سلطان اغاديز .. وقف الهجرة غير ممكن

0,,19105866_302,00

    منذ شهور تنطلق كل يوم اثنين قبل غروب الشمس حافلات تقل مهاجرين من أغاديز في اتجاه الشمال. الفوضى في ليبيا أدت إلى تمكن المهربين من العبور دون مراقبة حتى البحر المتوسط. ونلاحظ بسرعة هنا أن السلطات في النيجر لا تكثرت لأنشطة المهربين.

     بعد مفاوضات طويلة يوافق أحد مهربي البشر على التحدث إلينا. يسمي نفسه ستيف. ويقول إنه نجح في تهريب أكثر من مائة نيجيري إلى ليبيا، وهو يرفض تقديم معلومات عن الأشخاص الذين يقفون وراء هذه التجارة ـ ويعتبر أنه خادم بسيط. ويقول ستيف “الناس هنا في إيدو طماعين. من أجل حياة أفضل هم مستعدون لفعل كل شيء”.

    مقابل 600 يورو ينظم ستيف الرحلة من نيجيريا إلى إيطاليا. ويقول المهرب:”الغالبية تدرك خطر السفر عبر الصحراء”. ومن حين لآخر تؤدي حوادث عطل إلى وفات بعض الأشخاص. “تلك هي المخاطرة”، يقول ستيف الذي يرافق المهاجرين حتى أغاديز في النيجر حيث يتولى شخص آخر المهمة.

      مدينة أغاديز الصحراوية هي المحطة الأخطر في رحلة بحثنا. سكان هذه المنطقة يعيشون من تجارة البشر والمخدرات ، ويتعرض أجانب من حين لآخر للاختطاف. لا يمكن لنا التحرك إلا تحت حراسة مسلحة ، كما وجب علينا تغطية الرأس بزي تقليدي لتجنب لفت الأنظار.

    ويعتبر سلطان أغاديز عمر إبراهيم عمر مثل العديد من الناس أنه لا يمكن القضاء على مشكلة تجارة البشر في عين المكان، وهو يطالب بأموال أكثر من المجتمع الدولي. وحجته في ذلك عندما يقول بأنه إذا أرادت أوروبا وقف تدفق المهاجرين عليها نحو البحر المتوسط، فوجب عليها دعم النيجر أكثر.

الكاتب: يان فليب شولتس

ليبيا والمهربين والنيجر والمهاجرين

Libyan border post commander Salah Galmah Saleh (MEE-Tom Westcott)

 

 

  تويوتا هايلكس .. شاحنة سريعة عبر رمال صحراء جنوب ليبيا ،  مطية للمهاجرين جنوب الصحراء الأفريقية ، وجوه لفحها وهج الشمس وصهد الرمال .. تهريب البشر هنا لم يعد بالعمل السري . كل أسبوع 2000 شخص يعبرون نحو ليبيا ارض الاحلام .. نقطة الانطلاق من ” اغاديس ” أكبر مدينة في النيجر .. الى المدينة الصحراوية ” ديركو ” .. الجيش النيجر المتوقع منه الحد من سيلان المهاجرين ، يكتفي بدور الحارس المرافق لتلك القوافل العابرة  600km عبر الصحراء .. ويعد مصدر ربح وفير وارتزاق ما يدفعه المهربين لقوات الأمن النيجر مقابلة الحماية وتأمين الطريق لقافلة تناهز 100 سيارة شاحنة .. أجورهم الهزيلة مع الرشاوى المنتزعة من السائقين تفرض على قوات الامن غض الطرف .

  ” مادما ” واحدة من نقاط التفتيش الحدودية بالنيجر .. 100KM إلى الجنوب من الحدود الليبية ، حيث اقام الجيش الفرنسي قاعدة عسكرية للمراقبة . لكن المهربين يقرون بأن الجنود الفرنسيين يكتفون بالمراقبة ولا يتدخلون .

حسن سوكي ، جندي ليبي من الجنوب ،  تظاهر بأنه مدني بغية مراقبة تدفق المهاجرين ، يقول :  كل من الحكومتين الفرنسية والنيجر تساهم في تفاقم مشكلة المهاجرين .. كثير من الناس في الاتحاد الأوروبي لا يدركون ما يحدث هنا ، وحقيقة أن فرنسا والنيجر وراء ذلك ..  لقد شاهدنا قادة يخرجون من القاعدة للتحدث مع المهربين ، لكنهم لم يوقفوا أي شخص ..  هذه القوات الفرنسية المجحفلة والرابضة هنا ، مع مئات من الأفراد العسكريين والمروحيات والطائرات الحربية .. يمكنها أن توقف أي شيء من عبور تلك الحدود .

      عند المعبر الحدودي Tumo في ليبيا ، اطلال مكاتب للشرطة ، مراقبة جوازات السفر وسلطات الهجرة ، مهجورة منذ عام 2011.

      ضحك مهرب ردا على سؤال حول مراقبة فعالة للحدود مستقبلا  ، قائلا : ” لن تكون هناك قوة قادرة على السيطرة على تلك الحدود الصحراوية الشاسعة .. ولن يتغير شيء .. وسوف يكون دائما الحال عينه .. في الوقت الحاضر التهريب نحو ليبيا بات أقل خطورة وفرصة للعمل .. لن تحتاج لاطفاء الانارة ليلا اثناء سيرك ، ولا الى التسلل عبر مسالك ومسارات معقدة ، ولا انتظار ليلة قمر 14 الشهر .. قلت حوادث السير بعدما طمرت في الماضي الكثير من جثث المهاجرين اسفل المركبات المقلوبة .. المهربين الآن بحاجة فقط لتجنب نقطة عبور الحدود الليبية ونقاط التفتيش عبر الطريق المؤدي إلى مركز التهريب في ليبيا – المدينة الجنوبية التي ينعدم فيها القانون .. سبها .

      قليلة هي فرص العمل وسط الصحراء .. التهريب هو واحد من تلك الفرص المربحة .. و السبيل الوحيد لكسب المال الوفير .. ففي رحلة تهريب لعدد 25 مهاجر .. مكسب مالي عشرة ألاف دولار .. كما ان معظم العمال المهاجرين العائدين يلزمه دفع مقابل اضافي عن احمال البضائع التي هي في العادة يتم شراؤها من ليبيا تلبية لحاجات أسرهم المعيشية .

      ليبيا قدمت فرص عمل مجزية للعمال المهاجرين ، ولكن الآن البلاد معرضة للخطر وعلى حافة الانهيار الاقتصادي ، وعدد قليل المهاجرين يرغب في اطالة اقامته بها ، وجلهم يفضلون بدلا من العودة إلى ديارهم ، تحمل مخاطر أكبر وعبور البحر الأبيض المتوسط ​​.. لكن هذا لن يقلل من عدد الأشخاص الذين يدخلون ليبيا ، لان الكثير من الناس يأملون في الوصول إلى أوروبا .

صيد الذهب .. الحدود الليبية

      منذ عام 2012 .. بدأ الجميع في اوزو يبحث عن الذهب ، حتى كوكي المدير .. ومسؤولين آخرين .. في السنوات الأخيرة تم اكتشاف الذهب .. هل كانت الصراعات التي تقذف بنا هنا وهناك .. كانت لأجل الذهب ؟ من يدري .. لعل الخصوم كانوا مدركين لخيرات تحت اقدامنا .. ونحن فقط من لا يعلم .. اجهزة كشف المعادن للتنقيب عن الذهب تلقى رواجا هنا .. ومتوفرة بكثرة .. كما الزئبق لفصل الذهب من الرمال . طوال تاريخ موغل بالالم .. عشنا ارق الصراعات المسلحة .. وصل المستعمرين الفرنسيين الى تشاد عام 1900 ، وقضوا نحو 35 عاما في تيبستي . وبعد أن غادروا واعلن استقلال البلاد عام 1965 ، عانينا كما منطقة شمال تشاد بأسرها .. ارق 30 عاما من التجاهل .. وسيطرة انجامينا .. وتعاقبت موجات التمرد .. ويوما ما وجدتني مقاتل ضمن فرق المتمردين .. كانت تجربة مريرة تفتحت عيني على اهوالها .. ولا زالت تطاردني .. فأنا لا اتخلى عن سلاحي .. ولن .. ولا استبعد عودة للانخراط بفرق متمردين جدد .

    خلال الحروب المتتالية في تيبستي ، غادر كثيرون نحو الواحات الجنوبية في ليبيا .. الآن ، وبفضل سقوط القذافي وانعدام قيود الجنسية التي تلت ذلك ، العبور إلى ليبيا أصبح أسهل بكثير .

     المنقبين بمناجم الذهب من تشاد وليبيا يعتمدون على حد سواء في إمدادات الغذاء والوقود على ما يأتي من ليبيا .. ومنهم من يأتي الى العمل ممتشق السلاح .. تهريب الاسلحة ايضا هنا .. تجارة رائجة مربحة .. ثمة منافسة بين رجال الجيش التشادي والمنقبين المتمردين .. وكذلك مقاتلوا اقليم دار فور غرب السودان .. الجيش التشادي يتظاهر بالسعي لوقف التعدين وحمى الذهب .. وحالة من التوتر الشديد .. فنحن لا زلنا مستعدون للدفاع عن أنفسنا .

 

  

      كنا ننقب عن الذهب بمنطقة جبل عامر ، أحد مناجم الذهب الضخمة التي أصبحت فيما بعد مسرحا لحرب ميليشيات دار فور .. والجنجويد .. ( جن على جواد ) .

   
     بين اوائل عام 2013 وعام 2014 ، انتقلنا إلى تيبستي .. وفي منتصف عام 2013 ، بلغ مسامعنا العثور على الذهب غربا .. قرب الحدود النيجرية الجزائرية .. وهناك يتم توجيه كل شيء نحو هدف واحد .. ملء الجيوب الخاصة بك بالمال . بحلول سبتمبر عام 2014 .. اعتاد البعض المغامرة بما يملك لشراء سيارة ، قررت وتسعة من رفاقي العودة إلى تشاد .. لكن ما ان اقتربنا من سفوح جبال تيبستي ، تعرضنا لكمين من قبل مسلحين .. قتل اثنان من رفاقي .. واتصلت بصديق من دارفور في ليبيا ، قدم لنا إحداثيات GPS لمخبأ اسلحة كان قد طمره في مكان قريب .. خشية المصادرة من قبل السلطات النيجرية أو القوات الفرنسية التي تجوب شمال شرق النيجر ، ولكن هو الآن ومنذ وقت اختار العيش في ليبيا ، وقال انه لم يعد في حاجة اليها .. عثرنا على سلاح رشاش وقاذفة قنابل صاروخية بالمخبأ ، يسر لنا شق طريقنا نحو تشاد .. دمرنا كل شيء كان في طريقنا .. وانتاب بعض منا ممن فقدوا أقاربهم جوقة غضب عارمة .. أحرقت البيوت والأشجار .

     تتزايد حدة الاشتباكات حول مناجم الذهب في تيبستي بين حين واخر . بعض المسلحين صغار السن .. لا يستطيعون مقاومة الاغراء .. بنصب كمين .. وغيرهم يبحثون عن الذهب بأنفسهم .. لكن الأهم .. ان الذين يعيشون في تيبستي يريدون ببساطة طرد المنقبين الجدد بعيدا .. فقد اصبح وجودهم لا يطاق .. الالاف وهم ينقبون ويحفرون ويعبثون بمراعي الابل .. وهي نادرة .. فالصحراء مقفرة ومواطن الكلأ محدودة هنا .

       الناس هنا يدركون كما في مواطن اخرى مجاورة .. فشل الحكومة التشادية في التصدي .. اذا نقوم بواجبنا على طريقتنا التقليدية .. نتولى حراسة الأرض ، و حماية الغطاء النباتي من جور الاحتطاب ، كما وأشجار النخيل ، والمراعي .. واذا كان الحراس قديما يمتشقون العصي والرماح ، فالحراس الجدد بيدهم السلاح الناري .. منهم من المتمردين السابقين والجنود المسرحين والمنشقين .. وبحوزتهم سيارات مجهزة ، وهواتف تعمل بالاقمار الصناعية .. وان صح التعبير .. فقد شكلوا ميليشيا غير رسمية .

      المنجم الكبيرة على الحدود بين تشاد وليبيا .. تشير التقديرات إلى أن عمال المناجم تجاوز عددهم 40000 على الجانب التشادي وحده .. اقاموا لانفسهم على عجل احياء فقيرة في الصحراء .. تتعيش على ما تجلبه الشاحنات القادمة من ليبيا.

        في منتصف عام 2015، طلبت منهم لجنة wangada مغادرة المكان .. وقطعت عنهم الامدادات القادمة من ليبيا .. 67 من عمال المناجم لقوا حتفهم ، قبل أن يأتي الجيش التشادي ويتولى إجلاء الناجين .

        العديد من عمال المناجم اختاروا البديل المناسب .. عبروا الحدود الليبية .. وجدوا في الجانب الاخر أقل مقاومة لهم .. لا من السلطات المحلية ، ولا السكان المحليين .. وهناك من الليبيين المستفيد من هذه التجارة .. كما وأنهم غارقون في صراعات مريرة .. ومنشغلون .. وجهودهم قاصرة من أجل السيطرة على الأرض والموارد ، وطرق التهريب عبر الحدود.

يوميات مهرب من ” اغاديز ” النيجر

    

    أغاديز النيجر ، هذه البؤرة الاستيطانية وسط صحراء يغطيها التراب قضيت عشرون عاما وأنا اخدش لقمة العيش من وراء قيادة شاحنة صغيرة بيك اب تويوتا .. نقل المهاجرين الذين يأملون في الوصول إلى شواطئ أوروبا ، بات اليوم الاكثر ربحية من أي نشاط اخر .. كل اسبوع ، احشو جوفها بعدد 30 فردا من الأفارقة .. من السنغال وغامبيا ونيجيريا وغيرها ، وخلال مدة أربعة أيام عبر الكثبان الرملية وحقول الحمم البركانية الصخرية اجدني قد بلغت بهم نقطة الوصول .. او التأهب الثاني لمواصلة الرحلة .. فزان ليبيا ، ففي احلامهم امل لا ينطفئ ، وشغف بأن تحين لحظة اخرى ، يوم ان يصعدوا مغامرين على متن مركب لعبور البحر الأبيض المتوسط نحو الشواطئ الباردة والبلاد الغنية .

     رحلة الألف ميل غادرة في غالب الاحيان ، بقدر ما هي مربحة ، القتل ، السرقة والسطو ، من بين ابرز معاطب الطريق ، كما الموت تيها بالصحراء ، لكنني وبعد كل هذا المخاض العسير ، ومنذ خمس سنوات مضت ، تمكنت من ادخار المال الكافي لشراء منزل من خمس غرف .. ولأجل ارساء قواعد مستجدة للحلم بتوسعة تجارتي ، استثمره ايضا كوكالة لإيجار المركبات الجديدة .. ومنه مأوى خشبي لاستضافة المهاجر الى حين دق لحظة الرحيل .

     السفر نحو ليبيا ما عاد مغريا ، بل ولا مربحا كما كان .. وصار تهريب الفقراء ممن يحلمون بالتسلل الى الدول الغنية عبر الجزائر .. رواده اكثر .

      من هنا تهاجر الاموال الضئيلة .. تستنزف قوت يوم الفقراء .. اموال مهاجرة .. الزمن يمر ثقيلا ، يذكرني بمرحلة القرون الوسطى اوج ازدهار تجارة عرفها المكان ، حملتها اسراب قوافل الملح والبشر الرقيق ، المتجهة نحو أسواق البحر الأبيض المتوسط .

      الآن هذه البوابة إلى الصحراء تزدهر مرة أخرى ، وهذه المرة تعود اغاذيز كمركز حيوي يحتضن أكبر موجة من المهاجرين منذ الحرب العالمية الثانية .

       صناع السياسة الأوروبيين يأملون تضييق الخناق على طرق التهريب .. لكن جاذبية المغامرة تستهوي الكثيرون هنا .. رغم كل الصعوبات والمعوقات .

       المهاجرون العابرون لبلادنا يشترون الاشياء ، وتستهلك بضائعنا ، وينشطون اقتصادنا .. والناس هنا يستفيدون من وراء رواج التجارة معهم .. كيف يمكننا أن نوقف ذلك ؟

      من المتوقع أن يمر عبر أغاديز التي لا يزيد عدد سكانها عن 140000 نسمة ، ما يضاهي عددها ويتجاوزه من المهاجرين .. حوالى 150 الف مهاجر .. بزيادة قدرها أربعة أضعاف منذ اندلاع الانتفاضة في ليبيا عام 2011 .

       آلاف المهاجرين غير الشرعيين من شرق وغرب أفريقيا يعبرون صحراء ليبيا ، نحو نقاط انطلاق المراكب المتجهة لأوروبا . وفي عام 2014 .. غادر حوالي 170600 مهاجر عبر الموانئ الليبية .. وعبر اثنين من اكثر المسالك اعتيادا .. فزان .. الكفرة .

       مالي .. السودان .. النيجر .. السنغال .. إريتريا .. نيجيريا .. ساحل العاج .. أثيوبيا .. الصومال .. الدول الاكثر تصديرا للمهاجرين .. وحجم العائدات من المتجهين نحو ليبيا وحدها تجاوز 100 مليون $ هذا العام ، والمسئولين هنا يقدرون ذلك . بل وان بعضهم انخرط في عمليات الاتجار هذه .. وتبدو فرصة الترحال وبلوغ اوروبا الآن وبعد انتهاء حكم القذافي .. اكثر نجاعة .. هذا ساعد على رفع معيشة السكان هنا في بلد يعيش معظم سكانه على أقل من 2 $ .. لقد اعتادوا قبل عقد من الزمان ، نقل امتعتهم على ظهور الماشية ، كالجمال والحمير ، وبين منازل بنيت من لبن الطوب ، تستضئ بنور فتيل شمعة .

       الآن ، الشوارع مكتظة بالدراجات النارية وسيارات البيك أب تيوتا التي يقودها ليبيين ، وفيلل جديدة بنيت من الاسمنت ، وتوجت بالعديد من صفائح الألواح الشمسية وأطباق التقاط الأقمار الصناعية.

اهات جنوبية – 1

DSCF3251

   

    مع إطلالة كل صباح كنت ارقب حضوره في الموعد .. أراه مهتم بفحص مركبته المسلحة ( اربعطاش ونص ) .  يرتدي بزة عسكرية تعبق بفائح التحرر .. موشحه بأنواط وشارات ليبيا الحرة .. ما ان أجد نفسي على مقربة من مسكنه الذي اشتراه حديثا بحي بن عاشور .. يخفق قلبي بلا سابق اندار .. اتطلع إلى التحديق في طلته عن قرب .. ولا يتوانى هو الأخر مبادلتي النظرات .. بريق عينيه الحاد .. ابتسامته الصامتة الكتومة .. قصره المشيد .. تبعث نشوى انتعش بها إلى حين عودتي من المدرسة .. وهناك في عين المكان أجده في الموعد .. هذه المرة وهو يهم بأمور أخرى .. أحيانا بالنداء على عامل الصيانة .. وأخرى بإعطاء تعليمات للغفير والسائق المكلف بالشؤون الشخصية وتسوق مستلزمات القصر على ما يبدو .. وطابع افتعال أسباب وجوده في الموعد تكاد تكون ظاهرة .. بل وأصبحت على ثقة بأنه ينتظرني الان .. كلما حان موعد الذهاب إلى المدرسة مرورا بالحي حيث يقطن حديث العهد .. وموعد العودة .

      صباح الخير … أجد نفسي مضطرة للإجابة وان بهمس محتشم .. ومع الأيام تبعتها بسمات انتهت الى تبادل متوازي ومتوازن .. للكلمات والنظرات والبسمات والهمسات وأحيانا الإيماءات .. لا بل أكثر من ذلك .. تبادلنا أرقام الهواتف .. وصار التواصل بشذى الكلمة أنيس الليل .. حتى بت انتظر الموعد بلهفة وترقب    .

      اشعر انه يحبني إلى درجة الجنون .. تغنى بجمالي وروعة مفاتني .. نظم المواويل وأشعار الزجل .. ولا يمكنني ان اخفي عنه ما أنا عليه .. أفكر فيه .. انتظر طلته .. موعد اللقاء .. وكان لا يخلف موعد النظر والانتظار  .

     ثمة أشياء وأشياء .. اشعر انها تجذبني إليه .. وأكمل حديثه عن بطولات التحرير إزاحة ما تبقى من هواجس .. حدثني عن بطولاته بالجبل ، و99 معركة خاضها ، وعن ليلة تحرير طرابلس .. وكيف هم بالانقضاض على اركان العهد السابق في أوكارهم .. وكم العملات الصعبة بالملايين التي عثر عليها مخزنة بأقبية دورهم .. وكم السيارات الفارهة .. ولم يخفي عني احتفاظه ببعض منها .. كالفيراري الذهبية التي يستخدمها عادة في طلته المسائية كلما اختار المرور أمام منزلنا بحي الظهرة .. زهوا بالانتصار وبليبيا الحرة الجديدة .. ولربما بي .. أنا حبيبته التي لا تخلف الميعاد .. تنتظر لحظة مروره وتراقب من على شرفة شقة العائلة .

     حدثني عن أشياء وأشياء من تلك التي لا يتناولها الإعلام والفضائيات الليبية .. وتأسف كثيرا على أولائك الذين باعوا الوطن وهربوا أركان الطغيان ليقبضوا الملايين .. وعن من سرقوا المؤسسات العامة .. ومن لا زالوا يعبثون ويستفزون سلطات الحكومة .. يتقافزون على المناصب ويقتسمون الهبات والصلاحيات .. وعن دول عربية وأجنبية تدك انفها في كل صغيرة وكبيرة .. وعن تشاؤمه لما ألت إليه الأمور من فوضى وما قد تؤول إليه أحوال ليبيا .. والمصير المجهول .. انه يعرف الكثير مما تحمله الخفايا .

    كان كلما تحدث أضاف إلى حبي له رصيدا أخر .. وعاطفة جياشة تنبض بداخلي ولا تستثني شيء من الحواس والمشاعر .. انه ليس فقط ذلك المحارب العنيد .. ولا الفارس الذي يقدم لفتاته مهرها النفيس ( تحرير ليبيا ) .. انه أكثر من ذلك بكثير .. فهو المكافح الذي قاسى ضنك العيش والعوز والفقر .. هناك حيث ولد وترعرع بـ ( قرارة الحمادة الحمراء ) .. حيث موسم جمع الترفاس موعد الاقتيات لعام مقبل .. وفي سنوات انحباس المطر يصعب حسب تفسيره احتساب السنة في عداد عمر انقضى  .

      يهاتفني في الموعد .. تطول السهرة .. والليل والوجد وكلمات الحب  .. ولتشمل أحاديثنا كل شيء .. بما في ذلك الطبخ واشتهاءه لـ ( بازين بالترفاس وراها طاسة شاهي خضرة تقص المسمار ) ووعدي بتعلم فنونها .. أسوة بـ ( البيتي فور ، والسفنز ) ووعده بمحاولة استساغة طعمها وتذوقها ولربما التعود عليها .. وفي كثير من الأحيان لا يكترث حتى وهو يستأنس ويتسامر وجمع الرفقة والأصدقاء بالبيداء .. وبضواحي العاصمة ومفاوزها .. ليترك سماعة الهاتف مفتوحة .. تنقل لي طرب اللقاء وسمر المحررين .. وأحيانا يشتد به الوجد فيمتطي مركبته ( الاربعطاش ونصف ) .. ويهمس لي قبلها .. الآن وقد جن الليل .. لابد من تحية تخصك .. 50 طلقة في الهواء تعبيرا عن حب نما وترعرع في أجواء الحرية والتحرر .. أجواء ليبيا الحرة  .

     كم يحبني .. وكم أصبحت أنا أحبه أكثر من أي وقت مضى .. وقريبا يجمعنا القصر .. وسأمشى ألهوينا كما يمشي الوجى الوحل .. من حي شعبيات الظهر إلى حي بن عاشور .. حيث قصر حبيبي الذي اشتراه حديثا .. بعد التحرير .. والى ذلك الحين .. انتظر لحظة الغياب عن العالم .. وكل العوالم .. لحظة العناق والارتماء بأحضان حبيب العمر .. في ليلة العمر .. ليلة الزفاف .. عندها يصبح الحلم حقيقة .. وعندها سأردد ما حفظته عنه من أشعار .. ( وتعانقن ارقابنا وايدينا .. كما اتعانقن طيرين بين اغصاني .. شربنا رحيق الحب لين روينا .. وغبنا من العالم لعالم ثاني  ).

 . .

( 2 )

       قلت .. حدثني عن أشياء وأشياء من تلك التي لا يتناولها الإعلام والفضائيات الليبية .. وبلغة العارف بالكثير من الخفايا يكتفي بالإيماء عن البوح الصريح .. ذات مرة سألته عن تصريح الدكتور محمود جبريل الذي اتهم فيه أيدي أجنبية وراء قتل القذافي .. فأجاب : شيء من هذا القبيل .. وأسهب في ذكر الغاز مماثلة .. تهريب شخصيات تعد شفرة الصندوق الأسود للقذافي .. عبدالله السنوسي .. بشير صالح .. وغيرهم من كنزة الأموال وأصحاب النفوذ والعلاقات الممتدة .. وإن في أحيان أخرى لا تغذي إجاباته فضولي .. أو لعله اختار التنكر للحقيقة حفاظا على امن البلاد .. إذ  لا يمكن ان تكون سبب زيارة وزير الدفاع الفرنسي لليبيا حبه للترفاس .. لدرجة النهم والشبق ..  وطالما أحبه .. يبقى ما يقوله الصدق .. بل عين اليقين  .

         لا يهم .. ففي العادة .. التعريج على السياسة  يحوز على قدر قليل من زمن الأحاديث بيننا .. وأنا أيضا لا أفضل إحراجه بالأسئلة .. خطر ببالي ذات مرة ..  سؤاله عن مبرر مكافآت الثوار .. وهل القصد تحويلهم الى مرتزقة بالمال ؟ .. بالطبع .. ترددت .. ولا داعي لهكذا أسئلة .. أحاديث الحب والغرام .. والوله والهيام .. أنجع في تقريب المسافات .. وجبر القلوب الكسيرات .. والتفاؤل بما هو آت .. وتضميد جراح وأهات .. وشهيق وزفير تسكنه عبرات وعبرات .. اختنق بها الفؤاد لعقود وسنوات .. عجاف قاسيات .. ذهبت بلا رجعة .. ولا أسف على ما فات  .

      حبيبي من نوع خاص .. فريد الطبع والطباع .. أحيانا يفضل ان أراه وهو يرتدي البذلة وربطة العنق .. وأحيان أخرى .. زبون وعباءة ( خبخابي ) .. وفي معظم الأحيان البزة العسكرية المرقطة المهيبة .. فلسفته في الحياة .. اختيار اللباس يخضع لطبيعة المشوار .. وكما لكل مقام مقال .. للباس مهمة وغرض دال .. وتمظهر حسب الحال .. البزة العسكرية كلما استدعى الأمر المرور على الكتائب الثورية .. واوآن الوناسة والسهرية .. وربطة العنق  للصباحية .. ومراجعة الدوائر الحكومية .. والعباءة والزبون .. للفترة المسائية  .. مع الفيراري والعطور الفرنسية .. وجولات شوارع العاصمة الرئيسية ..  اما حيث اقطن أنا حبيبته الوفية .. فللمرور اليومي خصوصية .

       لا اخفي عليكم .. لقد همس لي أخيرا انه يود ان يرشح نفسه لعضوية المؤتمر الوطني .. يرى ذلك واجبا أكثر منه رغبة في بلوغ المناصب .. هناك فراغ سياسي ومحاولات اركان العهد المنصرم ملء الفراغ .. ولما لا ؟ أنا أيضا شجعته على ذلك .. وكما يقولون : ( وراء كل عظيم امرأة ) .. كذلك أريد له ان يكون عظيما كما هو الآن وأكثر .. يكفي انه خاض أكثر من 99 معركة بالجبل اختتمها بتحرير طرابلس .. الوجاهة والانتماء الثوري تطغى على كل ما يعتقد الآخرون انها نقيصة تلحقه .. بما في ذلك الكفأة والمعرفة .. ولا ضير .. يكفي انه يجيد القراءة والكتابة فوق كل ذلك الثراء والبطولات .. ويحضى بشعبية واسعة بين زمرة الرفقة والأصدقاء .. فلما لا ؟

      اظن ان الليل تمطى بصلبه وناء بكلكله .. فالى لقاء اخر .. واحاديث  الحب  .. واهات جنوبية .. زمن الترفاس  .. قصة ثائر عظيم من الجبل .. جاب المهاد والوهاد .. والفيافي والقفار .. وكان على موعد مع القدر .. هناك بالعاصمة  .. حيث حي الظهرة وبن عاشور .. وقصة حب نما وترعرع في أجواء ليبيا الحرة .. فأينع وأزهر وأثمر .. عظيم من وراءه عظيمة .

( 3 )

      بالأمس اتصل بي متأخر عن موعده وعلى غير عادته .. توقعت انه حن الى رحلات التقاط الترفاس بالحمادة .. لقد خاب ظني .. كثرت مشاغله حسب قوله .. تبادلنا اطراف الحديث طوال الليل .. عبر عن استياءه من استمرار علاقتنا على هذه الرتابة التي لا تزيد عن تواصل بالكلمة المسموعة عبر الهاتف .. ونظرة عابرة عن بعد .. وانه يرغب في اللقاء والتحاور وجه لوجه .. عش الزوجية لا يبنى من وراء الأستار .. أقنعني بالفكرة .. تواعدنا .. وعلى طريقي الى المدرسة .. كان في انتظاري .. امتطينا الفيراري سويا لوحدنا .. رهبة المغامرة .. والحديث عن قرب .. وأجواء الخلوة .. ألهبت مشاعري .. وبشيء من وخز الضمير .. ساورتني الأسئلة والظنون .. أي سحر هذا الذي يمتلكه ؟ وكيف تولدت كل هذه الجرأة لدي ؟!!.

     هناك على ضفاف ( شط الهنشير ) .. توقفنا نتأمل أمواج البحر المتلاطم .. للمكان سحره .. ضفاف المتوسط  .. وكغيرنا آخرون من أسرى الوجد .. لم نترجل خارج السيارة .. حل الصمت وخرست الألسن عن الكلام .. وبين الحين والحين .. يرمقني بنظرة وبسمة حائرة متوقدة   .. أبادله برمية خجولة مثلها .. ابحث عن فكرة .. عن كلمة تسعفني فلا أجد .. السياسة .. الترفاس .. الثورة .. الحب .. شلت الذاكرة .. وصعب الوصف والسؤال .. وللخروج من حالة الارتباك .. تصنعت البحث عن ( سي دي ) لأغنية تروق لي وتتناغم مع الموقف .. ووجد هو الأخر في الأمر فرصة لتحريك المشهد . فهم بعرض كل ما تحويه خزانة السيارة والمسجل الستيريو .. لم يقصد ملامسة يدي عنوة .. وظلت المسافة بيننا تحتفظ بالزوايا الحرجة .. رغم محدودية حيز المكان .. وفي بعض الأحيان غالبت الأنامل الحواجز .. وأشعلت فتيل الوجد .. بتصادم غير مقصود ، او لعله عناق مع سبق الإصرار والترصد ، سهوا . ( هذه اغنية رائعة النغم والكلمة .. خذي السي دي .. جربي الاستماع إليها ).. تلامس .. تصادم ..  دبت قشعريرة بالجسد كدت أخفيها .. وظل وهجها يلفح لواعجي .. ويبعث الدف بالمحيط .. اما عندما قدم لي طقم الذهب هدية اللقاء الأول .. تحجرت الحناجر .. وتشابكت الأنامل  .. وتجمد الدم في العروق .. وظللنا برهة وقد توقف الزمن .. ولابد لهكذا لحظات ان تجبر بالهمس وعذب الكلام .. وبجرأة .. نطق اللسان بجواهر لحن الغزل والهيام  .. ( حبي ..لا يغلى عليك .. مقامك ارفع مما تحوي الدنيا كنوز) .. ( شكرا حبي ) .. نطقتها بصوت خافت خجول .. كتم صدى وقعها بين جوانحي  .

       بقاء اكثر من ساعتين لم يكن وقتا كافيا وقد تحولت السعات إلى ثواني .. لقد سرقنا الوقت .. وآن اوآن العودة مرغمين .. ولا اعتقد انه سيكون اللقاء الأول والأخير .. إذ أننا لم نتحدث عن أي شيء يتعلق بالمستقبل الآتي ..  لعل اللقاء القادم .. يسعفنا .. إلى ذلك الحين .. انتظر بلهفة .

( 4 )

        ثقيل هذا اليوم .. ملل .. كلل .. تشاؤم .. سأم .. لا ادري ربما قلق تكتنفه هواجس وتساؤلات حول مشوار الأمس .. لكنه كان رائعا حقا في حينه ..  وها أنا أتطلع من وراء النوافذ والشبابيك .. أقف بما يكفي بالشرفة وبما لا يثير فضول الجيران .. ارقب مروره المعتاد بين الحين والأخر .. بموعد وبلا موعد  .

      احرجني فضول مدرسة الرياضيات بالمدرسة صباحا .. لاحظت حالة الشرود الذهني تنتابني على غير العادة .. تساءلت : ما بك اليوم يا فتاة ؟ .. على غير عادتك .. همهمت بكلمات لأظهر براءتي .. بدلت جهدا ضائعا لئلا تدرك زميلاتي ان طيفه يطاردني منذ لقاء الأمس .. وان كان ما بي خارج نطاق السيطرة .. وسوم الملامح .. ترسم صورة الوله والوجد ولا تخفى حتى عن أولئك اللائي لم يخضن التجربة بعد .. لكن ما عساي ان افعل ؟ . 

       حال عودتي من المدرسة تولدت لدي الرغبة في الاتصال به .. ترددت وعدلت عن الفكرة بعد لآي .. لا أريده يشعر بمطاردتي له .. طال انتظاره .. قلبت دفاتري فلم افلح في إضافة فكرة جديدة .. حتى المسلسل التركي المدبلج  الذي أتابعه يوميا .. لم يغذي لهفي ولا اختصر وقت الانتظار .. عين على التلفزيون وأخرى على الهاتف .. لا بل ا ضاف إلى شجوني شجون .. الفكر .. الخيال .. لقد اغتصب كل شيء ..  ما هذا .. لما هو قاسيا إلى هذا الحد ؟ ألا يدرك أنني  أتلهف لسماع صوته !! .. حاولت ان أغفو قليلا .. النوم هو الأخر عصي معاند .. أريد ان اخلد للنعاس . ليهدأ بالي .. ولعل أحلامي تطارد طيفه .. احلام جميل بثينه    :                 وإني لاستغشي وما بي نعسة .. لعل خيال منك يلقى خياليا .

       الساعة التاسعة وثلاث دقائق وعشرون ثانية مساء .. رن جرس الهاتف .. هرعت إلى غرفتي .. أواه .. أواه .. أخير اتصلت .. رغبت أن أعاتبه .. وعدلت عن ذلك .. أريد ان أضفي على موقفي شيء من التمظهر بالثبات .. ( والرزن ).

     قال لي فيما قال .. ان المهام المتتالية أرهقته .. في الصباح الباكر اشرف على تجهيز كتيبتين .. احداهما متجهة الى زوارة – رقدالين .. والاخرى الى سبها .. وفي المساء شارك الاجتماع المنعقد بين الحكومة والثوار لمناقشة ملفات عالقة .. ( ملف الجرحى والنهب والسرقات وإمكانية المسألة وتغيير فوري للجان الاشراف ) ( ملف الجيش الوطني وإمكانية دمج الثوار بوزارتي الدفاع والداخلية وتجميع السلاح ) ( ملف إخلاء الثوار لمقار مؤسسات حكومية كمطار طرابلس .. ومطار معيثيقة .. الدوحة في همس بعضهم ) ( ملف استيلاء جماعات على المنابر عنوة وبالقوة وفق تصريحات وزير الاوقاف ) ( ملف الأموال من عملات نقدية وسبائك الذهب التي سحبها عبدالله السنوسي من مصرف ليبيا المركزي قبل سقوط طرابلس وكم غنم منها الذين سهلوا له الهروب  ، وتصريحات الدكتور قويدر الاخيرة في الخصوص ) ( اتهامات الدكتور البعجة والدكتور جبريل للمجلس الانتقالي والحكومة بالقصور والتقصير والاهمال المتعمد ) ( ارتال حماية الشخصيات وتكاليف الاقامة بفنادق الخمر نجوم ) ( وتمترس اركان العهد المنصرم بمفاصل الدولة ).. الخ .

    ولئلا يسهب في الحديث عن ما ثم التوصل إليه .. قاطعته بلطف .. ( كنت أتوقع انك معزوم عند حد آخر على بازين بالترفاس هههههه ) .. منها إيماءة لما قد يكون على علاقة مع أخرى .. لعلها ابنة العم من هناك ( قرارة الحمادة الحمراء ) .. ومنها أنني انتظر لحظة التواصل لاشتهى سماع كلمات الحب والوله .. لا العسكر والسياسة  .

       أمي تطلبني لمساعدتها باعمال المنزل .. نادت أكثر من مرة .. أهملتها .. ليس هذا وقته ..  ويا لخيبتي .. لم يطل بنا المقام .. ها هو الأخر يشكو التعب .. ويغالبه النعاس .. ليعتذر .. ولا مناص .. إلى اللقاء ( حبيبتي ) غدا .. حقا .. ثقيل هذا اليوم  .

( 5 )

     تتحطم اللغة على أسوار الحب .. تتقلص مفرداتها فلا تعد أوعية مناسبة لصياغة المعاني اللطيفة ووصف المشاعر المرهفة .. عجز اللغة يرهق فرص التعبير ..  التمثيل .. الاستعارة .. كل الاساليب البلاغية تبدو ركيكة  وقلما تلامس  شطحات الوجد .. بؤس اللغة يتمظهر بوضوح وهي تطارد الاحرف والجمل لبناء موشحات الغرام  .

         تعذر قنص الأحرف والجمل  .. لم أجد ما اكتب على ظهر الصورة التي سأهديها له في الموعد .. وعند اللقاء صباح الغد .. لكنني كتبت : ” الإنسان لا يضمن الزمن .. فإن غاب عنك جسدي .. وانقطع وصلي .. وصعب وصفي .. اذكرني برسمي ” .. اخترت أيضا قنينة رائحة تعبق بشذى الياسمين .. اشتريتها خصيصا له .. مع سلسلة عقيق تتدلى على صدري .. تحمل الحرف الأول من اسمه واسمي  .

      فكرت في ان يكون موعد اللقاء مساءا .. وكدت ارتب الأمر مع إحدى صديقاتي الحميمات ، لأتعلل لامي بمهمة زيارتها .. ترددت وعدلت ..  الخطوة تحمل الكثير من التسرع .. لا زلنا في بداية الطريق .. وجسر العلاقة غض .. كما أنني لا أثق بصديقتي للحد الذي يمنعها سرقته مني .. وان كنت أثق فيها في مجمل الأحوال .. وبالطبع لا بد لي من الإفصاح لها بالحقيقة لتتدبر معي وتتستر أوان غيابي .. هي الأخرى رائعة الجمال .. وصية أمي تقول : ” يا مؤمن الرجال .. يا مؤمن الميه في الغربال ” .

        أصبحت أحفظ عن ظهر قلب كل الجمل والعبارات التي نثرها على مسامعي .. صداها يتردد بأذني ووقعها يطرق وجداني .. أتمثلها .. أعيدها .. استهدي بها .. أتأملها مرارا وتكرارا .. لا استثني شيئا منها ، بما في ذلك أخبار الطهو .. وبازين بالترفاس التي يشتهيها .. حتى أنني كلما ولجت دائرة الانترنت لم يغب عني سؤال ( المستشار قوقل ) عن كنهها .. وما الترفاس ؟ .. مواسمه .. انواعه : الأحمر ، الأبيض .. فوائده .. سبل جنيه .. فطر التراب .. وأفضل الطرق لطهوه .. قرأت كل ما كتب عن الترفاس .. حتى انني فكرت بكتابة رواية  ” أحاديث الحب زمن الترفاس ” ..   لا شك ان لكل ما قاله حيز ووقع خاص .. وللأوقات ومواعيدها .. وبين ذلك الكل المترامي .. والوجد المتنامي  .. وما جاد به لسانه الدليق .. يبقى لصدى كلمة ( حبيبتي ) .. ارن كارن المهر .. يزلزل الأركان .. يصعق الاذان  .. يدغدغ الوجدان  .

       اعشق حبيبي حد الثمالة ..  ولم يعدو ابن الملوح ( مجنون ليلي ) الصواب عندما قال :

 لحى الله اقواما يقولون إننا .. وجدنا طوال الدهر للحب شافيا ..

    نعم .. ليس ثمة  شفاء للحب .. الهجر زنزانة .. واد .. انتحار .. من لم يدخل التجربة  فليحتفظ بوصفاته العلاجية .. لا شيء يمكنه ان يقف ليعترض طريق الأحبة  .. سيلقفه سيل جارف لا يعرف المستحيل .. هكذا أنا .. فليحذر الجميع .

       أحيانا أقول متى تنتهي مرحلة الثورة لنلج مرحلة الدولة .. الثورة سرقت حبيبي مني .. وقته وجهده .. اما آن له ان يكرم ويتفرغ لمحبوبته .. الثورة أصبحت ضرة لي .. لا بل اشعر أنني أنا الضرة .. أحب الثورة .. ثم أحبني .. لا لا .. اكره الثورة .. اشعر بحالة من التجردن .. هل الحب يقود الى التجردن ؟ لا ادري .. غدا سأفصح للحبيب عن كل هواجسي .. وسأصارحه .. ( أريدك ملكا لي وحدي ) .. والى ان يحين موعد اللقاء .. يتبختر الزمن .. تتباطأ حركته .. اغنية لسيف النصر تواسي ”  كان الطريق جاباتك .. وجيت شور ديارهم .. سلملي على عيون الغلا .. انشدلي على عيون الغلا .. عيون الغلا .. واخبارهم ” .. وها أنا انتظر واتململ على جمر الوجد .

( 6 )

      نجمت وفكرت كثيرا .. لكني لم اقرأ أبدا .. فنجان يشبه فنجانك .. قالت جارتنا قارئة الفنجان وهي تحدق وتتأمل فنجان قهوتي .. ثم تسألت بدهشة : من هذا الغريب الذي يطوف حولك ؟ تجاهلت !! .. أي غريب ؟ .. لا ادري !! . صمتت برهة .. ابتسمت ونظرت اليّ بريبة .. احذري .. الطريق طويل .. وثمة ما يرهق المسير .. قاطعتها .. لا يشغلني احد ولا أؤمن بالتنجيم .. لا أريدها ان تعبر الى ردهات أسراري وسبر اغواري .. ولا ارغب في سماع من يدعي التنبؤ بالمستقبل . مخبوله هذه المرأة ، تدعي علم الغيب .. لا اكثرت ، تساورني شكوك في كل قول يخالف توقعاتي .. أصدقه في كل حرف وكلمة نطق بها .. احبه ويحبني .. افكر في عرض الموضوع على أمي قريبا ، وفي لقاء الأمس وعدني هو الأخر بمفاتحة والده . وقد تكون والدته ضيفة عزيزة علينا في الأيام او الأسابيع القادمة . لا ادري .. اشعر بتفاؤل يداعب جوانحي .. اكاد اطير .. افكر فيه .. طيفه يلاحقني .. يطاردني حيث أنا .. في يقظتي ومنامي .. لقاء الأمس ، وعوده ، مشاكساته ، ماثلة بخيالاتي .. كان جريئا وعلى غير عادته ، امسك بيدي عنوة ، احرجني حتى كدت اسحبها وما استطعت . ظللنا هكذا طوال اللقاء ، البسمة تغمر شفاهنا ، نتقاذف النظرات الهامسة اشبه بتعاطي القبلات ، ولا انسى كيف حدجني برمية شفاه وهو يودعني . وكأنه يقول لي لا تتأخري عن موعدنا القادم . وها انا انتظر .

( 7 )

كاتبه عليه إزالة ..

ملفك لقسم الهدم درت إحالة…

نبي نقولك…كاتبه عليه إزالة

      رسالة قصيرة من هاتفي النقال أرسلتها الى ابن عمي ( فضيل ) .. وليحدث ما يحدث … الليلة زراتنا زوجة عمي ووالدة فضيل .. تعللت بطول الوحشة ورغبتها في مسامرة أمي .. شيء من التظاهر بواجب الوصل وشيء من ( قصقصة الأحوال ) .. وفوق هذا وذاك أعربت لأمي عن رغبتها في اختياري زوجة لابنها فضيل .. اعرف زوجة عمي ودسائسها القديمة التي كادت ان تقطع الوصل بين اسرتينا .. فلم اترك لها الفرصة لتغتنم الخلوة بأمي او ان تلتهم أذنها .. تظاهرت القيام بواجب ضيافتها .. مرة اقدم لهن الشاي .. واخرى الكعك والمرطبات .. واخرى عطرتها بالبخور البلدي .. واخرى .. وهكذا لم اغب عن مجلسهن .. أتلصص لمعرفة كنه الزيارة وأغراضها .. ندرت أذني لمتابعة همسها ولمزها الى ان قالت : ( ولد عمها اولى بها .. وكما يقولون .. ينزلها من الباصور ) .. كان لوقع كلماتها لفح العواصف وصدى الرعود .. سرى وهج زمهرير بكياني .. تسمرت بمكاني .. تمالكت نفسي قدر ما استطيع .. اعارني الجدار سنده وكأنه ادرك حجم وقع المفاجأة الصعقة .. وعند اقرب مرتبة اسلمت جسدي وارتميت .. وقد فاضت عيناي بانهار الدموع ولبس الكون تاج الأسى والحزن .. أتسأل .. ما الذي يحدث حولي ؟ .. لما انا بالذات ؟ .. كيف له ان يتجرأ على فعلته ؟ .. لست بضاعة .. انا إنسانه امتلك مشاعر وأحاسيس .. أحب واكره .. من قال له أنني أحبه او إنني ارغب مشاركته عش الزوجية ؟ .. أليس من المنطق ان يسألني انا صاحبة الشأن اولا ؟ .. عادات .. تقاليد بالية .. لا اعترف .. ولن اقبل .. سأرفض مهما استدرجوا والدي .. انا سأتزوج من احب .. ومن هو يبادلني ذات الشعور . كدت ان اواجهها في الحين .. وان اعلنها صراحة امامها .. انني احب إنسان اخر وقد تواعدنا المودة وشراكة المستقبل والحياة .. لولا خوفي من تندر أمي واستهجانها لسلوكي .. لكنني لن أنام الليلة .. وسأنتهز الفرصة لأضع أمي امام الأمر الواقع . سأفضي لها غدا صباحا بكل ما يخالجني او لعله الليلة .. سأرمي بين يديها بصورة حبيبي الذي أخفيته عنها .. وقصة حبنا .. حبيبي الذي احب .. والذي لا اقبل لغيره بديل .. ولن يظمئ ولهي سواه .. والى ذاك الحين .. الليلة او الغد .. ها انا انتظر بفارغ الصبر .. لم اجد ما يواسيني ويضمد صبري سوى رسالة إليه .. الى فضيل على هاتفه النقال :

       ( كاتبه عليه إزالة .. ملفك لقسم الهدم درت إحالة… نبي نقولك … كاتبه عليه إزالة  )

( 8 )

      يومان مضت لم تعرف عيناي النوم .. سهر سهاد .. استجدي نزيف القلم ان يرسم كلمة .. استنطق اللغة ان تستجيرني عبارة .. أبى الكلم وتلعثم اللسان .. لقد حدثت الطامة الكبرى ، تفجرت الارض غيضا ، واطبقت السماء برعود قاصفة مزمجرة .. ضاق الصدر والمكان .. ما ان شاع الخبر .. وسري بين الأهل والجيران كسريان النار في الهشيم .. ملعونه .. فاجرة .. من تكون .. قليلة تربية .. يجب معاقبتها .. كيف لها ان تتجرأ بكل صلف ووقاحة وترفض ابن عمها من لحمها ودمها .. واكثر من هذا تستبدله بأخر خطف عقلها ولبها .. الى أين تسير .. يا للعار .. ماذا سيقال عنا .. قال ابن عمي الاكبر شقيق فضيل وهو يتجمهر مع أبناء عمومتي امام منزلنا ، واصوات البارود وقرقعة ( الاربعطاش ونص ) تملأ المكان والزمان بوابل التهديد والوعيد .. من يتجرأ على خطبتها او التلفظ باسمها سيكون مصيره الموت كعقاب أولي .. عليه ان يدرك المصير الذي ينتظره .. ( هي بنات الناس سايبه )  .

        منزلنا تحول لثكنه عسكرية .. حراسات ونفير .. في الداخل أبي الذي يجلس منكفئا على نفسه يداعب لحيته ويعبث بوقارة .. يغالبه التخمين صمتا وهو يبتلع آهات زافرة بالحسرة .. لا يريد ان يرى أمي بالمكان .. نهرها معاتبا إهمالها .. صرخ في وجهها : ( أين كنت .. بنتك فلتت من بين ايديك ) .. يا للهول .. ما الذي يجري .. انتظروني  .

( 9 )

         يا رب هل يرضيك هذا الجفاء .. والماء ينساب أمامي زلال .

     أي جرم هذا الذي أذنبت .. سحب جهاز الهاتف الجوال مني  .. اللابتوب .. قيدت حركتي .. وكمن حشر في زنزانة ضاقت جدرانها .. ونفذ هواءها .. اضع يدي على صحن خدي متهاوية في ركن حجرتي .. تتوارد مشاهد تلفحها عبره  .. ادرك حقيقة واحدة فقط .. ان المحيط  يغلي من حولي .. يؤنبني .. يسخر مني .. وان جميعهم ضدي .. هل سيسمحوا لي بمتابعة دراستي بعد هذا الانقطاع والمنع .. هل سيثقون  بي ثانية ، هل سيسمح لصديقاتي بزيارتي  .. او ان اتواصل معهن .. حصار .. حصار .. وقلوب قاسية لا تعرف الرحمة ترمق وتراقب بحنق شديد .. ماذا لو لم أكن فاتنة الجمال .. هل سيتمسك  ابن عمي فضيل بحقه المزعوم في إرغامي .. هل سيستنفر فرسان القبيلة لرتق شرفهما المهدور يوم ان تعلق قلب ابنة القبيلة الفاتنة بغير أبناءها  ؟ .. يا للهول .. ويا للمفارقة .. ان تكوني جميلة .. فارعة الطول .. بهية الطلة .. ثاقبة النظر .. زاهية الوجنات .. ممتلئة القوام .. نافرة النهد والارداف .. وادعة البسمات .. ان تكوني رائعة الجمال .. فذاك شر مستطير .. تنتظره ازمة لهيبها زمهرير ..  احداثها اشبه بالخلاف على تقاسم وليمة او غنيمة .. ليس لك ان تكوني عضوا في زفة المهرجان .. عبدة مأمورة .. ولعلك سبيه .. تباع وتشترى .. تمنح لمن يدعى الأحق بها .. لما كل هذا الارق والنزق .. أين أنت يا فضيل الذي تدعي قربى الدم .. من ولد ادم .. أتدري ما تفعل ؟ ، كم من كوابيس وآلام  زرعتها واقبرت بها قلوب كسيرة متلهفة للقاء .. يا مفرّق الوجد .. وزارع الألم والشقاق .. عد إلى رشدك واترك تراتيل النفاق  .

        أواه .. أواه .. أين أنت يا حبيبي يا رفيق العمر ؟ .. ومنية الخاطر .. كيف أنت ..  انقطع الوصل وتاهت الأخبار .. ماذا لو اغتالوك اكثر ؟ .. ماذا قالوا لك ؟ .. كيف أوصلوا تهديدهم إليك ؟ .. هل لا زلت تحب من أولجت حياتك  كل هذا العناء ؟ .. والتعب والشقاء ؟ .. أين أنت مني ؟ .. هل قررت التخلي عني في أوج محنتي ؟ اسألك .. اسأل نفسي التي لا تؤانسني بغير التشاؤم والمصير المحتوم ..  كيف لي ان أسمعك صوتي ورأيي .. ؟ كيف لي ان اقول لك وأعيد .. ( احبك ) ولا زلت على العهد .. وسأبقى أتسمر بجمر الوجد في وجه رياحهم العاتية .. سأنتظرك .. سأنتظرك .. سأرفض سبيي .. وسأراهن على الايام ان تأتي بأمل قد كان .. وتضمّد حسرة الوجدان  . سأنتظرك طالما انا لا زلت على قيد الحياة .. مهما طال الزمان  .

( 10 )

      اركض فوق قارعة طريق موحله  .. اشعر وكابوسا مرعبا جاثم على صدري  .. جالسة في الوحل وسط زقاق مقفر .. احس بوطأة السماء فوق راسي ابرقت وارعدت ودوى صوت الصاعقة .. والارض تكاد تفغر فاها لتلتهمني .. خيم الظلام واختلطت صرخات الألم بصيحات الذعر  .. لم اتمالك عن اطلاق صرخات الفزع .. عينيي الهبتها الدموع .. ارتعد واسعل بكل ما في قلبي من قوة .. هنا جن جنون الناس . الى متى يضلون سادرين في الغي .. والى متى تبقى العيون والقلوب مغلقة .. جاءوا في صلف كسيل عرم كاسحا في طريقه كل شيء ..إنهم يودون قتلي .. فرسان القبيلة .. كنت اصرخ بأكثر مما يفعل الاخرون .. ابحث عن ملاذ اختبئ منهم .. أخي الاكبر يشد من ازري ويتوعدهم .. ان من يقترب عتبة المنزل سوف يلقى مصيره .. اخيرا تشتت الجمع وهم يزمجرون .. ويتوعدونني .. خفت اصوات الدوي الذي كنت اسمعه في الشارع .. أمي تغمغم وهي تنظر الى السماء : ( لا حول ولا قوة إلا بالله )  .

      الحيرة تقتلني والرعب يملأ جوانحي .. انا الطريدة وجحافل الصيادين تلحق بي .. وما عساي ان افعل غدا .. اليوم أخي الاكبر اوقفهم عند عتبة الباب . الآن هدأت العاصفة .. أخي يقترح علينا ان نهجر المنزل لفترة من الزمن والى حين عودته .. انه لا يأنس لهم .. ظرف طارئ حدث يفرض عليه الذهاب الى غدامس وحدودنا الغربية .. يقول ان مجاملات  بعض قادة الجزائر لم تثني اخرين عن الحنين الى زمن القذافي .. وانه كقائد ميداني لإحدى كتائب الثوار يعتقد ان تحرشات مدعومة من قبل اسرة القذافي هناك وحاشيتها المحتمين بالجزائر قد تحدث .. قال فيما قال .. بالأمس  فقط صرح الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي أحمد أويحي في خطاب بقاعة حرشة حسان بالعاصمة في إطار الحملة الإنتخابية ( أن الشعب الجزائري يجب أن يكون يقظا، فبعد تدمير العراق وتقسيم السودان وتكسير ليبيا وإدخال مصر في الفوضى جاء الدور الآن على مالي )  .            

    أخي لا يثق في هؤلاء القابعين على سدة هرم السلطة في الجزائر الشقيقة .. اضاف : إننا لا نعرف الجزائر إلا من خلال هذه الوجوه العتيقة التي لا تفارق المشهد رغم الازمات التي تمر بها الجزائر والتي ستأتي عليهم أسوة بغيرهم ، وهو ما يخشونه في بلد النفط والغاز والمعادن .. لا ضير .. ما عساه ان يقول غير ذلك .. انه يخشى الطوفان .. اما الفوضى فهي الطف برا من الاستبداد وحكم العسكر .. ويبدو ان الشعب الجزائري العريق قارب ان يقول كلمته ويجأر في وجه البنادق المصوبه إليه لعقود .. ليبيا ليست فوضى لكنه تفاعل في اجواء الحرية .. ومثل هذه التصريحات تنم عن تصدير لازمات قد تكون ضحيتها وكبش الفداء بلدان الجوار .. لابد له من البقاء هناك لرصد ما يدور على حدودنا الغربية والجنوبية المحادية لبلد الازمات .

       لا ضير ولا خيار اخر .. غدا ستحزم العائلة أمتعتها .. وسأرافق أمي وأبي الى حيث لا يعرف فرسان الليل مكاننا .. ما كل هذه الكوارث التي جلبت لأسرتي لمجرد انني احببت !!! اما الى أين ستمضي بنا الامور فذاك ما تكشفه الايام القادمة .

( 11 )

      ليبيا اليوم اكثر رونقا وبهاء ، اشجار الشارع تتنفس الحرية بعمق وسخاء ، ورائحة الاستبداد الذي ازكم الأنوف ذهبت الى غير رجعة على الأقل هذا ما نزعم .. لكن أسرتي التي اختارت طريق المنفى والبحث عن ملاذ آمن تبدو لي وكأنها استكانت للضيم الى الأبد .. ذاكرتي لا تتسع وبياني عاجز عن الجموح .. وااسفاه .. زخارف حكاياته تسرح بي الى حيث لا احد .. الى فضاءات الوجد والخيال .. اردد كلماته .. لحن نبراته .. مهاد ووهاد .. فراق وبعاد .. وكورقة خريف اصفر لونها ويبست فلم تقوى على التشبث بشجرتها الأم .. الملم مقتنياتي وأسرج حقائبي .. الرحيل .. وانهار الدموع .. وهواجس الوداع .. وداعا يا ارض الحب والحبيب . لقد صحت اشد مخاوفي نكرا ..غابت اخبارك .. فيا ترى اين أنت ؟ وكيف أنت ؟ هل تسمع نجواي ؟

      لقد ترامت الاخبار بافضع النذر .. الثوار يستنفرون قواهم ويتوجهون الى الجنوب .. احداث دامية في الكفرة وسبها .. لا استبعد انه توجه الى هناك .. لقد كان دائما يردد على مسامعي قولته الشهيرة : ” في اوقات الشدة يظهر السمو او تنكشف الضعة ”  .

     ( شينك نقه .. فيه انتمنى وما اقدرت انطقه .. متباعد عزيز اليوم ) .. ها قد آنت لحظة الرحيل .. ما اقسى تذكر افراح الماضي .. تواعدنا.. لقاءنا .. زهونا .. كنت اقول لنفسي وأنا افكر بارتباك أنى لي ان ابقى هنا وليحدث ما يحدث .. الرحيل يعني فقدان الأمل في تتبع اخباره .. ليس في طاقتي احتمال ذلك  .

الله الله يا ماضي مضى .. .. زهينا ايام ومعانا الحبيب

وكنا اثنين في مركب غـــلا .. جاته ريح خلاته خريب

      ها هو جارنا الحاج مخلوف متوجه نحو والدي ليودعنا رافعا يديه بحركة لا ارادية الى عمامته . اصلحها وسرح بصره للأعلى ليعلو صوته على الهمهمة المتصاعدة بينهما .. لحيته تنتفض غضبا وسخرية .. اتنصت إليهم بتورية وأنا أهم بوضع أمتعتنا بسيارة والدي .. يتجاذبان الحديث حول الوطن والثورة وما آلت إليه الامور .. منذ زمن بعيد ونحن نعاني التهميش والقهر والجور والجوع ومصادرة الحريات والحقوق على يد القذافي وجلاديه وممارساتهم الهمجية والتعسفية الدكتاتورية والقمعية المقيتة .. قال الحاج مخلوف واضاف : خاض أبناءنا نضالات دؤوبة من أجل الانعتاق والحرية والاستقلال ، واستعادة الكرامة المسلوبة والمستباحة ، وقدموا في سبيل ذلك الغالي والنفيس على مذبح الحرية والانعتاق والتقدم والديمقراطية ، وأنجزوا حزمة من المكاسب والانتصارات . لكن ما نلاحظ اليوم أننا منينا بالانتكاسات والعثرات والإخفاقات خلال مسيرة ما بعد التحرير الطويلة والشاقة . وبات بناء المستقبل الافضل اشبه بحلم قصي . وكذا الدولة العصرية المتحضرة المدنية الديمقراطية ، دولة العدل والمساواة بين الجميع من أبناء الوطن . تحترم أرادتهم وخياراتهم من خلال المؤسسات والقانون  .

         كل يغني على ليلاه .. الحاج مخلوف يتألم لحال وطن يسكنه ، وأنا اتألم لحال وجد يرهقني .. ولئن عبر عن تأوهات تؤلمه فذاك افضل حالا مني وأنا اطوي ما في سريرتي كمدا واساطير وتقاليد بالية تجبرني على الصمت ، وتلحق العار بالثورة في داخلي  .

       ادعياء الثورة يرفضون الانتفاض والثورة .. الثورة على زمن الأسى الماضوي .. زمن الحرملك .. لا اخفي انني بالأمس سررت بصدور قانون يجرم من يرفعون عقائرهم بالكلام على المجلس الانتقالي واعضاءه .. نكاية بهم .. رغم ان القانون يعود بنا الى نقطة الصفر وحيث كنا .. ويسفه كل ذلك العنف الثوري لاقتناص الحرية .. الحرية التي كنت اتمنى ان انعم بها انا ايضا كامرأة .. رحماك نزار .. يا شاعر المرأة .. ليتهم يسمعون .. ليتهم يدركون  :

لماذا لا يكون الحبُّ في بلدي

طبيعياً ..

كأيةِ زهرةٍ بيضاء ..

طالعة من الصخر..

طبيعياً ..

كلُقْيا الثغرِ بالثغرِ ..

ومنساباً

كما شَعْري على ظَهْري …

لماذا لا يحبُّ الناسُ .. في لينٍ وفي يُسْرِ ؟

كما الأسماكُ في البحرِ ..

كما الأقمارُ في أفلاكها تجري..

لماذا لا يكون الحبُّ في بلدي ؟

ضرورياً ..

كديوانٍ من الشعرِ ….

لماذا لا يكون الحبُّ في بلدي ؟

ضرورياً ..

كديوانٍ من الشعرِ

( 12 )

         ليومين خلت غادرنا طرابلس ووصلنا هنا الى بني وليد .. لدينا أقارب وأصدقاء والدي هناك ، لكن المقام هنا أيضا لن يطول ، الأخبار المترامية تفيد بان الجيش الوطني والثوار يتأهبون  لاقتحام المدينة والقبض على الكثير من مجرمي الحرب المختبئين هناك ..  والألسن تلوك كلام عن سيطرة اركان العهد الماضي وكتائبه المدججة بالمرتزقة الأفارقة  على الواحة  .. وقد ارتدوا لحاف الثورة والثوار ، وشكلوا كتائب تتستر بعلم الاستقلال . وما يقال عن تحرير المدينة خال من الصحة  .

        بكى احد أصدقاء والدي الذين استضافونا بالواحة ونحن نهم بالرحيل .. وتلعثمت الكلمات في أعماق حلقه  .. اما والدي وقد ضاعف الغضب ضلعه تمتم بصوت كليل ” سنتجه جنوبا نحو فزان ” . وكان من بين الحضور ساعة الرحيل عدد لا بأس به من أصدقاء الأسرة وأبناءهم وبناتهم .. الشاب ( هيثم ) ولفرط انزعاجه حدجني بنظرة ثاقبة قرأت في عينيه وقد اغرورقت بالدموع لفحة هوى اصابته نحوي ..  انه شاب خلوق ، وسيم القسمات ، رقيق الملامح ، بدوي الطله .. لا اخفي ان فيه الكثير مما يذكرني بصورة حبيبيي المفقود ( رعد ) .. لاحقني بنظراته طوال مشهد الوداع شارد الذهن ..  وكنت مثله على استحياء ، اشعر وكأننا على فلك ، نعوم معا او نغرق معا .. مسحت انا الاخرى خدي بديل ثوبي ، لقد آنت لحظة الفراق .

      يحدوني الانزعاج .. عشية الحوادث الجسام واللحظات العصيبة .. صرخات الكرب وأمارات التفجع تعلو وجوه الكثير من أهل الواحة ، مذهولين مجفلين وهم يهمون بالمغادرة قبل ان يقرع القدر بابهم .. صيحات الأطفال بين الفينة والفينة وحدها تبعث الحياة وتذكرنا بأجواء الأمن والوئام .  وها هو شيخ مسن وقد أماط اللثام عن وجهه ، وبرزت لحيته الكثة ، وادار عمامته التي كان قد لاتها حول راسه فغطت جبينه الى الحاجبين . وكادت ان تخفي عينيه المحملقة ، يتلو تمتمات وادعية السفر  .

    غادرنا الواحة  ولا ادري بالضبط الى اي درب نسلك .. كل ما هناك اننا ذاهبون الى فزان .. لك ان تتدبر معي كيف لي التأقلم هناك .. صحراء فزان المقفرة والمناخ القاسي المتطرف .. أين انا من كل هذا العناء ؟.. لقد كان القدر اشد تقلبا من جلد الحرباء  .

     تتوالى الصور وتتوارد ..  تخامر ذهني في اليقظة والمنام ..  بعض الهمهمات التي لا طائل لها تزفر بها شفتاي . اين انت يا ( رعد ) .. وكيف انت ؟ المسافة بيننا تزداد بونا وتمتد .. فزان ليست هنا .. وجدار الصمت يواكب سير المركبة وهي تتجه جنوبا .. يا للوعتي .. هل ستعود بنا الايام  لتضمد جرح دامي ، وقلب كسير اضناه السفر والفراق وارق التنقل والنفاق  .. اين عمرى من ليل طويل ،  ودموع لا تكف تنهمر بالوجد والصمت والغليل  ؟.

وداعا يوسف .

11301481_701691403291762_2052971937_n

        السبت 27  مارس .. لقاء الوداع .. عزاء عمتي الزهرة .. عن عمر ناهز التسعين ..  رحمها الله .. بعد صلاة المغرب .. باحة مسجد الظهرة طرابلس  .. عمي .. آه يوسفو .. اهلين .. متى وصلتم .. هذا المساء .. قدمنا برا .. ورفيقي يوسف .. عانقت يده يدي طويلا .. وانتحينا جانبا ثلاثتنا  .. حواديث عن الاهل  .. وسبها .. والزيغن واحتنا .. وفزان  .. يوسف الاخر ابن اختي ..  وملحة الوداع : ( بكرة يا عمي مروحين .. اي توصية ؟ ) .

     –  سلامتكم ..  ولكن لما العجلة ؟ ..  800 كم .. وقضاء سعات محدودة بطرابلس .. والعودة في اليوم التالي .. ارق المسافة .. وغول الطريق .. وتهتمات .. وبوابات .. ابقوا ليوم او يومين ؟

       – ( العزاء .. وعزينا .. وربحنا شوفتكم .. سماح عمو ..  الصبح راجعين لسبها ) ..

      – سلامنا للجميع .. جدد مصافحتي .. وتوارى .

      عمتي الزهرة رحلت عن دنيانا ولم يتحقق لها حلم طاردها لدهر طويل .. منذ عام 1956 غاب شقيقها .. غادر نحو الجزائر .. كانت تتأمل ان تكتحل عيناها برؤيته قبل الممات .

     والآن وقد طال الزمن ، وبلغت من الكبر عتيا ، لم تنطفئ حيرتي ولهفتي علي أخي شقيقي بعد ، كيف هو ؟ وأين هو ؟ وكيف انتهي به المطاف ؟ .

     

    يوسف ابن اخي .. قبل اشهر قليلة احتفلنا به .. يوم نيله اجازة معهد النفط .. طرابلس ..  حضرت وأعمامه .. والأبناء .. احتفالية التخرج بمقر المعهد .. التقطنا الصور .. بباحة المعهد .

   

     مساء امس .. السبت 6 ابريل .. شقيقي الاكبر من واحتي الزيغن .. بالجنوب .. على الهاتف .. قبل قليل .. الساعة الخامسة والربع هذا المساء .. يوسف رحل .. رصاصة غادرة .. اغتالته .. حي الثانوية سبها .. كان في طريق عودته من صلاة العصر .. المنزل على بعد خطوات عن المسجد .. كالعادة .. صحبة والده .. اخي الاكبر .. تلاها وقفة يوسف المعتادة ورفاقه ابناء الحي .. ناصية الشارع .. المصلين كل في طريق العودة لمنزلة ..  هذا راجلا .. وأخر يمتطي مركبته .. في الجوار .. سيارة تيوتا لبوة .. اتم مالكها صلاته .. وما ان هم بفتح الباب ..  سيارة مترصدة على مقربة منه .. تمطر صدره ورأسه وجسده .. وحيث هو .. وابل من رصاص منهمر .. تدفق  كريح عاصف .. وسيل جارف .. التهم كل شيء .. وكأنه رصاص من نوع اخر .. لم يكتفي بتمزيق جسد واحد .. ما ان يجهز عليه .. يخترق جدار اللبوة .. ويبحث عن مستقر .. اخر .. ليمزقه .. حوائط الجدران التهبت .. وما لم تحرق ناره الجدران ..  اشفى غليله بجسد يوسف .. رحل يوسف مضرجا بالدماء .. ورحل الشاب مهند صاحب اللبوة اشلاء .

يوسف

   

    محمد .. ابن اخي الآخر .. رفيقه وصديق يوسف .. هو الان بالمستشفى .. جرح غائر بالفخذ .. واقل منه بالفخذ الاخر .. وشظايا حفت الجبهة  .. ورصاصة اخترقت البطن واستقرت .. الطبيب يرى ان لا خوف من بقائها مؤقتا .. ينسى ألالام جسده  .. فقد يوسف .. وهول اللحظة ..  لا يفارقه .

    يوسف الذي حلم مهندسا نفطيا .. رحل مبكرا .. لحظة الاجازة .. لم يتحقق حلمة .. وعمتي الزهرة انتظرت حتى سن الثمانون  .. ليتحقق حلمها .. ولم يتحقق .

   الوقت الآن متأخر .. غرب النهار .. ما ادراك والسفر بالليل .. لنؤجل سفرنا حتى الصباح .. اغمض عيني .. احبس انفاسي .. تغالبني دمعة .. مضى الليل ثقيلا .. قلق مضجعي ، وطال ليلي ، وقل انسي ، واشتدت وحشتي ، وبعد سروري .. وكأن الدهر ناصبني وقذف بي فجاج الارض ومخارمها ..  ابت غفوة مداهمة الجفون .. الساعة الثامنة صباحا .. موعد بدء السير .. طريق العزيزية غريان .. ( غير آمن ) .. لوحة ارشادية رصيف الطريق .. طريق السبيعة .. غريان .. البديل .. والتفافة طويلة حول العاصمة .. بحثا عن مسلك للخروج نحو فزان .

      السبيعة .. بن غيلان .. القواسم .. غريان .. الاصابعة .. توقفنا للتزود بالوقود .. ركن محطة الوقود المنعزلة .. شيخ مسن يدير محل تجاري للمواد الغذائية .. ولوازم الطريق الطويل الذي ينتظرك .. وبوابات .. ومطبات  .. عبرنا واحة مزدة  .. واحة ابو الغرب ..  وعند واحة القريات ..  اعدنا التزود بالوقود احتياطا .. كنا عند توقعنا .. في واحة الشويرف نقطة التزود القادمة .. مسافة 100 كم .. ازدحام خفيف بالمحطة  .. سيارات تنتظر دورها .. يلزمنا البقاء  .. نصف الساعة او اكثر .. امامنا 300 كم .. لنصل نقطة التزود القادمة .. واحة براك .. البنزين كاف .. واصلنا سيرنا .. محطة الغيلانية 120 كم .. كما توقعنا .. المضخات متوقفة .. وانتظار سيارات اقل .. واصلنا سيرنا .. عند واحة براك اعدنا التزود بالوقود .. عبرنا بطحاء زلاف .. وعند بوابة قويرة المال .. مدخل سبها .. ادار مقود السيارة يسارا نحو وادي البوانيس .. واحة تمنهنت .. واحة سمنو .. اسامة ابن اخي تولى مهمة قيادة السيارة .. محمد ابني 12 عام .. الجالس بالكرسي الخلفي .. يتطلع من نافدة السيارة ..  والكاميرا بيده .. اختار لنا باقة ذكرى .. صور لمعالم على الطريق .. الساعة الرابعة والنصف ، وصلنا الزيغن .. واحتي .. قبل ساعة من موعد الدفن .. الناس من مدن وقرى وواحات فزان هنا ..  حظروا للمواساة .. قلبي معهم وهم في طريق العودة الى مدنهم وقراهم  .

     لحظات تشييع الجثمان .. مرارة الحرقة .. تكالبت وتزاحمت أسباب الهذيان ..  اهات تتلوها عبرات وزفرات .. غصات القلب وأوجاعه تتكلم … وحالة من الذبول والغثيان جاثمة على الصدر والكيان ..

      حزني عليك أكبر من كلماتي وألمي … من يعزيني فيك . ما احر احتراقي عليك .. ابكاني فقدك احر بكاء .. يا لقلب وجيع .

     لحظة موارته الثرى .. عانقته مرة اخرى ..  جسدا هامدا هذه المرة .. بعد الآن ..  يوسف .. لن تعد تكتحل عيني برؤيته ثانية .. لا حيا .. ولا جثة هامدة ..  غاب في الابدية .. مضرجا بالدماء .. لقد قرع الطبل .. وحان موعد الوداع الاخير .. وداعا يوسف .

DSCF6595 DSCF6610 DSCF6596 DSCF6601 DSCF6604 DSCF6600 DSCF6616 DSCF6615 DSCF6616 DSCF6619 DSCF6627 DSCF6630 DSCF6675

مذكرات مواطن ليبي ( 3 )

DSCF3109 (2)

 

     يصادف اليوم 27 ، نوفمبر, 2011 .. حراك عسكري .. اللواء حفتر يتهم من أداروا معركة التحرير بالمنطقة الشرقية بالقصور وعدم الكفاءة لجهلهم بالعلوم العسكرية .. ويمثل لذلك بمن كان يوجه العمليات من غرفة العقيلة .. جبريل وشلقم واستهجان التدخل القطري في شؤوننا المحلية .. ولواء ينسب اليه الاشراف على ملف الترسانه النووية .. وقصة عبدالقدير خان .. ومليارات ذهبت سدى .. واخر يعتب على تصريحات بوكتف ويطالبه بتقوى الله .. وجمع يلقي بيان سرايا ثوار المنطقة الشرقية .. ينزع الشرعية القانونية عن بوكتف .

      ثوار سوق الجمعة .. في كمين ببني وليد .. اشتباكات ومواجهات .. ورحيل 17 شاب .. شكوك بوجود آلية جديدة .. يعمل ويخطط من خلالها الطابور الخامس .. ومع محمود شمام .. انه لم يعد هناك طابور خامس ولا اثر لازلام القذافي ، الكل اصبح ثوار ، والمجلس بالأمس كان امام مئات او ألاف المقاتلين يفاجأ بقوائم لا حصر لها تحت مسمى ” ثوار ” … وخلاف بين ثوار قصر بن غشير يتحول الى مواجهات .. حول من يقود .

    تحت الرماد .. فرار عبدالله السنوسي بمعونة اخرين .. بعد اعلان القبض عليه .. وثوار الزنتان ينفون اتهامهم المقايضة بسيف الاسلام ويتهمون الطابور الخامس بترويج شائعات لا اصل لها .. وكلام عن فضح سيف الاسلام لممارسات من تعاونوا معه وتصدروا زعامة الثوار .. وسوق لبيع السلاح جهارا نهارا ببنغازي .. جوار مستشفى العيون ، ونزلاء وإدارة المستشفى يشتكون من الازعاج الناجم عن تجريب السلاح والذي طال المبنى في احيان كثيرة . ولا رادع .

    ملف الجرحى الى الواجهة .. الفساد ينخر كل شيء .. المشرفين على اللجان متهمون .. المستشار عبدالجليل يقر بقصور اللجان المشرفة .. الثوار الجرحى ( يا ارض انهدي ما حد قدي ) .. تهجم على السفارات ومداهمة بعضها .. الشرعية ثورية .. .. وعلى مقار اللجان المشرفة على التسفير .. ( شتائم وتهديد ومشاجرات ) .. مصحات تونس تطرد الجرحى لعدم ايفاء المجلس بالتزاماته المالية .. وأخرى ترفع الأسعار .. طالما الدفع مؤجل .. ولجنة متابعة الجرحى توقف عملها بتونس .. لعدم تناغمها ومتطلبات الثوار .. تهديد بالمغادرة والعودة الى ليبيا .. وهو ما لا يحبذونه .. وجرحي ينامون بسيارات الإسعاف .. فلا وجود لمصحة تستقبلهم .. سفارتنا بتونس يصعب مراجعتها .. تزاحم ومعضل شاق .. وجرحى ثم استشفاءهم ولا يودون مغادرة المصحات .. وآخرون استأجروا خارج الفنادق والمقار المستاجرة من قبل المجلس الانتقالي .. منهم محرجين لعدم استيفاء الأجرة .. وتأخر المنح .. وآخرون غادروا الى ليبيا ومنحهم لا تزال جارية .. وآخرون وجدوا فرصة لنزهة .. رغم شفائهم فلا احد يقوى على ردعهم .. وليالي زاخرة بالمشاجرات والصراخ والفوضى العارمة بأماكن سكناهم .. الساعة الحادية عشر .. ليلا ( فندق الهناء .. دار النوار .. الخ .. شيء يحشم ) ولا رادع ( ألف ليلة وليلة ).. وتظاهرات ( ديغاج .. ديغاج ) .. الشرطة التونسية تخشى التدخل وتكتفي بزيادة مراقبيها .. وبلا جدوى .. البوليس التونسي يومك وثانيك .. إودع بالسجن .. ثلاثة ايام ويعود لسابق عهده .. مشرفي اللجان ( مش موضوعي .. طبس عنها تخطاك .. وفرصة العمر تكسيده في تونس ) .. ومدير يداهن فوضوي .. يمنحه 1600 دينار تونسي ليستأجر بعيدا ويغرب .. مع 200 دينار منحة أسبوعية ( غير اقلب وجهك عنا ) .. لكنه يبقى .. هنا وهناك .. تزاحم جرحى الانتظار .. لشهور ولجان اخرى .. لمهمة نقل من يستوجب علاجهم خارج تونس .. لجنة المانيا .. لجنة بريطانيا .. لجنة ايطاليا .. لجنة اليونان .. واتهام الجرحى للجان الفرز بالوساطة ( حمد وحميده ) .. هشم المتزاحمون .. واجهة المقر .. ودرءا للخطر .. اكتفت بقبول الأوراق والتقارير .. وإبلاغ من تتوفر فيهم الشروط وتم قبول ترحيلهم عبر الهاتف .. وحذر ان لا تكون طريقة مستحدثة لتمرير اختياراتهم بأمان .. وحديث عن فيروسات بمصحات تونس .. لفقدان التعقيم الكافي .. والوزير يعتبر الأمر طبيعي ويحدث في كل مصحات العالم .

     شكاوى الجرحى باليونان .. وكلام عن إيداع الجرحى المرحلين من تونس الى المانيا الحجر الصحي .. وعن عدم التنسيق مع المكتب الطبي بالسفارة .. ومدير المكتب يعبر عن استياءه من تجاهل لجنة التعاقد لهم .. اختارت مصحات مبعثرة وبعيدة عن المركز .. حيث العاصمة .. ثمة صعوبة في الإشراف والإطلاع بأخر المستجدات .. وفي المغرب الجرحى أودعوا مستشفى عسكري متواضع .. والتمويل المالي قاسم مشترك ضمن شكوى الجميع .. والمستشار عبدالجليل يؤكد بلغة هادئة إدراكه للمعضل .. ويعد باهتمام أوفر بملف الجرحى .. وان أردنا التماس العذر .. يمكن القول بأن كثير من الجرحى يحتاج علاج نفسي يواكب الجسدي .

مذكرات مواطن ليبي ( 2 )

IMG_20110914_194408

   

      يصادف اليوم 26 ، نوفمبر, 2011 .. احدهم على شاشة التلفاز .. يسخر من وصاية لدولة شقيقة .. يعتب تدخلها في عملية الاختيار .. وبلا همز ولا لمز .. الوزير الكيب .. قادم من هناك .. وكان مقيم بها لزمن .. ” قطرولوجي ” .. حكومة مستوردة .. وما اشيع عن اعتماد الكفاءة عنوان الاختيار .. غير دقيق .. وهل ليس بالداخل كفاءات مطلقا .. بل هي حكومة ” اصدقاء الكيب ” .. اربع شخصيات من أصدقائه اسندت لهم مهام سيادية .. منهم نائب الرئيس .. اظن ان رئيس الوزراء ناله التغابي .. وفقد خارطة التركيبة الاجتماعية .. غاب طويلا .. لم يعاصر التحولات التي شهدها الداخل عن كتب .. التهمه المهجر لزمن طويل .. فأنساه .. وهل عقمت ليبيا ؟

     لما نستكثر على ليبيا ان يحكمها ابناءها ورجالاتها الذين لم يتركوها ؟ .. وأخر يتحفظ لمجرد اقتناء المكلفين جنسيات أجنبية … وثالث يصرخ .. ليست سوى حكومة ” محاصصة ” جهوية .. وثمة اقصاء لبعض المناطق … ورابع يصفها بحكومة كبار السن .. صار الوطن اشبه بحافلات النقل العام .. حيث الكراسي لكبار السن فقط …. وخامس يتهم .. بل حكومة شكلت مراضاة للغرب .

     وتظاهرات واعتصامات في اجدابيا .. وسؤال : اين موقع اجدابيا من الخارطة السياسية ؟ .. عدد سكانها 150 الف نسمة .. لما لا تكون محافظة مستقلة ، وهتاف ” الثورة مستمرة والكيب يطلع بره ” .

     واحتجاجات مماثلة في بنغازي ، عدد خمسة وزراء غير كاف لمعقل الثوار ومهد الثورة طالما يفتقد الحقائب السيادية .. ويرد رفيقه في النضال .. كيف يكون هناك تهميش لبرقة والسيد رئيس المجلس الوطني بعظمه ولحمه وشحمه منها .. أليس هو رئيس الدولة ؟! .. ماذا تريدون والرئيس في جانبكم ومن بينكم ؟ .. حالنا كحال التي كلما اتمت غزلها نقضته مرة اخرى انكاثا .. هذا حديث صيغ في قوالب المنطق الجهوي الصدئة .

     وآخرون يعتبون لإسناد مهام وزراء لأشخاص كان لهم باع طويل في خدمة العهد السابق ، ودعوة للاحتجاج بالعاصمة .. تطالب باسقاطهم .. اخرتها .. بدلا من محاسبتهم .. تمت مكافأتهم .

      وكتب مدون ” اسرق . اسرق .. وفي ليبيا الحرة اربح وزارة هدية .. وبداية القصيدة كفر .. عمار يا ليبيا ” .. تعقيب على كلام منى الليبية من البيضاء ” الجنود لا يبحثون عن بدل مبيت ، المتسكعون وحدهم من يروق لهم النوم في الخمر نجوم .. قاعدة لا تكسرها مرايا ريكسوس .. ولا اضواء كورنثيا .. ولا تلك المظاهرة العقيمة امام فندق تبستي .. خلو الحكومة تخدم خدمتها .. المعايرة السياسية ظاهرة ليبية ، هي حكومة عمل .. ماذا لو منحوا الحكومة فرصتها . صدقوني ستصل الهوتيلات الى بيوتهم .

     وانباء عن احتجاجات في زوارة .. ترفض تهميش قوم الامازيغ .. تمثيلهم بالوزارة محتشم .. بل يكاد معدوم .. وبيان مجلس زوارة المحلي يلطف الاجواء .. وهمس دون جعجعة حول تهميش الجنوب بالكامل .. وتظاهرات نسوية تندد بإجحاف في حق المرأة .. نسبة ضئيلة .. جل الوزراء من الرجال .. وقناة ” ليبيا الاحرار ” .. انتحلت اسم جديد .. ” ليبيا الاشرار ” .. وسفير عين اخيرا بعد رحلة غربة طويلة .. شريد .. ناله الهمز .. يصرخ .. الكفاءات هم من اثبتوا جدارتهم بالخارج .. وفي كل الأحوال .. رضا الجميع غاية لا تدرك .

مذكرات مواطن ليبي ( 1 )

22libya2-master1050-v2

 

     اليوم يصادف 25 نوفمبر, 2011 .. شبح همجي يغزو رأسي وفكري .. أواخر العهد العثماني وإبان تدهور الخلافة وترهل قبضة الباب العالي على المستعمرات .. تفشي الفقر والجهل .. تمزق الفتق .. وصعب الرتق .. تهلهلت سلطة مركز الدولة .. استنفرت بعض القبائل أنيابها .. والتهمت الأكثرية الأقلية .. تستبيح أملاكها ( الفلاقه ) .. ( يقولوا الناس لوله دولة الهمجية ) .. العرب هيمجت .. وعد ارجالك وارد الماء .

 

    كان ذلك مما يحكى .. حدث في الماضي .. تاريخ .. وليس بالضرورة ان يعيد التاريخ نفسه .. وحتى وان تتوافرت العناصر المولدة للحظة الفورة في زماننا .. احيانا اقول .. لعلها ارهاصة .. تجربة جديدة .. مثالب ديمقراطية .. فقدان المناخ الملائم .. الفكرة كنبتة .. عشبة برية تبحث عن بيئة حاضنة كي تزهر .. ويبدو انها لن تزهر قريبا .. ارى غوغائية لا كوابح لها .. ( همجي ) .. ( تهيميج )

 

     تشكيل حكومة مؤقتة .. مهاترات واعتراضات .. والمستقبل الغامض .. وقال اخر .. بل هي حكومة ترضية .. الوزير ” الكيب ” .. لا يمتلك عمليا صلاحية الاختيار .. المجلس هو من شكل الحكومة .. لكن تمة تفاؤل .. اشراك المرأة ، والغاء وزارة الاعلام ، وإقصاء بعض المتصدرين للتيار .. امراء الحرب .. خطوة على الطريق .

 

     صدمتي لا تزال مشتعلة .. انصار المدنية ودولة المؤسسات تقصمهم لفحة نعرة قبلية .. ومطرقة جهوية .. قالوا .. نحن مظلومون .. ودائما مهمشون .. وصدرت قائمة الوزراء .. وقال احدهم .. للاسف الشديد .. كنت انوي ان اجلس للبحث عن المؤهلات العلمية لكل وزير فوجدت نفسي عوض عن ذلك ابحث عن اصلهم واين عاشوا والى اي قبيلة ينتمون .

 

    فعلا .. للأسف ان شباب ليبيا اليوم الواعي والمثقف لا يزال يتبع افكار الاجيال السابقة لأناس يمينيين متطرفين لطالما حلموا بتقسيم البلاد .

مذكرات مهاجر افريقي

get_img

 

 

    انطلقت بنا سيارة بيك اب تويوتا مسرعة .. وصعد معنا 36 آخرين .. بعدما دفع جميعنا اجرة النقل للمهرب .. كانت نقطة الانطلاق مدينة أغاديز شمال النيجر .. نحو ليبيا .. وكنت محظوظ وقد جلست على كومة من الإمدادات والعفش ، وظلت قدماي معلقة تتدلى على الجانب .. كنت اعلم ان السائق لن يتوقف إذا ما سقط أيا منا من على ظهر السيارة . وكان جفاف الحلق والجوع ينهشني . وعيناي تكتوي بلفح الغبار وحبات الرمل التي تبعثرها اطارات السيارة خلفها .. ولمدة ثلاثة ايام من السفر دون توقف سوى للتزود بالوقود وشرب قليل من الماء .. كم كان مضنيا .

      في اليوم الرابع ، تبين ان السائق تاه الطريق  .. تعطلت بوصلة تحديد الاتجاه عن العمل .. وكانت تلك اولى معاطب نكبة التيه .

    لقد سمعنا كثيرا عن العاملون في المجال الإنساني ، وعن مجموعات دولية تتبع أعداد المهاجرين الذين يغرقون في البحر المتوسط اثناء عبورهم إلى أوروبا. وفي العام الماضي فقط ، قدر عدد ضحايا الغرق بنحو 3800 شخص لقوا حتفهم .. ولكن لا أحد احصى كم التهمت رمال الصحراء في جوفها .. وفي غياب الاحصاءات يجد السياسيين فرصة سهلة للتجاهل .. كما وان وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة هي الاخرى ليس لديها بيانات عن كيف يموت كثير من الناس هنا .. في براح الصحراء القاحلة .. حيث لا احد .. ولا تمتلك اية معلومات حول اعداد الموتى . وما يتوفر عدد قليل من قواعد البيانات تفتقد الدقة وغير رسمية ، يحتفظ بها المتطوعون والأكاديميين والمنظمات غير الحكومية ، لكنها تعتمد إلى حد كبير على تقارير توقعات وسائل الإعلام وتكهناتها .. وفي معهد الهجرة الدولية أكسفورد المهتم بالعمل الميداني في الصحراء لأكثر من عقد من الزمان .. بما في ذلك شمال النيجر ، لا توجد اية بيانات .. انها مشكلة .. ويبدو انها تخصنا وحدنا ، فهناك الكثير من الناس يموتون في الصحراء .. يالمثل .. كما الذين يموتون في عرض البحر الأبيض المتوسط ، ولا يمكن إثبات ذلك ، لذلك نستطيع أن نقول ، لهذا .. لا احد يرغب في التدخل .

     بعد يوم من التيه في اتون صحراء جرداء .. نفذ وقود السيارة ، وواجهتنا عاصفة هوجاء .. واضطررنا لتكملة الرحلة مشيا على الاقدام .. وكنا كلما قطعنا مسافة سقط احدنا .. نقف برهة لنودعه .. ونحن عاجزين عن مد يد العون له .. ونمضي في طريقنا .. بحثا عن حبل النجاة .. هائمين على وجوهنا .. دون معرفة الى اي وجهة نحن سائرون ، وفي اليوم الخامس بلغ التعب مداه .. صديقي ورفيقي .. وقع ارضا .. ممددا .. لقد مات .. كم آلمني كثيرا .. كنا قد تواعدنا .. لنشد ايدينا .. ونغامر سويا .. ونرحل .. نعلم حجم المتاعب التي تنتظرنا .. والفكر فيما يلزمنا لقطع المسافات بالبراري المقفرة .. وبوابات وحدود .. ومقارعة امواج المتوسط .. وقوارب مهترئة .. نحجم احيانا عن الفكرة .. لكننا نعود اليها .. فالبقاء هناك .. في اغاديز  .. الموت البطيء .. اقسى وجعا .

     الآن ..  قد فارقني ومات .. فقده يؤرقني .. اثقل حملي .. وما كان مني إلا ان انجو بنفسي طالما اجد شيء من القوة والعزم على مواصلة المسير والترحال .. لقد بلغ التعب مداه بي ايضا ..  قدر لرفيقي انه رحل .. وقدر لي انني نجوت .. لأروي مأساة اجيال . 
مذكرات مهاجر افريقي