياً ..

كديوانٍ من الشعرِ

( 12 )

         ليومين خلت غادرنا طرابلس ووصلنا هنا الى بني وليد .. لدينا أقارب وأصدقاء والدي هناك ، لكن المقام هنا أيضا لن يطول ، الأخبار المترامية تفيد بان الجيش الوطني والثوار يتأهبون  لاقتحام المدينة والقبض على الكثير من مجرمي الحرب المختبئين هناك ..  والألسن تلوك كلام عن سيطرة اركان العهد الماضي وكتائبه المدججة بالمرتزقة الأفارقة  على الواحة  .. وقد ارتدوا لحاف الثورة والثوار ، وشكلوا كتائب تتستر بعلم الاستقلال . وما يقال عن تحرير المدينة خال من الصحة  .

        بكى احد أصدقاء والدي الذين استضافونا بالواحة ونحن نهم بالرحيل .. وتلعثمت الكلمات في أعماق حلقه  .. اما والدي وقد ضاعف الغضب ضلعه تمتم بصوت كليل ” سنتجه جنوبا نحو فزان ” . وكان من بين الحضور ساعة الرحيل عدد لا بأس به من أصدقاء الأسرة وأبناءهم وبناتهم .. الشاب ( هيثم ) ولفرط انزعاجه حدجني بنظرة ثاقبة قرأت في عينيه وقد اغرورقت بالدموع لفحة هوى اصابته نحوي ..  انه شاب خلوق ، وسيم القسمات ، رقيق الملامح ، بدوي الطله .. لا اخفي ان فيه الكثير مما يذكرني بصورة حبيبيي المفقود ( رعد ) .. لاحقني بنظراته طوال مشهد الوداع شارد الذهن ..  وكنت مثله على استحياء ، اشعر وكأننا على فلك ، نعوم معا او نغرق معا .. مسحت انا الاخرى خدي بديل ثوبي ، لقد آنت لحظة الفراق .

      يحدوني الانزعاج .. عشية الحوادث الجسام واللحظات العصيبة .. صرخات الكرب وأمارات التفجع تعلو وجوه الكثير من أهل الواحة ، مذهولين مجفلين وهم يهمون بالمغادرة قبل ان يقرع القدر بابهم .. صيحات الأطفال بين الفينة والفينة وحدها تبعث الحياة وتذكرنا بأجواء الأمن والوئام .  وها هو شيخ مسن وقد أماط اللثام عن وجهه ، وبرزت لحيته الكثة ، وادار عمامته التي كان قد لاتها حول راسه فغطت جبينه الى الحاجبين . وكادت ان تخفي عينيه المحملقة ، يتلو تمتمات وادعية السفر  .

    غادرنا الواحة  ولا ادري بالضبط الى اي درب نسلك .. كل ما هناك اننا ذاهبون الى فزان .. لك ان تتدبر معي كيف لي التأقلم هناك .. صحراء فزان المقفرة والمناخ القاسي المتطرف .. أين انا من كل هذا العناء ؟.. لقد كان القدر اشد تقلبا من جلد الحرباء  .

     تتوالى الصور وتتوارد ..  تخامر ذهني في اليقظة والمنام ..  بعض الهمهمات التي لا طائل لها تزفر بها شفتاي . اين انت يا ( رعد ) .. وكيف انت ؟ المسافة بيننا تزداد بونا وتمتد .. فزان ليست هنا .. وجدار الصمت يواكب سير المركبة وهي تتجه جنوبا .. يا للوعتي .. هل ستعود بنا الايام  لتضمد جرح دامي ، وقلب كسير اضناه السفر والفراق وارق التنقل والنفاق  .. اين عمرى من ليل طويل ،  ودموع لا تكف تنهمر بالوجد والصمت والغليل  ؟.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *